← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9097

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - كتاب

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (283 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة يا رب لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهك وعظيم سلطانك. وبعد: فهذه جملة من نصوص التنزيل العزيز سُئلتُ عن سِرِّ التعبير في بعضها واخترتُ بعضها الآخر من سور متعددة لأبيّن طرفاً مما فيها من أسرار تعبيرية ولمسات فنية لعلَّ فيها نفعاً لدارسي القرآن ولتكون خطوةً أخرى بعد كتاب (التعبير القرآني) في بيان شيء من أسرار هذا السِّفْر العظيم كتاب الله الخالد. قال لي بعضهم بعد أن اطّلع على كتاب (التعبير القرآني) ، لو أَسميتَهُ (الإعجاز القرآني) . فقلتُ له: هذا العنوان أكبرُ مني وأنا لا أستطيع أن أنهض ببيان الإعجاز القرآني ولا بشيءٍ منه، وإنما هو دراسة في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني العظيم الذي لا تنتهي عجائبه. إن هذا الكتاب - وكذلك الكتاب الذي قبله أعني كتاب (التعبير القرآني) ليس في بيان الإعجاز القرآني، وليس هو خطوة واحدة في هذا الطريق، وإنما هو خطوة في طريق قد يُوصِلُ السالكَ إلى طريق الإعجاز أو شيء من الإعجاز. إن إعجاز القرآن أمرٌ متعدد النواحي متشعبُ الاتجاهات ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز القرآني شخصٌ واحد ولا حتى جماعة في زمنٍ ما مهما كانت سَعَةُ علمهم واطلاعهم وتعدد اختصاصاتهم إنما هم يستطيعون بيانَ شيءٍ من أسرار القرآن في نواحٍ متعددة حتى زمانهم هم، ويبقى القرآن

стр. 2

مفتوحاً للنظر، لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولِمَا يَجِدُّ من جديد. وسيجد فيه أجيالُ المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال. وأضرب مثلاً لتعدد نواحي الإعجاز، فإني سمعتُ وقرأت لأشخاص مختصين بالتشريع والقانون، يُبَيِّنون إعجازَ التشريع القرآني، ويبينون اختيارات الألفاظ التشريعية في القرآن ودقتها في الدلالة على دقة التشريع ورفعته ما لا يصحُّ استبدال غيرها بها، وإن اختيار هذه الألفاظ في بابها أَدقُّ وأعلى مما نُبيِّنُ نحن من اختياراتٍ لغوية وفنية وجمالية. وقرأتُ وسمعت لأشخاص متخصصين بعلم التشريح والطب في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني من الناحية الطبية التشريحية ودقتها يفوق ما نذكره في علم البلاغة. فألفاظهُ مختارة في منتهى الدقة العلمية. من ذلك على سبيل المثال أن ما ذكره القرآن من مراحل تطور الجنين في الرحم هي التي انتهى إليها العلمُ مما لم يكنْ معروفاً قبل هذا العصر مما دعا علماء أجانب إلى أن يعلنوا إسلامهم. وليس ذلك فقط؛ بل إن اختيار تعبير (العلقة) و (المضغة) - مثلاً أعجب اختيار علمي. فاختيار التعبير بـ (العلقة) اختيارٌ له دلالته، فإن المخلوق في هذه المرحلة أشبه شيء بالعلقة، وهي الطفيلية المعروفة. وكذلك التعبير بـ (المضغة) ، فالمضغة كما قرأنا في كتب التفسير، هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ. ولكن لاختيار كلمة (مضغة) سببٌ آخر، ذلك أن (المضغة) هي قطعة اللحم الممضوغة أي التي مضغتها الأسنان، وقد أثبت العلمُ الحديث أن الجنين في هذه المرحلة ليس قطعة لحم عادية بل هو كقطعة اللحم التي مضغتها الأسنان، فاختيار لفظ (المضغة) اختيارٌ علمي دقيق. إنه لم يقل "قطعة لحم صغيرة" ولو قال ذلك لكان صواباً ولكن قال: (مضغة) لِمَا ذكرتُ ورُبَّما لغيرهِ أيضاً، والله أعلم.

стр. 3

وقرأتُ فيما توصَّلَ إليه علم التاريخ وما دَلَّتْ عليه الحفرياتُ الحديثة من أخبار ذي القرنين أدق الكلام وأدق الأخبار ما لم يكن يعرفهُ جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان. وأن الذي اكتشفه المؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبقٌ على ما جاء في القرآن الكريم كلمةً كلمة ولم يكن ذلك معلومًا قبل هذا القرن البتة. وقرأتُ في اختيار التعبير القرآني لبعض الكلمات التاريخية كـ (العزيز) في قصة يوسف، وكاختيار تعبير (الملك) في القصة نفسها، واختيار كلمة (فرعون) في قصة موسى، فعرفتُ أن هذه ترجمات دقيقة لما كان يُستعمل في تلك الأزمان السحيقة فـ (العزيز) أدقُّ ترجمةٍ لمن يقوم بذلك المنصب في حينه، وأن المصريين القدامى كانوا يفرقون بين الملوك الذين يحكمونهم فيها إذا كانوا مصريين أو غير مصريين، فالملكُ غير المصري الأصل، كانوا يسمونه (الملك) ، والمصري الأصل يسمونه (فرعون) وأن الذي كان يحكم مصر في زمن يوسف غير مصري، وهو من الهكسوس فسماه (الملك) ، وأن الذي كان يحكمها في زمن موسى هو مصري فسماه (فرعون) ، فسمى كل واحد بما كان يُسمى في الأزمنة السحيقة. وعرفت من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم كما في أسرار البحار والضغط الجوي وتوسع الكون وبداية الخلق ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم. بل إن هناك أموراً لم تُعرفْ إلا بعد صعود الإنسان في الفضاء، واختراقه الغلاف الجوي للأرض، وقد أشار إليه القرآن إشارات في غاية العجب ذلك أن الإنسانَ إذا اخترق الغلاف الجوي للأرض، وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم ولم تُرَ الشمسُ، إلا كبقية النجوم التي نراها في الليل. فالنهارُ الذي نعرفه نحن، لا يتعدى حدودَ الغلاف الجوي فإن

