Полный текст (283 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
منها: أنه نهى الأموال عن التعرض للمؤمن وإلهائه عن ذكر الله فكأنه قال: أيها الأموال لا تُلْهي المؤمن عن ذِكْري. فكأن الله يريد حماية المؤمن وذلك بنهي السبب عن أن يتعرض له فيكفّ عن التعرض.
وفي هذا النهي مبالغة إذ المراد نهي المؤمن ولكنه بدأ بأصلِ المسألة وهي الأموالُ والأولاد فنهاها هي عن التعرض للمؤمن بما يلهيه. فقد جعل الله المؤمن كأنه مطلوب من قبل الأموال والأولاد تسعى لإلهائه وفتنته فنهاها عن السعي لهذا الأمر لينقطع سبب الالتهاء ويقمعه.
ومنها: أن فيه إهابة للمؤمن ألا يقع في شَرَكِ الأموال والأولاد بحيث تلهيه وهو غافل مسلوب الإرادة، فنسب الإلهاء إليها ليأخذ المؤمنُ حَذَره منها، فكأن الأموال والأولاد ينصبون الشَّرَك ليلهوه عن ذكر الله، فعليه أن يحذر من أن يقع فيه كما تقول: (لا يخدعْك فلان) فإن فيه إهابةٌ لأخذِ الحذر منه.
هذا إضافة إلى ما فيه من التعبير المجازي اللطيف، وهو إسناد الإلهاء إلى الأموال فجعلها عاقلة مريدة تنصب الشرَك لوقوع المؤمن في الفخ.
جاء في (روح المعاني) : "والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين، وإنما وجه إليها للمبالغة لأنها لقوةِ تَسَبُّبها للهو وشدة مدخليتها فيه، جُعلت كأنها لاهية وقد نُهيت عن اللهو، فالأصل لا تلهوا بأموالكم.. إلخ. فالتجوُّزُ في الإسناد. وقيل: إنه تَجُوُّزٌ بالسبب عن المسبب كقوله: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] أي: لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم.. ".
وجاء في (تفسير البيضاوي) : "توجيه النهي إليها للمبالغة".
стр. 177
٣- جاء بـ (لا) بعد حرف العطف فقال: ﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ ولم يقل: (أموالكم وأولادكم) ذلك أن كلاً من الأموال والأولاد داعٍ من دواعي الإلهاء، فالمال داع من دواعي الإلهاء وكذلك الأولاد. ولو قال: (أموالكم وأولادكم) لاحتمل أن النهي عن الجمع بينهما، فلو لم يجمع بينهما جاز، فلو انشغل بالمال وحده جاز، أو انشغل بالأولاد وحدهم جاز، وهو غير مراد. إذ المراد عدم الانشغال بأيِّ واحدٍ منهما على سبيل الانفراد أو الاجتماع.
٤- قدم الأموال على الأولاد لأن الأموال تلهي أكثر من الأولاد، فإن الانشغال فيها وفي تنميتها يستدعي وقتاً طويلاً وقد ينشغل المرء بها عن أهله، فلا يراهم إلا لماماً فقدم الأموال لذلك.
٥- قدم المفضول على الفاضل، فالأولاد أفضل من الأموال، لأن المال إنما يكون في خدمتهم ويترك لهم وذلك لأكثر من سبب.
منها: أن المقام مقام إلهاء كما ذكرنا فاستدعى تقديمها.
ومنها: أن المقام يقتضي ذلك من جهة أخرى، فإن هذا التقديم نظير التقديم في الآية اللاحقة من تقديم المفضول وهو قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ فقدم الصدقة على كونه من الصالحين.
ولما قدم النهي عن الالتهاء بالمال قدم الصدقة. والصدقة إنما هي إخراجٌ للمال من اليد والقلب، والالتهاء إنما هو انشغال به بالقلب والوقت والجارحة.
ولما قال: ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾ قال: ﴿وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ لأنَّ المُنشغلَ عن الفرائضِ وذِكْرِ الله ليس من الصالحين. فهو تناظرٌ جميل.
стр. 178
لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ... فأصّدّق.
عن ذكر الله ... وأكن من الصالحين.
والملاحظ أنه حيث اجتمع المالُ والولد في القرآن الكريم، قُدِّمَ المالُ على الولد إلا في موطن واحد، وذلك نحو قوله تعالى:
﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١] .
وقوله: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] .
وقوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر: ١٢-١٣] ، ونحو ذلك، لأن المال في هذه المواطن أدعى إلى التقديم، إما لأن الانشغال به أكثر كما ذكرنا، أو لأنه أدعى إلى الزينة والتفاخر وما إلى ذلك من المواطن التي تقتضي تقديم الأموال.
أما الموطن الذي قدم فيه الولد على المال، فهو قوله تعالى:
﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤] . وذلك لأن المقام مقام حب. ولا شك أن المتقدمين من الأبناء والأزواج وغيرهم أَحبُّ إلى المرء من الأموال لأنه إنما ينفقُ المالَ عليهم ويُبقيه لهم بعد رحيلهِ عن هذه الدار.
ثم لا تنسَ أنه قدم مجموع القرابات من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، ولا شك أن هؤلاء بمجموعهم أحبّ إلى المرء من المال. فالأبناء وحدهم أثقل في ميزان الآباء من الأموال، فكيف إذا اجتمع معهم ما اجتمع مِمَّنْ يُحبّ؟
أما مسألة تقديم الأموال على وجه العموم، فلعلَّ الله يُيَسِّر لنا البحثَ فيها.
стр. 179
٦- قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ولم يقل: (ومن تُلْههِ تلك) فنسب الفعل إلى الشخص، لينال بذلك جزاءه ولئلا يفهم أنه ليس بمقدور الشخص الانصراف عن اللهو، وأنه غير مسؤول عن هذا الالتهاء. فقال: (ومن يفعل ذلك) للدلالة على أن ذلك بمقدوره، وأنَّ هذا من فِعْلهِ وكَسْبه. فالالتهاء ليس أمراً سلبياً، بل هو فِعْلٌ يقوم به الشخص وينال جزاءه عليه.
٧- ثم انظر كيف جاء لذلك بالفعل المضارع فقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ﴾ للدلالة على استمرار الحدث وتَكَرُّرهِ ولم يقل: (ومن فعل) بالماضي، ذلك لأن الالتهاء بالأموال والأولاد أمرٌ يومي متكرر، ولذا عبر عنه بالفعل المضارع الذي يدل على التكرار والتطاول.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه لو قال: (ومن فعل) لاحتمل أن ذلك الخسران الكبير، إنما يقعُ ولو فعلَهُ مرةً واحدة وهو غير مراد. ثم ليتناسب الفعل والجزاء إذ ليس من المعقول أن يكون ذلك الخسران الكبير الثابت المدلول عليه بالجملة الاسمية والقصر إنّما يكون لما وقع مرة واحدة من الالتهاء، بل المناسب أن يكون ذلك لما تكرر حصوله وتطاول.
٨- ثم قال بعد ذلك: ﴿فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ ، واختيار الخسران نهاية للآية أنسب شيء ههنا فإنه المناسب للالتهاء بالأموال والانشغال بها. فإن الذي ينشغلُ بالمال إنما يريد الربح، ويريد تنمية ماله فقال له: إن هذا خسرانٌ وليس ربحاً حيث باع "العظيمَ الباقي بالحقيرِ الفاني".
٩- ثم إن الإتيان بضمير الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر وتعريف (الخاسرون) بأل، إنما يفيدان القصر والتأكيد، أي أن هؤلاء لا غيرهم
стр. 180
هم الخاسرون حقاً. وهم أولى مَنْ يُسمَّون خاسرين. فإنه لم يقل: (فأولئك خاسرون) ، أو من الخاسرين. ولو قال لأفاد أن خسارتهم قد تكون قليلة أو قد يشاركهم فيها غيرهم بل قال: ﴿فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ للدلالة على أنهم هم الخاسرون دون غيرهم وهم المتصفون بالخسارة إلى الحد الأقصى.
جاء في (روح المعاني) : "وفي التعريف بالإشارة والحصر للخسران فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل ما لا يخفى من المبالغة".
