← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9097

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - كتاب

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (283 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأوْلى بأن يوسم صاحبه به. أفرأيتَ العلو في الاختيار والجلالة فيه، إنه لا يؤدي تعبيرٌ آخر مُؤدَّاه. إنه لم يقل: (فأولئك هم الضالون) أو (أولئك هم الخاطئون) أو (الفاسقون) ، وما إلى ذلك مع أنهم منهم، لأن هذه الصفات فردية، وليس فيها إشارة إلى العدوانية، كما ليس فيها إشارة إلى الخطر الهائل الذي يحيق بالمجتمع من جراء ذلك. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن ذلك أنسب مع قوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ فإن المعتدي مَلُومٌ على عدوانه أكثر من صاحب الأوصاف التي ذكرناها. وهناك أمر آخر لاءم بين ذِكْرِ هذه الصفات، وهو أن الصفات المذكورة كلها ذات علاقة بالآخرين، وليست فردية، فالذي لا يحفظُ فرجه، إنما يرسله فيما لا يَحِلُّ له من أفراد المجتمع، وقوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كذلك فإن الملوم يقتضي لائماً، وقد فعل ما يقتضي اللومَ من الآخرين، وقوله: (هم العادون) كذلك. فإن العادي يقتضي معتدى عليه، ولا يسمى عادياً حتى يكون ثَمَّةَ معتدى عليه. فالصفات هذه كلها كما ترى ليست فردية. فانظر التناسب اللطيف بينها. ثم انظر كيف اختار التعبير عن هذه الصفات بالصيغة الاسمية فقال: (حافظون) و (ملومين) و (العادون) للدلالة على ثبات هذه الصفات. فقوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ، يفيد ثبات الحِفْظ ودوامه وعدم انتهاكه على سبيل الاستمرار، لأن هذا لا ينبغي أن يخرم ولو مرة واحدة. ومن فعل ذلك على وجه الدوام فإنه غير ملوم على وجه الدوام، أيضاً فإن خالف لِيْمَ على ذلك. والذي يبتغي وراء ذلك، ويلهث وراء

стр. 142

الفاحشة، فهو معتدٍ على وجه الثبات أيضاً، وقد يثبت هذا العدوان، فلا يمكن إزالته أبداً، وذلك ببقاء آثاره على نفسه وعلى الآخرين. فانظر رِفْعةَ هذا التعبير وجلاله. ثم قال بعدها: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ . وجهُ ارتباط هذه الآية بما قبلَها ظاهر، إذ أن كلاًّ من الفروج والأمانات ينبغي أن يُحفَظَ، فالفروج ينبغي أن تُحفظ وتصان وكذلك الأمانات. ومن لم يحفظ الأمانة والعهد، فهو مَلُومٌ كما هو شأن من لم يحفظ فرجه. ومن ابتغى ما لا يحلُّ له من الفروج عادٍ، وكذلك الباغي على الأمانة عادٍ ظالم. وقد قدم الأمانة على العهد، وجمع الأمانة وأفرد العهد. أما جمع الأمانة، فلتعددها وتنوعها فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما يُؤْتَمنُ عليه الشَخصُ من ودائع الناس وأموالهم، ومنها ما يطّلع عليه من أسرار الناس وأحوالهم، ومنها الأقوال التي يسمعها ويُستأمنُ عليها مما لا يصح أن يذيعه منها، ومنها أن يودع شخصٌ أهلاً له عند شخصٍ حتى يعودَ ويقول له: هؤلاء أهلي وصغاري عندك أمانة حتى أعود، أو حتى يكبروا، فهو يتولى أمرهم ويرعاهم، والزرعُ قد تجعله أمانةً عند شخص فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة عند أميرهم ومتولِّي أمرهم، والقضاء أمانة ثقيلة، والشرع أمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال﴾ [الأحزاب: ٧٢] . جاء في (البحر المحيط) : "والأمانة الظاهر أنها كل ما يُؤْتَمَنُ عليه من أمر ونهي، وشأن ودين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول

стр. 143

الجمهور ولذلك قال أبيّ بن كعب: من الأمانة أن اؤتمنت المرأةُ على فَرْجها". وفي الحديث "المؤذّن مؤتمن" يعني: أن المؤذن أمينُ الناس على صلاتهم وصيامهم، فصلاةُ الناس وصيامهم أمانةٌ عنده. وفي الحديث أيضاً: "المجالس بالأمانة" و "هذا نَدْبٌ إلى تركِ إعادة ما يجري في المجلس من قولٍ أو فعل، فكان ذلك أمانة عند مَنْ سمعه أو رآه. والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث"، وفي الحديث: "الإيمانُ أمانة ولا دِينَ لمن لا أمانةَ له". وفي حديث آخر: "لا إيمان لمن لا أمانة له". وفي الحديث: "أستودع الله دينَكَ وأمانتكَ". أي: أهلك، ومَنْ تخلفه بعدك منهم، ومالك الذي تودعه". جاء في (روح المعاني) في قوله تعالى: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ : "الآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما ائتُمِنُوا عليه، وعوهدوا من جهة الله تعالى، ومن جهة الناس كالتكاليف الشرعية والأموال المودعة والأيمان والنذور والعقود ونحوها. وجمعت الأمانة دون العهد قيل: لأنها متنوعة متعددة جدّاً بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العهد". وجاء فيه أيضاً: "وكأنه لكثرة الأمانة، جُمعت ولم يُجمع العهدُ، قيل: إيذاناً بأنه ليس كالأمانة كثرة، وقيل: لأنه مصدر، ويدل على كثرة

стр. 144

الأمانة ما روى الكلبي: كلُّ أحدٍ مؤتمن على ما افتُرض عليه من العقائد والأقوال والأحوال والأفعال، ومن الحقوق في الأموال، وحقوق الأهل والعيال وسائر الأقارب والمملوكين والجار وسائر المسلمين، وقال السدي: إن حقوق الشرع كلها أمانات قد قَبِلَها المؤمن وضمن أداءها بقبول الإيمان. وقيل: كل ما أعطاه الله تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عنده، فمن استعمل ذلك في غير ما أعطاه لأجله، وأذن سبحانه له به، فقد خان الأمانة. فقد رأيت من تَعَدُّدها وتَنوُّعِها وتشعبها، ما يدعو إلى جمعها وليس كذلك العهد، فأفرد العهد وجمع الأمانة. وأما تقديمها على العهد، فلأهميتها كما رأيت، وحسب ذلك أن تكون الشرعَ كله كما مر، وحسبك من ذلك قوله ﷺ : "الإيمان أمانة، ولا دين لمن لا أمانة له". وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" وجاء في (فتح القدير) : "والأمانةُ أعم من العهد، فكلُّ عهدٍ أمانة". أما اختيار كلمة (راعون) مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استُخدم مع الفروج، فله سبب لطيف ذلك أن (راعون) اسم فاعل من (رعى) وأصل الرعي حفظ الحيوان، وتولي أمره وتفقد شأنه. جاء في (الكشاف) : "والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم وراعي الرعية. ويقال: مَن راعي هذا الشيء؟ أي: مُتولِّيه وصاحبه".

