← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9097

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - كتاب

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (283 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] وينفرد سبحانه في ذلك اليوم انفراداً لا خفاء فيه، ولذلك قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] و ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . واقتران الحمد بهذه الصفات أحسن اقتران وأجمله، فالله محمودٌ بذاته وصفاته، فإن (الله) اسم للذات العلية المتصفة بالصفات العليا، فقولك: (الحمد لله) معناه: أنه المستحقُّ للحمد بذاته وجميع صفاته، وأنه محمودٌ بربوبيته للعالمين، فإن من الأرباب مَنْ لا تُحمَدُ ربوبيته، أما الله سبحانه فهو محمود بكل معاني الربوبية، وهو محمود في كونه رحماناً رحيماً، وليست كل رحمة محمودة، فإذا وضعت الرحمة في غير محلها، كانت عيباً في صاحبها، أما الله فمحمود في رحمته يضعها في محلها، ويكتبها لمستحقيها، ولذلك كان من الناس صنف منعَماً عليهم وصنف مغضوباً عليهم. وهو محمودٌ يوم الدين محمودٌ في مالكيته وملكه لذلك اليوم كله. وقد استغرق هذا الحمد الأزمنة كلها، فقد استغرق الحمد حين كان الله ولم يكن معه شيء وهو قوله: (الحمد لله) . واستغرق الحمد حين خلق العالم وربَّه وأنشأه وذلك قوله: (رب العالمين) ، واستغرق الحمد، وقتَ كانت الرحمة تنزلُ وهي لم تنقطع، ولا تنقطع وذلك قوله: (الرحمن الرحيم) ، واستغرق الحمد يوم الجزاء كله، ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي، فأهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها. وجزاء كل منهم فيها غير مُنْقَضٍ، فذلك هو يوم الدين. جاء في "حاشية الجرجاني على الكشاف" في قوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ "فإن الجزاء يتناول جميع أحوال الآخرة إلى السرمد".

стр. 37

فاستغرق الحمد الزمان كلَّه من الأزل إلى الأبد، ولم يترك منه شيئاً، فكان كقوله: ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ [القصص: ٧٠] . وشمل ذلك قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الزمر: ٧٥] . وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠] . فلم يترك شيئاً من الحمد إلا ذكره، ولم يترك وقتاً منذ الأزل إلى الأبد حيث لا ينقطع الزمن إلا استغرقه فكانت هذه السورة جديرة بأن تسمى أم الكتاب. جاء في (التفسير القيم) : "في ذِكْرِ هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ربٌّ محمود، ورحمن محمود وملك محمود". ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . قدم مفعولي (نعبد) و (نستعين) لقصد الاختصاص، والمعنى، نَخُصُّكَ بالعبادة ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك إذ لا تصح العبادة إلا لله، ولا تجوز الاستعانة إلا به، وهو نظير قوله تعالى: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ [الزمر: ٦٦] . وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون﴾ [الزمر: ٦٤] . وقوله: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة: ٤] . وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: ٨٨] . وقوله: ﴿وَعَلَى الله فتوكلوا﴾ [المائدة: ٢٣] . ولو قيل: نعبدك ونستعينك، لم يُفِدْ نفيَ عبادتهم لغيره، ولا الاستعانة بغيره، وذلك نظير قولك: (أكرمتك) و (إياك أكرمت) . فقولك: (أكرمتك)

стр. 38

يفيد أن المتكلمَ أكرمَ المُخاطَبَ، ولا يفيد أنه خَصَّهُ بالإكرام بخلاف قوله: (إياك أكرمت) فإنه يفيد أنه خَصَّهُ بالإكرام فلم يُكْرِمْ أحداً غيره. وتكرير (إياك) مع فعل الاستعانة يفيد التخصيص على حصر الاستعانة به، فإنه لو قال: (إياك نعبد ونستعين) لأفاد أنه يخصه بالعبادة، ولم يُفِدْ أنه يخصّه بالاستعانة نصّاً، بل لم يعيّن الذات التي يستعين بها أيضاً. كما أنه لو اقتصر على ضميرٍ واحد فقال: (إياك نعبد ونستعين) لربما أفهم أنه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة، فلا يعبد من دون استعانة ولا يستعين من دون عبادة وهو غير صحيح، ونظيره أن تقول: (إياك أعطي وأحذر) فإن هذا قد يفهم أن الحذر يكون مع العطاء ولا يكون عطاء على وجه الاستقلال، أو حذر على وجه الاستقلال، وربما أفهم أيضاً الاستقلال في العطاء والحذر. فإن قال: (إياك أُعطي وإياك أحذر) أفاد أنه يخصه بالعطاء، وأنه يخصه بالحذر على كل وجه سواء اجتمع العطاء والحذر أم لم يجتمعا. جاء في (روح المعاني) : "في سر تكرار (إياك) فقيل: للتخصيص على طلبِ العون منه تعالى، فإنه لو قال سبحانه: (إياك نعبد ونستعين) لاحتمل أن يكون إخباراً بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب. وقيل: لو اقتصر على واحد ربما توهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما، والواقع خلافه". ثم إن في تكرير (إياك) من الاهتمام والقوة ما ليس في الحذف، فقولك: (إياك أحفظ وإياك أرعى) أقوى من (إياك أحفظ وأرعى) .

стр. 39

جاء في (التفسير القيم) : "ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلاً: إياك أحبُّ وإياك أخاف، كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره، ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف". فاقتضى التكرار من كل وجه. ثم لننظر من ناحية أخرى، كيف أطلق فِعْلَ الاستعانة ولم يقيده بشيء، فإنه قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولم يقل: نستعين على كذا، أو على كذا فلم يقل مثلاً: (نستعين على العبادة) أو نستعين على الطاعة، أو ما إلى ذلك، وذلك أنه أراد إطلاق الاستعانة لتشمل كل شيء يريده الإنسان، ولا يخصها بشيء، فهو يستعينُ بالله على العبادة، وعلى طلب الرزق، وعلى النصر على الأعداء، وعلى أن ييسر له أموره، وعلى أن يقضي له حوائجه، فتشمل كل أمور الدنيا والآخرة. قيل: ولو خصَّ الاستعانة بالعبادة والطاعة، لبقي حكم الاستعانة في غيرها مجهولاً. جاء في (روح المعاني) : "في سر إطلاق الاستعانة فقيل: ليتناول كلَّ مُستعانٍ فيه، فالحذف هنا مثله في قولهم: (فلان يعطي) في الدلالة على العموم. وأيضاً لو كان المَرادُ الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، لبقي حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب". ثم لننظر من ناحية أخرى، كيف عبر عن العبادة والاستعانة بلفظ الجمع، لا الإفراد فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولم يقل: (أعبد وأستعين) ، وذلك إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام فالدين

стр. 40

الإسلامي ليس ديناً فردياً، بل هو دينٌ جماعي، وكثيرٌ من مظاهر الجماعية واضحٌ فيه كصلاة الجماعة وهي تَفضُلُ صلاةَ الفرد بسبعٍ وعشرينَ درجة، ولست المساجدُ إلا مظهراً من مظاهر الجماعية، وهذه السورة التي تَتَرَدَّدُ في كل ركعة من ركعات الصلاة فيها إشارة إلى أهمية الجماعة، بكلمة نعبد ونستعين واهدنا. والحج أكبر مظهر جماعي، والزكاة والصدقات من أكبر مظاهر التكافل الاجتماعي، والجهاد من شؤون الجماعة ويعلنه أمير المؤمنين، والصوم في الإسلام ليس عبادة فردية محضة بل هو عبادة جماعية، فتخصيصه بشهر معين يلتزم به كل المجتمع المسلم وليس كما يرغب الفرد، من أكبر مظاهر الجماعية، وتعيين الأعياد ووجوب الإفطار فيها فلا يشذ فرد واحد عن المجتمع من أكبر مظاهر الجماعية، وعيادة المرضى أمرٌ جماعي، وغير ذلك وغيره كل ذلك من مظاهر الجماعة. جاء في (تفسير الرازي) : "إن المراد من هذه النون نون الجمع، وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة ... الوجه الثالث: إن المؤمنين إخوة، فلو قال: (إياك أعبد) لكان قد ذكر عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره. أما لما قال: (إياك نعبد) كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين، شرقاً وغرباً، فكأنه سعى في إصلاح مهمات المسلمين". وجاء في (فتح القدير) : "والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه، وعن جنسه من العباد. وقيل: إن المقام لما كان عظيماً لم يستقلّ به الواحد استقصاراً لنفسه واستصغاراً لها، فالمجيء بالنون لقصد التواضع لا لتعظيم النفس".