١٠- اختار الإلهاء عن ذكر الله دون غيره من العبادات فلم يقل مثلاً: لا تلهكم عن الصلاة أو عن الجهاد أو عن غير ذلك من العبادات، ذلك أن ذكر الله يشمل جميع الفرائض، فكل عمل تعمله لا يكون لله إلا إذا كنت ذاكراً لله في نفسك أو على لسانك أو مستحضراً له في قلبك. والذكر قد يكونُ في القلب كما يكون في اللسان، قال تعالى: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] . وقال: ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكريا﴾ [طه: ١٤] . فذِكْرُ الله "عام في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء.. وقال الحسن: جميع الفرائض".
ولذلك كان الخسران كبيراً فهو متناسب مع عظم المعصية، والله أعلم.
﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ .
стр. 181
١- تبدأ الآية بقوله: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا الأمر بالإنفاق مقابل النهي عن الإنفاق على أصحاب رسول الله من المنافقين. فالمنافقون يقولون لأوليائهم: ﴿لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ﴾ . والله يقول لأوليائه: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فانظر كيف قابل النهي بالأمر.
٢- قال: ﴿مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فجاء بـ (من) الدالة على التبعيض ولم يقل: (أنفقوا ما رزقناكم) ، للدلالة على أن الإنفاق إنما يكون في قسم من المال ولا يشمل المالَ كله، فتستسهلُ النفوسُ التخلي عن قسم من المال، استجابةً لأمر ربها بخلاف ما إذا سألها المال كله، فإنها تستعظمُ ذلك وتبخلُ به، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أموالكم * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦-٣٧] .
٣- أسند الرزق إلى نفسه فقال: ﴿مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ للدلالة على أن هذا المال إنما هو من رزق الله سبحانه، ملّكه عبادَهُ، فتطيب النفوس لإخراج بعض ما رزقه الله، استجابةً لأمرِ الله الرازق.
وهذا التعبير اللطيف مَدْعاةٌ إلى الخروج عن الشح والاستجابة لأمر الله.
٤- ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ فجاء بـ (من) ولم يقل: (قبل أن يأتي أحدكم الموت) إشارة إلى قرب الموت من الإنسان، وأنه على الإنسان أن يسابق الموتَ ويبادر بالعمل الصالح. فإن (من) هذه تفيد ابتداء الغاية الزمانية، ومعناه الزمن القريب من الموت بل المتصل به، وأن حذفها يفيد الوقت الذي هو قبل الموت سواء كان قريباً أم بعيداً ويفيد إعطاء المهلة مع أن الأجل إذا جاء لا يمهل، فالمجيء
стр. 182
بها يفيد طلب التعجيل بالتوبة والإنفاق إذ كل ساعة تمر بالإنسان، تحتمل أن تكون هي ساعة الموت، وهي التي ذكرها بقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ فانظر حُسْنَ التعبير ودقته.
٥- قدم المفعول به على الفاعل، فقال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ولم يقل: (يأتي الموت أحدكم) ذلك لأن المفعول به هو المهم ههنا، إذ هو المعنيُّ بالتوبةِ والصلاح، وهو المدعوّ للإنفاق وهو المُتحسِّرُ النادم إذا عاجله الموت.
فالعناية والاهتمام منصبان على المفعول الذي يأتيه الموت، وهو كل واحد منا.
٦- جاء بالفاء في قوله: ﴿فَيَقُولُ رَبِّ﴾ ولم يأت بثم أو الواو، ذلك لأن الفاء تفيد معنيي السبب والعطف، في حين أن ثم أو الواو لا تفيد السبب، بل تفيد العطف وحده.
ومن ناحية أخرى، إن الفاء تفيد التعقيب بلا مهلة في حين أن (ثم) تفيد التراخي، والواو تفيد مطلق الجمع.
فجاء بالفاء لجمع معنيي السبب والعطف، أي أن الموت سبب لهذا الندم وطلب التأخير لِمَا ينكشفُ له من سوء المنقلب والعياذ بالله.
ثم إن طلب التأخير يأتي رأساً بلا مهلة، ففي ساعة الموت وعند حضوره يطلب التأخير ليسلك سبيلَ الصالحين، ولو جاء بـ (ثم) لَمَا أفاد ذاك، بل يفيد أن طلب ذاك إنما يكون بعد مهلة وتراخٍ، وكذلك الواو لا تفيد ما أفادته الفاء.
٧- ثم انظر كيف ناسب المجيء بالفاء الدالة على قصر الوقت حذف حرف النداء، فقال: (ربّ) ولم يقل: (يا رب) لأن الوقت لم يعد يحتمل
стр. 183
التضييع في الكلام فيأتي بـ (يا) بل يريد أن يستعجل في طلبه، فيختصر من الكلام ما لا حاجةَ له به ليفرغ إلى مراده.
٨- جاء بـ (لولا) فقال: ﴿لولا أخرتنيا﴾ ولم يقل: (لو أخرتني) لأن (لولا) أَشَدُّ في الطلب من (لو) وقائلها أكثر إلحاحاً من قائل: (لو) فإن (لو) تكون للطلب برفق، وأما (لولا) فتكون للطلب بشدةٍ وحَثٍّ، ومعنى ذلك أن ما هو فيه يستدعي الإلحاح في الطلب، وأن يجأر به وأن يأتي بما هو من أشدِّ أدواتِ الطلب قوةً، كما أنها من أدوات التنديم وفيها تنديمٌ للنفس على ما فرط، ولو جاء بـ (لو) لأفاد العرض الخفيف.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن (لو) قد تفيد التمني، والتمني قد يكون ميؤوساً منه ليس لصاحبه فيه مَطْمع نحو (لو يعود الميت إلى الحياة، فيخبر الناس بما هو فيه) في حين أن هذا القائل ليس متمنياً، بل هو طالبٌ للعودة، سائلٌ لها فلو جاء بـ (لو) لأفاد أن هذا من باب التمني الذي يتمناه الإنسان، ولا يرجو وقوعه كقول القائل: (ألا ليتَ الشبابَ يعود يوماً) والتمني قد يكون في حال العافية كما يكون في غيرها في حين أن هذا طالب للتأخير وليس متمنياً.
٩- جاء بالفعل الماضي بعد (لولا) فقال: ﴿لولا أخرتنيا﴾ ولم يقل: (لولا تؤخرني) ذلك أن المحذور وقع في حين أن الفعل المضارع قد يفيد أن الأمر لم يقع بعد، وأن في الأمر سَعَةً وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] . وقوله: ﴿قَالَ ياقوم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] .
هذا علاوة على ما يفيدُ دخولُ (لولا) على الماضي من قوةِ الطلب وشدته، وإن كان مستقبل المعنى.
стр. 184
١٠- ثم انظر كيف طلب مهلة قصيرة لإصلاح حاله، مع أنه كان يتقلب في الأرض من دون أدنى تفكير أو اهتمام بمآله في الآخرة أو بالأوقات التي يضيعها هدراً من دون اكتراث، فقال: ﴿إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ، ولم يقل: (إلى أجل) فيحتمل القريب والبعيد، فطلب مهلة قصيرة وأجلاً قريباً لتداركِ ما فات.
فانظر كيف جاء بالفاء الدالة على قصر الزمن بين إتيانِ الموت وطلب التأخير، وحذف (يا) النداء اختصاراً للزمن ليفرغ إلى طلبه، وجاء بـ (لولا) الدالة على الإلحاح في الطلب، كل ذلك ليحصلَ على مهلةٍ قليلة ليصلح شأنه. فانظر أية إشارات هذه إلى هَولِ ما هو فيه؟
وقد تقول: ولمَ قال ههنا: ﴿أخرتنيا﴾ بالياء وقال في سورة الإسراء: ﴿أَخَّرْتَنِ﴾ فحذف الياء واجتزأ بالكسرة؟
والجواب: أن المقام يوضح ذلك.
فقد قال في سورة الإسراء على لسان إبليس: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هاذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢] .
وقال ههنا: ﴿لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ .
وهنا نسأل: أيّ الطلبين يريده المتكلِّمُ لنفسه على وجه الحقيقة، وأيهما يعودُ بالنفع عليها ودفع الضرر عنها أهُوَ قولُه: ﴿لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ أم قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؟
والجواب ظاهر. فإنَّ طلبَ إبليس لا يريدهُ من أجل نفسه، ولا لأنه محتاجٌ إليه، وإنما يريده ليُضِلَّ ذريةَ آدم. ثم إن هذا الطلب لا يعود عليه
стр. 185
بنفع، ولا يدفع عنه ضراً وليست له مصلحة فيه؛ بل العكس هو الصحيح بخلاف الطلب الآخر، فإنه يريده لنفسه حقاً وإنه لا شيء ألزم منه لمصلحته هو ودفع الضرر عنه.