стр. 145

وجاء في (روح المعاني) تفسير (راعون) : "قائمون بحفظها وإصلاحها. وأصل الرعي، حفظ الحيوان؛ إما بغذائهِ الحافظِ لحياته أو بذبِّ العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقاً". فالرعي ليس مجرد الحفظ؛ بل هو الحِفْظُ والإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه، وتفقد أحواله وما إلى ذلك. وهذا ما يتعلق بالأمانة كثيراً وليس مجرد الحفظ كافياً. فمن ائتمن عندك أهله وصغاره، فلا بد من أن تتفقد أمورهم وتنظر في أحوالهم وحاجاتهم علاوة على حفظهم، وكذلك مَنْ تولى أمرَ الرعية، ونحوه مَن اؤتمن على زرعٍ أو ضرع، وكذلك ما حمّله الله للإنسان من أمر الشرع يحتاج إلى قيام به وتحرٍّ للحق فيما يُرضي الله وما إلى ذلك من أمور لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم. ثم إن هناك فرقاً آخر بين رعي الأمانة وحفظ الفروج، ذلك أن الفروج جزء من الإنسان، وهي لا تندّ عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية. وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الأمانة، من العادين واللصوص فيضطر إلى تَخْبئتها في أماكن لا ينالها النظرُ ولا يَطُولها التفتيشُ، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها كما ينظر الراعي في أمرِ ما يرعاه. فاختيار الرعي لها أنسب من الحفظ. ثم إن اختيار كلمة (راعون) بالصيغة الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم يقل: (يرعون) ذلك ليدلَّ على لزوم ثبات الرعي ودوامه وعدم الإخلال به البتة.

стр. 146

وأما تقديم الأمانة والعهد على (راعون) فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أَولى ما يُرْعى في هذه الحياة. وزيادة اللام، تفيد الزيادة في الاختصاص وتوكيده. وتفيد فائدة أخرى إلى جانب ما ذكرت، ذلك أن كلمة (الراعي) قد تكون بمعنى الصاحب، تقول: (مَنْ راعي هذه الدار؟) و (من الراعي لهذه الدار؟) أي: من صاحبها ومتولي أمرها؟ فيكون المعنى على هذا: والذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي: هم أهلها ومتولّوها. ولو قيل بدل ذلك: الذين هم يرعون الأمانة والعهود، لم تُفِدْ هذه الفائدة الجليلة. ثم قال بعد ذلك: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ . فختم بالمحافظة على الصلاة، وهي آخر ما يُفْقَدُ من الدين، كما في الحديث الشريف، فلعلَّ الختمَ بالمحافظة عليها إشارة إلى ذلك، أي أنها خاتمة عُرى الإسلام. إن ذكر الصلاة في البدء والخاتمة تعظيم لأمرها أيما تعظيم. جاء في (روح المعاني) : "وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها. وتقديم الخشوع للاهتمام به، فإن الصلاة بدونه كلا صلاةٍ بالإجماع، وقد قالوا: صلاةٌ بلا خشوع جَسَدٌ بلا روح". فقد بدأ بالخشوع في الصلاة، وكأنه إشارة إلى أول ما يرفع، وختم بالمحافظة عليها إشارة إلى آخر ما يبقى، والله أعلم.

стр. 147

والخشوع غير المحافظة، فالخشوعُ أمرٌ قلبي متضمن للخشية والتذلل، وجمع الهمة والتدبر، وأمرٌ بدني وهو السكونُ في الصلاة كما سبق ذكره فهو صفة للمصلي في حال تأديته لصلاته. وأما المحافظة فهي المواظبة عليها، وتأديتها في أوقاتها بشروطها من طهارة المصلي وملبوسه ومكانه وإقامة أركانها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها، وأن يوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها، وبما ينبغي أن تتم به أوصافها. وقيل: "المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يُحْبِطُها ويبطلُ ثوابها". وكل ذلك مراد، لأنه من المحافظة عليها. وذُكِرتِ الصلاة أولاً بصورة المُفْردِ ليدل ذلك على أن الخشوع مطلوب في جنس الصلاة، ففي كل صلاة ينبغي أن يكون الخشوع، أيّاً كانت الصلاة فرضاً أو نافلة، فالصلاة ههنا تفيد الجنس. وذُكرت آخراً بصورة الجمع للدلالة على تعددها من صلوات اليوم والليلة إلى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجنازة، وغيرها من الفرائض والسنن، فالمحافظة ينبغي أن تكون على جميع أنواع الصلوات. جاء في (الكشاف) : "وقد وُحّدت أولاً لِيُفادَ الخشوعُ في جنس الصلاة، أي صلاة كانت، وجُمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي: الصلوات الخمس والوتر والسنن المرتبة على كل صلاة، وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف، وصلاة الضحى والتهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل".

стр. 148

واستعمالُ الجمع مع المحافظة أنسبُ شيء للدلالة على المحافظة عليها بأجمعها. وقد جيء بالفعل المضارع، فقال: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، بخلاف ما مَرَّ من الصفات للدلالة على التجدد والحدوث، لأن الصلوات لها مواقيت وأحوال تحدث وتتجدد فيها فيصلى لكل وقت وحالة، فليس فيها من الثبوت ما في الأوصاف التي مرت، فهناك فرق مثلاً بينها وبين قوله: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، لأن الخشوع ينبغي أن يكون مستمراً ثابتاً في الصلاة لا ينقطع، فهو صفة ثابتة فيها. وكذلك قوله: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ فإنه ينبغي أن يكون الإعراض عن اللغو دائماً مستمراً لا ينقطع، وكذلك قوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ فإن حفظ الفروج ثابت دائم. وأما العطف بالواو في كل صفة من هذه الصفات، فللدلالة على الاهتمام بكل صفة على وجه الخصوص، وهذا ما تفيده الواو من عطف الإخبار والصفات. وكذلك ذكر الاسم الموصول مع كل صفة، فإنه يدل على الاهتمام والتوكيد، فإنه لم يقل مثلاً: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعن اللغو معرضون وللزكاة فاعلون ... إلخ) بل كَرَّرَ الموصول مع كل صفة للدلالة على توكيد هذه الصفات، وأهمية كل صفة. جاء في (تفسير فتح القدير) : "وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته، يستحق أن يستقل بموصوف متعدد. ثم قال بعد ذلك:

стр. 149

﴿أولائك هُمُ الوارثون﴾ . فجاء بضمير الفصل والتعريف في الخبر، للدلالة على القصر، أي: هؤلاء الجامعون لهذه الأوصاف، هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم. ثم فسر هذا الإبهام، فبين ماذا يرثون، فقال: ﴿الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ففي هذا الإبهام ثم الإيضاح بعده من الفخامة ما فيه. جاء في (الكشاف) : " (أولئك) الجامعون لهذه الأوصاف (هم الوارثون) الأحقّاء بأن يُسَمّوا وُرّاثاً دون مَنْ عداهم. ثم ترجم الوارثين بقوله: ﴿الذين يَرِثُونَ الفردوس﴾ فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر". ثم انظر إلى تقديم الجار والمجرور على الخبر، في قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ للدلالة على القصر وتناسب ذلك مع التقديم في الأوصاف السابقة: في صلاتهم خاشعون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، فجازاهم من جنس عملهم، فإن أولئك الذين قصروا أعمالهم على الخير، قصر الله خلودهم في أعلى الجنة، وهو الفردوس، فلا يخرجون عنه إلى ما هو أدنى درجة منه، فكان خلودهم في الفردوس لا في غيره. والفردوسُ أعلى الجنةِ وأفضلها ومنه تَتفجَّرُ أنهارُ الجنة كما جاء في الحديث. ثم نأتي إلى سورة المعارج. قال تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين * والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ

стр. 150

عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولائك هُمُ العادون * والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أولائك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ . قال تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ . بنى الفعل (خلق) للمجهول، ذلك أن المقام مقام ذم لا تكريم. مقام ذكرِ جانبٍ مظلمٍ من طبيعة البشر. والله سبحانه لا ينسب الفعل إلى نفسه في مقام السوء والذم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . فنسب الفعل إلى ذاته في مقام المدح. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] . وقال: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] . في حين قال: ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٢٨] . وقال: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . وقال: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ . والهلع فَسَّره ربنا بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ ، فهو الجزع عند مَسِّ الشر والمنع عند مس الخير. جاء في (الكشاف) : "الهلع سرعة الجزع عند مَسِّ المكروه وسرعة المنع عند مَسِّ الخير.. و (الخير) : المال والغنى. و (الشر) : الفقر، أو

стр. 151

الصحة والمرض. إذا صَحَّ الغنيُّ مَنَعَ المعروف وشَحَّ بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي". وجاء في (تفسير ابن كثير) : "أي: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ فَزِعَ وجزع وانخلع قلبهُ من شدة الرعب، وأَيِسَ أنْ يحصلَ له بعد ذلك خير. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله، بخل بها على غيره، ومنعَ حقَّ الله - تعالى - فيها". وجاء في (فتح القدير) : "قال في الصحاح: الهلع في اللغة: أَشَدُّ الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه.. أي: إذا أصابه الفقر والحاجة، أو المرض ونحو ذلك، فهو جَزُوع، أي كثير الجزع. وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك، فهو كثير المنع والإمساك". والجزع ضد الصبر ونقيضه، وقد قابله الله بالصبر فقال: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] . وجاء في (لسان العرب) : "الجزوع ضد الصبور على الشر، والجزع نقيض الصبر ... وقيل: إذا كثر منه الجزع، فهو جزوع وجُزاع". وقد بدأ بالشر قبل الخير، فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ وذلك لأن السياق يقتضي ذلك، فقد بدأت السورةُ بالعذاب، وهو قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ . وذكر قبل هذه الآية مشهداً من مشاهد العذاب، فقال: ﴿يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ... . كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى﴾ .

стр. 152

فالمناسبُ إذن هو البدء بالشر، وهو الذي يقتضيه السياقُ وجَوُّ السورة. فالإنسانُ خُلق هلوعاً لا يصبر إذا مسه الشر بل يجزع. وذِكْرُ الجزع ههنا وهو عدم الصبر مناسب لقوله تعالى في أوائل السورة: ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ . فهو يأمر نبيه بالصبر الجميل. والصبرُ طاردٌ للجزع المقيت الذي طُبع عليه الإنسان وتحرر منه مَنْ أراد الله له الخير. واستثنى من الاتصاف بصفة الهلع هذه بشقيها: الجزع والمنع للخير، مَن ذكرَهم بعد هذه الآية بقوله: ﴿إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ . والدوام على الصلاة معناه المواظبةُ عليها والانهماكُ فيها حتى تنتهي، وعدم الانشغال عنها، وليس المراد أنهم يصلون أبداً. جاء في (البحر المحيط) : "ديمومتها، قال الجمهور: المواظبة عليها. وقال ابن مسعود: صلاتها لوقتها. وقال عقبة بن عامر: يقرّون فيها ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً". وجاء في (فتح القدير) : "أي لا يَشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلّون أبداً". وجاء في (روح المعاني) : "أخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة قال لهم: مَنِ الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا: الذين لا يزالون

стр. 153

يصلون. فقال: لا ولكن الذين إذا صلّوا لم يلتفتوا عن يمينٍ ولا شمال". وقد فرق صاحب (الكشاف) بين الدوام والمحافظة على الصلاة، فقال: "فإن قلت: كيف قال: ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ ثم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ؟ قلت: معنى دوامهم عليها: أن يواظبوا على أدائها ولا يخلّون بها، ولا يشتغلون عنها بشيءٍ من الشواغل، كما روي عن النبي ﷺ : "أفضلُ العملِ أدومُه وإنْ قَلَّ".. ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها، ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم. فالدوام يرجع إلى أنفس الصلوات والمحافظة على أحوالها". وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى قبل هذه الآيات في صفة جهنم: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ ومرتبطة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ . أما ارتباطها بقوله: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ فهو واضح، فإن ذلك الذي تدعوه جهنم، قد أدبر عن الطاعةِ وتولَّى عن الحق، وهذا مُقْبِلٌ على الطاعة، مواظب عليها، لا يلتفت عنها، فهو ناجٍ من عذاب جهنم. ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ فقد ذكر أمراً ووكَّده فقال: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ وقابله بقوله: ﴿إِلاَّ المصلين﴾ . وقال: (وتولى) وهو توكيد للإدبار والانصراف عن الطاعة، وقابله بقوله: ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ أي: مقبلون على الطاعة مستمرون عليها. فهو مرتبط بها أحسن ارتباط. وهذا الصنف مقابلٌ لأولئك المُدْبرين العُصاة.

стр. 154

وأما ارتباطها بقوله: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ فهو أجملُ ارتباط وأحسنه ذلك أن الدوام على الصلاة علاجٌ للجزع، وعلاج لمنع الخير. فإن الجَزُوعَ شخصٌ لا يصبر. وعلاج هذه الصفة أن يتعلم الصبر ويتعوده، والدوام على الصلاة والمواظبة عليها والاستمرار عليها من أحسن ما يعوّد على الصبر، فإن هذه الأعمال تقتضي صبراً متواصلاً، ولذا لا يدومُ عليها كثيرٌ من الناس، فهم يصلون ولكن لا يدومون على صلاتهم؛ بل ينشغلون عنها بأنفسهم وقلوبهم وتسرح في دواخلهم صوارفُ تنالُ كثيراً من صلاتهم. فالدوام عليها علاج من أنجع الأدوية للتعويد على الصبر والمعافاة من الجزع. وهي كذلك علاج لمنع الخير ذلك أن الدائم في صلاته يتعود أن يُعطي من نفسه ووقته لربه، بل يعطيه نَفْسَهُ كُلَّها ووقته في الصلاة، وأن يتحرر من العبودية لرغبته وشهوته فيدوم على أمر ليس فيه مصلحة دنيوية ظاهرة له، بل قد تفوّت عليه شيئاً عاجلاً كما ذكر ربنا في قوله في صلاة الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] . فالدوام على الصلاة علاج ناجع لهذه النفوس الجاسية لتسمح من وقتها ومالها وكلِّ ما يربطها برغباتها وشهواتها، ولذا لم يكتف بقوله ﴿إِلاَّ المصلين﴾ بل قال: ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ . ثم قال بعد ذلك: ﴿والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ . قيل: إن المراد بالحق المعلوم الزكاة لأنها مُقَدَّرةٌ معلومة، وقيل: غير ذلك.

