Полный текст (283 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾ ولم يقل: (إني لا يخاف مني المرسلون) لأن المرسلين لا يخافون بحضرته، ولكنهم يخشونه ويخافونه كل الخوف، وقد قال ﷺ : "أنا أخشاكم لله" فهو أخوفُ الناس منه، وأخشاهم له.
١٤- قال في النمل: ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ولم يقل مثل ذلك في القصص، لأنه لا يحسن أن يقال: (إنك من الآمنين إلا من ظلم، ثم بدل حسناً بعد سوء..) ولو قال هذا لم يكن كلاماً.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ناسب ذلك قول ملكة سبأ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ . فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودِها للشمس من دون الله، ثم بدّلت حُسْناً بعد سوء، فأسلمتْ لله رب العالمين. فلاءم هذا التعبير موطنه من كل ناحية.
وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضاً، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ .
والحق أن المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى ﵇ حين قتل المصري، وموسى لم يكن كافراً بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيباً إلى ربه بعد ما فعل فعلته: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ وقوله حين فرَّ من مصر: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ وقوله: ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ .
فإن موسى لم يبدّل حُسْناً بعد سوء، ذلك أنه ﵇ لم يكن سيئاً بخلافِ ملكة سبأ، فإنها كانت مشركة، وقد بدّلت حسناً بعد سوء. فما جاء من قوله: ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء﴾ أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.
стр. 107
١٥- قال في النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ .
وقال في القصص: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ .
لقد استعمل في سورة القصص أمر الفعل (سلكَ) الذي يستعمل كثيراً في سلوك السُّبُل فيقال: سلك الطريق والمكان سَلْكاً، قال تعالى: ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً * لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ١٩-٢٠] . ذلك لأنه تردد سلوكُ الأمكنةِ والسبل في قصة موسى في القصص، بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى، وهو مُلقى في اليمّ إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقصُّ أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيلَ إلى العبد الصالح في مدين، وسَير موسى بأهله وسلوكه الطريق إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سَيره بأهله بعد قضاء الأجل، بل إنه طوى كُلَّ ذِكْرٍ للسير والسلوك في القصة. فقال مبتدئاً: ﴿إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ فحسن ذكر السلوك في القصص دون النمل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات في النمل في حين، لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب ذكره في النمل دون القصص.
ومن ناحية أخرى، إن الإدخال أخص من السَّلْك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلْك أو السلوك، قد يكون إدخالاً وغير إدخال، تقول: سلكتُ الطريق وسلكت المكان، أي: سرتُ فيه، وتقول:
стр. 108
سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخالُ أَخصُّ وأشقُّ من السلك والسلوك. فإن السَّلك قد يكون سهلاً ميسوراً، قال تعالى في النحل: ﴿فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ [النحل: ٦٩] ، فانظر كيف قال: ﴿ذُلُلاً﴾ ليدلل على سهولته ويُسْرِه، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾ [الزمر: ٢١] . وهل هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟
فناسب وضع السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا﴾ ومهمةَ التبليغِ إلى فرعون وقومه.
وناسب أن يوضع السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع الإدخال في مقام الأمن والثقة.
وناسب أن يوضع الإدخال، وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخَصُّ من الجذوة، وأن يوضع السلوك، وهو أعمُّ من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس.
فكل لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماماً.
١٦- قال في القصص: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ ولم يذكر مثل ذلك في النمل. و (الرهب) هو الخوف، وهو مناسبٌ لجو الخوف الذي تردد في القصة. ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.
١٧- قال في النمل: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ .
وقال في القصص: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ .
فقد أعطاه في النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل مقامَ ثِقةٍ وقوة وسّع المهمة،
стр. 109
فجعلها إلى فرعون وقومه، ووسَّع الآيات فجعلها تسعاً، ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة، وقلل من ذكر الآيات.
وكل تعبير وضع في مكانه المناسب.
ثم إن استعمال كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة، فقد تردد ذِكْرهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في النمل، ووضع (البرهان) في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة، فناسب كل تعبير مكانه.
١٨- قال في النمل: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ .
وقال في القصص: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ .
فوسّع دائرة التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى بنفسه التي أوضحتها القصة.
ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها، بخلاف ما ورد في القصص.
١٩- قال في النمل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هاذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ .
ومعنى ذلك أن موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة والثقة والتكريم، في حين قال في القصص: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ ، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل. وهو المناسب لجو الخوف في السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام.
وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما هو ظاهر.
والله أعلم.
стр. 110
من سورتي المؤمنون والزمر
من سورة (المؤمنون)
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ .
من سورة الزُّمَر
﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
***
ترى في هذين النصين آيتين فيهما شيء من التلاقي في التعبير وشيء من الاختلاف، وهما قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
وهاهنا ثلاثة سؤالات وهي:
١- لِمَ قال في آيةِ (المؤمنون) : ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ باللام، وقال في الزمر: ﴿مَّيِّتُونَ﴾ من دون لام؟
стр. 111
٢- ولِمَ أكد الموت في آية (المؤمنون) بإن واللام، وأكد البعث بإنَّ وحدها مع أن الموت لا شك فيه، وليس ثمة مُنْكِر له، بخلاف البعث، فإن هناك منكرين له كثيرين؟
٣- لِمَ ختم آية (المؤمنون) بالبعث فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ﴾ ، وختم آية الزمر بالاختصام فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
وللجواب عن السؤال الأول نقول:
لقد أكد الموت في آية (المؤمنون) بإن واللام في حين أكده في الزمر بإن وحدها، ذلك أن سورة (المؤمنون) تكرر فيها ذكر الموت كثيراً، وتعددت صوره وأحواله، بخلاف سورة الزمر. فقد ذكر في سورة (المؤمنون) قوم نوح، وقال: ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ ، أي: سيموتون بالغرق. وقال بعدها: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ، وقال بعدها: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ ، وقال بعدها: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وقال بعد ذلك: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ ، ثم قال بعدها: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ ، ثم قال: ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، وقال بعدها: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ .
في حين لم يَرِدْ ذِكْرُ الموت في سورة (الزمر) إلا مرتين إحداهما في الآية المذكورة وهي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ والأخرى قوله: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ .
стр. 112
لقد تردد ذكر الموت في سورة (المؤمنون) عشر مرات، في حين لم يرد ذكر الموت في سورة (الزمر) إلا مرتين، فاقتضى ذلك تأكيد الموت في سورة (المؤمنون) أكثر مما في (الزمر) .
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إنه لما أكثرَ من الكلام على الموت في (المؤمنون) ، أكثرَ من تأكيده في الآية فجعله بحرفين، ولما قَلَّلَ الكلامَ عليه في (الزمر) ، قلل من حروف التوكيد، فكان كلُّ تعبيرٍ مناسباً لموطنه.
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فنقول: إن النظرة الأولى قد توحي بأنه كان ينبغي تأكيد البعث أكثر من تأكيد الموت، ذلك لأن الموت لا شَكَّ فيه، وأنه لا ينكره أحد، أما البعث فَمُنْكِرُوه كثير، فلماذا إذن أكَّدَ الموتَ أكثر مما أكد البعث؟ لماذا أكد الموت بإن واللام فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ﴾ ، وأكد البعث بإن وحدها، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ .
لقد أثير هذا السؤال قديماً، فقد جاء في (البحر المحيط) : "فإن قلت: الموت مقطوع به عند كل أحد، والبعث قد أنكرته طوائف، واستبعدته وإن كان مقطوعاً به من جهة الدليل لإمكانه في نفسه ومجيء السمع به، فوجب القطع به، فما بالُ جملة الموت مؤكَّدة بإن واللام ولم تؤكد جملة البعث [إلا] بإن؟ ".
إن هناك أكثر من سبب يدعو إلى هذا التعبير منها:
١- إن ما ذكره قبل هذه الآية من خلق الإنسان من الطين وإحكامه وتطويره من قطرةِ ماء إلى أنْ يصير إنساناً عاقلاً منتشراً في الأرض
стр. 113
أكبر دليل على أن إعادته ممكنة ليس في ذلك أدنى ريب، فلا يحتاج بعد هذه الأدلة إلى كبير توكيد.
جاء في (روح المعاني) : "ولم يؤكد سبحانه أمرَ البعث تأكيده لأمر الموت مع كثرة المترددين فيه والمنكرين له، اكتفاء بتقديم ما يغني عن كثرة التأكيد، ويشيد أركان الدعوى أتم تشييد من خَلْقِه تعالى الإنسانَ من سلالةٍ من طين، ثم نقله من طور إلى طور، حتى أنشأه خلقاً آخر يستغرق العجائب، ويستجمع الغرائب، فإن في ذلك أدل دليل على حكمته وعظيم قدرته ".
وجاء في (البحر المحيط) : "ولم تؤكد جملة البعث إلا بإنّ لأنه أبرز في سورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع، ولا يقبل إنكاراً وأنه حَتْمٌ لا بد من كيانه، فلم يحتج إلى توكيد ثان".
٢- إن الإعادة أسهل من الابتداء في منطق العقل، فإن الذي يصنع كل يوم آلاف النماذج لهو أقدر على إعادتها إذا حطَّمها أو أتلفها، ولذا أكَّدَ الخلق الأول تأكيدين، وأكد البعث تأكيداً واحداً فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ فأكَّده باللام وقد. وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ فأكده بإنَّ وحدها، ذلك لأن الإعادة كما ذكرنا أهون من الابتداء في منطق العقل، وإن لم يكن على الله شيء أهون من شيء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . وبذا يكون هذا التعبير أنسب شيء وأحسنه وأعدله.
стр. 114
٣- إن ما ذكره الله من خلق الإنسانه وتطويره حتى صار مخلوقاً على أحسن هيئة، حتى قال رب العزة تعقيباً على خلقه: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ إن ذلك ربما يوحي أنه خلقه للخلود، وأعدّه للبقاء في هذه الدنيا. وأن الموت كأنه خلاف لما أعدّه له، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذلك﴾ ، في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ﴾ ، أي: إنكم بعد كل ذلك من التدبير والإحكام والإحسان في الخلق والتطوير، (وبعد ما ذكر من الأمور العجيبة) ستموتون مما يفيد استبعاد تقدير الموت عليه، ولذا اقتضى ذلك تأكيد الموت.
جاء في (روح المعاني) : "ولما تضمنت الجملة السابقة المبالغة في أنه تعالى شأنه أحكم خلق الإنسان وأتقنه، بالغ سبحانه في تأكيد الجملة الدالة على موته، مع أنه غير منكر لما أن ذلك سبب لاستبعاد العقل إياه، أشدَّ استبعاد حتى يوشك أن ينكر وقوعه مَنْ لم يشاهده، وسمع أن الله ﷻ أحكم خلق الإنسان وأتقنه غاية الإتقان، وهذا وجه دقيق لزيادة التأكيد في الجملة الدالة على الموت، وعدم زيادته في الجملة الدالة على البعث".
٤- إن الإنسان كثيراً ما يغفل عن الموت فينشغل بالحياة وتلهيه أمورها عما هو أَولى، ويعمل أعمال من لا يرجو الموت ولا يأمله، فلا يتعظ كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر * حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ [التكاثر: ١-٢] ، وكما قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] . فكأنه نسي حقيقة الموت الذي سيطولُه ولا بد، فهو كأنه منكر له في أعماله،
стр. 115
وإن لم يكن منكراً له في عقله ولسانه، فنزل منزلة المنكر له غير المقرّ به لأن أعماله أعمال المنكرين له والعبرة بالأعمال لا بالأقوال. فأكّده له تأكيدَ المنكرين له لعله يَرْعوي ويتطامن.
جاء في (روح المعاني) : "وقيل إنما بولغ في القرينة الأولى، لتمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنهم نزلوا منزلة المنكرين لذلك، وأخليت الثانية لوضوح أدلتها وسطوح براهينها. وربما يقال: إن شدة كراهة الموت طبعاً التي لا يكاد يَسْلَمُ منها أحد، نزلت منزلة شدة الإنكار، فبولغ في تأكيد الجملة الدالة عليه. وأما البعث فمن حيث إنه حياةٌ بعد الموت لا تكرهه النفوس، ومن حيث إنه مَظنةٌ للشدائد تكرهه، فلما لم يكن حاله كحال الموت، ولا كحال الحياة، بل بَيْنَ بين، أكدت الجملة الدالة عليه تأكيداً واحداً".
وجاء في (البحر المحيط) : إنه إنما بولغ في تأكيد الموت "تنبيهاً للإنسان أن يكون الموت نُصْبَ عينيه، ولا يغفل عن تَرَقُّبِهِ، فإن مآله إليه، فكأنه أكدت جملته، ثلاث مرار لهذا المعنى لأن الإنسان في الحياة الدنيا يسعى فيها غاية السعي ويؤكد ويجمع حتى كأنه مُخَلَّدٌ فيها فنبه بذكر الموت مؤكداً مبالغاً فيه ليقصر وليعلم أن آخره إلى الفناء فيعمل لدار البقاء".
٥- إن الآية لم ترد في سياق المنكرين للبعث، بل هي في سياق المؤمنين العالمين بمقتضى إيمانهم الوارثين للفردوس، فلا يقتضي ذلك تأكيد البعث كتأكيد المنكرين له.
وقد تقول: أفيقتضي هذا السياقُ تأكيدَ الموت؟
стр. 116
فنقول: نعم، فإن المؤمن قد تَعْرِضُ له غفلةٌ ينسى فيها الموت في زَحمة عمله، ولذا قال ﷺ : "أكثروا من ذكر هاذم اللذات". وقال: "كفى بالموت واعظاً". فهو يحتاج إلى من يذكّره بالموت.
٦- لقد أكد الموت هذا التأكيد للدلالة على أن الإنسان، لا يتمكن من الخلود في الدنيا مهما حاول، ومهما بذل من جهد في سبيل ذلك، فإن الإنسان لا بد أن يموت، ولا سبيل إلى الخلود ههنا. فهذا إخبار بأن الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى ما يُخَلّده، وأن محاولاته ستبوء بالفشل مهما حاول.
وهذه الآية قَطْعٌ لأطماعِ الإنسان في الخلود في الدنيا.