стр. 41

وقرنت العبادة بالاستعانة ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعباة الله إلا بإعانة الله وتوفيقه، ولا ينهض بها إلا بالتوكل عليه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه الأمانة الثقيلة، إذا لم يُعِنه الله على ذلك، فالاستعانة بالله علاجٌ لغرور الإنسان وكبريائه وهما داءان قتّالان "وليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته". وقُدِّمت العبادةُ على الاستعانة لعدة وجوه منها: إنَّ العبادة هي عِلَّةُ خَلْقِ الإنس والجن ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وإنها الغايةُ من خَلْقهم، وإن الاستعانة إنما هي وسيلةٌ للقيام بها، فكانت العبادةُ أولى بالتقديم لأنَّ الغاية مقدمة على الوسيلة. جاء في (روح المعاني) : "إنَّ العبادة واجبةٌ حتماً لا مناص للعباد من الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم". وجاء في (التفسير القيم) : "إن تقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خُلِقُوا لها والاستعانة وسيلة إلَيْها". ومنها: أن العبادة قَسْمُ الربِّ وحَقُّه، وأن الاستعانة مرادُ العبد، ومن الطبيعي أن يقدم العبد ما يستوجب رضا الرب ويستدعي إجابته قبل أن يطلب منه شيئاً وهو التذلل لله والخضوع بين يديه بالعبادة. فكان القيام بالعبادة مظنة استجابة طلب الاستعانة.

стр. 42

ومنها: أن العبادة حقُّ الله وقسمه والاستعانةُ قسمُ العبد، وحقُّ الله أولى بالتقديم. ومنها: أنَّ العبادة أكثرُ مناسبةً للجزاء أعني قوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ والاستعانة أنسب لطلب الهداية، فوضعَ كلَّ تعبير مع ما يناسبه. جاء في (روح المعاني) : "إنها - أي العبادة - أشد مناسبة بذكر الجزاء، والاستعانة أقوى التئاماً بطلب الهداية". ومنها: أن " ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلقٌ بألوهيته واسمه (الله) . و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربويته واسمه الرب، فقدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما تقدم اسم الله على الرب في أول السورة". ومنها: أن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هو قسم الله "فكان مع الشطر الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به. و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد فكان مع الشطر الذي له وهو ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلى آخر السورة". وهذا التعبير هو نظير قوله تعالى: ﴿فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] . فقدم العبادة على التوكل. هذا علاوة على أن في تأخير فعل الاستعانة توافقاً مع خواتيم الآي في السورة. فاقتضى تقديم العبادة من كل وجه. فإن قلت: كان قياس الكلام أن يقول: (إياه نعبد وإياه نستعين) فَلِمَ قال: (إياك نعبد ... ) بالخطاب؟

стр. 43

والجواب: أنَّ هذا يسمى التفاتاً في علم البلاغة، والالتفاتُ قد يكون عدولاً من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] . فعدل من الخطاب إلى الغيبة. وللالتفات فائدةُ عامةٌ وفوائد يقتضيها المقام، أما الفائدة العامة فهي "أنَّ الكلامَ إذا نُقِلَ من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد". ومن فوائده التي اقتضاها المقام "أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام تَعلَّقَ العلمُ بمعلومٍ عظيمِ الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا مَنْ هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدلَّ على أن العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به". ومنها: أنه لما وُصِفَ بأنه رب العالمين عُلِمَ أنه حاضرٌ في كل مكان وزمان وليس غائباً ذلك لأنه رب العالمين جميعاً، فلا يغيب عنهم، ولا يغيبون عنه، فلما علم حضوره نودي بنداء الحاضر المخاطب. "ونظير هذا أنك تذكر شخصاً متصفاً بأوصاف جليلة مُخْبِراً عنه إخبار الغائب ويكون ذلك الشخص حاضراً معك، فتقول له: إياك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطُّف على بلوغ المقصود ما لا يكون في لفظ (إياه) .

стр. 44

ومنها: أنه "ذكر توطئةً للدعاء في قوله: اهدنا". ثم إنَّ الطلبَ من الحاضر أقوى من الطلب من الغائب. "ومنها: أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناءٌ، والثناء في الغيبة أَوْلى، ومن هنا إلى الآخر دعاءٌ، وهو في الحضور أولى، والله تعالى حييٌّ كريم. وقيل: "إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضوراً، بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتم، وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى سبحانه عن إبراهيم، ﵇ ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين﴾ [الأنعام: ٧٦] . لا جَرمَ عَبَّرَ عن الحمد بطريق الغيبة وعنها بطريق الخطاب إعطاء لكلٍّ منهما ما يليقُ من النسق المستطاب". وقيل غير ذلك، والله أعلم. ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ . معنى الهداية الإرشاد والدلالة والتبيين والإلهام. وفعل الهداية قد يُعدَّى بنفسه نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣] . وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [الفتح: ٢] ، وقد يُعدَّى بإلى كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . وقوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ [النازعات: ١٩] . وقد يعدى باللام كقوله: ﴿الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا﴾ [الأعراف: ٤٣] .

стр. 45

وقيل: إن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية من دون حرف أن التعديةَ بالحرف تقال إذا لم يكن فيه ذلك فيصل بالهداية إليه، وإن التعدية من دون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه، فتقول: هَدَيتهُ إلى الطريق وهديته للطريق لمن لا يكون في الطريق فتوصله إليه، وتقول: (هديته الطريق) لمن كان فيه فَتُبصِّرهُ به وتُبَيِّنهُ له، وتقوله أيضاً لمن لا يكون فيه فتوصله إليه. قال تعالى على لسان إبراهيم، ﵇، قائلاً لأبيه: ﴿فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ [مريم: ٤٣] . وأبوه ليس في الصراط، بل هو بعيد عنه. وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لأتيناهم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [النساء: ٦٦-٦٨] . والمنافقون ليسوا على الصراط. وقال على لسان رسل الله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢] . وهم في الصراط. وقال مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [الفتح: ٢] . وهو سالك للصراط. فتعديةُ الفعل بنفسه تقال لمن كان فيه أي في الصراط ولمن لم يكن فيه. أما التعدية باللام وإلى فتكون لمن لم يكن فيه، وذلك نحو قوله تعالى على لسان الخصمين اللذين جاءا داود، ﵇، ليحكم بينهما: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط﴾ [ص: ٢٢] . وقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ [يونس: ٣٥] . أي: يوصل إليه.

стр. 46

جاء في تفسير ابن كثير: "وقد تُعدَّى الهداية بنفسها كما هنا: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وَفِّقنا أو ارزقنا أو أعطنا ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] أي: بيّنا له الخيرَ والشر". وقد تُعدى بإلى كقوله تعالى: ﴿اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] . ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣] . وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . وقد تعدى باللام كقول أهل الجنة: ﴿الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا﴾ [الأعراف: ٤٣] . أي وفَّقنا لهذا وجعلنا له أهلاً". وفي اللسان: "هديته الطريق والبيت هداية، أي: عَرَّفته، لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق، وإلى الدار، حكاها الأخفش". قال ابن بري: يقال: هديته الطريق بمعنى عرّفته فيعدى إلى مفعولين، ويقال: هديته إلى الطريق، وللطريق على معنى أرشدته إليها. فيعدى بحرف الجرِّ كأرشدت قال: ويقال: هديت له الطريق على معنى بَيَّنتُ له الطريق". وفيه أيضاً أن "هديت لك في معنى (بينت لك) وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] . قال أبو عمرو: أَوَ لم يُبَيِّنْ لهم". فعلى هذا يكون: (هداه الطريق) بمعنى عرّفه الطريق، و (هداه إلى الطريق وللطريق) بمعنى أرشده إليه، ويقال: (هداه للطريق) بمعنى بيّنه له أيضاً.