стр. 4

تجاوزناه كنا في ظلام لا يعقبه نهار. وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما الليل: فهو الأصل، وهو الكل، فشبَّه الليلَ بالذبيحة، والنهار جلدها؛ فإن سُلخ الجلد ظهر الليل فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل. وقال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٤-١٥] . أي: لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء، لانتهوا إلى ظلام وقالوا: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ ، وغير ذلك وغيره. وعلى هذا فالإعجاز القرآنيّ متعدِّدُ النواحي، متشعب الاتجاهات، ولا يزال الناس يكتشفون من مظاهر إعجازه الشيء الكثير، فلا غرو أن أقول إذن: إن الإعجاز أكبر مما ينهضُ له واحد، أو جماعة في زمن ما. إن التعبير الواحد، قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً، وترى فيه في الوقت نفسه، إعجازاً علمياً، أو إعجازاً تاريخياً، أو إعجازاً نفسياً، أو إعجازاً تربوياً أو إعجازاً تشريعياً، أو غير ذلك. فيأتي اللغوي، ليبين مظاهرَ إعجازهِ اللغوي، وأنه لا يمكن استبدالُ كلمةٍ بأخرى، ولا تقديم ما أُخِّرَ أو تأخير ما قُدِّمَ، أو توكيد ما نُزعَ منه التوكيد، أو عدم توكيدِ ما أُكِّدَ. ويأتيك العالم في الطب ليقول من وجهة نظر الطب، ألطف وأدق مما يقوله اللغوي. ويأتيك العالم في التشريع، ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون. ويأتيك المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم، ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه. إننا ندلُّ على شيء من مواطن الفن والجمال، في هذا التعبير الفني الرفيع، ونضع أيدينا على شيء من سُمُوِّ هذا التعبير، ونبين أن هذا

стр. 5

التعبير، لا يقدر على مجاراته بشر، بل ولا البشر كلهم أجمعون، ومع ذلك لا نقول: إن هذه هي مواطن الإعجاز، ولا بعض مواطن الإعجاز وإنما هي ملامح ودلائل، تأخذ باليد وإضاءات توضع في الطريق، تدل السالكَ على أن هذا القرآن كلامٌ فنيٌّ مقصود، وُضع وضعاً دقيقاً ونُسج نسجاً مُحْكماً فريداً، لا يشابهه كلام، ولا يرقى إليه حديث ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] . أما شأن الإعجاز، فهيهات هيهات، إنه أعظمُ من كل ما نقول، وأبلغ من كل ما نَصِفُ، وأعجبُ من كل ما نقف عليه من دواعي العجب. إن هذا القادم من الملأ الأعلى، والذي نزل به سيدٌ من كبار سادات الملأ الأعلى، فيه من الأسرار، ودواعي الإعجاز، ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي. قد ترى أن في قولي مبالغةً وادعاءً أو انطلاقاً من عاطفةِ دينٍ أو التهابِ وجدانٍ، وليس بوسعي أن أمنعكَ من هذا التصور، ولا أن أردَّ عنك ما ترى. ولكن، لو فُتح القلبُ المقفل، وأُوقد السراجُ المُعطَّل، وأشرقت بالنور حنايا لم تكن تعرف النور، ولامست فؤادك نفحةٌ من روح الملك القدوس، وهبَّت على أوديةِ نفسك، نسمةٌ من عالم الروح، وسمعتَ صوتاً يملأ نفسك، قادماً من بعيد، من الملأ الأعلى يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ [الحديد: ١٦] . ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] . فقفَّ شعرُ بدنك، واقشعرّ جلدك، ومار فؤادك، وتحركت السواكن، واضطرب بين جنبيك ما اضطرب، والتهب فيه ما التهب، وانهمرت الدموع تسيلُ في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ،

стр. 6

وأقفرها الجفاف، تغسل الأوضار وتروي حبات القلب وتُندِّي اليَبَسَ وتُحيي المواتَ فعند ذاك تذوقُ ما لم تَعهدْ له مَذَاقاً ولا طعماً، وتحسُّ ما لم يكن لك فيه سابقُ معرفةٍ، ولا إحساس، وتصيحُ بكل جوارحك قائلاً: والله لقد آن! والله لقد آن! وعند ذاك تعرفُ ما أقول وتفهمُ ما أُشير إليه، ولكن أنّى لي أنْ أُوصِلَكَ إلى هذا؟! وكيف أُوصلُكَ وأنا المنقطعُ، وأُعطيك وأنا المحروم؟ ولا حولَ ولا قوة إلا بالله. إنما هي دلائلُ أضعها في الطريق وإشارات وصُوى، وشيء من خافت النورِ في مصباحٍ ناضبِ الزيت، غير ناقعِ الفتيل، عسى اللهُ أن ينفع بها سالكاً، ويجنِّب العثار سارياً في الليل البَهيم؛ فتنالنا منه دعوةٌ صالحة تنفعنا في عَرَصات القيامة. وفي الختام لا أجدُ خيراً من أن أُوصيك ما أوصى به رسولُ الله ﷺ صاحبه أبا ذر، وليكن ذلك منك على ذِكْرٍ وإياك أن تنساه: يا أبا ذر أَحْكمِ السفينةَ فإنَّ البحرَ عميق وخَفِّفِ الحملَ فإنَّ العَقبةَ كَؤُود وأكثرِ الزادَ فإنَّ السفرَ طويل وأخلصِ العملَ فإنَّ الناقدَ بصير.

стр. 7

سورة الفاتحة نفتتح الكتاب بسورة الفاتحة تَبَرُّكاً. ﴿الحمد للَّهِ﴾ . معنى ﴿الحمد﴾ : الثناءُ على الجميل من نعمةٍ أو غيرها مع المحبة والإجلال. فالحمد: أنْ تذكر محاسنَ الغير، سواء كان ذلك الثناءُ على صفةٍ من صفاتهِ الذاتية كالعلم والصبر والرحمة والشجاعة، أم على عطائه وتَفضُّلهِ على الآخرين. ولا يكون ﴿الحمد﴾ إلا للحَيِّ العاقل. وهذا من أشهر ما فُرِّقَ بينه وبين المدح. فإنك قد تمدح جماداً، وقد تمدح حيواناً ولكن لا تحمده، فقد تقولُ كلاماً في مدح الديك، وفي مدح البقر، وفي مدح الكلب، وفي مدح الذهب، وفي مدح اللؤلؤ وغير ذلك، ولكن لا تحمده. جاء في تفسير الرازي: "إن المدحَ قد يحصل للحي ولغير الحي، ألا ترى أن مَنْ رأى لؤلؤة في غاية الحُسْنِ أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ويستحيل أن يحمدها فثبت أنَّ المدح أَعمُّ من الحمد".

стр. 8

ومما ذكر في الفرق بينهما أيضاً: "إن المدحَ قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، أما الحمد فإنه لا يكونُ إلا بعد الإحسان". فإن الحمد يكون لما هو حاصلٌ من المحاسن في الصفات، أو الفعل، فلا يُحمَدُ مَنْ ليس في صفاته ما يستحق الحمد، ولا يُحمَدُ مَنْ لم يفعل جميلاً. أما المدح، فقد يكون قبل ذلك، فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن والجميل، ولذا كان المدح مَنْهياً عنه، بخلاف الحمد، فإنه مأمورٌ به، فقد قال ﷺ : "احثُوا الترابَ في وجوه المَدَّاحين". في حين قال: "مَنْ لم يَحمدِ الناسَ لم يحمدِ الله" وبذا علمنا من قوله: ﴿الحمد للَّهِ﴾ أنَّ الله حَيٌّ، له الصفات الحسنى والفعل الجميل، فحمدناه على صفاته، وعلى فِعْلِه وإنعامه. ولو قال: (المدح لله) لم يُفِدْ شيئاً من ذلك. وهناك فرقٌ آخر بين الحمد والمدح، وهو أنَّ في الحمد تعظيماً وإجلالاً ومحبة، ما ليس في المدح. فكان اختيار (الحمد) أولى من اختيار (المدح) . وفَرَّقُوا بين الحمد والشكر، فقالوا: "إن الحمد يعمُّ ما إذا وصل ذلك الإنعامُ إليكَ أو إلى غيرك، وأما الشكر، فهو مختصٌّ بالإنعام الواصل إليك".

