Полный текст (283 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
العاجلةَ على الآخرة، فهو طبعٌ عام في البشر خُلقوا عليه كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فالموضوع إذن موضوع واحد هو العجلة.
وكلاهما يتعجَّلُ ما هو أثيرٌ لديه ومُفصَّلٌ عنده.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ ، كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتكم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة: ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ ... فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ إلى آخره بذكر القيامة؟ قلت: اتصاله به من جهة التخلص منه إلى هذا التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة".
وجاء في (روح المعاني) في هذه الآية: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة * وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ تعميم الخطاب للكل كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لما خُلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ويتضمن استعجالك، لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة.. ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ فإن الإنسان يسوفّ بتوبته ويغرّه أَملُه ويُؤثِرُ ما بين يديه ويغمسُ نفسه في شهواته، ويَستحبُّ عاجلَ حياته ولا ينظر فيما وراء ذلك من أمور الآخرة، فهي متصلة بما قبلها وبقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ أتَمَّ اتصال.
стр. 212
كما أنها متصلة بالنفس اللوامة التي بنيت عليها السورة اتصالاً ظاهراً. فالنفس اللوامة كما ذكرنا تلومُ نفسها لأحد سببين:
стр. 213
إما أن تعجل فتعمل عملاً تندم عليه، فتلوم نفسها على ذلك، وهذا ما يفيده قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ ، وإما أن تؤخر عملاً كان ينبغي لها عمله فيفوتها خيره، فتندم عليه، فتلوم نفسها على ذلك وهذا ما يفيده قوله: ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ فهو هنا عجّل أمراً وترك آخر فندم من الجهتين ولام نفسه في الحالتين، لام نفسه في العجلة ولام نفسه في التَّرك.
وما أحرى أن تسمى هذه النفس بالنفس اللوامة، لأن دواعي اللوم متكاثرة عليها.
ثم انظر كيف اختار الفعل: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ على (تتركون) ذلك أن في (تذرون) حذفاً وأصله (تَوذَرون) من (وَذِرَ) ليدل ذلك على طابع العجلة الذي يريد أن ينتهي من الشيء في أقرب وقت. فاختيار هذا الفعل المحذوف الواو، مناسبٌ لجو العجلة.
وقد تقول: ولِمَ لم يقل: (تَدَعون) وهو فيه حذف كما في ﴿وَتَذَرُونَ﴾ ؟
والجواب - والله أعلم - أن اختيار (تَذَرون) على (تَدَعون) له سببه ذلك أن الفعل (وذر) في عموم معانيه يفيد الذم، ومنه قولهم: امرأة وذِرة أي: رائحها رائحة الوذْر، وهو اللحم، وقولهم: (يا ابنَ شامَّةِ الوذر) وهو سَبٌّ يكنى به عن القذف. وفي الحديث: "شَرُّ النساء الوذِرة المذِرة" بخلاف (ودع) فإن من معانيه الرائحة والدعة وخفض العيش. وقد يفيد المدح ومنه قولهم: رجل وديع، أي: هادئ ساكن. في حين أن
стр. 214
الموقف موقف ذم فإنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فاختار الفعل الذي يقال في عموم معانيه للمدح. وهو اختيار فَنيٌّ رفيع.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
هذان الصنفان هما ما يؤولُ إلى أحدهما الناسُ يوم القيامة. الذي يؤثر الآخرة ويعمل لها، والذي يحب العاجلة ويذر الآخرة. وهذه الآيات مرتبطة بأول السورة وهو القَسَمُ بيوم القيامة أتمَّ ارتباط. فإنه في يوم القيامة ينقسم الناس إلى هذين الصنفين.
ثم إن لاختيار كلمة (رب) وتقديم الجار والمجرور سببه أيضاً.
أما اختيار كلمة (رب) فهو أنسب شيء ههنا، فإن وجوه أهل السعادة تنظرُ إلى وليّ نعمتها في الدنيا والآخرة ومربيها وسيدها الذي غذاها بالنعم وهداها إلى طريق السعادة، وأوصلها إليه ولم تكن قد رأته من قبل. ولم يرد في هذه السورة من أسماء الله تعالى غير لفظ (الرب) .
وأما تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فللاختصاص، فإن هذه الوجوه لا تنظر إلا إليه، فإن النظر إليه يُذْهِلُهَا عن كلِّ ما عداه وينسي أهلها ما عداه من النعيم، فإن أهل الجنة ما أُعطُوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إليه كما في الحديث الصحيح. فهذا من أوجب مواطن الاختصاص. فالتقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته موسيقى الفاصلة. وهذا الجمع بين النضرة وسعادة النظر إلى وجهه الكريم، يشبه الجمع بين النضرة والسرور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: ١١] .
стр. 215
ثم قال بعدها في الصنف الشقيّ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
وهذه بمقابل الوجوه الناضرة، وهي وجوهُ مَنْ آثرَ العاجلة، وترك الآخرة، وجوهُ مَنْ يريد ليفجرَ أمامه، الوجوه التي ينبغي لأصحابها أن يُكْثِرُوا اللومَ لأنفسهم ويبالغوا في اللوم.
وتقديم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآيتين يفيد الاختصاص وهو ما يقتضيه المعنى والفاصلة، فإن نضرة أصحاب النعيم خاصة بذلك اليوم، أما في الدنيا فربما لم تعرف وجوههم النضرة. وكذلك أصحاب الوجوه الباسرة، فإن البُسُورَ مختصٌّ بذلك اليوم، وربما كانت وجوههم من أنضر الوجوه في الدنيا.
﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
والفاقرة: الداهيةُ العظيمة التي تقصم فقار الظهر وأصلها من الفقرة والفقارة كأن الفاقرة تكسر فقار الظهر.
واختيار فعل الظن مناسب أحسن مناسبة لجو السورة والسياق مع أن الموطنَ موطنُ علمٍ ويقين، وقد فسره أكثر المفسرين بالعلم واليقين، ذلك أن الإتيان بفعل الظن متناسب مع تأخير التوبة وإيثار العاجلة وتقديم الفجور، فإنه في الحياة الدنيا بنى حياته على الظن، فهو يظن أنه سيمتد به العمر ويطول به الأجل، فيسوّف بتوبته ويقدم شهوته. وهذا الظن يرافقه إلى اليوم الآخر، فهو إلى الآن يظن وقوع الداهية ظناً، وهو إلى الآن في حالِ ظنٍّ وأملٍ لا في حالِ علمٍ وبصيرة، فهو لا يرى إلا اللحظة التي هو
стр. 216
فيها، وما بعدها فهو عنده ظنٌّ لا يقين كما كان شأنه في الدنيا يقدم شهوته ويؤثر عاجلته ويقول: أيَّانَ يوم القيامة؟
فانظر هذا الاختيار الرفيع لفعل الظن في هذا الموقف، وانظر تناسب ذلك مع النفس اللوامة التي لا ترى إلا ما هي عليه حتى تفوتها الفرصة، ويفوتها معها الخير، ويدركها سوء العاقبة، فتلوم نفسها على ما فرطت في جنب الله.
وذُكِرَ لاختيار فِعْلِ الظن سببٌ آخر هو أن الظانّ لا يعلم نوع العقوبة، ولا مقدارها فيبقى وَجِلاً أشد الوجل، خائفاً أعظم الخوف من هذا الأمر الذي لا يعلم ما هو ولا مداه ولا كيف يَتَّقيه. ألا ترى أن الذي يعلم ما سيحلُّ به يكونُ مُوطِّناً نفسه على ذلك الأمر بخلاف الذي لا يعلم ماذا يتّقي، وما مداه وما نوع تلك الفاقرة.