فلما كان طلب التأخير لمصلحة الطالب حقاً، وأنه ابتغاء لنفسه على وجه الحقيقة أظهر الضمير. ولما كان طلب إبليس ليس من أجل نفسه ولا يعود عليها بالنفع حذف الضمير واجتزأ بالكسرة.
ثم في الحقيقة، إن كلام إبليس ليس طلباً، وإنما هو شرطٌ دخل عليه القَسَم فقال: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ فهو من باب الطلب الضمني، وليس من باب الطلب الصريح. وأما قوله: ﴿لولا أخرتنيا﴾ فهو طلب صريح ففرق تبعاً لذلك بين التعبيرين. فصرّح بالضمير وأظهر نفسه في الطلب الصريح، وحذف الضمير واجتزأ بالإشارة إليه في الطلب غير الصريح. وهو تناظرٌ جميل، ففي الطلب الصريح صَرَّحَ بالضمير، وفي الطلب غير الصريح لم يصرح بالضمير.
١١- وهنا نأتي إلى سؤال السائل وهو: لِمَ عطفَ بالجزم على النصب، فقال: (فأصّدّقَ) بالنصب ثم قال: (وأكنْ) بالجزم ولم يجعلهما على نسق واحد؟
والجواب: أن هذا مما يسميه النحاة (العطف على المعنى) وقد يسمى في غير هذا القرآن (العطف على التوهم) . ذلك أن (أصّدّق) منصوب بعد فاء السببية، و (أكن) مجزوم على أنه جواب للطلب، والمعنى: إنْ أخرتني أكن من الصالحين. ونحو ذلك أن تقول: (هلاّ تدلّني على بيتك أَزُرْك) ، فـ (أزرك) مجزوم بجواب الطلب والمعنى، إن تدلني على بيتك أزرك ولو جئت بفاء السبب لنصبت، فقلت: (هلا تدلني على بيتك فأزورَك) ، وإن أسقطت الفاء وأردت معنى الشرط جزمت.
стр. 186
جاء في (البحر المحيط) : "وقرأ جمهور السبعة (وأكن) مجزوماً. قال الزمخشري: (وأكن) مجزوماً على محل (فأصدق) كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع لأن التقدير إن تؤخرني أصّدّق وأكن".
ففي الآية الكريمة جاء بالمعطوف عليه على إرادة معنى السبب وجاء بالمعطوف على معنى الشرط فجمع بين معنيي السبب والشرط. فالعطف إذن ليس على إرادة معنى الفاء بل على إرادة معنى جديد.
جاء في (معاني النحو) : "عطف (أكن) المجزوم على (أصدّق) المنصوب، وهو عطف على المعنى وذلك أن المعطوف عليه يراد به السبب والمعطوف لا يراد به السبب، فإنَّ (أصدّق) منصوب بعد فاء السبب وأما المعطوف فليس على تقدير الفاء ولو أراد السبب لنصب، ولكنه جزم لأنه جواب الطلب نظير قولنا: (هل تدلني على بيتك أزرك؟) كأنه قال: إن تدلّني على بيتك أزرك. فجمع بين معنيي التعليل والشرط، ومثل ذلك أن أقول لك: (احترم أخاك يحترمْك) و (احترم أخاك فيحترمَك) فالأول جواب الطلب والثاني سبب وتعليل. وتقول في الجمع بين معنيين (أكرمْ صاحبك فيكرمَك ويعرفْ لك فضلك) وهو عطف على المعنى".
وقد تقول: ولماذا لم يُسَوِّ بينهما، فيجعلهما نسقاً واحداً؟
والجواب أنهما ليسا بمرتبة واحدة في الأهمية، فالصلاح أهم من الصدقة ذلك أن الذي ينجي من العذاب، هو كونه من الصالحين لا كونه متصدقاً فإن المؤمن قد لا يتصدق بصدقة أصلاً ومع ذلك يدخل الجنة بصلاحه فقد يكون ليس معه ما يتصدق به. فالذي ينجيه من العذاب،
стр. 187
ويدخله الجنة، هو أن يكون من الصالحين، والتصدق إنما يكون من الصلاح. والذي يدلك على ذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون) : ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون * لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] . فإنه ذكر الصلاح ولم يذكر الصدقة، لأن الآية لم تقع في سياق الكلام على الأموال وإنفاقها، وذلك يدل على أن الصلاحَ هو مناطُ النجاة وأنه هو الأهم. فعبّر عن كونه من الصالحين بأسلوب الشرط، لأنه أقوى في الدلالة على التعهد والتوثيق، فقد اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين، وقطع عهداً على نفسه بذلك. فأعطى الأهم والأولى أسلوبَ الشرط الدال على القوة في الأخذ على النفس والالتزام. وأعطى ما هو دونه في الأهمية والأولوية، أسلوب التعليل ولم يجعلهما بمرتبة واحدة.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فَلِمَ قَدَّمَ الصدقة على الصلاح؟
والجواب: أن السياق هو في إنفاق الأموال، فقد قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فدعا إلى الإنفاق، فكان تقديم الصدقة مناسباً للمقام. ثم إنه تردد في السورة ذِكْرُ الأموال والانشغالُ بها، وما إلى ذلك، فقد جاء قبل هذه الآية قوله: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ فنهى عن الانشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله، وجاء قبلها قوله في المنافقين: ﴿هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والأرض﴾ .
فأنتَ ترى أن تقديم الصدقة، هو المناسب للسياق الذي وردت فيه الآية وللجو الذي تردد فيه ذِكْرُ الأموال والانشغال بها، والتوصية من المنافقين بعدم إنفاقها في سبيل الخير.
وقد تقول: ولِمَ قال: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ ولم يقل: (فأتصدق) الذي هو الأصل؟
стр. 188
والجواب: أن هناك أكثر من سبب يدعو إلى هذا الاختيار.
منها أن مقاطع (فأتصدق) أكثر من مقاطع (فأصّدّق) . فإن مقاطع (فأتصدق) ستة ومقاطع (فأصّدّق) خمسة:
فَ + أَ + تَ + صد + دَ + قَ = ستة مقاطع.
فَ + أص + صد + دَ + قَ = خمسة مقاطع.
وهو طلب التأخير إلى أجل قريب فاختار اللفظة التي هي أقصر لتناسب قصر المدة.
ثم إن في (فأصّدّق) تضعيفين أحدهما في الصاد، والآخر في الدال في حين أن في (فأتصدق) تضعيفاً واحداً موطنه الدال، والتضعيف مما يدل على المبالغة والتكثير، ولذا كان في قوله: (فأصّدّق) من المبالغة والتكثير في الصدقة ما ليس في (فأتصدق) فدلّ بذلك أنه أراد أجلاً قريباً ليكثر من الصدقة ويبالغ فيها.
فهذا البناء أفاد معنيين:
الأول: قصر المدة وذلك لأنه طلب التأخير مدة قصيرة.
والآخر: هو الإكثار من الصدقة في هذه المدة القصيرة فكان ذلك أنسب.
من هذا ترى أنه وضعَ كلَّ تعبير في مكانه الذي هو أليقُ به، وأعطى كلاً منهما حقه الذي هو له. فانظر كيف جمع بين معنيي التعليل والشرط. وقدم الصدقة مناسبة للمقام وأعطى الصلاح أهميةً تفوقُ الصدقة، وجاء بلفظةٍ تدلُّ على قِصَرِ المدة والإكثار من الصدقة فجمعت معنيين مناسبة للمقام؛ كلُّ ذلك بأوجز عبارة وأبلغها. والله أعلم.
стр. 189
من سورتي المعارج وعبس
من سورة المعارج
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى * إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين﴾ .
من سورة عبس
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة * يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
***
بدأ في سورة (عبس) بذِكْرِ الأخِ فالأم فالأب فالصاحبة ثم الأبناء في الأخير.
وفي سورة المعارج على عكس ذلك، فقد بدأ بالأبناء، فالصاحبة فالأخ فالفصيلة، ثم انتهى بأهل الأرض أجمعين.
وسبب ذلك والله أعلم أن المقام في (عبس) مقام الفرار والهرب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء﴾ والإنسان يفرّ من الأباعد أولاً، ثم ينتهي بألصقِ الناس به وأقربهم إليه، فيكونون آخر مَن يفر منهم. والأخ أبعد المذكورين في الآية من المرء. وإنَّ ألصقهم به زوجهُ وأبناؤه، فنحن ملتصقون في حياتنا بأزواجنا وأبنائنا أكثر من التصاقنا بإخواننا وآبائنا وأمهاتنا. فقد تمر شهور بل ربما أعوام ونحن لا نرى إخواننا في حين نأوي كل يوم إلى أزواجنا وأبنائنا.