стр. 9

فأنتَ تشكر الشخص إذا أوصلَ إليك نعمةً، وأما الحمدُ فإنه لا يختص بذاك، فإنك تحمدهُ على إنعامه لك، أو لغيرك. ومن جهة أخرى، إنَّ الشكرَ لا يكون إلا على النعمة، ولا يكون على صفاته الذاتية، فإنك لا تشكرُ الشخصَ على عِلْمِه، أو على قدرته وقد تحمده على ذاك. جاء في (لسان العرب) : "والحمد والشكر متقاربان والحمدُ أعمّهما، لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية، وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته". فكان اختيار الحمد أولى أيضاً من الشكر، لأنه أعَمُّ، فإنك تُثني عليه بنعمه الواصلة إليك، وإلى الخلق أجمعين، وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية، وإن لم يتعلق شيء منها بك. فكان اختيار (الحمد) أولى من المدح والشكر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه قال: ﴿الحمد للَّهِ﴾ ، ولم يقل: (أحمدُ الله) ، أو: (نَحمدُ الله) ، وما قاله أولى من وجوه: منها: أنَّ قولنا "أَحمدُ الله" أو "نحمد الله" مختصٌّ بفاعل معين. ففاعل "أحمد" هو المتكلم، وفاعل: (نحمد) هم المتكلمون، في حين أن عبارة: ﴿الحمد للَّهِ﴾ مطلقة لا تختصُّ بفاعلٍ معين وهذا أولى. فإنك إذا قلت: (أَحمدُ الله) أخبرت عن حمدك أنتَ وحدك، ولم تُفِدْ أن غيركَ حَمِدهُ، وإذا قلت: نحمد الله، أخبرت عن المتكلمين ولم تفد أن غيركم حمده، في حين أن عبارة ﴿الحمد للَّهِ﴾ لا تختص بفاعل معين فهو المحمودُ على وجه الإطلاقِ، منكَ ومِنْ غيركَ.

стр. 10

ومنها: أنك إذا قلت: أحمدُ فلاناً، لا يعني أنه يستحقُّ الحمدَ فقد تُثني على شخصٍ لا يستحقُّ الثناء، وقد يهجو شخصٌ شخصاً، وهو لا يستحق الهجو، ذلك أن الشخص قد يضع المدح في غير موضعه، ويضع الهجو في غير موضعه، ويفعل أفعالاً لا ينبغي أن يفعلها، فأنتَ إذا قلت: أحمدُ الله، أخبرتَ عن فعلك، ولا يعني ذلك أنَّ مَنْ تحمده يستحقُّ الحمد في حين أنك إذا قلت: ﴿الحمد للَّهِ﴾ أفاد ذلك استحقاق الله للحمد وليس ذلك مرتبطاً بفاعلٍ معين. ومنها: أن قولك: (أحمد الله) ، أو: (نحمد الله) ، مرتبطٌ بزمن معين، لأن الفِعْلَ له دلالة زمنية معينة، فالفعل المضارع يدل على الحال، أو الاستقبال، ومعنى ذلك أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمان الذي تحمده فيه. ولا شك أن الزمن الذي يستطيع الشخص أو الأشخاص الحمدَ فيه محدود، وهكذا كلُّ فِعْلٍ يقوم به الشخصُ محدود الزمن، فإن أقصى ما يستطيع أن يفعله، أن يكون مرتبطاً بعمره، ولا يكون قبل ذاك وبعده فِعْلٌ فيكون الحمد أقل مما ينبغي، فإنَّ حمدَ الله لا ينبغي أن ينقطع ولا يُحَدَّ بفاعل، أو بزمان في حين أن عبارة: ﴿الحمد للَّهِ﴾ مُطلقة غير مقيدة بزمن معين، ولا بفاعل معين، فالحمد فيها مستمرٌّ غير منقطع. جاء في (تفسير الرازي) : "إنه لو قال: (أحمدُ الله) ، أفاد ذلك كون ذلك القائل قادراً على حمده، أما لما قال: ﴿الحمد للَّهِ﴾ فقد أفاد ذلك، أنه كان محموداً قبلَ حمدِ الحامدين، وقبلَ شُكْرِ الشاكرين. فهؤلاء سواء حمدوا، أم لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم يشكروا، فهو تعالى محمودٌ من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم".

стр. 11

ومن ذلك أن: (أحمد الله) ، جملة فعلية، و ﴿الحمد للَّهِ﴾ جملة اسمية، والجملة الفعلية دالة على الحدوث والتجدد، في حين أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت، كما هو معلوم، وهي أقوى وأدوم من الفعلية، فقولك: (متبصّر) ، أقوى وأثبت من: (يتبصّر) ، و: (مثقف) ، أقوى وأثبت من: (يتثقف) ، و: (متدرب) أقوى وأثبت من: (يتدرب) ، فاختيار الجملة الاسمية أوْلى من اختيار الجملة الفعلية ههنا، إذ هو أدلُّ على ثبات الحمد واستمراره. ومنها: "أن قولنا: ﴿الحمد للَّهِ﴾ معناه: أن الحمد والثناء حقٌّ لله وملكه فإنه تعالى، هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد. فقولنا: ﴿الحمد للَّهِ﴾ معناه: إن الحمد لله حقٌّ يستحقه لذاته ولو قال: (أحمد الله) لم يدلّ ذلك على كونه مستحقاً للحمد لذاته. ومعلوم أنَّ اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصاً واحداً حمده". ومنها: "أن الحمدَ عبارة عن صفة القلب، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود مُتفضِّلاً منعماً مستحقاً للتعظيم والإجلال. فإذا تَلفَّظَ الإنسانُ بقوله: (أحمدُ الله) ، مع أنه كان قلبه غافلاً عن معنى التعظيم اللائقِ بجلال الله، كان كاذباً لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامداً مع أنه ليس كذلك. أما إذا قال: الحمد لله، سواء كان غافلاً أو مستحضراً لمعنى التعظيم، فإنه يكونُ صادقاً لأن معناه: أن الحمد حقٌّ لله، وملكه، وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلاً بمعنى التعظيم والإجلال، أو لم يكن. فثبت أن قوله: ﴿الحمد للَّهِ﴾ أَوْلى من قوله: أحمد الله. ونظيره قولنا: (لا إله إلا الله) ، فإنه لا يَدْخلُه التكذيبُ بخلاف قولنا: (أشهدُ أن لا إله إلا الله) ، لأنه قد