٧- إن الموت يستدعي التأمل والنظر، ذلك أن الإنسان يموت ويُمَات، وقد خلقه الله كذلك، وكان بمقدوره تعالى أن يخلقه على غير هذه الحالة، فلا يموت ولا يُمَات. ولو قدر ذلك له لكان هذا أكبر نقمة على البشرية أو من أكبر النقم. تصور جيشاً هائلاً من المجرمين الموغلين في الإجرام، يعجز الخَلْقُ عن إهلاكهم، كيف سيفعلون بالناس الآخرين؟ إننا مع أسباب الموت والإماتة الكثيرة نعاني ما نعاني من المجرمين، فكيف إذا كان هؤلاء أحياء خالدين لا يمكن التخلص منهم؟ كيف لو اجتمع المجرمون من كل العصور، وأخذوا يعيثون ما يعيثون في المجتمعات؟ كيف ترى أصحاب العاهات والآلام الشديدة والمعذبين الذين يتمنون الموت في كل لحظة، ليريحهم مما هُمْ فيه ولا يحصل مُتمنَّاهم هذا؟ أليس الموت نعمة لهؤلاء؟ أليس الموتُ نعمةً لأصحاب النار مثلاً؟ ألا ترى إلى قولهم: ﴿يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] .
стр. 117
ثم انظر أية كارثة تحيق بالبشرية من تكاثرٍ مستمرٍ بلا موت؟ إنه أكبر وأخطر من أي سرطان عُرف أو يُعرف.
ثم انظر كيف يعيش الناس عند ذاك، وما مقدار ما يكفيهم من الغذاء والكساء، وأماكن السكن، أية أرض ستتسع لهم؟ وغير ذلك وغيره من الأمور التي يطول تعدادها.
أرأيت كيف أن الموت من أعظم نعم الله على البشرية في هذه الأرض؟ ألا ترى أن ذلك به حاجة إلى التنويه والنظر في أمره وتأمُّلِ نعمةِ الله فيه، كنعمةِ الخلق والإيجاد، ولذا أكدهما تأكيداً متناظراً، فقد أكد كلاًّ من الخلق والموت تأكيدين وأكد البعث تأكيداً واحداً.
أنا لا أرى نعمة ممقوتة كهذه النعمة، ونعمة مَخُوفةً كهذه النعمة، ونعمة مُحزنة مُبكية مُؤْسيةً كهذه النعمة.
إن توكيد الموت لم يجىء من حيث إنكار وقوعه، فإنّه لا ينكر أحد وقوعه، وإنما جاء من ناحيةِ إنكارِ عدم العمل بمقتضى هذه المعرفة، وعدم تقدير هذه النعمة حق قدرها على البشرية لا على الفرد الواحد بعينه.
٨- ذهب أكثر النحاة إلى أن اللام الداخلة على الفعل المضارع، تُخلصه للحال زيادةً على إفادةِ التوكيد فإذا قلت: (إنه ليكتب) فمعناه: إنه يكتب الآن. أما إذا دخلت على الاسم فلا تخلصه للحال، بل تكون للتوكيد فقط، قيل: ولذا أكد الموت باللام ولم يؤكد البعث بها.
جاء في (البحر المحيط) : "وكنتُ سُئِلْتُ: لِمَ دخلت اللام في قوله: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ، ولم تدخل في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ ، فأجبتُ: بأن اللام مخلصة
стр. 118
المضارع للحال غالباً، فلا تجامع يوم القيامة، لأن إعمال (تبعثون) في الظرف المستقبل تخلصه للاستقبال، فتنافي الحال.
وإنما قلت: (غالباً) لأنه قد جاءت قليلاً مع الظرف المستقبل، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [النحل: ١٢٤] ، على أنه يحتمل تأويل هذه الآية، وإقرار اللام مخلصة المضارع للحال، بأن يقدر عامل في يوم القيامة".
ويبدو لي أن هذا هو الغالب، وليس هو قاعدة مطردة والله أعلم.
مما تقدم يتضح أن تأكيد الموت بإنَّ واللام، وتأكيد البعث بإنّ وحدها له أكثر من سبب يدعو إليه. هذا علاوة على جو السورة التي وردت فيها الآية، واقتضى تأكيد الموت هذا التأكيد بخلاف ما في (الزمر) . فاقتضى ذلك من كل وجه هذا التعبير.
وأمَّا بالنسبة إلى السؤال الثالث، وهو السؤال عن سبب ختم آية (المؤمنون) بالبعث، وختم آية الزّمر بالاختصام فنقول:
إن نهاية كلّ آية تناسب سياق الآية الذي وردت فيه وتناسب جو السورة التي هي فيها.
فإنَّ آية (المؤمنون) وقعت في سياق بَدْءِ خَلْقِ الإنسان وتطوره إلى منتهاه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ .
стр. 119
فأنتَ ترى أن ختام الآيات هذه بالبعث، هو الختمُ الطبيعي، وهو الحلقة النهائية في سلسلة الحياة وتطورها.
أما آية الزمر، فقد وقعت في سياقٍ آخر يقتضي ختم الآية بالخصومة، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
والشركاء المتشاكسون مظنة الوقوع في الخصام، فكان الختم بذلك أمراً طبيعيّاً يقتضيه السياق.
ثم إن جو سورة الزمر شائعٌ فيه ذِكْرُ الخصومات والفصل بين المختلفين، لأن الخصومة تقتضي الحكم والقضاء.
أما جو سورة المؤمنون فشائعٌ فيه ذِكْرُ الموت والبعث.
إن ذكر البعث والحياة الآخرة شائع في سورة (المؤمنون) .
فقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ .
وقال: ﴿وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ .
وقال: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .
وقال: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ .
وقال: ﴿وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ﴾ .
وقال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ .
وقال: ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هاذا مِن قَبْلُ إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
стр. 120
وذكر مشهداً من مشاهد أهل النار: (انظر الآيات ١٠٣-١٠٨) ، ثم قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ .
فأنتَ ترى أن جو السّورة، يشيع فيه ذِكْرُ البعث واليوم الآخر، فناسب ختام الآية جو السورة، علاوة على السياق الذي وردت فيه.
أما سورة الزمر فقد شاع فيها ذكر الخصومات والقضاء والحكم، فقد بدأت السورة، بقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ و (الحكيم) ، صفةٌ قد تكون من الحكم، وهو الفصل في الأمور، أي القضاء كما قال تعالى: ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الحق وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين﴾ [الأنعام: ٥٧] . وقد تكون من الحكمة.
وقال بعدها: ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، وهو واضح في الحكم بين المختلفين. والخصومةُ إنما هي لونٌ من ألوان الاختلاف.
وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
وقال: ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . والقضاء يقتضي اختلافاً وفصلاً.
فأنتَ ترى أن جَوَّ السورة شاع فيه الفصلُ والاختلافُ والخصومات، فناسب ختام الآية جو السورة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لقد ناسب ختام كل آية مُفْتَتحَ سورتها وخاتمتها.
стр. 121
فقد ناسب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ في المؤمنون، مُفْتَتحَ السورة، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ ، ومن لوازم الإيمان، الإيمانُ بالبعث، وناسب قوله في آخر السورة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ .
وناسب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ في (الزمر) مفتتح السورة، وهو قوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، فإن الخصومة تقتضي حكمًا بين المتخاصمين، كما ناسب قوله تعالى في خاتمة السورة: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ ، والقضاء إنما يكون بين المتخاصمين.
فانظر كيف ناسَب ختامُ كل آية من الآيتين، مُفْتتحَ سورتها وخاتمتها، وناسب جَوَّ السورةِ الشائع فيها، وناسب السياقَ الذي وردت فيه. فقد اقتضى المقام خاتمة الآيتين من كل وجه.