جاء في (روح المعاني) : "وجيء بفعل الظن ههنا، دلالة على أن ما هُمْ فيه، وإن كان غاية الشر يتوقع بعده أشد منه وهكذا أبداً ... وإذا كان ظانّاً كان أشدّ عليه مما إذا كان عالماً موطِّناً نفسه على الأمر".
ولاختيارِ الفاقرةِ دون غيرها سببٌ سنذكره في مكانه.
واختيار تعبير ﴿أَن يُفْعَلَ بِهَا﴾ بالبناء للمجهول دون أن يقول مثلاً: (أن تصيبها فاقرة) أو (تحلّ بها) أو نحو ذلك له سبب لطيف. ذلك أن قوله: ﴿أَن يُفْعَلَ بِهَا﴾ معناه أن هناك فاعلاً مُريداً يفعلُ بفقار الظهر ما يريد من تحطيمٍ وقصم. أما القول: (أن تصيبها) أو (تحل بها) فكأن ذلك متروك للمصادفات والظروف، فقد تكون الفاقرة عظيمة أو هينة والفواقر بعضها
стр. 217
أدهى من بعض. فقوله: ﴿أَن يُفْعَلَ بِهَا﴾ أنسب اختيار في هذا السياق إذ لا يترك ذلك للمصادفات والموافقات، بل كان ذلك بقدر.
ثم إنه لم يقل: (أن نفعل بها) بإسناد الفعل إلى ذاته العلية، لأنه لم يُرِدْ أن ينسبَ إيقاع هذه الكارثة والشر المستطير إلى نفسه كما هو شأن كثير من التعبيرات التي لا ينسب الله فيها السوء إلى ذاته العلية نحو قوله: ﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ١٠] . وقوله: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً﴾ [الإسراء: ٨٣] . فلم ينسب الشر إلى ذاته.
ثم قال بعدها: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ .
"والضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس وإن لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ". وعدم ذكر الفاعل ولا ما يدل عليه مناسب لجو العجلة الذي بنيت عليه السورة. ونحوه ما مر في حذف جواب القسم في أول السورة، وحذف عامل الحال ﴿قَادِرِينَ﴾ ، وعدم ذكر ما جرى عليه الضمير في قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وغيره مما سنشير إليه.
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ وحذف الفاعل وإبهامه في (قيل) مناسبٌ لإضماره وعدم ذكره في ﴿بَلَغَتِ التراقي﴾ كلاهما لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، وكذلك الإبهام في (راق) مناسب لسياق الإبهام هذا، فإن كلمة (راق) مشتركة في كونها اسم فاعل للفعل (رقَى يرقي) وهو الذي يقرأ الرقية على المريض ليشفى، وفي كونها اسم فاعل للفعل (رقي يرقَى) بمعنى (صعد) ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ ترقى فِي السمآء﴾ [الإسراء: ٩٣] .
стр. 218
واختلف في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين:
مَن يرقيه فيشفيه وينجيه من الموت؟
أو مَن يَرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟
فالقائل مجهول، أَهُمْ أهلهُ ومن يتمنى له الشفاء أم هم الملائكة الذين حضروه أثناء الموت؟
فانظر جو الحذف والإبهام وكيف ناسب ما قبله؟
وقال بعدها: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾ .
واختيار فعل الظن اختيار مناسب غاية المناسبة لما قبلها ولجوِّ السورة كما ذكرنا، فهو إلى اللحظة الأخيرة في حالِ ظنٍّ وأمل ولا يزال فِراقُ الحياة عنده ظناً من الظنون لا يقيناً، ومناسب لقوله: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ فهو في الموطنين، يفترض أن يكون في موقف علم ويقين ولكن مع ذلك لا يزال في موقف ظن.
جاء في (روح المعاني) : "والظن هنا عند أبي حيان على بابه وأكثر المفسرين على تفسيره باليقين. قال الإمام: ولعله إنما سُمِّيَ اليقينُ ههنا بالظن لأن الإنسان ما دامت روحهُ متعلقةً ببدنه يطمعُ في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة".
стр. 219
قوله: ﴿والتفت الساق بالساق﴾ .
قيل: معناه لَفُّهما في الكفن، وقيل: انتهاء أمرهما بالموت، وكل ما قيل في تفسير الآية يراد به حالة من حالات الموت الذي حصل يقيناً لا ظناً.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ .
إن تركيب هذه الآية نظير آية ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ ، فإن تقديم ﴿إلى رَبِّكَ﴾ يفيد القصر والاختصاص، فإن الناس يُساقون إلى ربهم وليس إلى مكان أو ذاتٍ أخرى، فسَوقهم مختص بأنه إلى الله وحده لا إلى غيره.
وكذلك تقديم (يومئذ) فالمساق إليه سبحانه يكون في ذلك اليوم خصوصاً، وهو يوم مفارقة الدنيا.
وقدم ﴿إلى رَبِّكَ﴾ على ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لأنه هو المهم لأنها جهة المساق ومُنتهاه ومستقره. وقد قال في آية سابقة: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ وقال هنا: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ فاختير لفظ (المساق) ههنا لأن الآية في مفارقة الروح الجسد عند الموت، فيذهب بالميت بعد ذلك ويساق إلى ربه، ثم يوضع في القبر، والقبر ليس مستقرّاً ولا موطن إقامة، وإنما هو موطن زيارة كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر * حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ [التكاثر: ١-٢] فسماها زيارة ولم يسمها مكثاً أو إقامة.
أما الآية الأولى فهي في يوم القيامة، يوم قيام الناس من قبورهم والذهاب بهم إلى مستقرهم في الجنة أو النار. وقد سمى الله الجنة مستقرّاً وكذلك النار قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] . فالمساق ينتهي إلى المستقر كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ
стр. 220
خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذا قَالُواْ بلى ولاكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين * قِيلَ ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين * وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ [الزمر: ٧١-٧٣] . فهذه غاية المساق ومنتهاه، وكل ذلك إلى الله رب العباد.
ثم قال بعدها: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى * ولاكن كَذَّبَ وتولى * ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى * أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ .
هذه الآيات فيها حشد من الفن عظيم عسى أن أُوفَّقَ إلى بيانِ شيء من مظاهره. فمن ذلك:
١- أن هذه الآيات وقعت بعد قوله: ﴿والتفت الساق بالساق * إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ وهذا النفي والإخبار فيها، إنما هو في الآخرة وهي من أحوال الآخرة وأخبارها، فارتبطت بقوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
٢- كما ارتبطت بالنفس اللوامة من جهتيها الداعيتين إلى اللوم، فقد ذكرنا أن النفس اللوامة إنما تلوم نفسها لسببين:
إما أن تقوم بعمل لا ينبغي أن تقوم به فتندم فتلوم نفسها على ذلك، أو تترك عملاً ما كان ينبغي لها أن تتركه، فيفوتها خيره فتندم فتلوم نفسها على ذلك. والنفس هنا قدّمت التكذيب والتولّي: ﴿ولاكن كَذَّبَ وتولى﴾ وأخَّرت التصديقَ والصلاة ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ فندمت في الحالتين فاقتضى ذلك أن تلوم نفسها من الجهتين، وأن تكثر ذلك وتبالغ في الملامة.
٣- كما ارتبطت بقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ذلك أنه كذّب وتولى، فقدم شهواته ومعاصيه.