стр. 12

يكون كاذباً في قوله: (أشهد) ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ". فثبت أن: ﴿الحمد للَّهِ﴾ أولى من: (أحمد الله) أو: (نحمد الله) . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن عبارة الحمد هذه يمكن أن تُقالَ بالرفع، أي: (الحمدُ لله) ، ويمكن أن تقال بالنصب، أي: (الحمدَ لله) ، فأي العبارتين أَوْلى بالاختيار؟ والجواب: أن قراءة الرفع، أولى من قراءة النصب، ذلك أن قراءة الرفع تدل على أن الجملة اسمية، في حين أن قراءة النصب، تدل على أن الجملة فعليه بتقدير: نحمد، أو أحمد، أو احمدوا، بالأمر. والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية، لأنها دالةٌ على الثبوت كما مر إيضاحه. جاء في (الكشاف) : "والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] ، رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم، ﵇، حَيَّاهُمْ بتحيةٍ أحسن من تحيتهم، لأن الرفع دالٌّ على معنى ثبات السلام لهم، دون تجدده وحدوثه". وجاء في (البحر المحيط) : "وقراءة الرفع أمكن في المعنى، ولهذا أجمع عليها السبعةُ، لأنها تدل على ثبوت الحمد واستقراره لله تعالى، فيكون قد أخبر بأن الحمدَ مستقرٌّ لله تعالى.. ومَنْ نصب فلا بد من عامل تقديره: أحمد الله أو حمدت الله فيتخصَّصُ الحمدُ بتخصيصِ فاعلهِ وأشعر بالتجدد والحدوث".

стр. 13

وجاء في (تفسير البيضاوي) : "وإنما عدل عنه إلى الرفع، ليدلَّ على عموم الحمد وثباته، دون تَجَدُّدِه وحدوثه". وقد تقول: أليس تقدير فِعْلِ الأمر في قراءة النصب أقوى من الرفع، بمعنى: (احمدوا الحمدَ لله) ، كما تقول: (الإسراع في الأمر) ، بمعنى أسرعوا؟ والجواب: لا، فإن قراءةَ الرفع أولى أيضاً، ذلك لأن الأمر بالشيء، لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل، فقولك: امدحْ زيداً، لا يعني أن زيداً مستحقٌّ للمدح، وقولك: اهجُ خالداً، لا يعني أن خالداً مستحق للهجو. وقد يكون المأمور غير مقتنع بما أُمِرَ به، فقد يؤمر الإنسانُ بشيء وهو غير مقتنع به، كأن تقول: اذكر فلاناً بخير، وهو لا يستحق أن يُذكر بخير، أو أن المأمور غير مقتنع بذاك بخلاف الرفع، فإنه يفيد ثُبوتَ الشيء، واستقرارَه على جهة الاستحقاق. وحتى لو أفاد الأمر أفاد ذلك على جهة الثبات أيضاً والدوام نحو: صبرٌ جميلٌ يا فتى، بمعنى: اصبر. فكان الحمدُ لله أولى من: الحمدَ لله بالنصب في الإخبار والأمر. وهي أعني: (الحمد لله) ، أَوْلى من: (حمداً لله) . ذلك أن: (الحمدُ لله) جملة اسمية، كما ذكرنا، و: (حمداً لله) ، فعليه، والجملة الاسمية، أقوى وأثبت من الفعلية، كما ذكرنا قبل قليل. وإن (الحمد) مُعَرَّفةٌ بأل في حين أن (حمداً) نكرة، والتعريف ههنا يفيد ما لا يفيدهُ التنكير، ذلك أن (ال) قد تكون لتعريف العهد، فيكون المعنى: أن الحمدَ المعروفَ بينكم هو لله. وقد تكون لتعريف الجنس على

стр. 14

سبيل الاستغراق، فيدل على استغراق الأحمدة كلها. وَرجَّحَ بعضهم المعنى الأول، ورجح بعضهم المعنى الثاني، بدليل قوله ﷺ : "اللهم لك الحمدُ كلُّه" فدل على استغراق الحمد كله. والراجحُ فيما يبدو لي، أن المعنيين مرادان، ذلك أن التعبيرَ يحتملهما معاً، فعلى هذا يكون المعنى: أن الحمد المعروف بينكم، هو لله سبيل الاستغراق والإحاطة، فلا يخرج عنه شيء من أفراد الحمد ولا أجناسه. وعلى أية حال، هو أولى من التنكير الذي ليس فيه دلالة على هذا المعنى. واختلف في جملة الحمد هذه أعني: (الحمدُ لله) أَخبريةٌ هي، أم إنشائية؟ فذهب معظم العلماء إلى أنها خبرية، وأن القصد هو الإخبار بثبوت الحمد لله، كما تقول: (المال لزيد) ، و (الكتاب لخالد) . وقيل: هي إنشائية، فإن القصدُ ذِكْرُ ذلك على جهةِ المدحِ والتعظيم، وقال بعضهم: "هي وأمثالها، إخبارية لغة ونقلها الشارع للإنشاء لمصلحة الأحكام"، وقال بعضهم: هي إخبار يتضمن إنشاء. جاء في (روح المعاني) : "إن الحمد إخبار عن محاسن الغير، مع المحبة والإجلال. والمدح إخبار عن المحاسن ولذا كان الحمد إخباراً يتضمن إنشاء، والمدح خبراً محضاً". وهذا هو الراجح في رأيي، فإنها تحتمل الخبر وإنشاء التعظيم، فتجمع المعنيين معاً. وعبارة الحمد الواردة في السورة أعني: (الحمد لله)

стр. 15

أولى من: (إن الحمد لله) ، مِن أكثر مِن وجه، ذلك لأنه ليس المقام مقام شَكٍّ أو إنكار، فيحتاج إلى التوكيد، فإنها توجيه للمؤمنين الذي يُقِرُّونَ ذلك ولا ينكرونه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن عبارة: (الحمد لله) ، تحتمل الخبر وإنشاء التعظيم كما ذكرنا فتجمع المعنيين معاً، ولو قلت: (إن الحمد لله) لأصبحت خبراً محضاً لا تحتمل الإنشاء. ونظير ذلك الدعاء فإنه إنشاءٌ فإذا أدخلت عليه (إن) خرج من الدعاء إلى الخبر فإن قولك: (رحمة الله عليه) ، و: (الله يغفر له) ، دعاء فإذا أدخلت (إن) عليه، فقلت: (إن رحمة الله عليه) و (إن الله يغفر له) ، كان الكلامُ خبراً لا دعاء. فـ (الحمدُ لله) أولى من (إن الحمد لله) لِمَا فيها من جمع مَعْنيي الخبر والإنشاء. كما أن عبارة الحمد هذه أعني: (الحمدُ لله) أولى ههنا من: (لله الحمد) من أكثر من وجه. من ذلك أن عبارةَ (للهِ الحمدُ) فيها اختصاصٌ، أو إزالةُ شكٍّ عمَّن ادَّعى أنَّ الحمد لغير الله أو ادّعى أنَّ هناك ذاتاً مشتركة معه في الحمد فقدمتَ الجار والمجرور لإزالة هذا الشك أو لقصد الاختصاص، في حين أنَّ المقامَ ليس مقام إزالة شك، ولا أنَّ هناك من ادّعى أن الحمد لغير الله فتقدم الجار والمجرور لقصد الاختصاص. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن الحمد في الدنيا ليس مختصاً لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضاً "فالأستاذ يتسحق الحمدَ من التلميذ، والسلطان العادل، يستحق الحمد من الرعية". وفي الحديث: "مَنْ لم يحمد الناس، لم يحمد الله". ومعنى