стр. 155

وعلى أية حال فإن هؤلاء وضعوا في أموالهم حقاً معلوماً لِمُستحقِّه. وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى في أصحاب جهنم: ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ ومرتبطة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ . أما ارتباطها بقوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ فهو ظاهر، ذلك أن الله وصف أصحاب جهنم بقوله: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى﴾ ، ومعنى جمع فأوعى: أنه جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: فجعله في وعاء وكنزه ومنع حَقَّ الله الواجب فيه من مستحقيه. أما هؤلاء المعافَون من النار، فقد جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فهم لم يمنعوا حق الله، فلم يكونوا ممن أدبر وتولى وجمع فأوعى. وأما ارتباطها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ ، فهو ظاهر أيضاً ذلك أن معنى ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ أنه إذا أصابه الخير والمال والغنى بَخِلَ ومنعَ حقَّ الله تعالى فيه كما ذكرنا. وهؤلاء جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم فهم معافَون مستثنَون من صفة الهلع المذكورة؛ بل إنهم مُسْتثنون من صفة الهلع بشقيها: الجزع عند مسِّ الشر والمنع عن مس الخير. ذلك أن قسماً من البخلاء إذا خرج شيء من مالهم، جزعوا وحزنوا كأنما حلّت بهم مصيبة، وكان المال ألصق بقلوبهم من أي شيءٍ آخر، فهؤلاء الذين جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، لم يجزعوا عند خروج المال منهم ولم يُعقبوه أنفسهم، ولم يمنعوا السائل والمحروم منه؛ فإخراجُ المال إلى الفقراء والمساكين علاجٌ وشفاء لهذا الداء الوبيل.

стр. 156

وهناك لمسة فنية لطيفة في اختيار نوع العذاب في هذا السياق، ذلك أنه قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى﴾ . ومن معاني (الشوى) جلد الإنسان فهي، أي: جهنم تنزعُ جلدَ الإنسان وتُبقي الأحشاءَ بلا جلد. والجلدُ للأحشاء كالوعاء للمال يحفظُ ما في داخله، فإن هذا الشخص كما أوعى ماله ومنعه حقه، سيمزقُ اللهُ وعاء جسمه ويخرج ما في داخله. ولا شك أن جلده ووعاء نفسه أحبّ إليه من المال ومن كل شيء، ألا ترى أنه يقال للمطلوب: (انجُ بجلدك) ؟ فانظر التناسقَ الجميلَ بين المعصية والعذاب، والجزاء من جنس العمل. ثم قال بعد ذلك: ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ . ويوم الدين يوم القيامة، واختيار ذكر التصديق بيوم الدين دون غيره من أركان الإيمان ههنا له سَببهُ، ذلك أن جَوَّ السورة في الكلام على هذا اليوم، فقد قال في أوائل السورة: ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهذا اليوم هو يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح. وقال عن هذا اليوم: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ أي: أن الكفار يستبعدون وقوعه ويرونه محالاً، في حين أن هؤلاء المعافَين يُصدِّقون به. وقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل * وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ .

стр. 157

وقال: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ . فجو السورة والسياق في الكلام على يوم الدين، وختم السورة بالكلام عليه، فكان مناسباً لأن يَخصَّهُ بالذِّكْرِ من بين أركانِ الإيمان الأخرى، فقال: ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ . ثم قال: ﴿والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ . وذكرُ الإشفاق من العذاب مناسبٌ لجو السورة أيضاً، فإن السورة مشحونةٌ بذكر العذاب والكلام عليه فقد بُدئت السورةُ به وخُتمت به، فقال في أول السورة: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ ، وقال في خاتمتها: ﴿خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ كما ذكر فيها مشهداً آخر من مشاهد العذاب، فقال: ﴿يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى﴾ . فاختيار الإشفاق من العذاب أنسبُ اختيارٍ ههنا. ولا شك أن الذين يصدّقون بيوم الدين، ويخشون عذاب ربهم مستثنَون معافَون من صفة الهلع. فالتصديقُ بيوم الدين مُدْعاةٌ للطمأنينة والأمن في النفوس، فهو يصبر إذا مَسَّهُ الشر احتساباً لأجرِ ذلك عند الله، وأنه سيعوضه خيراً مما فقد أو مما ابتُليَ به، وإذا مسه الخير، لا يمنع، لأن الله سيعطيه أضعافَ ما يعطي.

стр. 158

ثم قال بعد ذلك: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولائك هُمُ العادون﴾ . وقد مر تفسير ذلك في آيات سورة (المؤمنون) فلا حاجة إلى إعادة ما مر. غير أن الذي نقوله ههنا: إنَّ هذه الآيات مرتبطةٌ بما قبلها أجمل ارتباط. وهي مع ما ذُكِرَ معها من الأوصاف مَنْجاةٌ من الهلع وعلاج له. ذلك أن الذي يصبر على شهوته ولا يندفع وراء رغبته يعوّد نفسه على الصبر، فلا يجزع إذا رأى ما يستثير شهوته ثم لا يلهث وراءها حتى يهتبل هذه الفرصة للتلذذ بها. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية إن حفظ الفروج وعدم إرسالها إلا على مستحقيها، أولى من حِفْظِ المال وكنزه ومنع مستحقه منه. ثم قال: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ . وقد مر ذلك في آيات سورة (المؤمنون) . وهذا علاج للهلع أيضاً، ذلك أن الأمانة والعهد ربما يُلْحِقان بالمؤتمن ضرراً من سلطة أو متنفِّذ، ذلك لأن صاحب الأمانة قد يكون مطلوباً لهما فالمؤتمن كأنه يعينه على ما هو عليه أو لغير ذلك من الأسباب. وقد يُفَوِّتانِ عليه خيراً كبيراً، وهو مع ذلك يَفِي بالعهدِ ويؤدي الأمانة مُوطِّناً نفسه على الصبر على ما سيحيقُ به محتسباً أجرَ ما يفوتُه من الخير العاجل عند الله. ولا شك أن هذا مما يكسر الهلع ويضعفه ويعافي منه.

стр. 159

ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ . "والشهادة من جملة الأمانات وخَصَّها من بينها، إبانةً لفضلها لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها في زيّها تضييعها وإبطالها". والقيام بالشهادة معناه: إقامتها على "مَنْ كانت عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها" ولا يُخْفون ما عَلِموه منها. والإتيان بها مجموعة إشارة "إلى اختلاف الشهادات وكثرة ضروبها، فحسن الجمع من جهة الاختلاف". والقيام بالشهادات من أنفع الأشياء في علاج الهلع بشقيه، ذلك أن القيام بالشهادة، قد يعرض صاحبها للأذى والنيل منه أو قد يُفَوِّتُ عليه فرصةً من فرص الخير المادي، والنفع العاجل، فالقيام بها توطينٌ للنفس على استقبال الشر والصبر عليه، وتوطين لها على السماح بالخير، وبذله وعدم منعه. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ . فختم بالمحافظة على الصلاة، كما افتتح بالدوام عليها، وهذا نظير ما جاء في سورة (المؤمنون) من الافتتاح بالصلاة والختم بها.

стр. 160

والمحافظة على الصلاة غير الدوام عليها: "فإن معنى الدوام هو أن لا ينشغل عنها بشيء من الشواغل"، وأن ينهمك بها ويواظب على أدائها. أما المحافظة عليها فتعني مراعاة شرائطها وإكمال فرائضها وسننها وأذكارها، كما سلف بيان ذلك. وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح فهي مرتبطة بقوله: ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ ذلك أن القصد من جعل المال في وعاء، هو المحافظة عليه. والصلاة أدعى وأولى بالمحافظة عليها. ومرتبطةٌ بصفة الهلع أيضاً ذلك أنها علاج لهذه الصفة المستهجنة بشقيها. فالمحافظة على الصلاة في مختلف الأوقات وتباين الأزمان في أوقات الرخاء والشدة، والعسر واليسر، والمرض والعافية، والشر والخير من المنجيات من هذه الصفة، ذلك أن المحافظة عليها تحتاج إلى الصبر الطويل، لذلك قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ، وتحتاج إلى البذل والسماح بالخير، وقد وصف الله تعالى رجالاً من المؤمنين بقوله: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة﴾ [النور: ٣٧] . فالصلاةُ إذا حضرت أهمُّ من التجارة والبيع، فهم يفرطون بالصفقات واحتمال الربح في جنب الصلاة. إن الصفات المذكورة أنفع علاج لصفة الهلع المقيت، وإن القائمين بهذه الصفات إنما هم ناجون منها مستثنَون من أهلها معافَون من بَلْواها. ثم قال بعد ذلك: ﴿أولائك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ .

стр. 161

وقد تقول: ولماذا قال في آيات (المؤمنون) : ﴿أولائك هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقال ههنا: ﴿أولائك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ . فذكر هناك أنهم يرثون الفردوس، والفردوس أعلى الجنة وربوتها، وأفضلها، ومنه تنفجر أنهارُ الجنة. ثم ذكر أنهم فيها خالدون. في حين قال هنا أنهم في جنات، ولم يقل أنهم في أعلى الجنان، كما لم يقل أنهم فيها خالدون كما قال في الأولين. ونظرة إلى ما في النصين توضح سبب ذلك. إن آيات سورة (المؤمنون) في ذِكْرِ فلاح المؤمنين وآيات سورة المعارج في ذكر المعافَين من الهلع وقد جعل كل صفة في موطنها. ١- فقد قال في سورة (المؤمنون) : ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ فذكر صفة الإيمان على وجه العموم. وقال في آية (المعارج) : ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ فذكر ركناً من أركان الإيمان، وهو التصديق بيوم الدين. وثَمَّةَ فَرْقٌ بين الحالين. جاء في (روح المعاني) في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ "والمراد بالمؤمنين قيل: إما المُصَدِّقون بما عُلِمَ ضرورةً أنه من دينِ نبينا ﷺ من التوحيد والنبوة، والحشر الجسماني والجزاء ونظائرها". فذكر في آية (المؤمنون) المؤمنين بيوم الدين وغيره، وذكر في سورة المعارج التصديق بيوم الدين. فما ذكره في سورة (المؤمنون) أكمل. ٢- قال في آية (المؤمنون) : ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ .

стр. 162

وقال في آية (المعارج) : ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ . والخشوع أعَمُّ من الدوام ذلك أنه يشمل الدوام على الصلاة وزيادة فهو روحُ الصلاة، وهو من أفعالِ القلوب والجوارح من تَدَبُّرٍ وخضوع وتذلل وسكونٍ وإلبادِ بصرٍ وعدم التفات. والخاشع دائم على صلاته منهمك فيها حتى ينتهي. ٣- قال في (المؤمنون) : ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ وهو كل باطل من كلامٍ وفِعْلٍ وما توجب المروءة إطراحه كما ذكرنا. ولم يذكر مثل ذلك في سورة المعارج، فهذه صفةُ فضلٍ لم ترد في المعارج. ٤- قال في (المؤمنون) : ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ . وقال في سورة (المعارج) : ﴿والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ . وما في سورة (المؤمنون) أعمُّ وأشملُ إذ الزكاة تشمل العبادة المالية كما تشمل طهارة النفس فهي أعلى مما في المعارج وأكمل فإنه ذكر في المعارج أنهم يجعلون في أموالهم حقاً للسائل والمحروم. أما الزكاة فإنها تشمل أصنافاً ثمانية وليس للسائل والمحروم فقط، هذا علاوة على ما فيها من طهارة النفس وتزكيتها كما سبق تقريره. ٥- قال في سورتي (المؤمنون) و (المعارج) : ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولائك هُمُ العادون * والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ .

стр. 163

٦- قال في آية (المعارج) : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ . ولم يذكر ذلك في آيات (المؤمنون) ذلك أنه في سياق المعافاة من الهلع. وقد ذكرنا مناسبة ذلك وعلاقته بالنجاة منه. فاقتضى ذلك ذكره وتخصيصه من بين الأمانات. ٧- قال في آيات (المؤمنون) : ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ بالجمع. وقال في (المعارج) : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ بإفراد الصلاة. والصلوات أعم من الصلاة وأشمل. والمحافظة على الصلوات أعلى من المحافظة على الصلاة لما فيها من التعدد والتنوع والفرائض والسنن. فلما كانت الصفات في آيات سورة (المؤمنون) أكمل وأعلى كان جزاؤهم كذلك، فجعل لهم الفردوسَ ثم ذكر أنهم خالدون فيها، في حين قال في سورة (المعارج) : ﴿أولائك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ ولم يذكر أنهم في الفردوس، ولم يذكر الخلود؛ فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه. ثم انظر كيف ذكر في سورة (المؤمنون) المؤمنين وهم المُصَدِّقون بيوم الدين وزيادة، وذكر الخشوع في الصلاة، وهو الدوام عليها وزيادة، وذكر فِعْلهم للزكاة وهي العبادة المالية وزيادة. ومستحقوها هم السائل والمحروم وزيادة، وذكر الإعراض عن اللغو وهو زيادة. وذكر الصلوات وهي الصلاة وزيادة، ثم ذكر الفردوس وهي الجنة وزيادة في الفضل والمرتبة، وذكر الخلود فيها وهو الإكرام وزيادة. فانظر ما أجمل هذا التناسب والتناسق، فسبحان الله رب العالمين.

стр. 164

من سورتي الطور والقلم قال تعالى في سورة الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ . وقال في سورة القلم: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . فزاد قوله: (بكاهن) على ما في سورة القلم، فما سببُ ذاك؟ والجواب: أن هناك أكثر من سببٍ دعا إلى هذه الزيادة. ١- منها أنه فصّل في سورة الطور في ذِكْرِ أقوال الكفَرة في الرسول ﷺ ، فقد ذكروا أنه كاهن، وذكروا أنه مجنون، وذكروا أنه شاعر ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ ، وقالوا: إنه كاذب ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ . في حين لم يذكر غير قولهم إنه مجنون في سورة القلم ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ فناسب ذكر هذه الزيادة في سورة الطور. ٢- ومنها أنه ذكر في سورة الطور قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ والاستماع مما تدّعيه الكهنةُ لتابعيهم من الجنِّ، فناسب ذلك ذكر الكهنة فيها. ٣- ومنها أنه ذكر السحر في سورة الطور فقال: ﴿أَفَسِحْرٌ هاذا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ فناسب ذكرُ السحر ذكرَ الكهنة. ٤- ومما حسّن ذلك أيضاً أنه توسّع في القسَم في أول سورة الطور بخلاف سورة القلم، فقد قال: ﴿والطور * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور﴾ .

стр. 165

في حين لم يقسم في سورة القلم إلاَّ بالقلم وما يسطرون. فناسب التوسع في الطور هذه الزيادة. ٥- ذكر في سورة القلم في آخر السورة قول الكفرة، إنه لمجنون ولم يزد على هذا القول فقال: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذكر وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ فردّ عليهم في أول السورة بنفي الجنون عنه فقال: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ فناسب آخر السورة أولها. ثم انظر من ناحية أخرى كيف ناسب التأكيد بالباء الزائدة في النفي (بمجنون) التوكيد باللام في الإثبات (لمجنون) لأن الباء لتوكيد النفي واللام لتوكيد الإثبات. والله أعلم.