ثم انظر بعد ذلك كيف قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ ، فأفردَ النبيَّ عنهم، وجعلهم فريقين، ذلك لأن الخصومة والفصل يقتضيان أكثر من طرف، في حين لم يقتض ذلك في آية المؤمنون، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ بجعلهم فريقاً واحداً، إذ كلهم يُبعثون وبخاصة أن الكلام على الإنسان على وجه العلموم خلقه وتطوره وموته وبعثه. فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه؟
فما أحسن هذا الاختيار في النظم وما أبلغه وأجمله!
стр. 122
من سورتي المؤمنون والمعارج
من سورة (المؤمنون)
﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون * الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ * والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولائك هُمُ العادون * والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أولائك هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
من سورة (المعارج)
﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين * والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولائك هُمُ العادون * والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أولائك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ .
***
هناك تشابه كبير بين النصين، كما أن هناك اختلافاً بينهما كما هو ظاهر:
١- فقد قال في سورة المؤمنون: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ .
وقال في سورة المعارج: ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ .
стр. 123
٢- وقال في سورة المؤمنون: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ .
ولم يذكر ذلك في سورة المعارج.
٣- وقال في سورة المؤمنون: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
وقال في سورة المعارج: ﴿والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ .
٤- وقال في سورة المعارج: ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين * والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ .
ولم يذكر مثل ذلك في آيات المؤمنون.
٥- وقال في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ .
ولم يذكر نحو ذلك في سورة المؤمنون.
٦- وقال في سورة المؤمنون: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، بالجمع.
وقال في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، بالإفراد.
٧- وقال في سورة المؤمنون: ﴿أولائك هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس﴾ .
وقال في سورة المعارج: ﴿أولائك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ .
٨- قال في سورة المؤمنون: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
ولم يقل مثل ذلك في سورة المعارج.
فما سببُ ذلك؟
نعود إلى هذين النصين، لنتلمَّسَ سِرَّ التعبير في كل واحد منهما.
إن آيات النص الأول، هي مفتتح سورة (المؤمنون) ، وارتباطها بآخر السورة قبلها ظاهر، فقد قال تعالى في أواخر السورة التي قبلها: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] . وختمها بقوله: ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة واعتصموا بالله هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾ [الحج: ٧٨] .
стр. 124
فأنتَ ترى من الأمر بالركوع والسجود وعبادة الله، وفِعْلِ الخير وتأكيد ذلك بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ما يتناسب مناسبة ظاهرة مع مفتتح السورة، وما ذكر فيها من صفات المؤمنين من الصلاة والزكاة، وغيرها من الصفات.
لقد ابتدأت السورة بقوله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون * الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ . وفي هذا النص تقرير لفلاح المؤمنين، وإخبار بحصوله في حين كان الفلاح مرجوّاً لهم في السورة قبلها. فقد قال ثمة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فقد أمرهم بالركوع والسجود، لِيُرجى لهم الفلاحُ، وهنا تحقق الفلاح بعد أن فعلوا ما أمرهم به ربهم. فهناك طَلَبٌ وتَرجٍّ وهنا تنفيذ وحصول، فانظر التناسب اللطيف في التعبير، وكيف وضعه وضعاً فنياً بديعاً. فقد بدأ بالأمر والطلب من الذين آمنوا أن يفعلوا ما يأمرهم به ربهم، فاستجاب الذين آمنوا، ففعلوا ما أمرهم به، فوقع لهم الفلاح على وجه التحقيق، ثم انظر كيف طلب منهم ربهم وكيف استجابوا؟
قال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ﴾ ، فناداهم بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث، فاستجابوا واتصفوا بذلك على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة الاسمية (المؤمنون) .
ثم قال: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ ، وقال: ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ ، فاتصفوا بما أمرهم به ربهم على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة الاسمية فقال: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ * والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
стр. 125
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بصيغة ترجّي الفلاح. ثم أخبر أنهم بعد أن قاموا بما أمرهم به ربهم، أن الفلاح قد وقع على جهة التحقيق والتأكيد، فجاء بـ (قد) الداخلة على الفعل الماضي، وهي تفيد التحقيق والتوقع والتقريب. فقد كان الفلاح متوقعاً مرجوّاً لهم، فحصل ما توقعوه وتحقق عن قريب. فما أَسرعَ ما نَفَّذُوا وما أسرعَ ما تَحقَّقَ لهم الفلاح! فانظر كيف اقتضى التعبير (قد) من جهات عدة، وانظر ارتباط كل ذلك بالسورة قبلها.
جاء في (البحر المحيط) في هذه السورة: "ومناسبتها لآخر السورة قبلها ظاهر، لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا﴾ الآية وفيها: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، وذلك على سبيل الترجية فناسب ذلك قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ إخباراً بحصول ما كانوا رَجَوْهُ من الفلاح".
لقد ابتدأ بالصفة التي تستدعي الفلاح، ولا فلاح من دونها وهي الإيمان، وكل ما عداها من الصفات، إنما هي تَبَعٌ لها فإن لم يكن إيمان فلا فلاح أبداً، كما قرر في آخر السورة، فقد قال في أول السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ ، وقال في خاتمتها: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ . فانظر التناسب بين مفتتح السورة وخاتمتها، وانظر التناسب بين هذا المفتتح وخاتمة السورة قبلها.
ثم ذكر أولَ صفة للمؤمنين، وهي الخشوع في الصلاة فقال: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ والخشوع في الصلاة، يعني خشية القلب وسكون الجوارح، وهو روح الصلاة، والصلاة من غير خشوع، جسد بلا روح.
стр. 126
وهو - أي الخشوع - أمر مشترك بين القلب والجوارح، سكونها وتَرْكُ الالتفات، وغض البصر وخفض الجناح. وخشوع القلب خضوعه وخشيته وتذلله وإعظام مقام الرب، وإخلاص المقال وجمع الهمة.
"وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة، هاب الرحمنَ أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يُحَدِّثَ نفسه بشأنٍ من شؤون الدنيا".
وتقديم الوصف بالخشوع في الصلاة على سائر الصفات المذكورة بعده "ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع".
وللبدء بذِكْرِه أكثرُ من سببٍ يدعو إلى ذلك، فهو علاوة على أهميته، وأنه روح الصلاة، مرتبط بما ورد في ختام السورة السابقة من ذكر الركوع والسجود، فقد قال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا﴾ فذكر ركني الصلاة الظاهرين، وههنا ذكر الركنَ الباطن، فاستكمل ما ذكره هناك.
ثم إن السورة مشحونةٌ بجو الخشوع بشقيه سواء ما يتعلق بالقلب، وما يتعلق بالجوارح وبالدعوة إليه بكل أحواله. فقد كرر الدعوة إلى التقوى، والتقوى أمرٌ قلبي، وهي من لوازم الخشوع فقال: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ .
وقال: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ .
وقال: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ . والخشية والإشفاق أمر قلبي، وهما من لوازم الخشوع.
стр. 127
وقال: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ . والوجَلُ أمرٌ قلبي وهو من لوازم الخشوع أيضاً.
وذكر الكفار وذَمَّهم بقوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ ، وهذه الغمرة تمنعها من الخشوع والخضوع والإعراض عما سِوى الله تعالى. وذكرُ القلوب ههنا أمرٌ له دلالته، فلم يقل: (هم في غمرة) ، كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم (الذاريات ١١) بل قال: (قلوبهم في غمرة) والقلبُ هو موطن الخشوع ومكانه، فإن كان هذا القلب في غمرة فكيف يخشع؟
وقال في ذم الكفار: ﴿فَمَا استكانوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ فلم يخشعوا، لأن الخاشع مستكين لربه متضرع متذلل إليه.