стр. 16

ذلك أنْ تعرفَ لكل ذي فضل فضله. وقال الله تعالى، في ذم بعض الناس: ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨] ، فإن حُمِدُوا بما فَعلوا، فلا بأس في ذلك. وجاء في تفسير الرازي ذِكْرُ الفرقِ بين قوله: ﴿الحمد للَّهِ﴾ ، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، لماذا قدم (الله) في العبادة فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولم يقدمه في (الحمد) فقال: "إن قوله (الحمد) يحتمل أن يكون لله ولغير الله، فإذا قلت (لله) فقد تَقيَّدَ الحمدُ بأن يكون لله. أما لو قدم قوله: (نعبد) احتمل أن يكون لله واحتمل أن يكون لغير الله، وذلك كفر. والنكتةُ: "أن الحمدَ لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر، كما جاز لله لا جَرَمَ حَسُنَ تقديمُ الحمد أما ههنا، فالعبادة لما لم تجز لغير الله، لا جرم قَدَّمَ قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ على نعبد". وقد تقول: ولكن الله سبحانه قال في مكان آخر: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ [الجاثية: ٣٦] . فقدم مستحق الحمد، فما الفرق؟ ونقول: ومَن يُنْكر التقديم والتأخير؟ وإنما يكون ذلك بحسب المقام، فإذا اقتضى المقامُ التقديمَ، قُدِّمَ وإلا فلا. وفي آية الجاثية، اقتضى المقام التقديم، أعني: تقديم الذات المستحقة للحمد، وتخصيصه بها. فقد ذكرت سورة الجاثية أصنافاً من الكفار، وفَصَّلت في ذكر عقائدهم، ومواقفهم من آيات الله ورسله. فقد ذكرت أنهم اتخذوا من دون الله أولياء (الآية ١٠) ، وأنهم اتخذوا الهوى إلهاً لهم (الآية ٢٣) . وأنهم نسبوا الحياةَ والموتَ إلى الدهر، لا

стр. 17

إلى الله ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] . فلم يعترفوا لله بشيءٍ من خصائص الربوبية والألوهية. ولم يُقِرُّوا له بفضل على الإنسان، ولذا كرر وأعاد القول إنه هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن. وهو الذي يُحيي ويميت وإنه وحده المُتفضِّلُ في هذا الوجود، لا مُتفضِّلَ سواه على الحقيقة، فقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥] . وقال: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٢-١٣] . ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ [الجاثية: ٢٢] . ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦] . فالله هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن، ولم يشاركه في ذلك أحد، وهو الذي خلق الإنسان وسخر له ما في السماوات، وما في الأرض، وتَفضَّلَ عليه بالنعم، فهو الذي أنزل المطر وأخرج الرزق من الأرض، وسخّر البحر، وفعلَ وفعل، فهو وحده المتفضل على وجه الحقيقة، وهو المستحق الحمد على جهة الحصر والقصر، فقدم الذات الإلهية، وقَصَرَ الحمدَ عليه، لأن المقام يقتضي ذلك بخلاف سورة الفاتحة التي ليس فيها شيء من ذاك، وهي - أعني: سورة الفاتحة - توجيه للمؤمنين الذين يخصون الله بالعبادة ويطلبون منه الثبات على الهدى. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إنَّ جُلَّ التعبيرات في سورة الجاثية، جرت على طريقة الحصر: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] . ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] . ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] . ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] .

стр. 18

﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر﴾ [الجاثية: ١٢] . ﴿إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥] . ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية: ١٧] . ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: ٢٤] . ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] . ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] . ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥] . ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦] . ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ [الجاثية: ٢٧] . ﴿يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون﴾ [الجاثية: ٢٧] . ﴿اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] . ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ [الجاثية: ٣٠] . ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [الجاثية: ٣٢] . ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الجاثية: ٣٣] . ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] . ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] . ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥] . ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . ﴿فَلِلَّهِ الحمد﴾ [الجاثية: ٣٦] . ﴿وَلَهُ الكبريآء﴾ [الجاثية: ٣٧] . فاقتضى المقام تقديم الذات، المستحقة للحمد من كل ناحية في سورة الجاثية.

стр. 19

ثم انظر كيف جاء مع الحمد باسمه العَلَم، فقال: ﴿الحمد للَّهِ﴾ ، ولم يأتِ بوصفٍ آخر بدله، فلم يقل مثلاً: (الحمد للخالق) ، أو الرازق أو للحَيِّ، أو للقادر، ونحو ذلك من نعوت الله وصفاته، ذلك أنه لو جاء بأيّ وصفٍ بدل لفظ الجلالة، لأفهمَ ذلك أن الحمدَ إنما استحقه بهذا الوصف دون غيره، فلو قال: (الحمد للعليم) ، لأفهم أن الحمد إنما استحقه بوصف العلم، ولو قال: (الحمد للقادر) ، لأفهم أن الحمد إنما استحقه بوصف القدرة، وهكذا بقية أوصافه الحسنى، فجاء بالذات ليدل على أن الحمد إنما استحقه لذاته هو، لا بوصفٍ دون وصف، فكان ذلك أولى. جاء في (روح المعاني) : "أتى باسم الذات في الحمدلةِ لئلا يتوهم لو اقتصر على الصفة اختصاص استحقاقه الحمد بوصفٍ دون وصف، وذلك لأن اللام على ما قيل للاستحقاق، فإذا قيل: (الحمد لله) يفيد استحقاق الذات له، وإذا علق بصفة أفاد استحقاق الذات الموصوفة بتلك الصفة له ... ومعنى الاستحقاق الذاتي ما لا يُلاحَظُ معه خصوصيةُ صفة". هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن اسم (الله) مناسب لقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، فإن لفظ (الله) مناسبٌ للعبودية، لأن هذا اللفظ على أشهر الأقوال مأخوذ من لفظ (الإله) ، أي: المعبود. و (أَلِهَ) معناه: (عبدَ) فكان لفظ (الله) مناسباً للعبادة. فقد اقترنت العبادة أكثر ما اقترنت بلفظ (الله) في القرآن الكريم، فقد اقترنت به أكثر من خمسين مرة، وذلك نحو قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد وَكُن مِّنَ الشاكرين﴾ [الزمر: ٦٦] . وقوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله﴾ [الرعد: ٣٦] . وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وغير ذلك. ومن ناحية أخرى، أنه لو جاء بوصف غير اسم العلم، لم يفهم أن المقصود به الله صراحة، فلو قلت: (الحمدُ للحَيِّ) ، كان (الحي) مشتركاً