стр. 47

ويبدو أن الهداية على مراتب، فالبعيدُ الضالُّ عن الطريق، يحتاج إلى هادٍ يدلّه على الطريق، ويوصله إليه، فهنا نستعمل (يهدي إلى) أي: يوصل إلى ويرشد إلى. والذي يصل إلى الطريق يحتاج إلى هادٍ يعرّفه بأحوال الطريق ومراحلها، وما فيها من مخاوف وأماكن الهلكة والأمن ويعرّفه بما يحتاجه السالك في هذه الطريق، وهنا نستعمل (هداه الطريق) . أما اللام فإنها تستعمل في اللغة للتعليل، أي: لبيان الغاية من الحدث، وقد تستعمل لانتهاء الغاية أيضاً كأن تقول (جئتُ لطلبِ العلم) أي إنَّ طَلَبَ العلم غاية المجيء وعِلَّته، و (جئت للدار) بمعنى: جئت إليها. وقد تستعمل اللام مع الهداية لبيان الغاية من الحدث، فسالك السبيل يريد الوصول إلى غاية وليس الطريق غاية في نفسه، فيؤتى باللام عند هذه الغاية فيقال: (هداه لكذا) أي: أبلغه لها، فكانت غاية سلوكه وسيره. والإنسان محتاج إلى هذه الهدايات كلها، فإن ضلَّ احتاج من يهديه إلى الطريق، وإن وصل احتاج مَنْ يُعرّفهُ بالطريق، وإن سلك احتاج الوصول إلى الهدف، وألاّ ينقطع في الطريق، وإن قطع الطريق، احتاج إلى من يبلغه غايته، وأن ينيله مرامه ويهديه له. وعند ذلك يقول كما قال أصحاب الجنة، بعد أن قطعوا الطريق وبلغوا مرادهم ﴿الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا﴾ [الأعراف: ٤٣] . أي: وفقنا لهذا في خاتمة المطاف، وهي خاتمة الهدايات. ولذا لم نجد استعمال (هدى) مُعَدَّى باللام في القرآن الكريم مع السبيل أو الصراط فلا تجد مثل (هداه لصراط مستقيم) أو (هداه لسبيل مستبين) لأن الصراط ليس هو الغاية؛ بل هو طريقٌ يُوصِلُ إلى الغاية فهو

стр. 48

مطلوب لغيره فيقال: هداه إلى الصراط وهداه الصراط. قال تعالى: ﴿بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] . فجعل الإيمان غاية، ذلك أن الإيمان من الأمن، وهو استقرار النفس وطمأنينتها، وأكثر ما يرهق الإنسان فَقْدُ أمنه النفسي فبلوغه غاية من أعظم الغايات. وقال: ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] . وقال: ﴿إِنَّ هاذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . وقال: ﴿الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا﴾ [الأعراف: ٤٣] . وقال: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥] . ولم يَرِدْ ذِكْرٌ للسبيل أو نحوه مع اللام كما ترى بل هذه كلها غايات، فالإيمان والحق والتي هي أقوم والنورُ والجنة، كلها غاياتٌ مُرادةٌ مطلوبة، وقد استعملت اللام معها. والملاحظ أيضاً أن هذه الهداية، وهي الهداية للغاية والانتهاء إليها اختصَّها اللهُ لنفسه أو لقرآنه، فلم يستعمل (هدى لكذا) إلاّ له سبحانه أو لكتابه فهو المبلغ للغايات بخلاف هداه كذا أو هداه إلى كذا، فقد استعمله له ولغيره، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . وقال: ﴿فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ [مريم: ٤٣] . وقد تقول: لكن القرآن استعمل تعبيرين أحياناً في سياق واحد، مما يدل على أنهما بمعنى واحد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .

стр. 49

فقال: ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام﴾ فَعدَّى الفِعْلَ بنفسه إلى ﴿سُبُلَ السلام﴾ ثم قال: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فعدَّاه بالحرف (إلى) مما يدل على أنهما بمعنى واحد. ونحو قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] . فعداه مرة بإلى ومرة باللام فقال: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ فعدّاه بإلى ثم قال: ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ فعداه باللام، ثم قال: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ فجعلها بمعنى واحد. والحق أنها ليست بمعنى واحد، وأن هناك ما يقتضي هذا الاختلاف، فبالنسبة إلى الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فإن الذي اتَّبعَ رضوانَ الله ليس ضالاً ولا مبتعداً عن الصراط بل هو فيه، فهو محتاج إذن إلى مَنْ يهديه الطريق ويعرّفه إياه، وليس محتاجاً إلى من يوصله إليه، وأما الذي في الظلمات فيحتاج إلى من يخرجه منها ويدلّه على الطريق ويوصله إليه فهو ليس في الطريق الصحيح ولذا قال: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: يوصلهم إليه. فاقتضى كل موضع التعبير الذي ورد فيه. فاقتضى الأمر بالنِّسبة إلى الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] . فإن الشركاء لا يستطيعون الدلالة على الحق والإرشاد إليه أصلاً. ولكن الله يهدي إلى الحق وللحق، فالله يرشد إليه ثم

стр. 50

يوصلك إلى المنتهى ويُبلِّغك المراد فهو لا يكتفي بأن يقول لك إنّ الطريق من هنا بل يعرّفك به ويوصلك إلى طلبتك، إنك قد تسأل شخصاً عن الطريق فيرشدك إليه ويقول لك: الطريق من هنا، أو ذلك هو الطريق، ولكنه لا يعرف مراحل الطريق ولا يدري ما فيه بَلْه إيصالكَ إلى المنتهى وتنويلك المبتغى، فآلهتهم لا تهدي إلى الحق، أي: لا تُرشد إليه لأنها لا تعرف أين هو بَلْه التعريفَ به والإيصال إلى خاتمته لحين تنويل المراد. إن الله لا يهدي إلى الحق فقط، بل يعرّفك إياه ويبيّنه لك، ويبلّغك إياه، وأما شركاؤهم فلا يدرون الحق أين هو؟ وفرقٌ بعيد بين الحالين فشركاؤهم لا يعرفون مبتدأ الطريق، والله يوصلك إلى الخاتمة ويبلغك المراد. فالفرق واضح بين التعبيرين. ونعود إلى قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فقد عَدَّى فِعْلَ الهداية بنفسه، ولم يُعَدِّهِ بالحرف وذلك ليجمع عدة معانٍ في آن واحد، ذلك أن التعديةَ من دون حرفٍ تُقالُ لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه، فهنا نطلب الهداية لمن كان في الطريق فيعرّفه به ويبصّره بشأنه، ولمن ضل وانحرف من المؤمنين عن الجادّة فيرده إلى الجادة فشمل القسمين. ولما كان هؤلاء من الموحدين الحامدين لله كان المعنى علاوةً على ما مَرَّ طلب استمرار الهداية على الطريق المستقيم، والتثبيت على الهدى والزيادة فيه كما قال تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . "فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهدى ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها".