وقال: ﴿فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ والاستكبارُ والعُلوُّ مناقضان للخشوع، إذ الخشوع، تَطَامنٌ وتَذلُّلٌ وخضوعٌ لله رب العالمين.
فبدءُ السورةِ بالخشوع، هو المناسب لجو السورة.
ثم إنَّ البدءَ به له دلالةٌ أخرى، ذلك أنه ورد في الآثار، أن الخشوع أول ما يُرفَعُ من الناس، وقد جاء عن عبادة بن الصامت أنه قال: "يوشك أن تدخل المسجد، فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً". وعن حذيفة أنه قال: "أولُ ما تَفقدون من دينكم الخشوع، وآخرُ ما تفقدون من دينكم الصلاة، وتنقض عُرى الإسلام عروة عروة".
فبدأ بما يُرفع أولاً، وختم بما يرفع آخراً، وهو الصلاة، فقال: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ .
стр. 128
ثم انظر كيف جاء بالخشوع بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات ولم يقل: (يخشعون) للدلالة على أنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإن الصلاة إذا ذهب منها الخشوع كانت ميتة بلا روح.
ثم انظر كيف أنه لما وصفهم بالإيمان على جهة الثبوت، وصفهم بالخشوع في الصلاة على جهة الثبوت والدوام أيضاً. فإنه لو قال: (يخشعون) لَصحَّ الوصفُ لهم وإن حصل لحظة في القلب أو الجارحة في حين أنه يريد أن يكون لهم الاتصاف بالخشوع في القلب والجوارح ما داموا في الصلاة.
وتقديم الجار والمجرور (في صلاتهم) على (خاشعون) له دلالته أيضاً، ذلك أن التقديم يفيد العناية والاهتمام، فقدَّمَ الصلاةَ لأنها أَهمُّ ركنٍ في الإسلام حتى أنه جاء في الأثر الصحيح، أن تاركها كافرٌ هادمٌ للدين، وحتى أن الفقهاء اختلفوا في كفر تاركها فمنهم مَنْ قال: إن تاركها كافر وإنْ نطق بالشهادتين.
في حين أنه لو قدم الخشوع لكان المعنى أن الخشوع أهم، وليس كذلك فإن الصلاة أهم. والصلاةُ من غير خشوع أكبرُ وأعظم عند الله من خشوعٍ بلا صلاة، فإن المصلي، وإن لم يكن خاشعاً أسقط فرضه وقام بركنه بخلاف من لم يصلّ.
وقد تقول: وكيف يكون خشوع بلا صلاة؟
فنقول: إن الخشوع وَصْفٌ قلبي وجسمي، يكون في الصلاة وغيرها، ويوصف به الإنسان وغيره. قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمان فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] ، فوصف الأصوات بالخشوع.
стр. 129
وقال: ﴿خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ . فوصف الأبصار بالخشوع.
وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] . فوصف الوجوه به.
وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ [الحديد: ١٦] . فوصف القلب بالخشوع.
وليس ذلك مقصوراً على الصلاة كما هو واضح. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خاشعين للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ١٩٩] .
وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] .
وقال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذل يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
فتقديم الصلاة ههنا أهم وأهم.
وقال بعدها:
﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ .
اللغو: "السقط، وما لا يُعتَدُّ به من كلام وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع". وفي (الكشاف) : "إن اللغو ما لا يعنيك من قولٍ أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه واطّراحهُ".
وقال الزجاج: "اللغو: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يَجْملُ من القول والفعل..
стр. 130
وقال الحسن: إنه المعاصي كلها".
فاللغو جِماعٌ لما ينبغي اطّراحه من قول وفعل. ووضع هذه الصفة بجنب الخشوع في الصلاة ألطف شيء وأبدعه، فإنَّ الخاشعَ القلبِ الساكنَ الجوارح أبعدُ الناس عن اللغو والباطل. إذ الذي أخلى قلبه لله وأسكن جوارحه، وتَطامنَ وهدأ ابتعد بطبعه عن اللغو والسقط وما تُوجب المروءة اطراحه.
جاء في (الكشاف) : "لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمعَ لهم الفِعْلَ والتركَ الشاقَّين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف". ويعني بالفعل الخشوع، وبالترك الإعراض عن اللغو.
والحق أن الخشوع أمرٌ يجمع بين الفعل والترك، ففيه من الفعل جمع الهمة وتذلل القلب وإلزامه التدبر والخشية، وفيه من الترك السكون وعدم الالتفات وغض البصر وما إلى ذلك.
جاء في (التفسير الكبير) : "فالخاشع في صلاته، لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب نهاية الخضوع والتذلل للمعبود. ومن التروك أن لا يكونَ مُلتفتَ الخاطر إلى شيءٍ سوى التعظيم. ومما يتعلق بالجوارح، أن يكون ساكناً مُطْرِقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً وشمالاً".
وما بعده من الصفات المذكورة موزعة بين الفعل والترك، أو مشتركة فيهما كما هو ظاهر.
стр. 131
ولوضع هذه الصفة - أعني الإعراض عن اللغو - بجنب الخشوع له دلالة أخرى، فإن السورة كما شاع فيها جو الخشوع، كما أسلفنا فإنها شاع فيها أيضاً جو الترك والإعراض، وذم اللغو بأشكاله المختلفة.
فمن ذلك أنه قال: ﴿كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً﴾ والعملُ الصالح مناقضٌ للغو وعمل الباطل.
وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ﴾ ، والغمرة هي ما هُمْ فيه من لغوٍ وباطل.
وقال: ﴿أولائك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ، والمسارعة في الشيء ضد الإعراض عنه. و (الخيرات) ضد اللغو والباطل.
وقال في وصف الكفار: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ ، والنكوص هو الإعراض، والهُجْر من اللغو، وهو القبيح من الكلام والفحش في المنطق.
وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ وقولهم: (به جِنة) من اللغو. وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ من الإعراض، إذ الكُرْةُ للشيء، إعراضٌ نفسيٌّ عنه.
وقال في وصف الكفار: ﴿وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ﴾ ، وتَنَكُّبُ الصراط، إعراض عن الحق.
وقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ .
وقال فيهم: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، والطغيان هو الباطل وهو من اللغو.
стр. 132
وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى الله الملك الحق لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم﴾ ، والعبث هو الباطل، وهو من اللغو واللهو، ووصف الله نفسه بالحق، والحقُّ نقيضُ الباطل والباطل من اللغو.
وقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ، والحق نقيض الباطل واللغو والكذب من اللغو في القول، إلى غير ذلك.
فأنتَ ترى أن السورة مشحونة بجو الدعوة إلى الحق وذَمِّ اللغو في القول والعمل.
فوضعُ هذه الآية في مكانها له دلالته في جو السورة، كما هو في الآية قبلها.
ثم انظر بناء هذه الآية، فإنه جعلها اسمية المسند، فلم يقل: (والذين لا يلغون) ، أو (عن اللغو يعرضون) ، وقدم الجار والمجرور ﴿عَنِ اللغو﴾ على اسم الفاعل ﴿مُّعْرِضُونَ﴾ ولكلٍّ سببٌ. فإن قوله: ﴿عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ أبلغ من (لا يلغون) ذلك أن الذي لا يلغو قد لا يُعرض عن اللغو بل قد يستهويه ويميل إليه بنفسه ويحضر مجالسه، أما الإعراض عنه فإنه أبلغُ من عدمِ فِعْلهِ، ذلك أنه أبعد في التَّرك، فإنَّ المُعرض عن اللغو علاوة على عدم فعله ينأى عن مشاهدته وحضوره وسماعه، وإذا سمعه أعرض عنه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] . فهم لم يكتفوا بعدم المشاركة فيه، بل هم ينأون عنه.