стр. 20

بين الله وغيره، وكذلك العليم والقادر والسميع. بل حتى لو جئت بما لا يَصحُّ وصفُ غيرِ الله به، فقلتَ مثلاً: (الحمد للبارئ) ، أو للقيوم أو لفاطر السماوات والأرض، أو غير ذلك، لم يفهم أن المقصود به الله صراحة، فكان ذكر (الله) أولى من ذكر أي اسم آخر. فتبين من هذا أن: ﴿الحمد للَّهِ﴾ أَوْلى من: المدح لله أو الشكر لله. وأولى من: أحمدُ الله أو نحمدُ الله، أو احمدِ اللهَ (بالأمر) . وأولى من، الحمدَ لله. وأولى من، حمداً لله. وأولى من، إنَّ الحمدَ لله. وأولى من، لله الحمد. وأولى من، الحمدُ للحَيِّ، أو القادر، أو العليم، ونحو ذلك من الصفات والأسماء. ﴿رَبِّ العالمين﴾ . الربُّ: المالك، والسيد، والمربّي والقيّم، والمنعم، وربُّ العالمين: مالِكُهم وسيدهم، ومُرَبِّيهم، والمُنْعِم عليهم. ومالكُ الشخص وسيده، ومربيه والقيم المنعم عليه أَحَقُّ بالحمد وأولى به من غيره "وبُدئ بالرب، لأنه له التصرف في المَسُود والمملوك والعابد بما أراد من خير أو شرّ".

стр. 21

ودخل تحت قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ كثيرٌ من صفات الله تعالى كالعليم "والسميع والبصير، والقيوم والمريد، والملك وما أشبه ذلك، لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات، يطلب ما يقع عليه". و ﴿العالمين﴾ : جمع عالمَ، وهو كل موجود سوى الله تعالى، واختلف في دلالة الجمع هذه، فرجَّح بعضهم أنها تفيد ذوي العلم خاصة، أو المُكَلَّفين من الخَلْقِ بدليل قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] . وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ، ولا يكون نذيراً للبهائم والجمادات. وقال بعضهم: إن العالمين هم الإنس بدليل قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦٥] . وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين﴾ [المائدة: ٢٠] . وقيل: جمع العالم ليشمل كل جنس مما سُمِّيَ به، فإن للعالمين آحاداً كل منها يسمى عالَماً، فهناك عالم الإنسان، وعالم الحيوان، وعالم الحشرات، وكل صنف وكل جنس يسمى عالماً أيضاً. وقيل: كل قرن وكل جيل يسمى عالَماً أيضاً، فأهلُ كل زمانٍ عالَمٌ فَجَمعَهُ، ليشمل كل الأجيال، وأهل كل الأزمنة. وقيل: جمعه لاحتمال أن ينصرف الذهن بلفظ (العالَم) إلى هذا العالم المحسوس "لأن العالم وإنْ كان موضوعاً للقدر المشترك، إلا أنه شاع استعمالهُ بمعنى المجموع كالوجود في الوجود الخارجي، وقد غلب

стр. 22

استعماله في العرف بهذا المعنى في العالم المحسوس، لإلْفِ النفس بالمحسوسات فجمع ليفيد الشمول قطعاً". والظاهر أنه يَصحُّ إطلاقُ لفظ (العالمين) على الجيل الواحد، أو الأجيال بدليل قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿يابني إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: ٤٧] . فإن هذا التفضيل مخصوص بزمانهم، وقوله تعالى في مريم: ﴿وَطَهَّرَكِ واصطفاك على نِسَآءِ العالمين﴾ [آل عمران: ٤٢] . وذلك في زمانها خاصة، وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦٥] . وذلك خاص بالذكور من أهل زمانهم. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ [الحجر: ٧٠] وذلك في الذكور خاصة من أهل زمانهم، بل في مجموعة من أهل زمانهم وقد سماهم (عالمين) أيضاً. وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين﴾ [الأعراف: ٨٠] . وهذا يشمل جميع الإنس من زمن آدم إلى زمانهم. وقد تشملُ عمومَ المكلفين، أو العقلاء على مر الأجيال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] . وقد خَصَّ هذه اللفظةَ بعضُ أهل العلم بالمكلفين خاصة، ورُدّ بقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين * قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣-٢٤] . ففسر رب العالمين بأنه رب السماوات والأرض، وما بينهما وهو عامٌّ شامل لكل ما في الوجود. والذي يبدو لي أن هذا الاستدلال فيه نظر، فهو لم يشرح كلمة (العالمين) ، بل بَيَّنَ صفة ﴿رَبِّ العالمين﴾ وقد يبيّن بتعبيرات مختلفة كلها صادقة عليه، فقد تقول: ما رَبُّ هذه الدار؟ فيقالُ لكَ: تاجر، أو فقيه، أو

стр. 23

موظف. فليست كلمة (تاجر) أو (فقيه) أو (موظف) تفسيراً لـ (هذه الدار) ، وإنما هي بيانٌ لحقيقةِ ربِّ الدار. ولو أجاب موسى، ﵇، عن سؤال فرعون بقوله: رَبٌّ قادر على كل شيء، حَيٌّ لا يموت، لا يُعْجِزُه شيء، يُجازي المحسنَ بالجنة، والمسيء بالنار، لكان صواباً، ومعلوم أن هذا ليس تفسيراً للعالمين، بل هو بيانٌ لصفة رب العالمين. إن (العالَم) يُجمَعُ على العوالم وعلى العالمين، والذي يبدو لي: أن العوالم يطلق على جميع العوالم من المكلفين، وغيرهم من جمادات وحيوانات وغير ذلك، وإن (العالمين) لا تطلق إلا على ذوي العلم خاصة، أو على ما اجتمع فيه العقلاء، وغيرهم، فيغلّب العقلاء. ولا يطلق (العالَمون) على غير العقلاء وحدهم، فلا يقال للحشرات والطيور (عالمين) بل عالم أو عوالم، ولكن يقال للبشر أو لجماعة من البشر أو لجيل من البشر، أو للمكلَّفين من خَلْقِ الله من الإنس والجن على مَرِّ العصور (عالمين) كما ورد ذلك في القرآن الكريم. ذلك أن الجمع بالياء والنون خاص بالعقلاء. فعلى هذا يكون قوله: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ إما أن يعني: رب البشر أو المكلَّفين أو رب الخلق كلهم، وغلّب العقلاء منهم. ولهذا التخصيص أو التغليب سببه ذلك أن الكلام في سورة الفاتحة خاص بالعقلاء، فالعبادةُ والاستعانة وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وتصنيف الخلق إلى مُنْعَمٍ عليهم، ومغضوب عليهم، وضالين، هو خاصٌّ بالمكلفين. فكان هذا الاختيار أنسب شيء، ولو قال: رب العالم أو رب العوالم، لم يحسن هذا الحُسْنَ لأنه يشملُ غيرَ المكلفين.