стр. 190
والإنسان قد يترك أمه وأباه ليعيش مع زوجه وأبنائه وهو ألصق بأبنائه من زوجه، فقد يفارق زوجه ويسرحها ولكن لا يترك ابنه.
فالأبناء آخر مَنْ يَفرُّ منهم المرءُ ويهرب.
وهكذا رتب المذكورين في الفرار بحسب العلائق، فأقواهم به علاقة هو آخر من يفر منه، فبدأ بالأخ ثم الأم ثم الأب. وقدم الأم على الأب، ذلك أن الأب أقدر على النصر والمعاونة من الأم. وهو أقدر منها على الإعانة في الرأي والمشورة، وأقدر منها على النفع والدفع. فالأم في الغالب ضعيفة تحتاج إلى الإعانة بخلاف الأب. والإنسان هنا في موقف خوف وفرار وهرب، فهو أكثر التصاقاً في مثل هذه الظروف بالأب لحاجته إليه، ولذا قدم الفرار من الأم على الفرار من الأب، وقدم الفرار من الأب على الفرار من الزوجة، لمكانةِ الزوجةِ من قلب الرجل وشدة علاقته بها، فهي حافظة سره وشريكته في حياته، ثم ذكر الفرار من الأبناء في آخر المطاف، ذلك لأنه ألصق بهم وهم مرجوون لنصرته ودفع السوء عنه أكثر من كل المذكورين.
هذا هو السياقُ في (عبس) سياقُ الفرار من المعارف وأصحاب العلائق أجمعين لِلْخُلُوِّ إلى النفس، فإنَّ لكل امرىء شأناً يشغله وهمّاً يُغْنيه.
أما السياق في سورة المعارج، فهو مختلف عما في (عبس) ذلك أنه مشهد من مشاهد العذاب الذي لا يُطاق، فقد جيء بالمجرم، لِيُقذفَ به في هذا الجحيم المستعر، وهذا المجرم يودُّ النجاةَ بكل سبيل ولو أدى ذلك إلى أنْ يبدأ بابنه، فيضعه في دركات لظى. فرتب المذكورين ترتيباً آخر يقتضيه السياق، وهو البدء بالأقربِ إلى القلب والأعلقِ بالنفس فيفتدي به فضلاً عن الآخرين.
стр. 191
لقد وردت في السياق جملة أمور تقتضي هذا الترتيب منها:
١- إنه ذكر أن هذا المفتدي (مجرم) وليس امرءاً اعتيادياً، والمجرمُ مستعدٌّ لِفعْلِ أيِّ شيء لينجو ولو أن يبدأ بأقرب المُقَرَّبين إليه وأحبهم إلى قلبه فيضعه في السعير. وهو لا يهمه أن يفتدي بالناس أجمعين فيضعهم مكانه في أطباق النيران بذنب لم يرتكبوه وإنما ارتكبه هو.
٢- جرى ذِكْرُ القرابات قبل هذا المشهد فقال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ . والحميم القريب، فبدأ بأقرب القرابة وهم الأبناء، ثم انتهى إلى الأباعد وهم من في الأرض عموماً.
٣- ذكر بعد هذه الآيات أن الإنسان ﴿خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ فلما أدرك المجرم العقاب وأيقن أنه مُواقِعهُ لا مَحالةَ أدركه الهلعُ والجزع، ومن أظهر مظاهر هذا الهلع والجزع أن يبدأ بأقرب الناس وأحبِّهم إليه فيفتدي به.
٤- إن البدء بأقرب الناس وأحبهم إليه وألصقهم بقلبه ليفتدي به، يدل على أن العذاب فوق التصور، وهولُهُ أبعدُ من الخيال بحيث جعله يبدأ بأقرب الناس إليه، وأن يتخلى عن كل مساومة.
جاء في (أنوار التنزيل) في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ : "إن ذلك لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ به إلى حيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه، فضلاً عن أن يهتم بحاله ويسأل عنها".
فرتَّبهن ترتيباً آخر مبتدئاً بالأبناء فالزوجة فالأخ فالفصيلة، وفيهم الأبوان ثم انتهى بأهل الأرض أجمعين، فلا يبقى أحد غيره.
стр. 192
وهناك جانب فني آخر، غير التقديم والتأخير، وهو اختيار لفظ (المرء) في آية (عبس) على (الإنسان) فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ في حين قال قبل هذه الآيات: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ وقال: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ ، ذلك أن الأصل في كلمة (المرء) أن تطلق على الرجل، وقد تُؤنَّثُ هذه الكلمة فيقال: (المرأة) وجَمْعُ المرء الرجال من غير لفظه، وقد تطلق على الإنسان أيضاً.
فاختيار (المرء) ههنا أوفق من (الإنسان) ذلك أنه ذكر الفرار من الصاحبة، وهي الزوجة فقال: ﴿وصاحبته وَبَنِيهِ﴾ فناسب ههنا ذكر (المرء) لأن (الإنسان) كلمة تشمل الذكر والأنثى، في حين أن الفارّ من الصاحبة هو الرجل.
ثم إن اختيار كلمة (المرء) أوفق لسبب آخر ذلك أن مشهد الفرار يوم القيامة لا يختص بالإنسان، بل هو عام يشمل رجال الثقلين من الجن والإنس، وأن كلمة رجل ورجال تطلق على هذا الجنس من الثقلين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ١] .
فكلمة (مرء) أعمُّ من كلمة (إنسان) من ناحية وأخصُّ منها من ناحية أخرى، فهي قد تستعمل للرجل خاصة فتكون أخص من كلمة (إنسان) التي تشمل عموم البشر من الذكور والإناث، وقد تستعمل لغير الإنسان، أعني الجن الذين يشملهم الفرار في الآخرة، فتكون أعم بهذا المعنى في حين أن المَعْنيَّ بالآيات السابقة هو (الإنسان) فقط ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً﴾ إلخ وهذا خاص بالإنسان.
стр. 193
ثم إن اختيار كلمة (مرء) أنسب من كلمة (رجل) أيضاً ذلك أن (المرء) يشمل الصغار والكبار فهي أعم من كلمة (رجل) التي تشمل الكبار من هذا الجنس في حين أن مشهد الفرار ينتظم الثقلين أجمعين.
فانظر كيف اختار كلمة (مرء) بدل (إنسان) و (رجل) لاعتبارات متعددة. فهي أعني (المرء) تعني الإنسان، وتعني الرجل، ثم هي لا تخص رجال الإنس، بل تَعمُّهم وتَعمُّ رجالَ الجن، ولا تختص الكبار بل تشمل الكبار والصغار.
فانظر كيف اختار أوفقَ كلمةٍ وأنسبها لهذا المقام.
وثمة لمسة فنية أخرى، وهي وضع كل مشهد في السورة المناسبة له. فقد وضع مشهد الفرار في السورة التي تبدأ بـ ﴿عَبَسَ وتولى﴾ . والتولّي نوع من أنواع الفرار من الشيء والانصراف عنه. والعبوس أيضاً هو نوع من أنواع الفرار النفسي من الشيء بعكس الألفة والانشراح له.
والتلهِّي عن الشيء، هو الفرار منه بصورة ما، أعني ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى * وَهُوَ يخشى * فَأَنتَ عَنْهُ تلهى﴾ .
فوضعُ مشهدِ الفرار الأكبر في الآخرة في (عبس) مناسبٌ لجو السورة أيَّما مناسبة.
ووضعُ مشهد العذاب الأكبر الذي ذكره بقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى﴾ في سورة المعارج التي تبدأ بقوله: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ أنسبُ شيء وأحسنه.
فوضعَ مشهدَ العذاب في السورة التي تبدأُ بالعذاب.
ووضعَ مشهدَ الفرار في السورة التي تبدأ بنوعٍ من أنواع الفرار.
فما أحسنَ التناسب والاختيار في الموطنين!
стр. 194
من سورتي المعارج والقارعة
قال تعالى في سورة المعارج: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ .
وقال في سورة القارعة: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ .
فزاد كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج فما سببُ ذاك.