стр. 166

من سورة القمر ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ . *** سأل سائل: لِمَ وحّد تعالى: (النَّهَر) في هذه الآية ولم يجمعه مع أن الجناتِ قبله جَمْعٌ بخلاف المواضع الأخرى من القرآن الكريم، فإنه إذا جمع الجنة، جمع النهر أيضاً فيقول: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ ؟ والجواب: أنه جمع في لفظ (النهَر) عدة معان وأعطى أكثر من فائدة لا يفيدها فيما لو قال: (أنهار) . ذلك أنه علاوة على أن فواصل الآيات، تقتضي (النهَر) لا (الأنهار) لأن آيات السورة على هذا الوزن فقد جاء قبلها: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ وجاء بعدها: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ فإن المعنى أيضاً يقتضي ذلك من جهات أخرى منها: أن النهَر اسم جنس بمعنى الأنهار، وهو بمعنى الجمع. وقد يؤتى بالواحد للدلالة على الجمع والكثرة، ومنه قوله ﷺ : "أهلكَ الناسَ الدينارُ والدرهم". والمراد بالدينار والدرهم الجنس لا الواحد. وجاء في (معاني القرآن) للفراء: "ونهَر معناه أنهار. وهو في مذهبه كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ . وزعم الكسائي أنه سمع العرب يقولون: أتينا فلاناً فكنا في لحمة ونبيذةٍ. فوحّد ومعناه الكثير".

стр. 167

ومنها: أن معاني (النهر) أيضاً السَّعة. والسَّعة ههنا عامة تشمل سعة المنازل وسعة الرزق والمعيشة، وكل ما يقتضي تمام السعادة السعة فيه. جاء في (البحر المحيط) : "ونَهَر: سَعة في الأرزاق والمنازل". وجاء في (روح المعاني) : "وعن ابن عباس تفسيره بالسعة ... والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما". ومنها: أن من معاني (النهر) أيضاً الضياء. جاء في (لسان العرب) : "وأما قوله : ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ فقد يجوز أن يعني به السعة والضياء، وأن يعني به النهر الذي هو مجرى الماء، على وضع الواحد موضع الجميع.. وقيل في قوله: ﴿جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي: في ضياء وسعة، لأن الجنة ليس فيها ليل، إنما هو نور يتلألأ". وجاء في (معاني القرآن) للفراء: "ويقال: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ في ضياء وسعة". وهذه المعاني كلها مُرادةٌ مطلوبة، فإنَّ المتقين في جنات وأنهار كثيرة جارية، وفي سعة من العيش والرزق والسكن وعموم ما يقتضي السعة، وفي ضياء ونور يتلألأ ليس عندهم ليل ولا ظلمة.

стр. 168

فانظر كيف جمعت هذه الكلمة هذه المعاني كلها، إضافة إلى ما تقتضيه موسيقى فواصل الآيات بخلاف ما لو قال (أنهار) ، فإنها لا تعني إلا شيئاً واحداً. ثم انظر كيف أنه لما كان المذكورون هم من خواص المؤمنين، وهم المتقون وليسوا عموم المؤمنين أعلى أجرَهم ودرجتهم، فقال: (ونهر) ولم يقل: (وأنهار) . ولما أعلى أجرهم ودرجتهم وبالغ في إنعامهم وإكرامهم جاء بالصفة والموصوف بما يَدلُّ على المبالغة فقال: ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ولم يقل: (ملك قادر) فإن (مليك) أبلغ من (ملك) و (مقتدر) أبلغ من (قادر) فإن كلمة (مليك) على صيغة (فعيل) وهي أبلغُ وأثبتُ من صيغة (فعِل) . جاء في (روح المعاني) : "عند مليك، أي: ملك عظيم الملك، وهو صيغة مبالغة، وليست الياء من الإشباع". ولما جاء بالصيغة الدالة على الثبوت، قال: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ "ذلك لأن هذا المقعد ثابت لا يزول، فهو وحده مقعد الصدق، وكل المقاعد الأخرى كاذبة، لأنها تزول إما بزوال الملك صاحبه، وإما بزوال القعيد، وإما بطرده، وهذا المقعد وحده الذي لا يزول، وقد يفيد أيضاً أنه المقعد الذي صدقوا في الخبر به". هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن معنى الصدق ههنا يفيد معنى الخير أيضاً والجودة والصلاح فجمعت كلمة (الصدق) ههنا معنيي الخير

стр. 169

والصدق معاً، كما جمع (النهر) أكثر من معنى. ثم انظر كيف أنهم لما صدقوا في إيمانهم وعملهم، كان لهم مقعد الصدق. و (المقتدر) أبلغ أيضاً من (القادر) ذلك أن (المقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) وهذا أبلغ من (قدر) فإن صيغة (افتعل) قد تفيد المبالغة والتصرف والاجتهاد والطلب في تحصيل الفعل بخلاف فَعَل ومنه اكتسب واصطبر واجتهد قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] . جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: لم خصَّ الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبةٌ إليه وأمّارة به كانت في تحصيله أعملَ وأَجدَّ، فجُعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال". وجاء في (البحر المحيط) : "والذي يظهر لي أن الحسنات، هي مما تُكتسب دون تكلف ... والسيئات تكتسب ببناء المبالغة". وقال سيبويه: "كسب: أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد". فجاء ههنا، أي: في قوله: (مقتدر) بالصيغة الدالة على القدرةِ البالغة مع الملك الواسع الثابت.

стр. 170

فانظر كيف بالغ وأعظمَ في الأجر، وبالغَ وأعظمَ في المُلك، وبالغ وأعظمَ في القدرة لمن بالغ وجدّ في عمله وصدق فيه وهم المتقون. ونريد أن نشير إلى أمر، وهو إطلاق وصف (المبالغة) على صفات الله نحو علام، وعليم، وغفور، وما إلى ذلك. فقد توهم بعضهم أنه ينبغي أن لا يطلق على صفات الله وَصْفُ المبالغة، لأنها صفات حقيقة وليست مبالغاً فيها. وقد اعترضَ عليَّ معترضٌ ذات مرة بنحو هذا. مع أنه من الواضح أن ليس المقصود كما ظن الظان أو توهم. فالمقصود أن هذا البناء يفيد كثرةَ وقوع الفعل، وليس المقصود أن الأمرَ مبالَغٌ فيه. فـ (عليم) أبلغ من (عالم) و (صبور) أبلغ من (صابر) ذلك أن الموصوف بعليم معناه أنه موصوف بكثرة العلم، وليس المقصود أن صاحبه وُصف بهذا الوصف وهو لا يستحق أن يُوصَفَ به فكان الوصف به مبالغة. ولا نريد أن نطيل في كشف هذه الشبهة، فإنها فيما أحسب لا تستحق أكثر من هذا.