стр. 24

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن فيه رداً على المغضوب عليهم، ومنهم اليهود الذين يدّعون أن الله ربُّ بني إسرائيل خاصة، وليس رب الخلق الآخرين من البشر فردَّ عليهم بقوله: إنه ربُّ العالمين جميعاً، من سائر البشر والمكلفين، فحسن اختيار ﴿رَبِّ العالمين﴾ من كل وجه. وقد تقول، ولِمَ لَمْ يُفصّلْ في ذكر مظاهر الربوبية، كما فعل في مكان آخر، فقد قال تعالى ثمة ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين * وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ [الجاثية: ٣٦-٣٧] ؟ والجواب: أنَّ كلَّ مقام اقتضى التعبير الوارد فيه، فقد تردَّدَ ذِكْرُ السماوات والأرض، وما فيهن أكثر من مرة في سورة الجاثية، وذِكْرُ مظاهرِ ربوبيته لها. فقد قال: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لأيات لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٣-٤] . وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . وقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ [الجاثية: ٢٢] . وقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ [الجاثية: ٢٧] . وقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ [الجاثية: ٣٦] . وهذا كله من مظاهر ربوبيته للسماء والأرض. كما ذكر ربوبيته للعقلاء، وسائر الأحياء الأخرى، فقد قال: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ [الجاثية: ٤] . وقال: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر﴾ [الجاثية: ١٢] . وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الجاثية: ١٣] . فقد سَخَّرَ اللهُ البحرَ وما في السماوات والأرض للإنسان، وهذا من مظاهر الربوبية له. وقال: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦] .

стр. 25

﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠] . وذكر الشرائع التي أنزلها الله على البشر، وهذا كله من مظاهر الربوبية للعالمين، فناسب هذا التفصيلَ في سورة الجاثية في حين لم يذكر في سورة الفاتحة إلا أصناف المكلفين. ثم إنه لما خص بالذكر في سورة الفاتحة، أصنافَ الخلق من العقلاء، قال: ﴿رَبِّ العالمين﴾ ولَمَّا فَصَّلَ في سورة الجاثية في ذكر السماوات والأرض، وما فيها من دابة وبشر، قال: ﴿رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ [الجاثية: ٣٦] . فناسب كلُّ كلام موضعه. ثم قال بعد ذلك في سورة الجاثية: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض﴾ [الجاثية: ٣٧] فذكر الكبرياء إضافة إلى الحمد، ولم يذكر غير الحمد في الفاتحة، ذلك أنه جرى ذِكْرُ المستكبرين بغير الحق في السورة، فناسب ذِكْر الكبرياء الحق له سبحانه، وأنه مُخْتَصٌّ به. قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية: ٧-٨] . وقال: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً﴾ [الجاثية: ٩] . والهزو من مظاهر الاستكبار. وقال: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ فاستكبرتم وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] . وقال: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الجاثية: ٣٣] . والاستهزاء من مظاهر الاستكبار. وقال: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم ءايات الله هُزُواً﴾ [الجاثية: ٣٥] . فناسب ذلك أن يذكر أن له الكبرياء في السماوات والأرض.

стр. 26

وقد تقول: ولمِمَ اختار كلمة (رب) ههنا، ولم يختر اسماً أو وصفاً آخر من أسمائه وصفاته كما فعل في مواطن أخرى من الكتاب العزيز، فقد قال في موطن: ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١] . وقال في موطن آخر: ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١] وقال في موطن ثالث: ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [سبأ: ١] . وقال في موطن رابع: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] . والجواب: أن كل اختيارٍ يناسبُ سياقَ السورة التي ورد فيها، غير أن الملاحظ أن هذه الافتتاحات متكاملة، فقد ذكر في سورة فاطر، أنه فطر السماوات والأرض وابتدأها وأحدث ذواتها من العَدَم الصِّرْف، ثم ذكر أنه خلقها، أي: قدّرها وصوّرها على غيرِ مثالٍ سابق. والخَلْق في اللغة، قد "يكون بمعنى الإنشاء، وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود، وهذا لا يكون إلا لله [وقد] يكون بمعنى التقدير والتصوير، ولذلك يسمى صانع الأديم ونحوه الخالق، لأنه يقدر". قال تعالى على لسان عيسى، ﵇ ﴿أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير﴾ [آل عمران: ٤٩] . أي: أصوّر وأصنع. فاللهُ هو المُوجِدُ للسماوات والأرض، وهو المصوِّر المقدر لها على غير مثال سابق، وهو مالكها ومالك ما فيها، فبعد أن ذكر أنه فطر السماوات والأرض وخلقها، ذكرَ أن له ما فيها أيضاً، فقد يملك شخص داراً ولا يملك ما فيها من أثاث، أما الله فهو مالكها ومالك ما فيها، وذكر ربوبيته لها، أي: تربيتها وحفظها وإصلاحها بعد إيجادها، وذكر إنزاله الكتاب على عبده لهداية الخلق.

стр. 27

وهكذا تكاملت الآياتُ تكاملاً شاملاً، فقد ذكر أنه مُحْدِثُها ومُصَوِّرُها ومالكها، ومالكُ ما فيها، وحافظها والقَيِّمُ عليها، وأنه ينزل الكتب لهداية عقلاء خلق الله إلى طريقه المستقيم. وهكذا تكون كلُّ آية مُكَمِّلة للآيات الأخرى. قالوا: وقوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ عمَّ ذلك كلَّه. فالربُّ يشمل كل ما ذكر من صفات الله من ملك وخلق. و (العالمين) تشمل كل ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، فهي حقيقة بأن تُسمى "أم الكتاب". جاء في (تفسير الرازي) : "أنه تعالى لم يقل: الحمد لله خالق العالمين، بل ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث، مفتقرةٌ إلى المُوجِدِ والمُحْدِثِ حالَ حدوثها، لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها، هل تبقى محتاجة إلى المُبْقي أم لا؟ فقال قوم: الشيءُ حال بقائه يستغني عن السبب، والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حالهِ حالَ بقائه، فقوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ تنبيه على أن جميع العالمين، مفتقرة إليه في حال بقائها، والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها، أمرٌ متفق عليه. أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف، فخصَّه سبحانه بالذكر، تنبيهاً على أن كلّ ما سوى الله فإنه لا يستغني عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه ... ثم إنه تعالى افتتح سوراً أربعة بعد هذه السورة بقوله: ﴿الحمد للَّهِ﴾ . فأولها سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] . واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ لأن لفظَ العالَمِ يتناول كل ما سوى الله. والسماوات والأرض والنور والظلمة،

стр. 28

قسم من أقسام ما سوى الله. فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة، وأيضاً فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق السماوات والأرض، والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه رباً للعالمين. وثانيهما في سورة الكهف، وهو قوله: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾ [الكهف: ١] والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف ... وقوله في أول سورة الفاتحة: ﴿رَبِّ العالمين﴾ إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين ... فكان المذكور في أول سورة الكهف، نوعاً من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة. وثالثها سورة سبأ، وهو: ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [سبأ: ١] . فَبيَّنَ في أول سورة الأنعام، أن السماوات والأرض له. وبَيَّنَ في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السماوات والأرض له، وهذا أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ . ورابعها قوله: ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١] والمذكور في أول سورة الأنعام، كونه خالقاً لها، والخلق هو التقدير، والمذكور في هذه السورة كونه فاطراً لها ومحدثاً لذواتها. وهذا غير الأول، إلا أنه أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ . ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقاً للسماوات والأرض، ذكر كونه جاعلاً للظلمات والنور. أما في سورة فاطر، فلما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض ذكر كونه جاعلاً الملائكة رسلاً.