стр. 51

فيكون معنى ﴿١٦٤٩;هْدِنَا الصراط المستقيم﴾ عرِّفنا الطريقَ الحق وردّنا إليه ردّاً جميلاً إذا ما ضللنا أو انحرفنا، وثَبِّتنا على الهدى وزِدْنا هدى. جاء في (البحر المحيط) : ومضمون هذه الجملة طلب استمرار الهداية إلى طريق مَنْ أنعم الله عليهم، لأن مَن صَدَر منه حمد الله وأخبر بأنه يعبده ويستعينه، فقد حصلت له الهداية، لكن يسأل دوامها واستمرارها". وجاء في (روح المعاني) : "وللمحققين في معنى (اهدنا) وجوه ... أحدها: أن معناه ثَبِّتنا على الدين كيلا تزلزلنا الشُّبَه وفي القرآن ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] . وفي الحديث: "اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلوبنا دينك" وثانيها: أعطنا زيادة الهدى، كما قال تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . وثالثها: أن الهداية الثواب، كقوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] . ورابعها: أن المراد دُلَّنا على الحق في مستقبل عمرنا، كما دَلَلْتنا عليه في ماضيه". وقد تقول: ولِمَ لَمْ يقدم المفعول مع الهداية كما فعل مع العبادة والاستعانة؟ لِمَ لم يقل: (إيَّانا اهدِ) كما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ؟ والجواب: أنه لا يصح التقديم لأنه لا يصلح طلب التخصيص بالهداية دون سائر الناس فلا يصح أن تقول: (اللهم اهدني ولا تهدِ أحداً سواي)

стр. 52

أو: (اللهم ارحمني ولا ترحم أحداً غيري) بل لكَ أنْ تسأل الهداية لنفسك ولا تَقْصرها عليكَ، فلو قلت: (إيانا اهد) لكان المعنى: اهدنا ولا تهدِ أحداً سوانا، وهذا لا يصح. ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: (اهدنا) ولم يقل: (اهدني) ؟ وذلك لأكثر من سبب: منها: أنه مناسبٌ للجمع في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، "لأنه لما أخبر المتكلم أنه هو ومن معه يعبدون الله ويستعينونه سأل له ولهم الهداية إلى الطريق الواضح، لأنهم بالهداية إليه تَصحُّ منهم العبادة. ألا ترى أن من لم يهتد إلى السبيل الموصلة لمقصوده لا يصح له بلوغ مقصوده". وجاء في (تفسير الرازي) : "كأن العبد يقول: سمعت رسولك يقول: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت: (الحمد لله) ، ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ، ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء بالجميع فقلت: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، ولما طلبت الفرار من المردودين فررت من الكل فقلت: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ . ومنها: "أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب".

стр. 53

ومنها: أن فيه أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك فيغسل ما في النفس من درن الأَثَرة ونوازع الانفراد بالخير، ويشيع عند المسلم حب التعاون. ومنها: إشاعة الروح الجماعية بين الأفراد. ومنها: أن الاجتماع على الهدى، تثبيتٌ وقوة، وأن كثرة السائرين على الطريق تورث الأُنس وتهوِّن مشقة السير بخلاف الانفراد في السير فإنه يورث الوحشة ويستجلب الملل، إن الإنسان إذا كان معه سالكون لم يستوحش، وكلما كثر السالكون شاع الأمن ورسخت الطمأنينة، أما السالك وحده فإنه قد يستوحش وقد يضعف وقد يسقط، وقد تأكله الذئاب، ويد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية. وهذا الأمر حاصل لمن سلك سبل الدنيا ولمن سلك سبل المبادىء والقيم سواء بسواء، وهو في الثانية أظهر وأخطر. ثم انظر من ناحية أخرى، كيف ارتبط قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ بأول السورة ووسطها وآخرها. فارتبط بقوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ في أول السورة، لأن من معاني الرب المربي، وأول مهامّ المربي هي الهداية كما ذكرنا. وارتبط بقوله: ﴿الرحمن الرَّحِيمِ﴾ لأن مَنْ هداه الله فقد رحمه، فإنك تطلبُ من الرحمن الرحيم أن لا يتركك ضالاًّ لا تهتدي إلى الطريق، فإن رحمته تأبى أن يترك مَنْ سأله الهداية والنجاة من الضلال والضياع ضالاً مُضيَّعاً. وارتبط بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأن العبادة ينبغي أن تكون على الطريقة الصحيحة التي يرتضيها الله، ولا تتحقق العبادة إلا بالهداية إلى الطريق المستقيم، فلا يمكن أن تعبده عبادة صحيحة وأنت ضال.

стр. 54

وارتبط بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن الاستعانة أن تطلب منه الهداية والثبات عليها. وارتبط بقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأن المُنْعَمَ عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم. وارتبط بقوله: ﴿وَلاَ الضآلين﴾ في آخر السورة لأن الضالين هم التائهون عن الطريق، السالكون غيرَ جادةِ الحق، والهدى ضد الضلال، وكثيراً ما يجمع القرآن بين الهدى والضلال على أنهما متضادان، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣] وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦] . وغير ذلك كثير. واختيارُ كلمة (صراط) دون كلمة (طريق) أو (سبيل) له سببه، ذلك أن (صراط) على وزن (فِعال) من (صراط) وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالرباط والشِّداد، فيشتمل على كل السالكين، ولا يضيق بهم فهو واسع رَحْبٌ بخلاف كلمة (طريق) فإنها (فعيل) بمعنى (مفعول) من (طرق) بمعنى مطروق، وهذا لا يدل في صيغته على الاشتمال، فقد يضيق بالسالكين ولا يستوعبهم. وكذلك كلمة (السبيل) فهي كأنها (فعيل) بمعنى (مفعول) من أسبلَتِ الطريقُ إذا كثرت سابِلَتُها كالحكيم بمعنى المُحكَم. والسابلة من الطريق المسلوكةُ يقال: سبيل سابلة، أي: مسلوكة. وقد جاء بالصراط مفرداً مُعَرَّفاً بتعريفين: بالألف واللام والإضافة، وموصوفاً بالاستقامة مما يدل على أنه صراط واحد، ليس ثمة صراط

стр. 55

غيره، فإنه ليس بين النقطتين أكثر من مستقيم واحد. فالصراط المستقيم هو طريق الإسلام وهو دين الله، ووصفه بالاستقامة ليدلّ على أنه أقصر الطرق وأقربها إلى المطلوب فلا يشق على السالك، وما عداه من الطرق معوجٌّ، ولا يوصل إلى المقصود فإنه لا يوصل أكثر من مستقيم واحد بين نقطتين. إن المراد من السلوك على الصراط، هو الوصول إلى الله تعالى كما قال: ﴿إِنَّ هاذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٩] . وربنا على صراط مستقيم والذي يوصل إليه صراط مستقيم كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] . وقال: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] . فتعين السلوك على هذا الصراط للوصول إليه. والوصول إليه معناه الوصول إلى رضاه، وإلاّ فكلنا مردودون إليه وملاقوه. جاء في (تفسير الرازي) : "اعلم أن أهل الهندسة قالوا: الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين. فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجّة، فكان العبد يقول: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ لوجوه: الأول: أنه أقرب الخطوط وأقصرها، وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم. الثاني: أن المستقيم واحد وما عداه معوجة، وبعضها يشبه بعضاً في الاعوجاج، فَيَشْتَبِهُ الطريقُ عليَّ. أما المستقيم فلا يشابهه غيره، فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان. الثالث: الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود، والمعوج لا يوصل إليه. الرابع: المستقيم لا يتغير، والمعوج يتغير".

стр. 56

وجاء في (التفسير القيم) : "وذكر الصراط المستقيم منفرداً مُعَرَّفاً بتعريفين، تعريفاً باللام، وتعريفاً بالإضافة، وذلك يفيد تعيينه واختصاصه، وأنه صراط واحد. وأما طرق أهل الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله: ﴿وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . فوحَّد لفظ الصراط وسبيله وجمع السبل المخالفة له ... وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رُسُلَهُ وأنزل به كتبه لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب فالطريق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد". والملاحظ أن القرآن لم يأت بكلمة الصراط، إلا مُفْرَدَةً فلم يستعملها مجموعة بخلاف السبيل فإنه يفردها ويجمعها، ذلك أن الصراط هو أوسع السبل، وهو الذي تُفضي إليه السبل. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فجعله صراطاً واحداً وهو صراطٌ مستقيم ثم قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ . وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام﴾ [المائدة: ١٦] . فذكر السبل بالجمع، وهي طرق الخير المتعددة في الإسلام. وقال: ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] . فجعل له سبلاً متعددة، في حين لم يجعل له إلا صراطاً واحداً، وهو الصراط المستقيم. ثم زاد هذا الصراط بياناً وتوضيحاً، فقال: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ فذكر أنه صراط الذين أنعم الله عليهم، وسَلِمُوا من الغضب والضلال. وقد جمع الله أصناف المكلفين في هذه الآية وانتظمهم كلهم.