стр. 171

من سورة الجمعة سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين﴾ . لِمَ قدمت التجارة على اللهو أولاً فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ وأَخَّرها عنه بَعْدُ فقال: ﴿خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة﴾ ؟ والجواب والله أعلم أن سبب تقديم التجارة على اللهو في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ أنها كانت سبب الانفضاض ذلك أنه قدمت عِيرُ المدينة وكان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، وكان من عُرْفِهِمْ أن يُدخَلَ بالطبلِ والدفوف والمعازف عند قدومها فانفضَّ الناسُ إليها ولم يبقَ في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً﴾ . فقدمها لأنها كانت سبب الانفضاض وليس اللهو، وإنما كان اللهو والضرب بالدفوف بسببها فقدَّمها لذلك. ولهذا أفرد الضمير في (إليها) ولم يقل (إليهما) لأنهم في الحقيقة إنما انفضّوا إلى التجارة وكان قد مسّهم شيءٌ من غلاء الأسعار. وأما تقديم اللهو عليها فيما بَعْدُ في قوله: ﴿قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة﴾ فذلك لأن اللهو أعمُّ من التجارة، فليس كل الناس يشتغلون في التجارة ولكن أكثرهم يلهون. فالفقراء والأغنياء يلهون، فكان اللهو أعم فقدمه لذلك إذ كان حكماً عاماً فقدم التجارة في الحكم الخاص لأنها في حادثة معينة وقدم اللهو في الحكم العام لأنه أعم. ولأنها مناسبة لقوله:

стр. 172

﴿والله خَيْرُ الرازقين﴾ فالتجارة من أسباب الرزق وليس اللهو فوضعها بجنبه. ولأنَّ العادةَ أنك إذا فاضلتَ بين أمور فإنك تبدأ بالأدنى، ثم تترقى فتقول: (فلان خير من فلان ومن فلان أيضاً) ، وذلك كأن تقول: (البحتري أفضل من أبي فراس، ومن أبي تمام ومن المتنبي أيضاً) ، فإنك إذا بدأتَ بالأفضل انتفت الحاجة إلى ذكر مَنْ هو أدنى، فبدأ باللهو لأنه ظاهر المذمة ثم ترقى إلى التجارة التي فيها كسب ومنفعة. وكرر (من) مع اللهو ومع التجارة فقال: ﴿خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة﴾ ليؤذن باستقلالِ الأفضلية لكل واحد منهما لئلا يتصور أنَّ الذمَّ إنما هو لاجتماع التجارة واللهو، فإن انفراد اللهو أو التجارة خرج من الذم، فأراد أن يبين ذم كل منهما على جهة الاستقلال لئلا يتهاون الناسُ في تقديم ما يرضي الله وتفضيله. ونحو ذلك، أن تقول: (الأناةُ خيرٌ من التهور والعجلة) فإن ذلك قد يفهم أنها خير من اجتماعهما، ذلك لأن اجتماعهما أسوأ من انفرادهما فإنَّ الذي يجمع التهور والعجلة أسوأ ممن اتصف بإحدى الخلتين. فإن قلت: (الأناة خير من التهور ومن العجلة) أفاد استقلال كل صفة عن الأخرى، وأنها خير من أية صفةٍ منهما، فإن اجتمعتا كان ذلك أسوأ. فجاء بـ (من) ليؤذن باستقلال كل من اللهو والتجارة وأنه ليس المقصود ذم الجمع بين الأمرين بل ذم وتنقيص كل واحد منهما، بالنسبة إلى ما عند الله. جاء في (روح المعاني) : "واختير ضمير التجارة دون اللهو، لأنها الأهم المقصود، فإن المراد ما استقبلوا به العِيرَ من الدف ونحوه. أو لأن الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموماً، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه ...

стр. 173

﴿خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة﴾ وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة كما توهم؛ بل لأنه أقوى مذمة فناسب تقديمه في مقام الذم. وقال ابن عطية: قدمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم وأُخِّرت مع التفضيل، لتقع النفسُ أولاً على الأبين ... وقال الطيبي: قدم ما كان مؤخراً وكرر الجار، لإرادة الإطلاق في كل واحد واستقلاله فيما قصد منه، ليخالف السابق في اتحاد المعنى، لأن ذلك في قصة مخصوصة".

стр. 174

من سورة المنافقون ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولائك هُمُ الخاسرون * وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ . *** في هاتين الآيتين - كما هو شأن الآيات القرآنية كلها - أسرار تعبيرية بديعة. والذي دعاني إلى الكتابة فيهما، أن سائلاً سألني مرة: لماذا قال تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ بالنصب وعطف بالجزم، فقال: (وأكنْ) ولم يجعلهما على نسقٍ واحد؟ فآثرتُ أن أكتب في هاتين الآيتين لارتباطهما. ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ . لقد نهى الله في هذه الآية عن الانشغال بأمر الأموال والتصرف فيها والسعي في تدبير أمرها، والانشغال بأمر الأولاد إلى حَدِّ الغفلة عن ذكر الله، وإيثار ذلك عليه ومن يفعل ذلك كان خاسراً خسارة عظيمة. هذا معنى الآية على وجه الإجمال، إلا أن هناك أسراراً تعبيرية تدعو إلى التأمل منها: ١- إنه قال: ﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ ومعنى (لا تُلهكم) : لا تَشْغلكم. وقد تقول: لماذا لم يقل: (لا تشغلكم) ؟

стр. 175

والجواب: أنَّ من الشغل ما هو محمودٌ فقد يكون شغلاً في حق كما جاء في الحديث: "إن في الصلاة لشغلاً" وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] . أما الإلهاء فمما لا خيرَ فيه وهو مذمومٌ على وجه العموم، فاختار ما هو أحق بالنهي. ٢- لقد أسند الإلهاء إلى الأموال والأولاد فقال: ﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ . فقد نهى الأموال عن إلهاء المؤمن، والمراد في الحقيقة نهي المؤمن عن الالتهاء بما ذكر. والمعنى: لا تلتهوا بالمال والأولاد عن ذكر الله. وهذا من باب النهي لشيءٍ والمرادُ غيره، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ [لقمان: ٣٣] ، فقد نهى الحياة الدنيا عن غرّ المؤمن والمراد نهي المؤمن عن الاغترار بالدنيا. إن المَنْهي في اللغة: هو الفاعل نحو قولك: (لا يضربْ محمودٌ خالداً) فـ (محمود) هو المنهي عن أن يضرب خالداً، ونحو قولك: (لا يسافرْ إبراهيمُ اليوم) فإبراهيم منهي عن السفر. ونحو قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . فالقوم هم المنهيون وكذلك النساء. وكما تقول: (لا تضربْ خالداً) و (لا تضربي هنداً) فالفاعل هو المنهي وليس المفعول به. والفاعل في الآية هو الأموال والأولاد. أما المخاطبون فمفعول به. فالمنهي إذن هي الأموال والأولاد، وهي منهية عن إلهاء المؤمن. وقد تقول: ولِمَ لم يعبر بالتعبير الطبيعي فيقول: لا تلتهوا بالأموال والأولاد، على أصل المعنى؟ والجواب: أن في هذا العدول عدة فوائد:

стр. 176

منها: أنه نهى الأموال عن التعرض للمؤمن وإلهائه عن ذكر الله فكأنه قال: أيها الأموال لا تُلْهي المؤمن عن ذِكْري. فكأن الله يريد حماية المؤمن وذلك بنهي السبب عن أن يتعرض له فيكفّ عن التعرض. وفي هذا النهي مبالغة إذ المراد نهي المؤمن ولكنه بدأ بأصلِ المسألة وهي الأموالُ والأولاد فنهاها هي عن التعرض للمؤمن بما يلهيه. فقد جعل الله المؤمن كأنه مطلوب من قبل الأموال والأولاد تسعى لإلهائه وفتنته فنهاها عن السعي لهذا الأمر لينقطع سبب الالتهاء ويقمعه. ومنها: أن فيه إهابة للمؤمن ألا يقع في شَرَكِ الأموال والأولاد بحيث تلهيه وهو غافل مسلوب الإرادة، فنسب الإلهاء إليها ليأخذ المؤمنُ حَذَره منها، فكأن الأموال والأولاد ينصبون الشَّرَك ليلهوه عن ذكر الله، فعليه أن يحذر من أن يقع فيه كما تقول: (لا يخدعْك فلان) فإن فيه إهابةٌ لأخذِ الحذر منه. هذا إضافة إلى ما فيه من التعبير المجازي اللطيف، وهو إسناد الإلهاء إلى الأموال فجعلها عاقلة مريدة تنصب الشرَك لوقوع المؤمن في الفخ. جاء في (روح المعاني) : "والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين، وإنما وجه إليها للمبالغة لأنها لقوةِ تَسَبُّبها للهو وشدة مدخليتها فيه، جُعلت كأنها لاهية وقد نُهيت عن اللهو، فالأصل لا تلهوا بأموالكم.. إلخ. فالتجوُّزُ في الإسناد. وقيل: إنه تَجُوُّزٌ بالسبب عن المسبب كقوله: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] أي: لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم.. ". وجاء في (تفسير البيضاوي) : "توجيه النهي إليها للمبالغة".