والجواب:
١- أنه لما ذكر القارعة في أول السورة، والقارعة من القَرْع، وهو الضربُ بالعصا، ناسبَ ذلك ذكر النفش، لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقْرعَ بالمقرعة. كما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تُهَشَّمُ بالمقراع (وهو من القرع) وهو فأسٌ عظيم تُحَطَّمُ به الحجارة، فناسب ذلك ذكر النفش أيضاً. فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير. كما ناسب ذكر القارعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾ أيضاً لأنك إذا قرعت طار الفراش وانتشر. ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده.
٢- إن ما تقدم من ذِكْرِ اليومِ الآخر في سورة القارعة، أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج فقد قال في سورة المعارج: ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فاصبر صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ وليس متفقاً على تفسير أن المراد بهذا اليوم، هو اليوم الآخر. وإذا كان المقصود به اليوم الآخر فإنه لم يذكر إلا طول ذلك اليوم، وأنه تعرج الملائكة والروح فيه. في حين
стр. 195
قال في سورة القارعة: ﴿القارعة * مَا القارعة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ فكرر ذِكْرَها وعظمها وهولها. فناسب هذا التعظيم والتهويل أن يذكر أن الجبال تكون فيه كالعِهْنِ المنفوش.
وكونُها كالعهن المنفوش أعظم وأهول من أن تكون كالعهن من غير نفشٍ كما هو ظاهر.
٣- ذكر في سورة المعارج أن العذاب (واقع) وأنه ليس له دافع ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ ووقوع الثقل على الصوف. من غير دفعٍ له لا ينفشه بخلاف ما في القارعة، فإنه ذكر القرع وكرره، والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر، فناسب ذلك ذكر النفش فيها أيضاً.
٤- التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسّن ذِكْرَ الزيادةِ والتفصيل فيها، بخلاف الإجمال في سورة المعارج، فإنه لم يزد على أن يقول: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ .
٥- إن الفواصل في السورتين تقتضي أن يكون كل تعبير في مكانه، ففي سورة القارعة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث * وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . فناسبت كلمة (المنفوش) كلمة (المبثوث) .
وفي سورة المعارج قال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل * وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ . فناسب (العهن) (المهل) .
٦- ناسب ذكر العهن المنفوش أيضاً قوله في آخر السورة ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ لأن النار الحامية هي التي تُذِيبُ الجبالَ، وتجعلها كالعهن المنفوش، وذلك من شدة الحرارة، في حين ذكر صفة النار في المعارج بقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى﴾ والشَّوَى هو جلد الإنسان. والحرارةُ
стр. 196
التي تستدعي نزع جلد الإنسان أقلُّ من التي تذيب الجبال وتجعلها كالعهن المنفوش، فناسب زيادة (المنفوش) في القارعة من كل ناحية. والله أعلم.
كما أن ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية أخرى، ذلك أن (القَرّاعة) - وهي من لفظ القارعة - هي القدّاحة التي تُقدح بها النار.
فناسب ذكر القارعة، ذكر الصوف المنفوش وذكر النار الحامية، فناسب آخر السورة أولها.
وبهذا نرى أن ذكر القارعة حسّن ذكر (المبثوث) مع الفراش، وذكر (المنفوش) مع الصوف، وذكر النار الحامية في آخر السورة.
والله أعلم.
стр. 197
سورة القيامة
سألني ولدي ذات يوم: ما مناسبةُ قولهِ تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لِمَا قبله وهو قوله تعالى: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾ .
فقلتُ له: دَعْني أنظر في أول السورة، لعلي أجد مفتاحَ الجواب. فقرأت: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة * وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ .
стр. 198
فقلت له: المناسبة ظاهرة، وهي أن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة، ومن أبرزِ سِماتِ النفس اللوامة أن تعجل في الأمر، ثم تندم عليه، فتبدأ بلومِ نفسها على ما فعلت. وهو في الآيات التي ذَكَرْتَها ذَكَرَ النفسَ، فقال: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وذَكَرَ العجلةَ فقال: (لتعجلَ به) فالمناسبة ظاهرة.
ثم بدأتُ أقرأُ السورةَ متأملاً فيها فوجدت من دقائق الفن والتناسب والتناسق ما يدعو إلى العجب فآثرتُ أن أُدَوِّنَ شيئاً من هذه اللمسات الفنية.
لقد ذكر المفسرون مناسبة هذه السورة لما قبلها أعني سورة (المدّثّر) وارتباطها بها. فقد قالوا: إنه سبحانه قال في آخر سورة المدثر: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة * كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٣-٥٤] ، وفيها كثير من أحوال القيامة "فذكر هنا يوم القيامة وجُمَلاً من أحوالها" فكان بينهما مناسبة ظاهرة.
إن هذه السورةَ قطعةٌ فنية مترابطة متناسقة مُحْكَمةُ النَّسْجِ، وليس صواباً ما جاء في (الإتقان) أن "من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها، من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عَسِرٌ جداً".
إنَّ ترابطَ آيات هذه السورة ترابط محكم وتناسبها فيما بينها لا يخفى على المتأمل.
لقد أقسم الله سبحانه بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة على رأي الأكثرين، أو أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس باللوامة على رأي
стр. 199
آخرين. وسِرُّ هذا الاختلافِ، أنَّ ثَمَّة قراءة بإثبات القسم بيوم القيامة أي (لأقسم) إلا أنهم اتفقوا على إثبات حرف النفي مع النفس اللوامة فكلهم قرأ ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ .
ولا نريدُ أن نطيل الكلامَ على اقتران فعل القسم بـ (لا) ودواعيه فقد تكلم فيه المفسرون والنحاة بما فيه الكفاية. والذي نريد أن نقوله ههنا: إنَّ كل أفعال القسم المُسْندةِ إلى الله في القرآن الكريم مسبوقة بـ (لا) إذ ليس في القرآن الكريم (أقسم) بل كلها (لا أقسم) ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] وقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق﴾ [الانشقاق: ١٦] وقوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد﴾ [البلد: ١] وما إلى ذلك. فليس القَسَمُ ههنا بِدْعاً من التعبير.
وباختصار كبير نُرجِّحُ أن هذا التعبير إنما هو "لونٌ من ألوان الأساليب في العربية تُخبر صاحبك عن أمرٍ يَجهله أو ينكره، وقد يحتاج إلى قَسَمٍ لتوكيده، لكنك تقول له: لا داعي أن أحلف لك على هذا، أو لا أريد أن أحلف لك أن الأمر على هذه الحال، ونحوه مستعملٌ في الدارجة عندنا نقول: ما أحلف لك أن الأمر كيت وكيت. أو ما أحلف لك بالله لأن الحلف بالله عظيم، إن الأمر على غيرِ ما تَظُنُّ ... فأنت تخبره بالأمر، وتقول له: لا داعي للحلف بالمعظمات على هذا الأمر".
أو كما ذهبت إليه الدكتورة بنت الشاطىء، وهو أنَّ القصدَ من ذلك هو التأكيد "والتأكيد عن طريق النفي، ليس بغريبٍ عن مألوفِ استعمالنا، فأنت تقولُ لصاحبك: لا أُوصيكَ بفلان تأكيداً للوصية ومبالغةً في الاهتمام
стр. 200
بها، كما تقول: لن أُلِحَّ عليك في زيارتنا. فتبلغ بالنفي ما لا تبلغه بالطلب المباشر الصريح".
ومهما كان الرأي في دخول (لا) على فعل القسم، فإن هذا لا يُغَيِّرُ شيئاً من أصل المسألة، وهي أنه ابتدأ السورةَ بالقسَمِ بيوم القيامة والنفس اللوامة نفياً أو إثباتاً. وقد حاول المفسرون أن يجدوا المناسبة لاجتماعهما في القسم فقالوا: "المقصود من إقامة القيامة، إظهار أحوال النفوس اللوامة، أعني سعادتها وشقاوتها، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشديدة".
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن) : "وجمع سبحانه في القسم بين محلِّ الجزاء وهو يومُ القيامة، ومحلِّ الكَسْبِ وهو النفس اللوامة ... ولما كان يومُ معادها هو محل ظهور هذا اللوم وتَرتُّبِ أثرهِ عليه، قَرَنَ بينهما في الذِّكْرِ".
إن السورة مبنية على ما ابتدأت به من القسم، فهي مبنية على أحوال يوم القيامة، وعلى النفس، ولا تكاد تخرج عن ذلك.