стр. 57

فهم إما أهل السعادة، وهم الذين أنعم الله عليهم. وإما أهل الشقاوة وهم صنفان: صنف عرف الحق، وخالفه فلم يعمل بمقتضاه وهم المغضوب عليهم. وصنف لم يعرف الحق، وهم الضالون، لأن مَنْ لم يعلم الحق ضال، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً * الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤] . جاء في (تفسير البيضاوي) : "ويتجه أن يقال: المغضوب عليهم: العصاة، والضالين: الجاهلون بالله". ولا يخرج أصناف المكلفين عن هؤلاء، فالسعداء هم أهل الطاعة الذين عرفوا الحق، وعملوا بمقتضاه وهم الذين أنعم الله عليهم. والأشقياء هم الصنفان الآخران، فجمعهم أحسنَ جمعٍ وأوجزه. جاء في (تفسير الرازي) : "دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق: أهل الطاعة وإليهم الإشارة بقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ . وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ . وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله: ﴿وَلاَ الضآلين﴾ ... في الآية سؤال آخر: ما الحكمةُ في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة، وهم الذين أنعم الله عليهم، والمردودين فريقين: المغضوب عليهم والضالين؟

стр. 58

والجواب: أن الذين كملت نِعَمُ الله عليهم، هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فهؤلاء هم المرادون بقول: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، فإن اختلّ قيدُ العمل فهم الفَسَقة، وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] . وإن اختلَّ قيدُ العلم، فهم الضالون لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال﴾ [يونس: ٣٢] ". وجاء في (التفسير القيم) : "مِنْ ذِكْرِ المُنْعَمِ عليهم وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال، فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة. لأن العبد إما أن يكون عالماً بالحق أو جاهلاً به، والعالم بالحق إما أن يكون عاملاً بموجبه أو مخالفاً له. فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة. فالعالمُ بالحق العاملُ به هو المُنْعَمُ عليه ... والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه. والجاهل بالحق هو الضال، والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل. والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكلٌّ منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصفِ الغضب وأحق به". وجاء فيه أيضاً: "فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب. فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد. وهذان المرضان هما ملاكُ أمراض القلوب جميعها، فهداية الصراط المستقيم يتضمنُ الشفاء من مرضِ الضلال ...

стр. 59

والتحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علماً ومعرفة وعملاً وحالاً يتضمنُ الشفاءَ من مرضِ فساد القلب والقصد ... ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما: الرياء والكبر. فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ... فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبر والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الجهل بـ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ عُوفيَ من أمراضه وأسقامه ورَفَلَ في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المُنْعَم عليهم غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين، وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه". ثم لننظر من ناحية أخرى كيف قال: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فعبر عن المنعم عليهم بالفعل الماضي، ثم قال: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ فعبر عنهم بالصورة الاسمية. أما جعل فعل الإنعام فعلاً ماضياً فذلك ليتعيَّنَ زمانُه، وليبين أن المقصود صراط الذين ثَبتَ إنعامُ الله عليهم وتَحقَّقَ وهم الأنبياء والصِّدِّيقون والشهداء والصالحون كما قال تعالى: ﴿فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] . ولو قال: (صراطَ الذين تُنعِمُ عليهم) لأغفلَ كُلَّ مَنْ مضى من رسل الله والصالحين، لأن الفعل المضارع أكثر ما يدل على الحال. بل لم يدل

стр. 60

على أنه أنعم على أحدٍ فيما مضى، ونحو ذلك أن تقول: (أعطني ما أعطيتَ أمثالي) أو تقول: (أعطني ما تُعطي أمثالي) فإن العبارة الأولى تفيد أنه أعطى قبله من أعطى، وأما الثانية، فلا تفيد أنه أعطى أحداً من قبل، بل قد يكون ذلك العطاء ابتداء، ولاحتمل أن يكون صراط الأولين غير صراط الآخرين، ولم يُفِد التواصلَ بين زمر المؤمنين من لدن آدم ﵇، إلى قيام الساعة، ولم يفهم أن هذا الطريق، إنما هو طريقٌ مسلوكٌ سلكه من قبلنا الرسل وأتباعهم، ولكان صراط الذين ينعم عليهم، أقل شأناً من صراط الذين أنعم عليهم، لأن الذين أنعم الله عليهم، فيهم أولو العزم من الرسل، وفيهم الأنبياء وأتباعهم، وأما من ينعم عليهم بعد ذلك، فليس فيهم نبيٌّ ولا رسول. ثم إن الإتيان بالفعل الماضي، يدل على أنه كلما مر الزمن كثر عددُ الذين أنعم الله عليهم، لأن الحاضر يلتحق بالماضي، وهكذا تتسع دائرة المنعَم عليهم بمرور الزمن بخلاف قولنا: (صراط الذين ينعم الله عليهم) ، فقد يخص الوقت الذي طلب فيه الداعي الهداية، ولربما كان عدد المهديين آنذاك قليلاً. فانظر الفرق بين قوله: (أنعمت عليهم) والقول: (تنعم عليهم) . وأما قوله: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ بالاسم، فليشمل سائر الأزمنة. فإن قلت: ولِمَ لمْ يقل: (صراط المنعَمِ عليهم) ليشمل سائر الأزمنة أيضاً؟ فالجواب: أن كل تعبير في مكانه أمثل وأحسن. فلو قال: (المنعَم عليهم) لم يبيّن المُنعِم الذي أنعم عليهم، والنعمة إنما تقدر بقدر المنعِم، فإن كان المنعم صديقاً يختلف عما إذا كان أميراً أو

стр. 61

سلطاناً، وذلك من حيث مقدار النعمة، ومن حيث التكريم لمن نالها، فإن كان المنعِم عظيماً عَظُمتْ نعمتهُ، وإن كان أدنى من ذلك كانت على قدر صاحبها، وكذلك من حيث التكريم، فالذي ينعم عليه السلطان غير الذي ينعم عليه أحد أفراد الرعية، فإن قولك: (فلان أنعم عليه الخليفة) فيه من التعظيم والتكريم ما ليس في قولك: فلان أنعم عليه رئيس البلدية أو المحافظ. ففي قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من التكريم وعظم النعمة ما ليس في (المنعَم عليهم) . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الله سبحانه ينسب الخير والفضل إلى نفسه، ولا ينسب إلى نفسه الشر والسوء، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ١٠] . فبنى الشرَّ للمجهول ونسبَ الخيرَ إلى ذاته الكريمة. وقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً﴾ [الإسراء: ٨٣] . فنسب النعمة إلى نفسه ولم ينسب إلى نفسه الشر، فلم يقل: (وإذا مسسناه بالشر) كما قال ﷺ : "والخيرُ كلُّه في يديك، والشر ليس إليك" والنعمة تَفضُّلٌ وخير، فهو ينسبها إلى نفسه وليس أحدٌ مُولى نعمة على الحقيقة إلا الله كما قال: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: ٥٣] . ولذلك ينسب النعم كلها إلى نفسه، ولم يَرِدْ فِعْلُ النعمة مسنداً إلى غير الله في القرآن الكريم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ [النساء: ٧٢] . وقال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] . وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] .