стр. 221
٤- وارتبط قوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ بقوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ فهو مُسْتَبعِدٌ له مكذب به فهو لم يصدِّق ولم يصلِّ.
٥- كما ارتبط ذلك بقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ فإنه قدّم التكذيب والتولّي وأخّر التصديق والصلاة.
٦- وارتبط قوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ بقوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ذلك أن التصديق أمر إيماني، وهو من دخائل النفوس التي لا يطلع عليها إلا الله. والإنسان أعلم من غيره بما في نفسه فهو على نفسه بصيرة، ثم إن الإيمان كما يقال: تصديقٌ بالجَنانِ وقولٌ باللسان وعمل بالأركان، فهو لم يصدّق بالجنان ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ وكذّب باللسان، كما قال تعالى: ﴿ولاكن كَذَّبَ﴾ فأظهر التكذيب و ﴿وتولى﴾ ولم يعمل بالأركان فانتفت عنه حقيقة الإيمان.
٧- وارتبط عدم الصلاة والتولّي بإلقاء المعاذير، فإنه سَيُسأل عن ذلك، فيحاول أن يدفع عن نفسه بالمعاذير.
٨- وارتبط قوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ وقوله: ﴿ولاكن كَذَّبَ﴾ بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فإنه لم يؤمن، والإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان.
٩- وارتبطت هاتان الآيتان أعني قوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى * ولاكن كَذَّبَ وتولى﴾ بقوله: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة * وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ فهو قد أحب العاجلة، فكذّب وتولى وترك الآخرة.
١٠- وارتبطتا بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ فإنه لو صدّق وصلّى لكان من أصحاب الوجوه الناضرة، ولكن كذّب وتولى فأصبح من أصحاب الوجوه الباسرة.
стр. 222
قوله: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى﴾ .
يتمطى، يتبختر وأصله من المطا، وهو الظهر، أي: يَلْوي مطاه تبختراً. وقيل أصله يتمطّط، أي: يتمدد في مشيته ومَدِّ منكبيه قلبت الطاء فيه حرفَ عِلَّة كراهة اجتماع الأمثال مثل تظنَّى من تظنّن.
وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
والفاقرة هي الداهية التي تقصم فقار الظهر. فهذا الذي يتبختر في مشيته ويلوي ظهره، سيقصم فقار ظهره، فلا يستطيع حراكاً. وهو جزاءٌ من جنس العمل، أفلم يكن يلوي ظهره ويتبختر، فسيحطّم هذا الظهر الذي طالما لواه وتبختر به.
وهذا أنسبُ عقابٍ له. ولو قال بدل ذلك مثلاً: ستصيبه داهيةٌ أو تحل به كارثة أو قارعة لم تجده يَحْسُنُ هذا الحُسْنَ، ولا يرتبط به مثل هذا الارتباط، فإن ذلك لا يجانس تَمطّيه.
وهي مرتبطة أيضاً بقوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ فهو كان يذهب إلى أهله وينقلب إليهم متى شاء، أما الآن فإنه يُساق سَوقاً إلى ربه وسيده على الرغم من أَنْفِهِ.
ثم انظر كيف قدم الجار والمجرور في السَّوق فقال: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ لأنه ليس له اختيار، وإنما هو مَذهوبٌ به إلى جهة واحدة. أما في الدنيا فهو ينقلب إلى أهله وإلى عمله، وإلى أصدقائه وإلى من شاء،
стр. 223
فليس ثمة حصر، ولذا لم يقدم الجار والمجرور في الدنيا، فقد كانت له فيها الحرية. أما الآن فهو مَسُوقٌ سوقَ العبدِ إلى مولاه وربه وسيده.
ثم انظر كيف أنه لم يذكر (يومئذ) في الدنيا بخلاف يوم موته وسَوقه. فإنه كان في الدنيا يذهب كل يوم وليس في يوم معيّن، أما سَوقه إلى ربه فذلك في يوم معين وهو يوم الفراق فلم يحتج إلى ذكر اليوم في الدنيا بخلاف يوم المساق.
فانظر كيف تقابل التعبيران والمشهدان.
قوله: ﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ .
﴿أولى لَكَ﴾ عبارة تقال على جهة الزجر والتوعّد والتهديد. تقول لمن تتوعده وتتهدده، (أولى لك يا فلان) أي: ويل لك. واشتقاقها من (الوَلْي) وهو القرب، فهو اسم تفضيل يفيد قرب وقوع الهلاك.
جاء في (الكشاف) : ﴿فأولى لَهُمْ﴾ [محمد] "وعيدٌ بمعنى: فويلٌ لهم، وهو أفعل من الوَلْي وهو القرب ومعناه: الدعاء عليهم بأن يَلِيَهم المكروه".
وجاء في (روح المعاني) : ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ "من الوَلْي بمعنى القرب، فهو للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء، كأنه قيل: هلاكاً أَولى لك بمعنى: أهلككَ اللهُ تعالى هلاكاً أقرب لك من كل شر وهلاك.. وفي الصحاح عن الأصمعي، قاربَهُ ما يُهْلِكُه: أي نزل به ... وقيل: اسم فعل مبني ومعناه: وَلِيكَ شَرٌّ بعد شر".
стр. 224
واختيار هذا الدعاء أنسب شيء ههنا، فهو دعاء عليهم وتهديد لهم بالويل القريب والشر الوشيك العاجل، فهو مناسب لإيثارهم العاجلة وتقديمهم الفجور والشهوات وتأخيرهم الطاعات، فكما عجّلوا في فجورهم وشهواتهم ومعاصيهم عجل لهم الويل والثبور. وهو مناسب لجو العجلة في السورة الذي ذكرنا قسماً من مظاهره.
لقد ورد هذا الدعاء في سورة محمد فقال: ﴿فأولى لَهُمْ﴾ غير أننا نلاحظ الفروق التعبيرية الآتية بينهما:
١- إنه كرر الدعاء في سورة القيامة في الآية الواحدة فقال: ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ ولم يكرره في سورة محمد بل قال: ﴿فأولى لَهُمْ﴾ .
٢- ثم إنه عاد فكرر الآية: ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ كلها في سورة القيامة، فكان تكراران: تكرار جزئي في الآية، وتكرار كلي للآية.
٣- في آية ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ كرر لفظ ﴿أولى﴾ ولم يكرر ﴿لَكَ﴾ .
٤- فَصَلَ بين الدعاءين في الآية الواحدة بالفاء.
٥- فصل بين الآيتين بـ (ثم) .
وبالتأمل في السياقين نجد السبب واضحاً.
قال تعالى في سورة محمد: ﴿وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القتال رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت فأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] .
وقال في سورة القيامة: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى * ولاكن كَذَّبَ وتولى * ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى * أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ .
стр. 225
وكل سياق يقتضي ما ذكر فيه من جهات متعددة منها:
١- إن المذكور في آية القيامة أشد كفراً وضلالاً من المذكورين في آية محمد، ذلك أنه قال في آية محمد: ﴿رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ وهؤلاء من ضَعَفَة الدين.
جاء في (الكشاف) : " ﴿الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام".
وجاء في (روح المعاني) : ﴿رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. وقيل: ضعف في الدين".
في حين قال في سورة القيامة: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى * ولاكن كَذَّبَ وتولى﴾ وربما أظهر الأول التصديق والصلاة في حين أن الثاني أظهر التكذيب والتولّي، ثم ذهب إلى أهله متبختراً بذاك فهو إذن أولى بالوعيد الشديد.