ثم إن التعبير باسمية المسند يشير إلى أن إعراضهم عن اللغو، وصفٌ ثابت فيهم، وليس شيئاً طارئاً. وهو مع ذلك متناسب مع ما ذكر فيهم من الصفات الدالة على الثبوت.
стр. 133
وأما تقديم الجار والمجرور (عن اللغو) فهو للاهتمام والحصر، إذ المقام يقتضي أن يقدَّم المُعرَضُ عنه لا الإعراض. فإن الإعراض قد يكون إعراضاً عن خير كما قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ . فتقديم الباطل من القول والفعل ليخبر أنهم معرضون عنه هو الأوْلى. كما أن فيه حصراً لما يُعرَضُ عنه، إذ الإعراض لا ينبغي أن يكون عن الخير، بل الخير ينبغي أن يُسارَع فيه، فتقديم الجار والمجرور ليس لفواصل الآيات فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه بل لأن المعنى يقتضيه أيضاً.
جاء في (روح المعاني) : إن قوله: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ "أبلغ من أن يقال: (لا يلغون) من وجوه: جعل الجملة اسمية دالة على الثبات والدوام، وتقديم الضمير المفيد لتقوّي الحُكْم بتكريره، والتعبير في المسند بالاسم الدال كما شاع على الثبات، وتقديم الظرف عليه المفيد للحصر، وإقامة الإعراض مقام التَّرك ليدلَّ على تباعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وقيلاً وحضوراً، فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه".
ثم قال بعدها: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
إن هذا التعبير يجمع معاني عدة كلها مرادة لا تُؤدَّى في أي تعبيرٍ آخر. فإنه لو حذف اللام من (الزكاة) لكونها زائدة مقوية، كما ذهب بعضهم، أو قدم (فاعلون) على (الزكاة) فحذف اللام أو أبقاها، أو بدل
стр. 134
(مؤتون) بـ (فاعلون) لم يؤدِّ المعاني التي يؤديها هذا التعبيرُ البليغ، وهذا النَّظْمُ الكريم، وهي معانٍ جليلة مرادة كلها.
فإن (الزكاة) اسم مشترك بين عدة معانٍ، فقد يطلق على القَدْر الذي يخرجه المزكّي من ماله إلى مستحقه، أي: قد تطلق على المال المخرَج.
وقد يطلق على المصدر بمعنى: التزكية، وهو الحدث، والمعنى: إخراج القدْر المفروض من الأموال إلى مستحقه.
وقد تكون بمعنى العمل الصالح، وتطهير النفس من الشرك والدنس، كما قال تعالى: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف: ٨١] .
وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾ [الأعلى: ١٤-١٥] .
وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠] . أي: أفلح من طهّر نفسه وخلَّصها من الدنس والسوء.
وهذه المعاني مجتمعة يصح أن تكون مرادة في هذا التعبير.
ذلك أنه يصح أن يكون المعنى: والذين هم يؤدون الزكاة، وذلك على تضمين (فاعلون) معنى (مؤدّون) أو على تقدير مضاف محذوف، أي: والذين هم لأداء الزكاة فاعلون. فأصلُ الكلام على هذا: (والذين هم فاعلون الزكاة) . فالزكاة مفعولٌ به لاسم الفاعل (فاعلون) ، ثم قدم المفعول للاختصاص فصار (الزكاةَ فاعلون) كما تقول: (أنا زيداً ضارب) ، ثم زيدت اللام لتوكيد الاختصاص، وهو قياس مع مفعول اسم الفاعل تقدم أو تأخر، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] . ونسمي هذه اللام لام التقوية. وبهذين التقديرين يكون المقصود بالزكاة اسم العين، وهو المال الذي يُخرج لمستحقه.
стр. 135
ويصح أن تكون (الزكاة) بمعنى التزكية وهو الحدث، أي: فِعْل المزكّي، فيكون (فاعلون) بمعناها فيكون أصل التعبير (فاعلون الزكاة) ومعنى (فعلَ الزكاة) زكّى، أو أخرج الزكاة، كما يقال للضارب فعلَ الضرب.
جاء في (الكشاف) : "الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى. فالعين القدْر الذي يُخرجه المزكّي من النصاب إلى الفقير. والمعنى: فعل المزكّي الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله فجعل المزكّين فاعلين له. ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل. ويقال لمحدثه: فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكّي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلامُ كله.
والتحقيق أنك تقول في جميع الحوادث: مَن فاعلُ هذا؟ فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق. ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأن الخلق ليسوا بفاعليها.. ويجوز أن يراد بالزكاة العين، ويُقدّر مضافٌ محذوفٌ وهو الأداء".
وجاء في (البحر المحيط) : "والزكاة إن أريد بها التزكية صَحَّ نِسبةُ الفعل إليها، إذ كل ما يصدر صح أن يقال فيه فعل، وإن أريد بالزكاة قدر ما يخرج من المال للفقير، فيكون على حذف: أي لأداء الزكاة فاعلون، إذ لا يصح فعل الأعيان من المزكي أو يُضَمَّن (فاعلون) معنى (مؤدون) وبه شرحه التبريزي".
стр. 136
وجاء في (روح المعاني) : "الظاهر أن المراد بالزكاة المعنى المصدري - أعني التزكية - لأنه الذي يتعلق به فعلهم. وأما المعنى الثاني، وهو القَدْرُ الذي يُخرجه المزكي فلا يكون نفسه مفعولاً لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف، أي لأداء الزكاة فاعلون. أو تضمن (فاعلون) معنى (مؤدون) وبذلك فسره التبريزي إلا أنه تُعُقِّب بأنه لا يقال: (فعلت الزكاة) ، أي: أدَّيتها. وإذا أريد المعنى الأول أدى وصفهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريق الكناية التي هي أبلغ، وهذا أحدُ الوجوه للعدول عن (والذين يزكون) إلى ما في النظم الكريم".
وجاء في (فتح القدير) : "ومعنى فِعلهم للزكاة تأديتهم لها فعبَّر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، والمراد بالزكاة هنا المصدر، لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل: يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي: والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون".
ويصح أن تكون الزكاة بمعنى العمل الصالح وتطهير النفس، فيحتمل أن تكون اللام زائدة مقوية دخلت على المفعول به (الزكاة) فيكون معنى (فعل الزكاة) فعل العمل الصالح وتطهير النفس كما يقال: (فعل خيراً، أو فعل شراً) فيكون معنى الآية: (الذين هم فاعلون العمل الصالح وتطهير النفس) واللام زائدة في المفعول ويسمّونها مقوية وهي تفيد توكيد الاختصاص في المفعول المقدم، أي: لا يفعلون إلا ذاك.
ويحتمل أن تكون اللام لام التعليل، أي: يفعلون من أجل الزكاة، أي: هم عاملون من أجل تزكية نفوسهم وتطهيرها والمفعول محذوف، فيكون الفعل عاماً، وهو كل ما يؤدي إلى الخير وتطهير النفس.