стр. 62

ولم يسند فعل النعمة إلى غير الله، إلا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . فقد أسنده إلى الرسول ﷺ بعد أن أسنده إلى الله أولاً، وهي نعمةٌ خاصة أنعم بها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة الذي رباه، وجعله بمنزلة ابنه. فنسبة النعمة والفضل إلى الله أمثلُ وأكمل. وأما المغضوب عليهم، فقد بناه للمفعول ليعم الغضب عليهم: غضب الله، وغضب الغاضبين لله ولا يتخصص بغاضبٍ معين، فهم مغضوبٌ عليهم من كل الجهات. بل إن هؤلاء سيغضب عليهم أخلصُ أصدقائهم وأقرب المقربين إليهم، يوم ينقطع حبلُ كل مودّةٍ في الآخرة غير حبل المودّة في الله، وتنقطع كل العلائق غير العلائق في الله، كما قال تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقال: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥] . فيغضب بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من بعض حتى يتبرأ الإنسان من جلده وجوارحه التي تشهد عليه، فهم مغضوبٌ عليهم من كل شيء، ومن كل أحد. فانظر هذا العموم في الغضب وهذا الإطلاق. وقيل: "إنما بناه للمفعول لأن من طُلب منه الهداية ونُسب الإنعام إليه لا يناسبه نِسبةُ الغضب إليه، لأنه مقام تَلطُّفٍ وترَفُّقٍ وتذلل لطلب الإحسان، فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام وليكون المغضوب عليهم توطئةً لختم السورة بالضالين لعطف موصولٍ على موصول مثله لتوافق آخر الآي". وجاء في (التفسير القيم) : "وأضاف النعمة إليه وحذف فاعل الغضب لوجوه:

стр. 63

منها: أن النعمةَ هي الخير والفضل، والغضب من باب الانتقام، والعدل والرحمة تغلب الغضب فأضاف إلى نفسه أكملَ الأمرين وأسبقهما وأقواهما. وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه، وحذف الفاعل في مقابلتهما كقول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ١٠] . الوجه الثاني: إن الله سبحانه هو المُتفرد بالنعم: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: ٥٣] . فأضيف إليه ما هو متفرد به، وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقاً ومجرى للنعمة. وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به تعالى، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه، يغضبون لغضبه، فكان في لفظة ﴿المغضوب عَلَيْهِم﴾ بموافقة أوليائه له من الدلالة على تفرده بالإنعام وأن النعمة المطلقة منه وحده، هو المتفرد بها ما ليس في لفظة (المنعم عليهم) . الوجه الثالث: إن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه، وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذِكْرِ فاعلِ النعمة من إكرام المُنعَمِ عليه والإشادة بذكره، ورفع قدره ما ليس في حذفه. فإذا رأيتَ مَنْ قد أكرمه ملك وشَرَّفه ورفع قدره فقلت: هذا الذي أكرمه السلطان، وخلع عليه وأعطاه ما تمناه كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: هذا الذي أُكرم وخُلع عليه وشُرّف وأُعطي". ثم انظر من ناحية أخرى، كيف جعل كُلاًّ من المغضوب عليهم والضالين اسماً، وذلك للدلالة على الثبوت، فيكون الغضب عليهم دائماً ثابتاً لا يزول واتصافهم بالضلال على وجه الثبوت أيضاً. فلا يُرْجى لهم خيرٌ ولا هدى، فلم يقل صراط الذين غُضب عليهم وضلوا فيجعل الغضب أو الضلال في زمنٍ دون زمن؛ بل إن هذا الوصف لازم لهم إلى يوم القيامة ثابت لا يزول فهم

стр. 64

مغضوب عليهم في الدنيا والآخرة، وضالون في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هاذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢] . ثم انظر كيف قال: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ فذكر (لا) بينهما، ولم يقل (غير المغضوب عليهم والضالين) لئلا يُفْهَمَ أنَّ المباينة لمن جمع الغضب والضلال دون من لم يجمعهما، فإنه لو قال: (غير المغضوب عليهم والضالين) لتوهم أن المباينة لمن جمع الغضب والضلال. فلما ذكر (لا) جعل المباينة لكل صنف منهما. ونظير ذلك أن تقول: (أنا لا أحب مَنْ تكبر وبخل) أو (أنا لا أحب من تكبر ولا من بخل) فإن الجملة الأولى تحتمل أنه لا يحب هذين الصنفين، وتحتمل أنه لا يحب مَنْ جمع بين هذين الوصفين دون مَنْ لم يجمعهما، فمن تكبر ولم يبخل أو بخل ولم يتكبر، لم يكن داخلاً في الحكم بخلاف قولك: (أنا لا أحب من تكبر ولا من بخل) فإنك نَصصتَ فيه على أنك لا تحب مَن اتصف بأي صفة منهما. جاء في (حاشية الجرجاني على الكشاف) : "لمَ دخلت (لا) في (ولا الضالين) ؟ سؤال الكشاف يعني أن (لا) المسماة بالمزيدة عند البصريين، إنما تقع بعد الواو العاطفة في سياق النّفي للتأكيد والتصريح بتعليق النفي بكل من المعطوف والمعطوف عليه كيلا يتوهم أن المنفي هو المجموع من حيث هو مجموع فيجوز حينئذٍ ثبوت أحدهما". وقد تقول: ولمَ قدّم الغضبَ على الضلال، فقال: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ ولِمَ لَمْ يقدم الضالين على المغضوب عليهم؟ والجواب إن المقام يقتضي تقديم المغضوب عليهم من أوجه: منها: أن المغضوب عليه أشد ضلالاً وجرماً وعقوبة لأنه علم وجحد، وليس من علم كمن لا يعلم، ولذا قيل: في العقائد:

стр. 65

وعالم بعلمه لم يَعْمَلَنْ ... معذّب من قَبْلِ عُبّاد الوثَنْ فهو أولى بالسؤال والمباعدة عنه، فإنَّ الضالَّ إذا علم الحق، فربما اتبعه وربما خالفه فيكون من المغضوب عليهم. ومنها: أنه جاء في الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى. واليهود أسبق من النصارى فناسب أن يبدأ بهم. ومنها: أن صفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود وأقدمها على الإطلاق، وهي معصية إبليس، ذلك أنه كان عالماً بالحق عارفاً له، فعصى ربه وخالف أمره، فغضب الله عليه ولعنه، ثم قطع إبليس عهداً على نفسه أن يُضلَّ بني آدم فقال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] . فناسب أن يبدأ بذكر أولى المعاصي على الإطلاق وأن يتبعها بما قطع إبليس على نفسه أن يفعله وهو الإضلال. ومنها: أن هذه الصفة، أعني صفة المغضوب عليهم، هي أول معصية ظهرت على الأرض، وهي قتل ابن آدم أخاه، بعد أن قَرَّبا قرباناً، فتُقُبِّلَ من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر، فقتله متعمداً ظالماً له. وبذا تبين أن صفة المغضوب عليهم، هي أقدم صفة من صفات المعاصي، ظهرت في الوجود في الملأ الأعلى، وبعدها على الأرض، فناسبَ أن يبدأ بها. ومنها: أن المغضوب عليه، يقابل المُنْعَم عليه، ولا يقابل الضال، فإنك تقول: (فلان أنعم عليه الخليفة، وفلان غضب عليه) ولا تقول: (فلان أنعم عليه الخليفة وفلان ضل) . فناسب أن يضع بجنب الذين أنعم الله عليهم، المغضوب عليهم. ومنها: أن المغضوب عليه، يقابل المُنْعَم عليه، ولا يقابل الضال، فإنك تقول: (فلان أنعم عليه الخليفة، وفلان غضب عليه) ولا تقول: (فلان أنعم عليه الخليفة وفلان ضل) . فناسب أن يضع بجنب الذين أنعم الله عليهم، المغضوب عليهم. ومنها: أن تقديم المغضوب عليهم، هو المناسب لِمُفْتَتَحِ السورة وما بعده، ذلك أن الحامد لله العارف بصفاته الخاصَّ إياهُ بالعبادة والاستعانة