٢- إن المذكورين في سورة محمد أخبر عنهم وهم أحياء، والأحياء تُرْجى لهم التوبة، وبابُ التوبة مفتوح، أما المذكور في سورة القيامة فأخبر عنه بعد الموت وقد مات على التكذيب والتولي وتحقق عليه الوعيد الشديد.
٣- اذكر في آية سورة محمد صفة واحدة، وهي الجبن عن القتال، فهدَّدهم مرة واحدة في حين ذكر أكثر من صفة من صفات الكفر في سورة القيامة فكرر تهديده.
стр. 226
٤- ذكر صفتين للمذكور في سورة القيامة وهما: عَدَمُ التصديق وعدم الصلاة: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ ولكل منهما ذكر تهديدًا:
فلا صدّق ... أولى لك.
ولا صلّى ... فأولى.
ثم كرر هاتين الصفتين وأكَّدهما بمعناهما، فقال: ﴿ولاكن كَذَّبَ﴾ وهي بمعنى ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ ثم قال: ﴿وتولى﴾ وهي إثباتٌ لعدم الصلاة وغيرها من الطاعات. فالآية الثانية تكرير وتوكيد لما نفاه عنه في الآية الأولى. ولذا كرر التهديد وأعاده، لأنه أعاد الصفتين كلتيهما بمعناها فقال: ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ .
وعلى هذا فهو ذكر عدم التصديق وأكده بالتكذيب، وذكر عدم الصلاة وأكده بالتولّي، ولكلٍّ تهديدٌ ووعيد فكرره أربع مرات كل وعيد مقابل صفة.
٥- لقد ذكر صفتين كما أسلفنا في سورة القيامة، وهاتان الصفتان ليستا بدرجة واحدة من الضلال بل إحداهما أشدّ من الأخرى.
فالأولى: هي التكذيب أو عدم التصديق.
والأخرى: التولي ومنه عدم الصلاة.
وعدم التصديق أو التكذيب هو إنكار للإيمان من أساسه، فهو لم يصدّق بالرسالة ولا ببقية أركان الإيمان.
والثانية: عدم الصلاة. جاء في (فتح القدير) : ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ أي: لم يصدّق بالرسالة ولا بالقرآن ولا صلى لربه.. وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه".
стр. 227
ولا شك أن عدم التصديق، هو أكبر جرماً وضلالاً لأن صاحبه لم يؤمن أصلاً. أما عدم الصلاة فهو أخف. ذلك أن المؤمن إذا قصّر في الطاعات تكاسلاً فقد يغفر الله له أو يتجاوز عنه، لأنه لا يزال في دائرة الإسلام. وقد قال أكثر الفقهاء أن المسلم إذا ترك الصلاة تهاوناً وتكاسلاً غير جاحدٍ لفرضيتها لا يُخْرِجُه ذلك عن الإسلام.
أما إذا لم يؤمن ولم يصدق فلا ينفعه شيء، وإن فعل ما فعل من مظاهر الطاعة. ولذا كانت قوة التهديد بمقابل قوة الوصف. فقال مقابل ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ ﴿أولى لَكَ﴾ فذكر ﴿لَكَ﴾ ومقابل ﴿وَلاَ صلى﴾ ﴿فأولى﴾ بحذف (لك) إشارة إلى عظم الإيمان وأهميته، وإشارة إلى أن الصفتين المذكورتين ليستا بدرجة واحدة في الضلال.
فهذا الحذف ليس للفاصلة فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه أيضاً، وإنما هو للمعنى وللفاصلة.
٦- إن الصفتين لم يكررهما بلفظهما بل بمعناهما ومقتضاهما، وهما في لفظ الإعادة والتوكيد أشد سوءاً ونُكراً مما ذكرهما أولاً.
فإنه قال أولاً: ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ وقال في التأكيد والإعادة: ﴿ولاكن كَذَّبَ﴾ والتكذيب إنما يكون بالإعلان والإشهار. أما عدم التصديق فلا يستلزم الإعلان، وقد تقول: (هو لا يصدّق غير أنه لا يعلن تكذيبه) ، فربما لا يصدّق إنسانٌ بأمرٍ غير أنه لا يكذّبُ به.
فالتكذيب إذن أشد سوءاً أو ضلالاً من عدم التصديق.
وكذا قوله: ﴿وَلاَ صلى﴾ فقد كرره وأكده بقوله: ﴿وتولى﴾ ، والتولّي أعمُّ من عدم الصلاة وأشد.
وعلى هذا فآية التوكيد أشد من الآية المؤكَّدة.
стр. 228
وقد فرق بين الآيتين بـ (ثم) وذلك لجملة أسباب:
منها أن ﴿ثُمَّ﴾ قد تفيد عموم البعد والتباين وليس المقصود بها التراخي في الزمن فقط، ومن ذلك قولهم: (أعجبني ما صنعته اليوم، ثم ما صنعته أمس أعجب) .
ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ [البلد: ١١-١٧] .
دخلت ﴿ثُمَّ﴾ لبيان تفاوت رتبة الفك والإطعام من رتبة الإيمان.
فما بعد (ثم) أبعد من الرتبة مما قبلها، وكذلك ههنا فإن التهديد أقوى من الأول.
وقيل: إن التكرار ههنا مبالغة في التهديد والوعيد.
ومنها: إنه جاء بـ (ثم) لتوكيد الكلام، إذ أن جملة التوكيد قد يفصل بينها وبين المؤكدة بحرف العطف، تقول: والله ثم والله. وفي (روح المعاني) : "إنها كُرِّرت للتأكيد".
وربما جاء بـ (ثم) للتراخي الزمني أيضاً، إذ هناك عذاب في القبر وعذاب في الآخرة، وبينهما مدة مديدة كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ [غافر: ٤٦] .
стр. 229
فهم يعرضون على النار غدواً وعشياً في القبر، ويوم تقوم الساعة لهم عذابٌ أشد.
وعلى هذا يكون التهديد الأول في القبر والثاني في الآخرة، وجاء بينهما بـ (ثم) الدالة على المهلة والتراخي. والدالة على بُعْدِ ما بين التهديدين والعذابين في الشدة.
ونحوه ما قيل في قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣-٤] . قيل: تأكيدٌ لحصول العلم كقوله: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤-٥] وقيل: ليس تأكيداً بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس.
ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة.
الثاني: لتوسط (ثم) بين العلمين، وهي مؤذنة ما بين المرتبتين زماناً وخطراً".
وجاء في (فتح القدير) في قوله: ﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ "قيل: ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات: الويلُ لك حياً
стр. 230
والويلُ لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار".
٧- لذا جاء بالفاء بين الأوليين لقربهما وتعجيلهما فقال: ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ فإن ما بين العذابين قريب، وهو عذاب الدنيا وعذاب القبر.
وكذلك جاء ما بين العذابين الآخرين بالفاء، لقربهما من بعضهما وهو ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ الثانية فإنهما متصلان بيوم القيامة ودخول النار. فكل عذابين قريبين من بعضهما فصل بينهما بالفاء. وقد فصل بـ (ثم) للفاصل الزمني البعيد بين كل منهما.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، أنه جيء بالفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة لمناسبة العجلة التي بنيت عليها السورة في قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ وغير ذلك من السياقات التي تدل على العجلة.
ثم قال بعد ذلك: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ .
هذه الآية مرتبطة بأول السورة، وهو القَسم بيوم القيامة، ومرتبطة بقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ومرتبطة بقوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ذلك أنه مجزيٌّ عن عمله ولا يترك سدى، بل سيعاقب على فعله، ومرتبطة بالآية قبلها وهي ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ ذلك أن معناها: أنه لا يترك سدى بل سيعاقب على فعله، ومرتبطة بما بعدها وبآخر السورة، وهو قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ .
وغنية هذه الوثاقة في الارتباط عن كل قول.
стр. 231
قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى﴾ .
حذف نون (يكن) لسببين والله أعلم:
الأول: مراعاة لجانب العجلة التي طُبعت به السورةُ، وتكررت مظاهره في أكثر من موطن، فحذف نون (يكن) للفراغ من الفعل بسرعة وهو الملائم لجو العجلة في السورة.
الثاني: أن الإنسان لا يكون إنساناً من المنيّ وحده حتى يُراقَ في الرحم، ويلتقي بالبويضة. فبالمنيّ والبويضة يكتمل الخَلْقُ وبهما يتم الإنسان، أما المنيّ وحده، فلا يكون منه إنسان وكذلك البويضة وحدها. فنقَصَ من فعل الكون إشارة إلى أن التطوير المذكور في الآيات هذه لا يكون إلا بهما معاً، أما المني فهو جزء من السبب. ولم يُتِمَّ الفعل إشارة إلى ذلك.
ومعنى (يُمنَى) : يراق في الرحم، فإن لم يُمنَ فلا تكوين. وهذا من مواطن الحذف البديعة.
ثم قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ .
الملاحظ أنه لم يذكر فاعل الخلق ولا التسوية ولا الجعل، ولم يُجرِ له ذِكْراً، فقد قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ﴾ وقد كان بنى الفعل قبلها للمجهول، فلم يذكر فاعله أيضاً، وهو قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ فلم يذكر فاعل التَّرك، وعَدَمُ ذِكْرِ فاعلِ الخَلْقِ وما بعده مناسبٌ لحذف فاعل التَّرك. وكل ذلك مناسب لجو العجلة في السورة.
стр. 232
والهاء في ﴿مِنْهُ﴾ تعود على المنيّ، فمن ماء الرجل يكون الذكر والأنثى، وليس للأنثى فيه دخل، ولم يكن هذا الأمر معلوماً حتى العصر الحديث، فقد ثبت أن الذكر هو المسؤول عن الجنس وليس الأنثى. وقد ذكره القرآن الكريم قبل اكتشاف قوانين الوراثة وعلم الأجنّة فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ فأعاد الضمير على المنيّ، ولو أعاده على العلقة لقال: (منها) . ولم يُعده على النطفة مع أنها هي القطرة من المنيّ، لئلا يحتمل إعادته على العلقة، وهذا إعجاز علمي علاوة على الإعجاز الفني.
ثم قال بعد ذلك: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ .
اسم (ليس) مكنيٌّ غير مصرّح به وهو اسم الإشارة (ذلك) . وقد أشار به إلى ذاتٍ غير مذكورةٍ في الكلام، فناسب ذلك عدم التصريح بالفاعل فيما تقدم من الأفعال.
وناسب آخر السورة أولها، فقد أقسم في مفتتح السورة بيوم القيامة، وختمها بإحياء الموتى.
وقد تقول: ولِمَ قال ههنا: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ على سبيل التقرير، وقال في أوائل السورة: ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ على سبيل الإثبات؟
والجواب أن إحياء الموتى أصعب وأعسر من تسوية البنان في القياس العقلي، وإن كانت الأفعال بالنسبة إلى الله كلها سواء، فجاء في آية إحياء الموتى بأسلوب التقرير الاستفهامي الدال على الأهمية وأكّد القدرة بالباء الزائدة فقال: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ في حين جاء بالإثبات في تسوية البنان،
стр. 233
فقال: ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ . ثم إنه حذف الفعل وصاحب الحال، وجاء بالحال وحدها، فقال: ﴿قَادِرِينَ﴾ ولم يقل: (نجمعها قادرين) فأخلاها من كل توكيد في حين ذكر الجملة تامة، مؤكدة في إحياء الموتى فدلَّ ذلك على الفرق بين المقامين.
وفي ختام هذه اللمسات، نقول: إن هناك أكثر من خط فني في هذه السورة.
منها: خَطُّ مراعاة العجلة، ومنها: مراعاة جانب القيامة، ومراعاة الازدواج. في التعبير وغيرها من الخطوط.
أما مراعاة جانب القيامة وجانب النفس اللوامة، فالسورة مبنية عليهما أصلاً كما بيّنا. وسنشير إلى جانبين آخرين هما: مراعاة جانب العجلة، ومراعاة الازدواج في التعبير. أما بقية الجوانب، فهي ظاهرة لا تحتاج إلى إيضاح.
فمن مراعاة جانب العجلة:
١- حذف جواب القسم الذي افتتحت به السورة وهو ﴿لاَ أُقْسِمُ﴾ .
٢- حذف عامل الحال وهي ﴿قَادِرِينَ﴾ .
٣- عدم ذكر مرجع الضمير في قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فالهاء لا تعود على مذكور.
٤- عدم ذكر الفعل ﴿بَلَغَتِ﴾ في قوله: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾ ولم يَجر له ذكر.
٥- عدم ذكر فاعل الظن في قوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾ ولم يجر له ذكر.
стр. 234
٦- عدم ذكر فاعل ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ .
٧- حذف نون (يكون) في قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ﴾ .
ومن السياقات الواردة في العجلة:
١- قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والمعنى: أنه يؤثر العاجلة، فيقدم شهواته.
٢- قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
٣- قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة * وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ .
أما ظاهرة الازدواج أو الاقتران بين الأمرين المتناظرين أو المتقابلين، فإن السورة مبنية كما يبدو على هذا الازدواج والاقتران.
فالسورة تبدأ بالقسم بشيئين هما: يوم القيامة، والنفس اللوامة، ثم تستمر السورة على هذا النحو من الاقتران والازدواج، فمن ذلك مثلاً:
١- أنها أقسمت بشيئين هما يوم القيامة والنفس اللوامة.
٢- وجمعت بين آيتين من آيات الله الكونية: آية الليل وآية النهار، وهما الشمس والقمر وذلك في قوله: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ .
٣- وذكرت نوعين من العمل يُنبأ بهما الإنسان، وهما ما قدّم وما أخر ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ .
٤- وذكرت ما خفي في النفس وما يظهره الإنسان من الحجج والمعاذير وذلك في قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾ .
٥- وذكرت العاجلة والآخرة وذلك في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة * وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ .
стр. 235
٦- وذكرت الحُبَّ والتَّرْكَ وذلك في قوله: ﴿تُحِبُّونَ﴾ و ﴿وَتَذَرُونَ﴾ .
٧- وذكرت نوعين من الوجوه: الوجوه الناضرة، والوجوه الباسرة.
٨- ونفت اثنتين من الطاعات في قوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ .
٩- وأثبتت اثنتين من المعاصي وذلك في قوله: ﴿ولاكن كَذَّبَ وتولى﴾ .
١٠- وكررت آية واحدة مرتين وهي قوله: ﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ .
١١- وذكرت نعمتين من نعم أهل الجنة: نضرة الوجوه والنظر إلى الرب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
١٢- وذكرت عقوبتين من عقوبات أهل النار، بُسور الوجه وقاصمة الظهر: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
١٣- وذكرت نوعين من الجمع، جمعاً في يوم القيامة وجمعاً في الدنيا. أما الجمع في يوم القيامة فهو قوله: ﴿أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ .
وأما جمع الدنيا فهو جمع القرآن، وهو قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ .
١٤- وذكرت نوعين من القدرة:
القدرة على تسوية البنان وهو قوله: ﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والقدرة على إحياء الموتى، وهو قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ .
ذكرهما بطريقتين من الإثبات.
الإثبات الصريح: وهو قوله: ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ .
والإثبات عن طريق التقرير ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ .
стр. 236
وإحداهما بحرف الجواب هو: ﴿بلى﴾ ، والأخرى بحرف السؤال وهو الهمزة: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ .
١٥- وذكر نوعين من التسوية:
تسوية جزئية مقيدة وهي تسوية البنان وهو قوله: ﴿نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ .
وتسوية عامة مطلقة وهو قوله: ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾ .
١٦- وذكر طورين من أطوار خلق الإنسان، وهما النطفة والعلقة.
١٧- وذكر الجنسين وهما الذكر والأنثى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ .
١٨- وذكر طريقتين من التعبير عن الله.
التعبير بالجمع ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ و ﴿نَّجْمَعَ﴾ و ﴿نُّسَوِّيَ﴾ .
والتعبير بالإفراد وذلك نحو قوله: ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾ .
إلى غير ذلك من مظاهر الازدواج.
стр. 237
سورة البلد
سُئلت مرة: ما علاقة القَسَم بمكة على خَلْق الإنسان في كَبَد في قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد﴾ ؟
فقلتُ له ابتداء: إن الله أقسم بمكة حالَ كونِ الرسول فيها والرسول كان يلاقي فيها عنتاً ومشقة وهو يبلّغ الدعوة، فقال الله تعالى: إن الله خلق الإنسان مكابداً في دنياه، ليسلّيه ويصبّره. ثم رأيتُ أن أنظر في السورة وأُدوِّنَ ما أجدُ فيها من لمسات فنية.
إن مناسبة هذه السورة لما قبلها - أعني سورة الفجر - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم * وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين * وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر: ١٥-٢٠] .
стр. 238
فقد ذكر فيها صنفي الإنسان: الغني والفقير. الصنف الذي أكرمه ربه ونعّمه، والصنف الذي ابتلاه وضيّق عليه الرزق، وهو ما ذكره في سورة البلد. فقد ذكر الإنسان الذي أهلك المال الكثير، وذكر المسكين ذا المتربة واليتيم ذا المقربة.
ووصف الله الإنسان بأنه لا يكرم اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين في سورة الفجر، وأوصانا بالرحمة وحضّنا على الإنفاق في سورة البلد ذاكراً هذين الصنفين اللذين ذكرهما في سورة الفجر فقال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ فذكر الصنفين المذكورين في سورة الفجر، اليتيم والمسكين. ولما وصف الله الإنسان بأنه يحب المال حباً شديداً ويأكل التراث أكلاً لمّاً في سورة الفجر، ذكر في سورة البلد أن هذه عقبة لا يجتازها إلا من أعان الآخرين بماله وسمح لهم به.
ثم انظر إلى علاقة قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث﴾ بقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ وأنه كما يأكل ينبغي أن يُطعم الآخرين، فانظر إلى قوة المناسبة وجمال الارتباط. وقد انتبه المفسرون ﵏ إلى علاقة هذه السورة بما قبلها.
جاء في (البحر المحيط) : "لما ذكر تعالى ابتلاءه للإنسان بحالة التنعيم، وحالة التقدير وذكر من صفاته الذميمة ما ذكر وما آل إليه حالهُ وحال المؤمن أتبعه بنوع من ابتلائه ومن حاله السيىء، وما آل إليه في الآخرة".
وجاء في (روح المعاني) : "ولما ذم سبحانه فيما قبلها مَنْ أحبَّ المال، وأكل التراث أكلاً لمّاً، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر جلّ
стр. 239
وعلا فيها الخصال التي تطلب من صاحب المال من فك الرقبة، وإطعام في يوم ذي مسغبة. وكذا لما ذكر النفس المطمئنة هناك ذكر سبحانه بعض ما يحصل به الاطمئنان".
ثم انظر من ناحية أخرى، كيف أن هذه السورة - أعني سورة البلد - استوفت عناصرَ البلاغ والإرسال، فقد ذكرت موطنَ الرسالة، والرسول، والمرسَل إليهم، والرسالة. فقد ذكرت (مكة) وهي المرادة بقوله: ﴿بهاذا البلد﴾ ، والرسول: وهو المراد بقوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد﴾ وذكرت المرسل إليه وهو ﴿الإنسان﴾ ويدخل فيه أيضاً: (الوالد وما ولد) ، وذكرت الرسالة، وهي الإيمان والعمل الصالح، وهو ما ذكرته من فك الرقبة ونحوه من الأعمال الصالحة. وذكرت أصنافَ الخَلْقِ بالنسبة للاستجابة إلى الرسالة، وهم أصحاب الميمنة الذين اقتحموا العقبة وأصحاب المشأمة، وهم الكفرة. فانظر أيّ عموم واستيفاء وشمول في هذه السورة المباركة؟
﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد * وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ .
لقد أقسم الله تعالى بما ذكر "على أن الإنسان خُلق مغموراً في مكابدة الشدائد والصعاب".
فقد أقسم سبحانه بالبلد الحرام في حال حلول الرسول ﷺ فيه وإقامته به يُبلِّغ دعوته.
وقد تقول: ولِمَ قال: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ ولم يقل: وأنت حالٌّ أو مقيمٌ بهذا البلد؟
стр. 240
والجواب: أنه جمع بالعدول إلى كلمة ﴿حِلٌّ﴾ عدة معان في آن واحد كلها مرادة مطلوبة. ذلك أن كلمة ﴿حِلٌّ﴾ تحتمل معاني عدة:
منها: أنها تأتي بمعنى الحالّ والمقيم.
وقالوا: إن المقصود، تعظيم المقسم به، وهو أنه لما حل الرسول بمكة جمعت شرفين، شرفها هي الذي شرَّفها الله به، وشرف الرسول فازدادت تعظيماً على تعظيم وشرفاً على شرف، واستحقت بذلك القسم.
جاء في (البحر المحيط) : "إنه تعالى أقسم بها لما جمعت من الشرفين شرفها بإضافتها إلى الله تعالى، وشرفها بحضور رسول الله ﷺ ، وإقامته فيها فصارت أهلاً لأن يقسم بها".
وجاء في (تفسير البيضاوي) : "أقسم سبحانه بالبلد الحرام، وقَيَّده بحلوله ﵇ فيه، إظهاراً لمزيد فضله وإشعاراً بأن شرفَ المكان بشرفِ أهله".
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن) : "إنه إذا كان الحل من الحلول، فهو متضمنٌ لهذا التعظيم مع تضمنه أمراً آخر، وهو الإقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده، فهو خيرُ البِقاع، وقد اشتمل على خير العباد. فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماماً وهادياً لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه".
стр. 241
وقيل: هو نفي للقسم. والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه".
ومن معاني (الحِلّ) : أنها تأتي بمعنى اسم المفعول، أي: مُستَحَلّ، فعلى هذا يكون المعنى: وأنت مستَحلٌّ قتلك لا تُراعَى حرمتُكَ في هذا البلد الحرام الذي يأمنُ فيه الناس على دمائهم وأموالهم والذي يأمن فيه الطير والوحش.
جاء في (الكشاف) : "ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك، يُستحلّ بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل: يُحَرِّمونَ أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلُّون إخراجَك وقتلك.
وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب من حالهم في عداوته.
أو سلّى رسول الله ﷺ بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد".
وجاء في (روح المعاني) : "وفيه تحقيق مضمونه بذكر بعض المكابدة على نهج براعة الاستهلال، وإدماج لسوء صنيع المشركين، ليصرّح بذمهم على أن الحِلّ بمعنى المستَحلّ بزنة المفعول الذي لا يحترم، فكأنه قيل: ومن المكابدة أن مثلك على عِظَمِ حُرمته يُستحَلُّ بهذا البلد ولا يُحتَرمُ كما يستحل الصيد في غير الحرم ... وفي تأكيد كون الإنسان في كبد، بالقسم
стр. 242
تثبيت لرسول الله ﷺ وبعث على أن يطامن نفسه الكريمة على احتماله، فإن ذلك قدر محتوم".
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن) : "وفي الآية قول ثالث، وهو أن المعنى: وأنت مُستحَلّ قتلُك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني، وقد استحل قومُكَ فيه حرمتك، وهم لا يعضدون به شجرةً ولا ينفرون به صيداً ... وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه.
فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله".
ومن معاني (الحِلّ) أنها تأتي بمعنى الحلال ضد الحرام، أي: "وأنت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتلُ مَنْ شئت. وكان هذا يوم فتح مكة".
وجاء في (الكشاف) : "يعني وأنت حِلّ به في المستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ... فإن قلت أين نظير قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ قلتُ: قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ومثله واسع في كلام العباد".
وعلى هذين القولين الأخيرين تكون (لا) نافية، أي: لا أقسم بهذا البلد في حين أن أهلُه يستحلون حرمتك، ولا يرعون لك قدراً، أو لا أقسمُ به وقد جاء أهله بأعمال تستحل حرمتهم والوقيعة بهم في هذا البلد الأمين. فعلى كلا القولين: تكون (لا) نافية.
стр. 243
جاء في (البحر المحيط) : "وقال ابن عطية: وهذا يتركب على قول مَنْ قال: (لا) نافية، أي: أن هذا البلد لا يقسم الله به، وقد جاء أهلُه بأعمالٍ توجب الإحلال، إحلال حرمته".
وقيل: المعنى: "وأنت حِلّ بهذا البلد مما يقترفه أهله من المآثم مُتَحرِّجٌ بريء منها"، كما تقول: أنا في حِلّ من هذا.
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو ﷺ حالٌّ بهذا البلد الكريم يبلِّغُ رسالة ربه متحرجٌ من آثامهم بريءٌ من أفعال الجاهلية، وقد استُحلّت حرمته وأُريد قتله في حين حلولهِ به وتبليغ دعوة ربه. وأنه حَلَّ لهذا الرسول أن يقتلَ ويأسرَ في هذا البلد يومَ الفتح ما لا يحلُّ لغيره. وهذا على الاستقبال وعلى الوعد بنصره.
فانظر كيف جمعت كلمة ﴿حِلٌّ﴾ هذه المعاني المتعددة بخلاف ما لو قال: (حالّ) أو مقيم، أو حلال، أو ما إلى ذلك مما يقصر الكلام على معنى واحد. فإنها جمعت اسم الفاعل وهو الحالّ، واسم المفعول وهو المستحَلّ، والمصدر وهو الحلال. فانظر أيّ اتساع في المعنى؟
وهي في هذه المعاني كلها مرتبطة بالمقسم عليه، وهو قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ أحسن ارتباط وأوثقه كما سنبين ذلك.
وقد تقول: ولِمَ لم يقل: (لا أقسم بهذا البلد الأمين) كما أقسم في سورة التين؟
стр. 244
والجواب: أنه لما جرى ذِكْرُ المكابدة في هذا البلد، وما استحل به من الحرمات وما أصاب الرسول ﷺ من المشقة والعنت والتعذيب لم يناسب ذلك ذكر الأمن.
كما لا يصح ذكر ذلك على معنى أنه حِلٌّ لرسول الله ﷺ أن يصنع فيه ما يشاء من القتل والأسر كما حدث في فتح مكة، فإن ذلك لا يناسب ذكر الأمن أيضاً.
كما أن جو السورة لا يناسب ذكر الأمن، فإن جو السورة في المكابدة والمشقة حتى أنه لم يذكر جزاء المؤمنين في الآخرة، بل ذكر جزاء الكافرين وهذا الجزاء لا يأمن معه الكافر أبد الآبدين. فلم يناسب ذلك ذكر (الأمين) .
وقد تقول: ولِمَ كرر ﴿بهاذا البلد﴾ في الآيتين فقال: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد﴾ ولم يقل: (وأنت حِلٌّ به) ؟
والجواب: أن هذا أجمل تكرير وأحسنه ولا يقع الضمير موقعه في الحسن. إذ من المعلوم أن العرب إذا عُنيت بلفظٍ كررته وذلك كأن يكون في موطن التشويق أو التحسر أو التعظيم أو التهويل وغير ذلك من مواطن العناية والاهتمام وذلك نحو قول الشاعر:
يا مُوقد النار بالهنديِّ والغارِ ... هيّجت لي حَزَناً يا مُوقد النارِ
فأنتَ ترى أن تكرار (يا موقد النار) من أجمل التكرار وأحسنه.
ومثل ذلك التكرارُ للتحسر نحو قوله:
فيا قبرَ معنٍ أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا
ويا قبر معنٍ واريت جُودَهُ ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
стр. 245
ونحوه قول أبي العتاهية:
مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عيني ... يا أبا عثمان أوجعت قلبي
ومن التكرير للتعظيم والتهويل قوله تعالى: ﴿الحاقة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾ [الحاقة: ١-٢] و: ﴿القارعة * مَا القارعة﴾ [القارعة: ١-٢] و: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] .
ومن التكرير للإنذار قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بياتا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧-٩٨] .
فانظر حُسْنَ هذا التكرير وجمال موقعه.
وقد يكون التكرير للإنكار وذلك كأن تقول لشخص أساء إلى مَنْ أحسن إليه في حين تنكَّرَ له الأقربون وطرده الناس أجمعون: أتعادي خالداً الذي أكرمك، وآواك وأنت حينذاك طريدٌ مُهان لا أحد يؤويك؟ أتهين خالداً الذي أكرمك وآواك من أجلِ شخص رذيلٍ؟ أتسرق خالداً الذي أكرمك وآواك، وقد وثق بك وائتمنك؟ ثم أتتّهم خالداً الذي أكرمك وآواك بما تعلم أنه كذبٌ وزور؟ أيسيء أحدٌ إلى هذا الشخص الذي أكرمه وآواهُ؟ أيفعل أحد كل هذا مع الشخص الذي أكرمه وآواه؟ أيّ فعل هذا. وأيّ إنسان ذلك الإنسان؟!
والتكرار في الآية لتعظيم بلد الله الحرام فقد قال: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد * وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد﴾ أي: وأنت حالّ بهذا البلد تَلقى العنتَ والظلم والأذى، بهذا البلد الذي يأمن فيه الخائف، ويأمن فيه الوحش والطير، فأيّ انتهاك لحرمة هذا البلد، وأيّ جور يقع بهذا البلد؟
стр. 246
وما إلى ذلك من المعاني الأخرى، التي تقال في تفسير كلمة ﴿حِلٌّ﴾ .
جاء في (ملاك التأويل) : "للسائل أن يسأل عن تكرير لفظ (البلد) وجعله معطوفاً وفاصلة في الآيتين وكيف موقع ذلك في البلاغة، وعند الفصحاء.