هذا أمر. والأمرُ الآخر أنه تعالى لم يقسم بالنفس على صفة الإطلاق، بل أقسم بنفسٍ مخصوصة، وهي النفس اللوامة، وهذا له طابعهُ الواضح في السورة كما سنبين.
إن الإنسان يلومُ نفسه لأحدِ سببين:
إما أن يتعجل فيفعل ما لا ينبغي له فعله، فيندم على ذلك فيبدأ يلوم نفسه، لِمَ فعلت ذاك؟ لِمَ لَمْ أتروَّ؟
وإما أن يتراخى عن فِعْل كان الأَوْلى له أن يفعله، وأن يَغتنم الفرصة التي سنحت له، ولكنه قعد عن ذلك مُسَوِّفاً، ففاته نفعٌ كبير، وقد لا تسنح له فرصة، كالتي فاتت، فيبدأ بلوم نفسه. لم تباطأتُ، لمَ لم أفعل؟ لمَ لم أغتنم الفرصة؟ ونحو ذلك.
والسورة مطبوعة أيضاً بهذين الطابعين من صفات النفس اللوامة، طابع العجلة التي تدعو إلى الندم واللوم، وطابع التباطؤ وتفويت الفرص الذي يؤدي إلى الندم واللوم أيضاً.
فالسورة مبنية على ما ابتدأت به.
يوم القيامة، والنفس اللوامة في حاليها: العجلة والتباطؤ.
أما يوم القيامة، فقد تكررت أحواله في السورة في تناسق لطيف، إلى أن ختمت بقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ فتناسب بَدْءُ السورةِ مع خاتمتها.
ثم قال بعد القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة:
﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فعاد إلى القيامة.
والملاحظ في هذا التعبير أنه جمع بين نفس الإنسان ويوم القيامة، أيضاً كما ابتدأت السورة فقال: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ أي: أَيظنُّ ذلك في نفسه؟ والحسبانُ أمرٌ نفسي داخلي، ولم يقل مثلاً: (لنجمعنك إلى يوم القيامة) أو (لتبعثن) ونحو ذلك فجمع بينهما في تناسق لطيف مع بداية السورة، وهو اختيار فني رفيع.
стр. 201
ومن الملاحظ أننا لا نجد جواباً للقسم الذي ابتدأت به السورة، وإنما نجد ما يدل عليه وهو هذه الآية. فجوابُ القسم محذوف ويُقَدِّرهُ النحاةُ (لتبعثن) .
وهذا الحذف يتناسب هو والعجلة التي دلّت عليها النفس اللوامة وجَوّها - أعني جو العجلة - الذي طبعت به السورة.
ومن الملاحظات الأخرى في هذه الآية، أنها مرتبطةٌ بما ورد في آخر السورة وهو قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ أجملَ ارتباط حتى كأنهما آيتان متتابعتان تأخذُ إحداهما بحجز الأخرى.
ثم قال بعدها:
﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ .
إن هذه الآية تتناسب هي وما ورد في آخر السورة من قوله تعالى: ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾ إلا أن هذه تسويةٌ مخصوصة بالبنان وتلك تسويةٌ عامة. وكل آية موضوعة في مكانها المناسب فآية ﴿نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ مرتبطة بقوله: ﴿نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فإن البنان عظام، فناسب ذلك بأن يكون بجنب ﴿نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ . أما الآية الأخرى وهي ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾ فهي مرتبطة بالخلق العام للإنسان، فناسب ذلك الإطلاق والعموم فناسبت كل آية موضعها.
وملاحظة أخرى في هذا التعبير، وهي أنه حذف منه عامل الحال، فقال: ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ ولم يذكر عامله، ويقدره النحاة بقولهم: (بلى نجمعها قادرين) وهذا الحذف يتناسب أيضاً والعجلة التي دلّت عليها النفس اللوامة.
стр. 202
ثم قال بعد ذلك:
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعنى الآية أن الإنسان يريد المداومةَ على شهواته ومعاصيه، ويقدم الذنب ويؤخر التوبة.
جاء في (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ "ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد بن جبير ﵁ يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شَرِّ أحواله وأسوأ أعماله".
وجاء في (البحر المحيط) : "إن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه، يمضي فيها أبداً قُدُماً راكباً رأسه مطيعاً أمله ومُسَوِّفاً بتوبته".
وارتباطُ الآية بالنفس اللوامة واضح، فإن الإنسان ههنا يسوّف التوبة، ويتباطأ عنها ويغرّه الأمل حتى يموت، فيدركه الندم ويقع تحت مطرقة اللوم.
وانظر بعد ذلك كيف جاء باللام الزائدة المؤكدة في مفعول الإرادة، فقال: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ﴾ والأصل أن يقال: (بل يريد الإنسان أن يفجر) لأن فعل الإرادة متعدٍّ بنفسه لا باللام كما قال: ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] . غير أنه جاء باللام للدلالة على قوةِ إرادةِ الفجور والشهوات عند الإنسان وشدة الرغبة فيها. وهذه مَدْعاةٌ إلى الندم البالغ، وكثرة لوم الإنسان لنفسه. فارتبط ذلك أحسن ارتباط بالنفس اللوامة.
стр. 203
ثم انظر كيف أنه لما بالغ في إرادة الفجور والرغبة فيه، بالغ في اللوم فجاء بصيغة المبالغة، فقال: ﴿اللوامة﴾ ولم يقل (اللائمة) للدلالة على كثرة اللوم، فانظر المناسبة بين المبالغة في الفجور والمبالغة في اللوم، وكيف أنه لَمَّا بالغَ في أحدهما بالغ في الآخر.
ثم قال بعد ذلك:
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ .
وهذا "سؤال مُتعنِّتٍ مُسْتبعدٍ لقيام الساعة" وقد جاء بأداة الاستفهام (أيّان) التي تدل على شدة الاستبعاد. وهذا المتعنِّت المستبعد لقيام الساعة هو الذي يقدم الفجور والمعصية ويؤخر التوبة، وهو المذكور في الآية السابقة.
وقال بعد ذلك:
﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر * وَخَسَفَ القمر * وَجُمِعَ الشمس والقمر * يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾ .
وهذه الآيات كأنها جواب السائل عن موعد القيامة المستبعد لوقوعها. وقد بدأ التعبير بـ (إذا) الدالة على الزمان لأن السائل إنما سأل عن زمنها وموعدها، فكان الجواب بالزمان كما كان السؤال عن الزمان.
ومعنى: ﴿بَرِقَ البصر﴾ دهش فلم يبصر، وقيل:: تَحيَّر فلم يطرف. وبرق بصره، أي: ضعف.
стр. 204
وذكرُ البصر مع ذكر الشمس والقمر له سببه ومناسبته، فإن البصر يعمل مع وجود الشمس والقمر، أي: مع النور؛ فإذا لم يكن ثَمَّةَ نورٌ فلا يعمل شيئاً كما قال تعالى: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] .
وفي هذا اليوم قد تعطَّلَ البصرُ كما تعطّل الشمس والقمر، فالبصرُ بَرِقَ، والقمر خُسِفَ، وجُمعَ الشمسُ والقمر.
ثم انظر كيف قال: ﴿بَرِقَ البصر﴾ ولم يقل (عَمِيَ) أو نحو ذلك، فإن المراد تعطيله مع وجوده، كما فعل بالشمس والقمر، فإنه لم يُزِلْهُمَا ويُذهبْهما، وإنما عَطَّلهما فهو تناسب لطيف.
ثم انظر كيف قال: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ إشارة إلى تعطيل الحياة الرتيبة إذ إن استمرار الشمس والقمر على حالهما دليل على استمرار الحياة. والدنيا إنما هي أيامٌ وليال، وآيةُ النهار الشمس وآية الليل القمر، فجمعُهما معاً دليلٌ على تعطيل الحياة التي كان يرجوها مُسَوِّفُو التوبةِ، والمغترُّون بالأمل والذين يقدّمون الفجور ممن تقدم ذِكْرُهم بقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ثم انظر بعدُ علاقة ذلك بالنفس اللوامة التي كانت تقدّم الفجور، وتغتر بالدنيا ففاجأها ما يستدعي كثرة اللوم.
ثم انظر مناسبة ذلك القسم بـ (يوم القيامة) ، و (اليومُ) يُستعمل في أحد مَدْلوليهِ لمجموعِ الليل والنهار فناسب ذلك ذكر الشمس والقمر، إذ هما دليلا اليوم وآيتاه في الدنيا، أما يوم القيامة فهو يوم لا يتعاقبُ فيه الشمس والقمر، بل يُجمعان فيه فلا يكون بعدُ ليلٌ ونهار بل هو يومٌ متصل طويل.