стр. 137
جاء في (روح المعاني) : "وعن أبي مسلم أن الزكاة هنا بمعنى العمل الصالح كما في قوله تعالى: ﴿خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١] . واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة، واللام للتعليل والمعنى: والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى، أو يزكوا أنفسهم ... قال صاحب "الكشاف"، معنى الآية، الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير. ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾ [الأعلى: ١٥] . و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] ".
وجاء في (البحر المحيط) : "وقيل (للزكاة) للعملِ الصالح كقوله: ﴿خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ ، أي: عملاً صالحاً. قاله أبو مسلم. وقيل: الزكاة هنا: النماء والزيادة. واللام لام العلة ومعمول فاعلون محذوف. التقدير: والذين هم لأجل تحصيل النماء والزيادة فاعلون الخير".
فالزكاة إذن تحتملُ العبادة المالية، وتحتملُ العملَ الصالح والتطهير والنماء، واللام تحتمل التقوية، وتحتمل التعليل، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو يريد الذين يؤدون الزكاة، ويفعلون العمل الصالح وتطهير النفس ويفعلون من أجل ذلك. ولا تجتمع هذه المعاني في أي تعبير آخر. فلو أبدل كلمة (مؤتون) مكان (فاعلون) لاقتصر الأمر على زكاة المال، ولو حذف اللام لم يفد معنى التعليل، فانظر كيف جمع عدة معانٍ بأيسر سبيل.
جاء في (تفسير ابن كثير) : "الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فُرضت الزكاةُ بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب
стр. 138
والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة.. وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاةُ النفس من الشرك والدنس كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ .. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم".
وتقديم الزكاة للاهتمام والعناية والقصر، أي: لا يفعلون إلا الخير، والزكاة منها.
وقد تقول: ولِمَ لم يقل: (والذين هم للصلاة فاعلون) ، كما قال: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ؟
والجواب: أن إخراج النصاب إلى مستحقه كافٍ لأداء فريضة الزكاة، وليس وراءه شيء يتعلق بها، فإن لم يفعل ذلك فلا زكاة. أما فعل الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود مع هيئاتها الأخرى فليس بكافٍ، بل ينبغي أن يكون مع ذلك خشوعٌ وتدبر وحضورُ قلبٍ وسنن وآداب تكمل هذه الأفعال الظاهرة وتتمها، ولذلك قال ﷺ : "لكَ من صلاتك ما عقلتَ منها"، فاتضح الفرق بينهما.
وقال بعدها:
﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولائك هُمُ العادون﴾ .
قيل: المعنى: أنهم مُمْسِكون لفروجهم على أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
стр. 139
جاء في (البحر المحيط) : " (حفظ) لا يتعدى بعلى.. والأولى أن يكون من باب التضمين ضُمِّنَ (حافظون) معنى ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ".
وجاء في (فتح القدير) : "ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يَحلُّ لهم.. وقيل: إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ. أي: لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل: المعنى: إلا والين على أزواجهم وقَوَّامين عليهم".
إن اختيار هذا التعبير اختيار عجيب، وفيه آياتٌ عظيمة لمن تدبر ونظر. ذلك أنه قال: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ، ولم يقل (ممسكون) أو نحو ذلك مما فسر به. وفي اختيار (الحفظ) سر بديع، ذلك أن الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكونُ حافظاً لنفسه ولفرجه من الآفات والأمراض والأوجاع التي تصيبه، وهي أمراضٌ وبيلة وخيمةُ العاقبة. ومَنْ أرسله في المُحَرَّمات، فإنما يكون قد ضَيَّعه وضَيَّعَ نفسه.
جاء في الحديث: "لم تظهر الفاحشةُ في قوم قط حتى يُعْلِنُوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"
واختيار ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في قوله: ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ اختيار لطيف، ذلك أنه علاوة على ما يفيده ظاهر النص من أن الذي يعتدي على أعراض الناس مَلُومٌ على ما فعل، فإنه يفيد أيضاً أن الذي يبتغي وراء ما ذكر ملوم من نفسه ومن الناس لما يُحدث في
стр. 140
نفسه وفيهم من أضرارٍ وأمراض فهو يلوم نفسه على ما أحدث فيها من أوجاع وعاهات مستديمة، وعلى ما أحدث في زوجه وعائلته. وحتى ولده الذي لا يزال جنيناً في بطن أمه قد يصيبه من عقابيل ذلك ما يجعله شقياً مُعذَّباً طوال حياته، وملوم من المجتمع على ما أحدثه في نفسه وعلى ما يُحْدِثُه فيهم من أمراض معدية مهلكة. فمن حفظ فرجه فهو غير ملوم، وإلا فهو ملوم أشد اللوم.
ثم قال: ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولائك هُمُ العادون﴾ .
و ﴿العادون﴾ هم المعتدون، ومعنى الآية: أن هؤلاء هم "الكاملون في العدوان المتناهون فيه". فإنه لم يقل: (فأولئك عادون) أو (من العادين) بل قال: ﴿فأولائك هُمُ العادون﴾ للدلالة على المبالغة في الاعتداء من جهة أن العِرْضَ أثمن وأغلى من كل ما يُعتدى عليه ويُنال منه، ومن جهة أن هؤلاء هم أَولى مَن يوصف بالعدوان، لأنهم يعتدون على أنفسهم بما يجرّون عليها من وبال وأوجاع وعاهات مستديمة، قد تصل إلى الجنون، ويعتدون على أزواجهم وعوائلهم، بما ينقلونه إليهم من هذه الأوجاع والأمراض، ويعتدون على أولادهم وعلى الجيل اللاحق من أبنائهم، ممن لم يظهر إلى الدنيا بما يُلحقونه بهم من هذه الآفات المستديمة، ويعتدون على المجتمع الذي يعيشون فيه، بما ينقلونه إليه من أمراض معدية مرعبة وما (الإيدز) إلا واحد من هذه الأمراض الوبيلة المرعبة. أفهناكَ عدوانٌ أوسعُ من هذا العدوان وأخطر منه؟
نحن نعرف أن المعتدي قد يعتدي على بيت أو قبيلة، أما أن يمتد العدوان إلى الإنسان نفسهِ وأولاده وزوجه وربما إلى طبيبه الذي يعالجه،
стр. 141
وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأوْلى بأن يوسم صاحبه به.
أفرأيتَ العلو في الاختيار والجلالة فيه، إنه لا يؤدي تعبيرٌ آخر مُؤدَّاه.
إنه لم يقل: (فأولئك هم الضالون) أو (أولئك هم الخاطئون) أو (الفاسقون) ، وما إلى ذلك مع أنهم منهم، لأن هذه الصفات فردية، وليس فيها إشارة إلى العدوانية، كما ليس فيها إشارة إلى الخطر الهائل الذي يحيق بالمجتمع من جراء ذلك.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن ذلك أنسب مع قوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ فإن المعتدي مَلُومٌ على عدوانه أكثر من صاحب الأوصاف التي ذكرناها.
وهناك أمر آخر لاءم بين ذِكْرِ هذه الصفات، وهو أن الصفات المذكورة كلها ذات علاقة بالآخرين، وليست فردية، فالذي لا يحفظُ فرجه، إنما يرسله فيما لا يَحِلُّ له من أفراد المجتمع، وقوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كذلك فإن الملوم يقتضي لائماً، وقد فعل ما يقتضي اللومَ من الآخرين، وقوله: (هم العادون) كذلك. فإن العادي يقتضي معتدى عليه، ولا يسمى عادياً حتى يكون ثَمَّةَ معتدى عليه. فالصفات هذه كلها كما ترى ليست فردية. فانظر التناسب اللطيف بينها.