والجواب: أنه قد تقدم أن العرب مهما اعتنت بشيء وتَهمَّمت به كررته، وإن ذلك من فصيح كلامهم وأن منه قوله:
وإن صخراً لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتمّ الهُداةُ به ... كأنه علَم في رأسه نار
... وذكره ظاهراً لما يحرز هذا المعنى من تعظيمه، لما فيه من تعظيمه لما فيه من التنبيه والتحريك".
وقيل إن التكرير جيء به لفائدة أخرى وهي أن هذا البلد حرام لا تُستحل حرمته، ولا يسفك فيه دم ولا يروَّع فيه آمن، ولكن الله أحل لنبيه يوم فتح مكة ما لم يحلّه لغيره من قتلٍ وأسر فكأن هذا البلد في هذا اليوم غيره في سائر الأيام وأنه أصبحت له صفة أخرى، وهي صفة الحل فجمع صفتي الحرم والحل فتكرر لتكررِ الوصفين، وكأنه أصبح بلدين لا بلداً واحداً.
جاء في (درة التنزيل) : "للسائل أن يسأل عن تكرير ﴿البلد﴾ وجعله فاصلة بين الآيتين..
والجواب أن يقال: إذا عني بالثاني غير المقصود بالأول من وصف يوجب له حكماً غير حكم الأول كان من مختار الكلام. فالبلد الأول قصد به وصف لم يحصل في الثاني وهو مكة. لأن معنى أقسم بالبلد المحرم
стр. 247
الذي جُبلت على تعظيمه قلوبُ العرب، فلا يحل فيه لأحد ما أُحِلَّ للنبي ﷺ ، فقوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ أي: مُحَلٌّ أُحِلَّ لك منه ما حرم على غيرك. فصار المعنى: أقسم بالبلد المحرم تعظيماً له، وهو مع أنه محرم على غيرك مُحَلّ لك إكراماً لمنزلتك. فالبلد في الأول محرم وفي الثاني محلل".
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
اختلف في الوالد هذا وما ولد، فقيل: هو آدم وذريته "وعلى هذا فقد تضمن القسم، أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم".
وقيل: رسول الله ﷺ وآباؤه فعلى هذا "أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه. فإن قلت: لِمَ نكّر؟ قلتُ: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب".
وقيل: هو كل والد وما ولد من العقلاء وغيرهم "لا يراد به مُعيَّن، بل ينطلق على كل والد. وقال ابن عباس ذلك. قال: هو على العموم يدخل فيه جميع الحيوان".
وهذا الذي يترجح عندي فهو يشمل كل والد وولده يدخل فيه ما ذكره الأولون ولا يخصهم.
стр. 248
ووجه ارتباطها بالمقسَم عليه ظاهر، ذلك أن الولادة مشقة وتعب ومكابدة، فارتباطها بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ بَيِّن.
وكما هي مرتبطة بالمُقْسَمِ عليه في أول السورة هي مرتبطةٌ أيضاً بآخر السورة، وهو قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ذلك أن الوالد من الأناسي والبهائم، يحتاج في تربية ولده وحفظه وإطعامه والقيام عليه إلى صبر ورحمة. فاتضح بذلك قوة ارتباط الآية بأول السورة وآخرها.
ثم انظر كيف انتقل من الوالد وما ولد إلى خلق الإنسان - وهو من جملة الوالد وما ولد - فَخَصَّهُ من بين هذا العامّ لأن مدارَ الكلام معقودٌ عليه.
ثم انظر كيف قال: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ ولم يقل: (ومن ولد) ولذلك أكثر من سبب.
فإن ﴿مَا﴾ عامة و (من) خاصة، فإن (ما) تقع لذوات غير العاقل، وتقع لصفات مَنْ يعقل، فتقول: (أركبُ ما تركبُ) و (آكلُ ما تأكل) فهي هنا لذوات غير العاقل. وتقع لصفات العقلاء قال تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] . وقال: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] . وقال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] . وهو الله سبحانه. وتقول: (زيد ما زيد) قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] .
فهي تكون للعاقل وغيره، فهي أَعمُّ وأشمل من (من) قال الفراء: "وصلحت (ما) للناس، ومثله ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ وهو الخالقُ للذكر والأنثى. مثله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ ولم يقل: من طاب".
стр. 249
ثم إن لفظها يوحي بالسعة والشمول، ذلك أنها منتهية بحرف الإطلاق وهو الألف، وهو الذي يمتد فيه النَفَس بخلاف (من) الذي ينتهي بحرف مقيد، وهو النون الساكنة. فجعل المنتهي بحرف مطلق للمطلق الكثير، والمنتهي بحرف مقيد للقليل المقيد بالعقل.
فجاء بـ (ما) لتناسب العموم والشمول في الآية.
ثم إن هذه الآية مناسبة لجو السورة على وجه العموم، فهي مرتبطة بإطعام المحتاجين في اليوم ذي المسغبة، فإن الوالد يسعى إلى إطعام ولده ويلاقي من أجل ذلك ما يلاقي من مشقة ومكابدة. إن جو السورة تسيطر عليه المكابدةُ والمشقة والصبر والرحمة وكل ذلك يعانيه الوالد لحفظ ولده ورعايته.
ثم انظر من ناحية أخرى، كيف يحتمل قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ وما تحتمله كلمة ﴿حِلٌّ﴾ من السَّعةِ في احتمالات المعنى، وكيف ناسب ذلك سعة (ما) نُطقاً ومعنى.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ .
الكبد: الشدة والمشقة. ومعنى ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أنه "يكابد مشاقّ الدنيا والآخرة. ومشاقُّه لا تكاد تنحصر من أول قَطْعِ سُرَّته إلى أن يستقر قراره، إما في جنة، فتزول عنه المشقات، وإما في نار فتتضاعف مشقاته وشدائده".
стр. 250
وقيل: "يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء لا يخلو عن أحدهما".
لقد عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ ولم يقل: (يكابد) أو (مكابداً) ونحو ذلك، ذلك أن (في) تفيد الظرفية والوعاء. ومعناه: أن الإنسان خلق مغموراً في المشاق والشدائد والصعاب منغمساً فيها كما ينغمر الشيء في الماء، وكما يكون الشيء في الوعاء. فالشدائد والمشاق تحيط بالإنسان لا تنفكُّ عنه إلى أن يموت. وبعد الموت إما أن يجتازَ العقبةَ، فيدخل الجنة فتزول عنه الشدائد والمصائب، وإما أن لا يجتازها فيبقى في المشقات والشدائد أبد الآبدين منغمراً في النار وهي أكبر الشدائد وأعظمهن.
ومن معاني (الكبد) أيضاً القوة والشدة والصلابة.
جاء في (لسان العرب) : "وكبد كل شيء عِظَم وسطه وغلظه كبِدَ كَبَداً وهو أكبد، ورملةٌ كبداء عظيمة الوسط.. والكبداء: الرَّحى التي تُدار باليد، سميت كبداء لما في إدارتها من المشقة. وفي حديث الخندق: فعرضت كبدة شديدة، وهي القطعة الصلبة من الأرض. وأرض كبداء وقوس كبداء: أي شديدة".
وهذا المعنى من لوازم المعنى الأول، فإن الذي خُلِقَ مكابداً للشدائد والمصائب متحملاً مشاق الدنيا لا بد أن يكون خلق مستعداً لذلك قوياً عليه شديد التحمل له.
следующие страницы →