стр. 177

٣- جاء بـ (لا) بعد حرف العطف فقال: ﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ ولم يقل: (أموالكم وأولادكم) ذلك أن كلاً من الأموال والأولاد داعٍ من دواعي الإلهاء، فالمال داع من دواعي الإلهاء وكذلك الأولاد. ولو قال: (أموالكم وأولادكم) لاحتمل أن النهي عن الجمع بينهما، فلو لم يجمع بينهما جاز، فلو انشغل بالمال وحده جاز، أو انشغل بالأولاد وحدهم جاز، وهو غير مراد. إذ المراد عدم الانشغال بأيِّ واحدٍ منهما على سبيل الانفراد أو الاجتماع. ٤- قدم الأموال على الأولاد لأن الأموال تلهي أكثر من الأولاد، فإن الانشغال فيها وفي تنميتها يستدعي وقتاً طويلاً وقد ينشغل المرء بها عن أهله، فلا يراهم إلا لماماً فقدم الأموال لذلك. ٥- قدم المفضول على الفاضل، فالأولاد أفضل من الأموال، لأن المال إنما يكون في خدمتهم ويترك لهم وذلك لأكثر من سبب. منها: أن المقام مقام إلهاء كما ذكرنا فاستدعى تقديمها. ومنها: أن المقام يقتضي ذلك من جهة أخرى، فإن هذا التقديم نظير التقديم في الآية اللاحقة من تقديم المفضول وهو قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ فقدم الصدقة على كونه من الصالحين. ولما قدم النهي عن الالتهاء بالمال قدم الصدقة. والصدقة إنما هي إخراجٌ للمال من اليد والقلب، والالتهاء إنما هو انشغال به بالقلب والوقت والجارحة. ولما قال: ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾ قال: ﴿وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ لأنَّ المُنشغلَ عن الفرائضِ وذِكْرِ الله ليس من الصالحين. فهو تناظرٌ جميل.

стр. 178

لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ... فأصّدّق. عن ذكر الله ... وأكن من الصالحين. والملاحظ أنه حيث اجتمع المالُ والولد في القرآن الكريم، قُدِّمَ المالُ على الولد إلا في موطن واحد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١] . وقوله: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] . وقوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر: ١٢-١٣] ، ونحو ذلك، لأن المال في هذه المواطن أدعى إلى التقديم، إما لأن الانشغال به أكثر كما ذكرنا، أو لأنه أدعى إلى الزينة والتفاخر وما إلى ذلك من المواطن التي تقتضي تقديم الأموال. أما الموطن الذي قدم فيه الولد على المال، فهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤] . وذلك لأن المقام مقام حب. ولا شك أن المتقدمين من الأبناء والأزواج وغيرهم أَحبُّ إلى المرء من الأموال لأنه إنما ينفقُ المالَ عليهم ويُبقيه لهم بعد رحيلهِ عن هذه الدار. ثم لا تنسَ أنه قدم مجموع القرابات من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، ولا شك أن هؤلاء بمجموعهم أحبّ إلى المرء من المال. فالأبناء وحدهم أثقل في ميزان الآباء من الأموال، فكيف إذا اجتمع معهم ما اجتمع مِمَّنْ يُحبّ؟ أما مسألة تقديم الأموال على وجه العموم، فلعلَّ الله يُيَسِّر لنا البحثَ فيها.

стр. 179

٦- قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ولم يقل: (ومن تُلْههِ تلك) فنسب الفعل إلى الشخص، لينال بذلك جزاءه ولئلا يفهم أنه ليس بمقدور الشخص الانصراف عن اللهو، وأنه غير مسؤول عن هذا الالتهاء. فقال: (ومن يفعل ذلك) للدلالة على أن ذلك بمقدوره، وأنَّ هذا من فِعْلهِ وكَسْبه. فالالتهاء ليس أمراً سلبياً، بل هو فِعْلٌ يقوم به الشخص وينال جزاءه عليه. ٧- ثم انظر كيف جاء لذلك بالفعل المضارع فقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ﴾ للدلالة على استمرار الحدث وتَكَرُّرهِ ولم يقل: (ومن فعل) بالماضي، ذلك لأن الالتهاء بالأموال والأولاد أمرٌ يومي متكرر، ولذا عبر عنه بالفعل المضارع الذي يدل على التكرار والتطاول. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه لو قال: (ومن فعل) لاحتمل أن ذلك الخسران الكبير، إنما يقعُ ولو فعلَهُ مرةً واحدة وهو غير مراد. ثم ليتناسب الفعل والجزاء إذ ليس من المعقول أن يكون ذلك الخسران الكبير الثابت المدلول عليه بالجملة الاسمية والقصر إنّما يكون لما وقع مرة واحدة من الالتهاء، بل المناسب أن يكون ذلك لما تكرر حصوله وتطاول. ٨- ثم قال بعد ذلك: ﴿فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ ، واختيار الخسران نهاية للآية أنسب شيء ههنا فإنه المناسب للالتهاء بالأموال والانشغال بها. فإن الذي ينشغلُ بالمال إنما يريد الربح، ويريد تنمية ماله فقال له: إن هذا خسرانٌ وليس ربحاً حيث باع "العظيمَ الباقي بالحقيرِ الفاني". ٩- ثم إن الإتيان بضمير الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر وتعريف (الخاسرون) بأل، إنما يفيدان القصر والتأكيد، أي أن هؤلاء لا غيرهم

стр. 180

هم الخاسرون حقاً. وهم أولى مَنْ يُسمَّون خاسرين. فإنه لم يقل: (فأولئك خاسرون) ، أو من الخاسرين. ولو قال لأفاد أن خسارتهم قد تكون قليلة أو قد يشاركهم فيها غيرهم بل قال: ﴿فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ للدلالة على أنهم هم الخاسرون دون غيرهم وهم المتصفون بالخسارة إلى الحد الأقصى. جاء في (روح المعاني) : "وفي التعريف بالإشارة والحصر للخسران فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل ما لا يخفى من المبالغة". ١٠- اختار الإلهاء عن ذكر الله دون غيره من العبادات فلم يقل مثلاً: لا تلهكم عن الصلاة أو عن الجهاد أو عن غير ذلك من العبادات، ذلك أن ذكر الله يشمل جميع الفرائض، فكل عمل تعمله لا يكون لله إلا إذا كنت ذاكراً لله في نفسك أو على لسانك أو مستحضراً له في قلبك. والذكر قد يكونُ في القلب كما يكون في اللسان، قال تعالى: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] . وقال: ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكريا﴾ [طه: ١٤] . فذِكْرُ الله "عام في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء.. وقال الحسن: جميع الفرائض". ولذلك كان الخسران كبيراً فهو متناسب مع عظم المعصية، والله أعلم. ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ .
следующие страницы →