ثم انظر كيف اختار التعبير عن هذه الصفات بالصيغة الاسمية فقال: (حافظون) و (ملومين) و (العادون) للدلالة على ثبات هذه الصفات. فقوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ، يفيد ثبات الحِفْظ ودوامه وعدم انتهاكه على سبيل الاستمرار، لأن هذا لا ينبغي أن يخرم ولو مرة واحدة.
ومن فعل ذلك على وجه الدوام فإنه غير ملوم على وجه الدوام، أيضاً فإن خالف لِيْمَ على ذلك. والذي يبتغي وراء ذلك، ويلهث وراء
стр. 142
الفاحشة، فهو معتدٍ على وجه الثبات أيضاً، وقد يثبت هذا العدوان، فلا يمكن إزالته أبداً، وذلك ببقاء آثاره على نفسه وعلى الآخرين.
فانظر رِفْعةَ هذا التعبير وجلاله.
ثم قال بعدها:
﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ .
وجهُ ارتباط هذه الآية بما قبلَها ظاهر، إذ أن كلاًّ من الفروج والأمانات ينبغي أن يُحفَظَ، فالفروج ينبغي أن تُحفظ وتصان وكذلك الأمانات. ومن لم يحفظ الأمانة والعهد، فهو مَلُومٌ كما هو شأن من لم يحفظ فرجه. ومن ابتغى ما لا يحلُّ له من الفروج عادٍ، وكذلك الباغي على الأمانة عادٍ ظالم.
وقد قدم الأمانة على العهد، وجمع الأمانة وأفرد العهد. أما جمع الأمانة، فلتعددها وتنوعها فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما يُؤْتَمنُ عليه الشَخصُ من ودائع الناس وأموالهم، ومنها ما يطّلع عليه من أسرار الناس وأحوالهم، ومنها الأقوال التي يسمعها ويُستأمنُ عليها مما لا يصح أن يذيعه منها، ومنها أن يودع شخصٌ أهلاً له عند شخصٍ حتى يعودَ ويقول له: هؤلاء أهلي وصغاري عندك أمانة حتى أعود، أو حتى يكبروا، فهو يتولى أمرهم ويرعاهم، والزرعُ قد تجعله أمانةً عند شخص فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة عند أميرهم ومتولِّي أمرهم، والقضاء أمانة ثقيلة، والشرع أمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
جاء في (البحر المحيط) : "والأمانة الظاهر أنها كل ما يُؤْتَمَنُ عليه من أمر ونهي، وشأن ودين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول
стр. 143
الجمهور ولذلك قال أبيّ بن كعب: من الأمانة أن اؤتمنت المرأةُ على فَرْجها".
وفي الحديث "المؤذّن مؤتمن" يعني: أن المؤذن أمينُ الناس على صلاتهم وصيامهم، فصلاةُ الناس وصيامهم أمانةٌ عنده. وفي الحديث أيضاً: "المجالس بالأمانة" و "هذا نَدْبٌ إلى تركِ إعادة ما يجري في المجلس من قولٍ أو فعل، فكان ذلك أمانة عند مَنْ سمعه أو رآه. والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث"، وفي الحديث: "الإيمانُ أمانة ولا دِينَ لمن لا أمانةَ له". وفي حديث آخر: "لا إيمان لمن لا أمانة له". وفي الحديث: "أستودع الله دينَكَ وأمانتكَ". أي: أهلك، ومَنْ تخلفه بعدك منهم، ومالك الذي تودعه".
جاء في (روح المعاني) في قوله تعالى: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ : "الآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما ائتُمِنُوا عليه، وعوهدوا من جهة الله تعالى، ومن جهة الناس كالتكاليف الشرعية والأموال المودعة والأيمان والنذور والعقود ونحوها. وجمعت الأمانة دون العهد قيل: لأنها متنوعة متعددة جدّاً بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العهد".
وجاء فيه أيضاً: "وكأنه لكثرة الأمانة، جُمعت ولم يُجمع العهدُ، قيل: إيذاناً بأنه ليس كالأمانة كثرة، وقيل: لأنه مصدر، ويدل على كثرة
стр. 144
الأمانة ما روى الكلبي: كلُّ أحدٍ مؤتمن على ما افتُرض عليه من العقائد والأقوال والأحوال والأفعال، ومن الحقوق في الأموال، وحقوق الأهل والعيال وسائر الأقارب والمملوكين والجار وسائر المسلمين، وقال السدي: إن حقوق الشرع كلها أمانات قد قَبِلَها المؤمن وضمن أداءها بقبول الإيمان. وقيل: كل ما أعطاه الله تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عنده، فمن استعمل ذلك في غير ما أعطاه لأجله، وأذن سبحانه له به، فقد خان الأمانة.
فقد رأيت من تَعَدُّدها وتَنوُّعِها وتشعبها، ما يدعو إلى جمعها وليس كذلك العهد، فأفرد العهد وجمع الأمانة. وأما تقديمها على العهد، فلأهميتها كما رأيت، وحسب ذلك أن تكون الشرعَ كله كما مر، وحسبك من ذلك قوله ﷺ : "الإيمان أمانة، ولا دين لمن لا أمانة له". وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له"
وجاء في (فتح القدير) : "والأمانةُ أعم من العهد، فكلُّ عهدٍ أمانة".
أما اختيار كلمة (راعون) مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استُخدم مع الفروج، فله سبب لطيف ذلك أن (راعون) اسم فاعل من (رعى) وأصل الرعي حفظ الحيوان، وتولي أمره وتفقد شأنه.
جاء في (الكشاف) : "والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم وراعي الرعية. ويقال: مَن راعي هذا الشيء؟ أي: مُتولِّيه وصاحبه".
стр. 145
وجاء في (روح المعاني) تفسير (راعون) : "قائمون بحفظها وإصلاحها. وأصل الرعي، حفظ الحيوان؛ إما بغذائهِ الحافظِ لحياته أو بذبِّ العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقاً".
فالرعي ليس مجرد الحفظ؛ بل هو الحِفْظُ والإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه، وتفقد أحواله وما إلى ذلك. وهذا ما يتعلق بالأمانة كثيراً وليس مجرد الحفظ كافياً. فمن ائتمن عندك أهله وصغاره، فلا بد من أن تتفقد أمورهم وتنظر في أحوالهم وحاجاتهم علاوة على حفظهم، وكذلك مَنْ تولى أمرَ الرعية، ونحوه مَن اؤتمن على زرعٍ أو ضرع، وكذلك ما حمّله الله للإنسان من أمر الشرع يحتاج إلى قيام به وتحرٍّ للحق فيما يُرضي الله وما إلى ذلك من أمور لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم.
ثم إن هناك فرقاً آخر بين رعي الأمانة وحفظ الفروج، ذلك أن الفروج جزء من الإنسان، وهي لا تندّ عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية. وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الأمانة، من العادين واللصوص فيضطر إلى تَخْبئتها في أماكن لا ينالها النظرُ ولا يَطُولها التفتيشُ، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها كما ينظر الراعي في أمرِ ما يرعاه. فاختيار الرعي لها أنسب من الحفظ.
ثم إن اختيار كلمة (راعون) بالصيغة الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم يقل: (يرعون) ذلك ليدلَّ على لزوم ثبات الرعي ودوامه وعدم الإخلال به البتة.
следующие страницы →