وفي هذا اليوم يطلب الإنسان الفرار، ولكن إلى أين؟
ويبقى السؤال بلا جواب. ثم يجيب رب العزة بقوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ والوزَر: الملجأ، فلا ملجأ يفر إليه الإنسان ويحتمي به وإنما ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ
стр. 205
المستقر﴾ والفارُّ يطلب ملجأ يأوي إليه ويعتصم به ويطلب الاستقرار ولكن لا استقرار إلا إلى الله، فإليه وحده المستقَرُّ.
وتقديم الجار والمجرور يفيد القصرَ والاختصاص، فليس ثمة مستقر إلى سواه. وهذا التقديم يقتضيه الكلام من جهتين:
من جهة المعنى وهو الاختصاص والقصر، وتقتضيه فاصلةُ الآية أيضاً.
وتقديم (يومئذ) كذلك يقتضيه الكلام من هاتين الجهتين أيضاً. فالمستقَرُّ في ذلك اليوم خاصةً إلى الله سبحانه، أما في الدنيا فالإنسان قد يجد مستقراً يأوي إليه ويستقر فيه، أما في ذلك اليوم، فلا مستقرَّ إلا إلى الله.
وتقديم ﴿إلى رَبِّكَ﴾ على ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ له سببه أيضاً ذلك أن الإنسان في تلك الحالة، يبحث عن مكان يفر إليه ويستقر فيه، فقدم له ما يبحث عنه، وقال له: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ لأنه هو الأهم، وهو المقصود.
واختيار كلمة (رب) ههنا اختيار مقصود، فالرب هو المالك والسيّد والمدبّر والمربّي والقيّم والمنعم. وربُّ كلِّ شيء مالكهُ ومستحقه.
والفارُّ إلى مَنْ يلتجىء؟ هل يلتجىء إلا إلى سيده ومالكه وصاحب نعمته ومدبّر أمره والقيّم عليه؟
فهو وزَرهُ وإليه مستقرُّه، فهل ترى أنسب من كلمة (رب) ههنا؟
ثم إن اختيار كلمة (مستقر) اختيار دقيق محكم أيضاً، ذلك أن هذه الكلمة تدل على المصدر بمعنى الاستقرار، وتدل على اسم المكان بمعنى مكان الاستقرار، وتدل على اسم الزمان، بمعنى الاستقرار.
стр. 206
وهي هنا تفيد هذه المعاني كلها، فهي تفيد (الاستقرار) ، أي: إلى ربك الاستقرار، وتفيد موضع الاستقرار وهو الجنة والنار أي إن ذلك إلى مشيئته تعالى.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ : "إلى ربك خاصة (يومئذ) مستقرُّ العباد، أي: استقرارهم، يعني أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره وينصبوا إليه. أو إلى حكمه ترجع أمورُ العباد لا يحكم فيه غيره كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] أو إلى ربك مستقرّهم، أي: موضع قرارهم من جنة أو نار".
وجاء في (البحر المحيط) : "المستقر، أي: الاستقرار أو موضع استقرار من جنة أو نار إلى مشيئته تعالى: يُدْخِلُ مَنْ شاء الجنة، ويدخل من شاء النار بما قدم وأخر".
وتفيد زمان الاستقرار أيضاً، أي أن وقت الفصل بين الخلائق، وسَوقهم إلى مستقرهم عائد إلى مشيئته تعالى. فهم يمكثون في ذلك اليوم ما يشاء الله أن يمكثوا، ثم هو يحكم بوقت ذهابهم إلى مواطن استقرارهم، فكلمة (مستقر) أفادت ثلاثة معان مجتمعة علاوةً على ما تقتضيه الفاصلةُ في نهاية الآيات. ولا تغني كلمةٌ أخرى عنها، فلو أبدلت بها (الاستقرار) ما أدّت تلك المعاني، فهي أنسبُ كلمة في هذا الموضع.
ثم قال بعد ذلك:
﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ .
والمعنى أن الإنسان يُنَبَّأُ بما قدّم من عملِ خيرٍ أو شر، وبما أخّر من عملٍ كان عليه أن يعمله، فلم يعمله.
стр. 207
وهذه الآية متناسبة مع ذكر النفس اللوامة، في أول السورة في حالتيها اللتين تدعوان إلى اللوم.
أنْ تفعلَ فعلاً ما كان ينبغي لها أن تفعله، فتلوم نفسها عليه، وهذا يدخل فيما قدّم.
أو تقعدَ عن عملٍ كان ينبغي لها أن تعمله، فلم تعمله وهو يدخل فيما أخّر.
ثم قال بعدها: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾ .
بعد أن أخبر عن أحوال يوم القيامة فيما تقدم، عاد إلى النفس مرة أخرى. وهو اقترانٌ يذكِّرنا بالاقتران بين يوم القيامة والنفس اللوامة في مفتتح السورة.
والمعنى: أن الإنسان يعرف حقيقة نفسه، ولو جاء بالحجج والأعذار.
وقال بعدها: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
وجهُ ارتباط هذه الآية بما قبلها، أن الحجج والمعاذير، إنما تلقى باللسان فارتبطت بقوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
والضمير في (به) يعود على القرآن، ولم يجرِ له ذِكْرٌ، وهو مفهومٌ من المعنى "وكان رسول الله ﷺ إذا لقن الوحي، نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أنْ يُتِمَّها مسارعةً إلى الحِفْظِ وخوفاً من أن يتفلَّتَ منه، فأمر بأن
стр. 208
يستنصت إليه ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضى إليه وحيه.. (لتعجل به) لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلَّت منك".
وأما قوله: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فهو تعليل لتحريك اللسان، فالعجلة علة لفعله هذا ﷺ .
إن العجلة المذكورة هنا تتناسب مع جو العجلة في السورة، ثم إن ذكر ضمير القرآن من دون أن يجري له ذِكْرٌ اختصارٌ وإيجاز في الكلام مناسب لجو العجلة هذه، فقد تعاون كلٌّ من التعبير والتعليل لبيان هذا الغرض.
وقال بعدها: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ .
الملاحظ في هذا التعبير أنه قدم الجار والمجرور على الاسم، وذلك للاختصاص والقصر. والمعنى أننا نحن المتكفِّلُونَ بجمعه في صدرك وتلاوته للناس صحيحاً كاملاً. وهذا موطن من مواطن القصر، لأنه لا يمكن لأحدٍ غير الله أن يفعل ذلك. فإن تثبيت النصوص في النفس وحفظها بمجرد سماعها وعدم نسيانها، وإلقاءها كما هي على مَرِّ الزمن، إنما هو فِعْلِ الله وحده فهو الذي يثبت في النفوس أو يمحو منها ما يشاء.
إذن فإن ذلك عليه وحده.
وهذا التقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته الفاصلة.
ولو أخر الجار والمجرور لأخلَّ بالمعنى، ذلك أنه يقتضي عدم القصر ومعنى ذلك أنه يخبر بأنه مُتكَفِّلٌ بجمع القرآن في صدره، وليس المتكفل
стр. 209
الوحيد وذلك كما تقول: (يشرح خالدٌ لكَ هذا الأمر) فإنك ذكرت أن خالداً يشرح له الأمر ولم تُفِدْ أن خالداً يخصه بالشرح لأحدٍ غيره. ولو قال: (لكَ يشرحُ خالد هذا الأمر) لأفاد أنه يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد آخر. فتقديم الجار والمجرور على عامله يفيد القصر غالباً.
وهذا موطن قصر، إذ لا يمكن أن يفعل ذلك غير الله تعالى، أعني التكفل بتثبيت القرآن في النفس بمجرد سماعه.
وإدخال (إنّ) يقتضيه المعنى أيضاً في أكثر من جهة:
من ذلك أنها تفيد التعليل كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . فهنا أفادت التعليل وبَيَّنت سبب النهي عن تحريك اللسان. فقد قال: لا تحرك به لسانك، لأن جمعه في صدرك نحن نتكفل به. ولو لم يدخل (إنّ) لم يرتبط الكلام ولانتفى معنى التعليل إذ لو قال: (لا تحرك به لسانك لتعجل به علينا جمعه وقرآنه) لم تجد له هذا الحُسْنَ الذي تجد، ولانفصل الكلام بعضه عن بعض. فـ (إن) ربطت الكلام بعضه ببعض وأفادت التعليل.