стр. 66

إذا زاغ كان من المغضوب عليهم، لأنه علم وخالف، فكان من المناسب أن يسأل الله المباعدة عن ذلك أولاً بخلافِ مَنْ لا يعلم، وكان ضالاً، وأما سؤال الهداية بعد ذلك وهو قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فهو المناسبُ للسؤال بالمباعدة عن الضلال. فلما قَدَّم الحمدَ وما إليه ناسب السؤال بالمباعدة عن الغضب، ولما طلب بعد ذلك الهداية، ناسب أن يذكر بعد ذلك، المباعدة عن الضلال. ومنها: أن ذلك هو المناسب لخواتيم الآي أيضاً. جاء في (البحر المحيط) : "وقدم الغضب على الضلال، وإن كان الغضب من نتيجة الضلال، ضل عن الحق فغضب عليه لمجاوزة الإنعام، ومناسبة ذكره قرينة لأن الإنعام يقابل بالانتقام ولا يقابل الضلال الإنعام. فالإنعامُ إيصالُ الخير إلى المنعم عليه، والانتقام إيصال الشر إلى المغضوب عليه فبينهما تطابقٌ معنوي. وفيه أيضاً تناسب التسجيع لأن قوله: (ولا الضالين) تمام السورة فناسب أواخر الآي". ثم انظر كيف تناسب قوله: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ وقوله: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ فإن الحمدَ مُطْلَقٌ غير مقيدٍ بزمن ولا بفاعلٍ معين، وهو دائم ثابت، وهؤلاء مغضوب عليهم وضالون على جهة الثبوت والدوام. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أنَّ مَنْ لم يحمد الله، فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم يقرّ بأن الله رب العالمين، فهو مغضوب عليه وضال. ومَنْ لم تُدْركه رحمةُ الله الرحمن الرحيم فهو مغضوبٌ عليه وضال.

стр. 67

ومن لم يؤمن بيوم الدين، وأن الله مالك ذلك اليوم، فهو مغضوب عليه وضال. ومَنْ لم يَخُصَّ اللهَ بالعبادة والاستعانة، فهو مغضوبٌ عليه وضال. ومن لم يهتد إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، فهو مغضوب عليه وضال. فما أجلَّ هذا الارتباط! إن هذه السورة جمعت أصول العقيدة الإسلامية. وأولها: الإقرار بوجود الله، وأن له صفات الكمال وهو المستحق للحمد، ذاتاً وصفات، منها الإقرار بالتوحيد، وهو قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن كونه رباً للعالمين جميعاً، يعني: أنه لا رَبَّ سواه، وأن تخصيصه بالعبادة والاستعانة معناه: أنه لا إله سواه، فقد شملت توحيد الألوهية والربوبية. وقوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ يعني: الإقرار باليوم الآخر والجزاء. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعني: الإقرار بقدرته التي لا تُحَدُّ. وقوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: الإقرار بالرسل، وما أنزل إليهم من كتب. فإن الصراط المستقيم الذي يريده الله إنما يُعْرَفُ من طريق الأنبياء والرسل. والعبادة التي يرتضيها الله لا تُؤخذ إلا عن طريق الرسل، فإنه ليس للإنسان أن يعبد الله كما يشتهي، بل كما يريد الله ويحب. فتضمنت السورة أصول العقيدة وأمهاتها. وتضمنت دين الإسلام بركنيه، الإيمان والعمل الصالح. أما الإيمان فقد ذكرت أركانه، من إيمان بالله ورسله واليوم الآخر.

стр. 68

وأما العمل الصالح فقد دخل في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة. جاء في (تفسير الرازي) : "فقوله ﴿الحمد للَّهِ﴾ يدل على وجود الصانع، وعلى علمه وقدرته.. وعلى كونه مستحقاً للحمد والثناء والتعظيم.. وأما قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ فهو يدل على أن ذلك الإله واحد، وأن كل العالمين مُلكه ومِلكه، وليس في العالم إله سواه ولا معبود غيره. أما قوله: ﴿الرحمان الرحيم﴾ فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه، موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان. وأما قوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته، أن يحصل بعد هذا اليوم، يومٌ آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء، ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين، ولو لم يحصل هذا البعث والحشر، لقدح ذلك في كونه رحماناً رحيماً. وإذا عرفتَ هذا ظهر أن قوله: ﴿الحمد للَّهِ﴾ يدل على وجود الصانع المختار. وقوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ يدل على وحدانيته. وقوله: ﴿الرحمان الرحيم﴾ يدل على رحمته في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة ... أما الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان: أحدهما: إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ . والثاني: علمه بأنه لا يمكنه الإتيان بها، إلا بإعانةِ الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ". فهذه السورة هي أم الكتاب حقاً.

стр. 69

من سورة المائدة سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ . لِمَ ختم الآية بقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ وكان المناسب لقوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أن يقول: (فإنك أنت الغفور الرحيم) ؟ ولِمَ لم يقل سيدنا عيسى كما قال سيدنا إبراهيم، ﵉: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . إن الشِقَّ الأول من السؤال قديم: "قال أبو بكر بن الأنباري، وقد طعن على القرآن مَنْ قال: إن قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ لا يناسب قوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لأن المناسب، فإنك أنت المغفور الرحيم". وأجاب عنه. وجاء في (الإتقان) : "من مشكلات الفواصل، قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ فإن قوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يقتضي أن تكون الفاصلة (الغفور الرحيم) . والذي نريد أن نقوله أولاً: إنه لا يَصحُّ اقتطاعُ جزء من آية أو جزء من السياق، وبناءُ الحكمِ عليه، بل الذي ينبغي هو أن يُنظرَ في السياقِ كله، ثم ينظر في ملاءمة الكلام بعضه لبعض. ولو نظر السائل أو المعترض في السياق لما أثار هذا السؤالَ أصلاً، فإنه لا يصح ختم الآية بالمغفرة

стр. 70

والرحمة ههنا، لأن السياق لا يمكن أن يقتضيهما، ولو فعل ذلك لكان نظير ما روي من أن: "بعض الأعراب سمع قارئاً يقرأ: والسارق والسارقة إلى آخرها، وختمها بقوله: (والله غفور رحيم) فقال: ما هذا كلام فصيح. فقيل له: ليس التلاوة كذلك، وإنما هي: ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: بَخٍ بخ عَزَّ فحكمَ فقطعَ". هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، إنه ليس كل موطن تُذكر فيه المغفرةُ أو الرحمة، ينبغي أن تُختمَ الآيةُ بهما، وإنما يعود ذلك إلى الموطن والسياق. ومن المعلوم أنه وردت في القرآن مواطن ذكرت فيها المغفرة والرحمة، ولم تختم الآيات بهما لأن الموطن لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أمراً آخر يدل عليه السياق، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ واغفر لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [الممتحنة: ٥] فإنه لم يختم بالمغفرة مع أنه ورد طلب المغفرة، ذلك لأن مَدارَ الطلب في الآية هو أنْ لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، وهو مَحطُّ الاهتمام كما هو واضحٌ من السياق، وذلك يقتضي الختم بالعزة والحكمة، كما هو ظاهر فختم بهما. ونعود إلى سياق الآية التي هي مثار السؤال، فنقول: إن الآية وردت في سياق التبرؤ من قولٍ قالته طائفةٌ من النصارى ونسبته إلى عيسى ﵇، حكاه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلاهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ

стр. 71

إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ . فنسب إلى عيسى أنه طلب من الناس أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله. وأظنُّ أن هذا المقام يمنع عيسى من طلب المغفرة، أو تَرجِّيها لهؤلاء الذين جعلوا الله دون منزلة عيسى وأمه. لقد ردّ علماؤنا الأوائل على مَنْ ظن أن المناسب ختم الآية بالمغفرة والرحمة بردودٍ عدة منها: ١- أنه لو ختم الآية بالمغفرة والرحمة لضعف المعنى، لأن هذا ينفرد بالشرط الثاني، ولا يكون له تَعلُّقٌ بالشرط الأول، في حين أن ختمه بالعزة والحكمة متعلق بالشرطين، فإن تعذيبه ومغفرته مَنُوطان بعزته وحكمته "فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان، لعمومه وأنه يجمع الشرطين، ولم يصلح (الغفور الرحيم) أن يحتمله ما احتمله العزيز الحكيم". وجاء في (روح المعاني) : "وادعى بعضهم أنهما متعلقان بالشرطين لا بالثاني فقط، وحينئذ وجه مناسبتهما لا سترة عليه، فإنَّ مَنْ له الفعل والترك عزيز حكيم". ومعنى ذلك، أن اختيار العزيز الحكيم متعلقٌ بالثواب والعقاب جميعاً، وليس بحال واحدة.