ومن ذلك أنها تفيد التوكيد، وهذا الموطن يقتضي التوكيد إذ إن حفظ الإنسان لكل ما يُلْقى إليه بمجرد سماعه أمرٌ غريب والتكفُّلُ به يحتاج إلى توكيد. ولذا جاء بـ (إنّ) المؤكدة.
وقال بعد ذلك: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
ومعنى: ﴿فاتبع قُرْآنَهُ﴾ أي: اتّبعه بذهنك وفكرك، أي: فاستمع له.
стр. 210
والإسناد إلى ضمير الجمع هنا له دلالة إضافة إلى التعظيم الذي يفيده ضمير الجمع ذلك أن القارئ هو جبريل، وليس الله.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ "جعل قراءة جبريل ﵇ قراءته ... ونظيره في حق محمد ﵊ ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] . وجاء في (البحر المحيط) : "فإذا قرأناه، أي: الملَك المُبلِّغ عنا".
وكذلك المبيِّن في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فالذي يبيّن للرسول ويوضح هو الملَك، فهو يقرأ بأمر الله ويبيّن بأمر الله فالأمر مشترك. الله يأمر والملك يبلّغ، ولذا عبر بأسلوب الجمع، والله أعلم، وأظن أن الفرق واضح بين قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ والقول: (فإذا قرأتُه فاتّبع قرآنه) .
والقول في التقديم في ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ هو هو في الآية قبلها. فإن تقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص أيضاً ذلك أن تبيين ما أشكل منه مختص به تعالى.
وقال بعد ذلك: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة * وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ .
والعاجلة يُؤثِرها بنو آدم على وجه العموم، ويقدمونها على الآخرة. وارتباطها بما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ظاهر. فكلتاهما في العجلة وإيثارها، فالرسول ﷺ كان ينازع جبريل القراءة ولا يصبر حتى يتمها ليأخذه على عجل، والناس على وجه العموم يؤثرون
стр. 211
العاجلةَ على الآخرة، فهو طبعٌ عام في البشر خُلقوا عليه كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فالموضوع إذن موضوع واحد هو العجلة.
وكلاهما يتعجَّلُ ما هو أثيرٌ لديه ومُفصَّلٌ عنده.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ ، كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتكم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة: ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ ... فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ إلى آخره بذكر القيامة؟ قلت: اتصاله به من جهة التخلص منه إلى هذا التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة".
وجاء في (روح المعاني) في هذه الآية: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة * وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ تعميم الخطاب للكل كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لما خُلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ويتضمن استعجالك، لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة.. ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ فإن الإنسان يسوفّ بتوبته ويغرّه أَملُه ويُؤثِرُ ما بين يديه ويغمسُ نفسه في شهواته، ويَستحبُّ عاجلَ حياته ولا ينظر فيما وراء ذلك من أمور الآخرة، فهي متصلة بما قبلها وبقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ أتَمَّ اتصال.
стр. 212
كما أنها متصلة بالنفس اللوامة التي بنيت عليها السورة اتصالاً ظاهراً. فالنفس اللوامة كما ذكرنا تلومُ نفسها لأحد سببين:
стр. 213
إما أن تعجل فتعمل عملاً تندم عليه، فتلوم نفسها على ذلك، وهذا ما يفيده قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ ، وإما أن تؤخر عملاً كان ينبغي لها عمله فيفوتها خيره، فتندم عليه، فتلوم نفسها على ذلك وهذا ما يفيده قوله: ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ فهو هنا عجّل أمراً وترك آخر فندم من الجهتين ولام نفسه في الحالتين، لام نفسه في العجلة ولام نفسه في التَّرك.
وما أحرى أن تسمى هذه النفس بالنفس اللوامة، لأن دواعي اللوم متكاثرة عليها.
ثم انظر كيف اختار الفعل: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ على (تتركون) ذلك أن في (تذرون) حذفاً وأصله (تَوذَرون) من (وَذِرَ) ليدل ذلك على طابع العجلة الذي يريد أن ينتهي من الشيء في أقرب وقت. فاختيار هذا الفعل المحذوف الواو، مناسبٌ لجو العجلة.
وقد تقول: ولِمَ لم يقل: (تَدَعون) وهو فيه حذف كما في ﴿وَتَذَرُونَ﴾ ؟
والجواب - والله أعلم - أن اختيار (تَذَرون) على (تَدَعون) له سببه ذلك أن الفعل (وذر) في عموم معانيه يفيد الذم، ومنه قولهم: امرأة وذِرة أي: رائحها رائحة الوذْر، وهو اللحم، وقولهم: (يا ابنَ شامَّةِ الوذر) وهو سَبٌّ يكنى به عن القذف. وفي الحديث: "شَرُّ النساء الوذِرة المذِرة" بخلاف (ودع) فإن من معانيه الرائحة والدعة وخفض العيش. وقد يفيد المدح ومنه قولهم: رجل وديع، أي: هادئ ساكن. في حين أن
стр. 214
الموقف موقف ذم فإنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فاختار الفعل الذي يقال في عموم معانيه للمدح. وهو اختيار فَنيٌّ رفيع.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
هذان الصنفان هما ما يؤولُ إلى أحدهما الناسُ يوم القيامة. الذي يؤثر الآخرة ويعمل لها، والذي يحب العاجلة ويذر الآخرة. وهذه الآيات مرتبطة بأول السورة وهو القَسَمُ بيوم القيامة أتمَّ ارتباط. فإنه في يوم القيامة ينقسم الناس إلى هذين الصنفين.
ثم إن لاختيار كلمة (رب) وتقديم الجار والمجرور سببه أيضاً.
أما اختيار كلمة (رب) فهو أنسب شيء ههنا، فإن وجوه أهل السعادة تنظرُ إلى وليّ نعمتها في الدنيا والآخرة ومربيها وسيدها الذي غذاها بالنعم وهداها إلى طريق السعادة، وأوصلها إليه ولم تكن قد رأته من قبل. ولم يرد في هذه السورة من أسماء الله تعالى غير لفظ (الرب) .
وأما تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فللاختصاص، فإن هذه الوجوه لا تنظر إلا إليه، فإن النظر إليه يُذْهِلُهَا عن كلِّ ما عداه وينسي أهلها ما عداه من النعيم، فإن أهل الجنة ما أُعطُوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إليه كما في الحديث الصحيح. فهذا من أوجب مواطن الاختصاص. فالتقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته موسيقى الفاصلة. وهذا الجمع بين النضرة وسعادة النظر إلى وجهه الكريم، يشبه الجمع بين النضرة والسرور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: ١١] .
стр. 215
ثم قال بعدها في الصنف الشقيّ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
وهذه بمقابل الوجوه الناضرة، وهي وجوهُ مَنْ آثرَ العاجلة، وترك الآخرة، وجوهُ مَنْ يريد ليفجرَ أمامه، الوجوه التي ينبغي لأصحابها أن يُكْثِرُوا اللومَ لأنفسهم ويبالغوا في اللوم.
وتقديم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآيتين يفيد الاختصاص وهو ما يقتضيه المعنى والفاصلة، فإن نضرة أصحاب النعيم خاصة بذلك اليوم، أما في الدنيا فربما لم تعرف وجوههم النضرة. وكذلك أصحاب الوجوه الباسرة، فإن البُسُورَ مختصٌّ بذلك اليوم، وربما كانت وجوههم من أنضر الوجوه في الدنيا.
﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
والفاقرة: الداهيةُ العظيمة التي تقصم فقار الظهر وأصلها من الفقرة والفقارة كأن الفاقرة تكسر فقار الظهر.
واختيار فعل الظن مناسب أحسن مناسبة لجو السورة والسياق مع أن الموطنَ موطنُ علمٍ ويقين، وقد فسره أكثر المفسرين بالعلم واليقين، ذلك أن الإتيان بفعل الظن متناسب مع تأخير التوبة وإيثار العاجلة وتقديم الفجور، فإنه في الحياة الدنيا بنى حياته على الظن، فهو يظن أنه سيمتد به العمر ويطول به الأجل، فيسوّف بتوبته ويقدم شهوته. وهذا الظن يرافقه إلى اليوم الآخر، فهو إلى الآن يظن وقوع الداهية ظناً، وهو إلى الآن في حالِ ظنٍّ وأملٍ لا في حالِ علمٍ وبصيرة، فهو لا يرى إلا اللحظة التي هو
следующие страницы →