стр. 72

جاء في (الكشاف) : "وإن تغفر لهم، فإنك أنت العزيز، القوي، القادر على الثواب والعقاب، الحكيم الذي لا يُثيبُ ولا يعاقب إلا عن حكمةٍ وصواب. فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار، فكيف قال: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . قلت: ما قال إنك تغفرُ لهم، ولكنه بنى الكلام على إنْ غفرتَ لهم فقال: إنْ عذبتهم عدلتَ، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرتَ لهم مع كفرهم، لم تعدم في المغفرة وجه حكمة، لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في العقول، بل متى كان الجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن". ٢- الآية مبنية على التسليم لله سبحانه، وتفويض الأمر إليه وليس على التعريض بطلب المغفرة. جاء في (ملاك التأويل) : "أما آية المائدة فمبنية على التسليم لله سبحانه وأنه المالك للكل، يفعلُ فيهم ما شاء، فلو ورد هنا عقب آية المائدة: "وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم" لكان تعريضاً بطلب المغفرة، ولم يقصد ذلك في الآية، وإنما قيل ذلك على لسان عيسى، ﵇، تبرّياً وتسليماً لله سبحانه، وليس موضع طلب مغفرة لهم، وإنما هو تَنصُّلٌ من حالهم، وتسليم لله فيهم. قال الغزنوي ﵀: لم يقل: (الغفور الرحيم) لأن مخرجه على التسليم، ولأن في ذكر العفو تعريضاً للسائل، والكلام لتسليم الأمرين، والحكمة تقتضيهما وكأنه قال: المغفرةُ لا تُنقِصُ من عِزِّكَ، ولا تَخرجُ عن حكمتك". وجاء في (البرهان) : "وقيل: ليس هو على مسألة الغفران، وإنما هو معنى تسليم الأمر إلى مَنْ هو أملك لهم، ولو قيل: (فإنك أنت

стр. 73

الغفور الرحيم) لأوهم الدعاء بالمغفرة، ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شِرْكهِ لا لنبي ولا لغيره". وجاء في (تفسير ابن كثير) : "هذا الكلام يتضمنُ رَدَّ المشيئة إلى الله، ، فإنه الفَعَّالُ لما يشاء". ٣- وقيل إن ذكر العزيز الحكيم من باب الاحتراس، وذلك أنه "لا يغفر لمن استحق العذاب إلا مَنْ ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، فهو العزيز، أي: الغالب، والحكيم: هو الذي يضع الشيء في محله. وقد يَخْفى وجه الحكمة على بعض الضعفاء في بعض الأفعال، فيتوهم أنه خارج عنها، وليس كذلك، فكان في الوصف بالحكيم احتراسٌ حسن، أي: وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترضَ عليك لأحدٍ في ذلك والحكمةُ فيما فعلته". وجاء في (روح المعاني) : "وقيل: إن ذكرهما من باب الاحتراس، لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة، فدفعَ تَوهُّمَ ذلك بذكرهما". وجاء في (تفسير البيضاوي) : ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ فلا عجزَ ولا استقباح، فإنك القادرُ القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمةٍ وصواب".

стр. 74

وخلاصة الاحتراس، أن العفو عن المستحق للعذاب العظيم، قد يكون عن عجز وضعف، لا عن استطاعةٍ وقدرة، أو قد يكون عن سوء تدبير وتقدير، أو عن كليهما، فلو قال: (فإنك أنت الغفور الرحيم) لما دفع هذين الوصفين عنه، فإن الغافر الراحم قد يكون إنما يفعل ذلك لضعفه، أو لسوء تدبيره. فقال: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ ليدفع ذلك عنه، وليقول إنه إن عفا وغفرَ فعن كمالِ العزةِ والقدرة، وعن غايةِ الحكمة والتدبير، فكان الختم بهما أولى مما ذكر المعترض. ٤- وقيل: إن المقام مقام تَبرؤٍ مما نُسِبَ إليه، وليس مقام طلبِ عفوٍ ومغفرة فلا يصح في هذا المقام الصفح والمغفرة. جاء في (البرهان) : "وقيل لأنه مقام تَبرٍّ، فلم يذكر الصفةَ المقتضيةَ استمطارَ العفوِ لهم، وذكر صفة العدل في ذلك، بأنه العزيز الغالب، وقوله: (الحكيم) الذي يضع الأشياء في مواضعها فلا يعترض عليه، إن عفا عمن يستحق العقوبة". ٥- وقيل: إنه لا يجوز المغفرة والرحمة، أو التعريض بهما لهؤلاء لأن هؤلاء مقطوع لهم بالعذاب، وعدم المغفرة، لأنهم مشركون قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] . وكما قال الله: إنه لا يغفر للمشركين، قال: إنه لا يصح سؤال المغفرة للمشركين لا من نبيٍّ، ولا من غيره، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى﴾ [التوبة: ١١٣] . فلا يجوز التعريض بالمغفرة، بل الذي يصح هو تفويض الأمر إليه، وتركه إلى حكمته سبحانه، بل إنَّ ما دان به هؤلاء أكبر من الشرك وأعظم،

стр. 75

فإن الشرك أن تجعل لله نداً، وكان المشركون في الجاهلية يجعلون مع الله آلهةً أخرى يعبدونهم، ليقربوهم إليه زلفى. وأما هؤلاء فقد عبدوا المسيح وأمه من دون الله، فإنهم جعلوه أقل من الشريك، فهم أوْلى بعدم المغفرة ورجائها لهم. ٦- ولا يَحْسنُ طلبُ المغفرة لهم، أو التعريض بها من السيد المسيح من جانب آخر، ذلك أن الأمر يتعلق به هو، أعني بعيسى، ﵇، فإنه مسؤول مستنطق عما ادُّعيَ عليه أنه قاله وهو أنه طلب من الناس أن يعبدوه وأمه، وأن يتركوا عبادة الله. وقد ذكر السيد المسيح أن هذا افتراء عليه، فكيف يصح أدباً أن يطلب المغفرة أو يعرض بها لهؤلاء المفترين الذين أعلَوه وأمه على الله سبحانه؟ إنه لو كان الأمر يتعلق بغيره، لكان من السماجة الشفاعة لهم، لأن ما فعلوه أعظم من الشرك، فكيف والأمر يتعلق به هو؟ إن طلب المغفرة لهم يعني التغاضي أو التهوين من شناعة هذا الأمر ويوهِمُ الرضا به والارتياح له. ألا ترى أنه لو اتُّهمَ مسؤول الشرطة مثلاً بأنه أصدر أمراً للإطاحة بالملك، ليكون هو مكانه، ثم قبض على هذا المسؤول واستجوب، فنفى أن يكون له علمٌ بذلك، أكان يصح أن يَطلبَ من الملك العفو عن هؤلاء الذين خلعوا سلطانه، وأعلنوا العصيان عليه، وادعوا أن هذا بأمرِ مسؤول الشرطة نفسه؟ إنه الآن في مقام دفع التهمة عن نفسه، وإثبات براءته، فكيف يصح أن يطلب العفو عن هؤلاء الجناة المفترين؟ إنه الآن في موقفٍ يحتاجُ إلى الشفاعة لا أن يشفع هو. فتبين من هذا أن ختم الآية بما ختم من العزة والحكمة هو الأولى.
следующие страницы →