стр. 29

ففي سورة الأنعام، ذكر بعد خَلْق السماوات والأرض، جَعْلَ الأنوار والظلمات، وذكر في سورة فاطر بعد كونه فاطر السماوات والأرض جعل الروحانيات". هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ مناسب لقوله فيما بعد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ، فإن المهمة الأولى للمربي هي الهداية، ولذلك اقترنت الهداية بلفظ الرب في القرآن كثيراً. من ذلك قوله: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى * قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٤٩-٥٠] . وقوله: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى﴾ [طه: ١٢٢] . وقوله: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] . وقوله: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] . وقوله: ﴿وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هاذا رَشَداً﴾ [الكهف: ٢٤] . وقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . وقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . وقوله: ﴿عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ [القصص: ٢٢] وغير ذلك. ﴿الرحمان الرحيم﴾ . ﴿الرحمان﴾ : فَعْلان من الرحمة، و ﴿الرحيم﴾ : فعيل منها. وصيغة (فعلان) تُفِيدُ الدلالةَ على الحدوث والتجدُّد، وذلك نحو: عطشان وجوعان وغضبان، ولا تفيد الدلالة على الثبوت، وتفيد أيضاً الامتلاء بالوصف. جاء في (التفسير القيم) : "ألا ترى أنهم يقولون غضبان، للممتلىء غضباً، وندمان وحيران وسكران ولهفان، لمن مُلِئَ بذلك".

стр. 30

وصيغة (فعيل) تدل على الثبوت في الصفة، نحو: طويل وجميل وقبيح، أو التحول في الوصف إلى ما يقرب من الثبوت، نحو: خطيب وبليغ وكريم. فجاء بالوصفين للدلالة على أن صفته الثابتة والمتجددة، هي الرحمة للاحتياط في الوصف، فإنه لو وصف نفسه بأنه (رحيم) فقط لوقع في النفس أن هذا وصفه الثابت، ولكن قد يأتي وقت لا يرحم فيه كالكريم والخطيب، ولو قال: (رحمن) فقط لظُنَّ أن هذا وصفٌ غير ثابت، كالغضبان والعطشان وهذا الوصف يتحول فيذهب الغضب ويزول العطش، وكذلك الرحمة فجمع بينهما ليدل على أن وصفه الثابت والمتجدد هو الرحمة، فرحمته دائمة لا تنقطع، وهو من أحسن الجمع بين الوصفين، ولا يؤدي الوصف بأحدهما ما يؤدي اجتماعهما. ووقوعهما بعد كلمة (الرب) أحسن موقع، فإن هذا الرب الذي لا رَبَّ غيره، والسيد الذي لا سيد سواه رحيمٌ بعباده، فتنبسط نفوسُ العباد، ويقوى أملهم برحمته، وفيه إشارةٌ إلى أن المربي ينبغي أن يتحلى بالرحمة، وأنه لا ينبغي أن يقسو على مَنْ يربيهم ويرشدهم. كما أن فيه إشارة إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون صفة الرب بكل ما تحتملُ من معانٍ. فالمالك ينبغي أن يكون رحيماً بما يملك وبمن يملك، والمربي ينبغي أن يكون رحيماً، والسيد ينبغي أن يكون رحيماً، والمصلح ينبغي أن يكون رحيماً، والقَيِّمُ ينبغي أن يكون رحيماً. فالرحمة ينبغي أن تكون وصف الرب بكل معانيها، وقد وصف الله رسوله، وهو المربي الأعظم والمصلح الأعظم بالرحمة فقال: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ .

стр. 31

والمعنى: مالك يوم الجزاء. وقرىء (مَلِك) أيضاً وهي قراءة متواترة واختلف في الأوْلى منهما، فرجح بعضهم قراءة: (مالك) ورجح بعضهم قراءة: (ملِك) . والحق أنْ لا تفاضل ولا ترجيحَ بين القراءتين، فكلتا القراءتين متواترة عن رسول الله ﷺ وقد نزل بهما جبريل من عند الرحمن، غير أنّا نقول: إن لكلِّ قراءة معنى كما هو معلوم، وكل قراءة تستدعي أموراً ربما لا تستدعيها القراءة الأخرى. فالمالك قد يكون ملكاً، وقد لا يكون، والملك قد يكون مالكاً، وقد لا يكون. وتصرّف المالك غير تصرّف الملك، ومما ذكر من الفروق بينهما: ١- أن المالكيةَ سببٌ لإطلاق التصرف، فالمالك يتصرف فيما يملك ما لا يتصرفه الملك من بيعٍ أو هبة، أو إيجار وغير ذلك، وليس للملك أن يبيع رعاياه. ٢- "أن الملك ملك للرعية والمالك مالِك للعبيد، والعبد أدْوَن حالاً من الرعية فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية، فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك". والخلقُ عيالُ الله وعباده وليسوا رعاياه. ٣- "إن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك، باختيار أنفسهم، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكاً لذلك المالك باختيار نفسه، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية".

стр. 32

٤- "إن الملك يجب عليه رعايةُ حال الرعية، قال ﷺ : "كلُّكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته". ولا يجب على الرعية خدمة الملك. أما المملوك، فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر، إلا بإذن مولاه". ٥- إن قراءة (المالك) أرجى من قراءة (الملك) لأن أقصى ما يُرْجى من الملكِ العدلُ والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس. أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية، فكأنه تعالى يقول: أنا مالكِكُمْ فعليَّ طعامُكم وثيابكم وثوابكم وجنتكم". ٦- قيل: إن (مالك) أمدحُ لأنه يحسن أن يضاف إلى من لا يضاف الملك إليه نحو: مالك الإنس والطير والحيوان ومالك الجمادات فهو أوسع لشمول العقلاء وغيرهم ولا يقال: هنا ملك. ٧- المالك أكثرُ سلطةً وتصرفاً فيما يملك من الملِك في الرعية ذلك أنَّ المالكية تبقى في يد المالك إذا تصرف فيما يملك بجور أو اعتداء أو سرف. ولا يستطيع أحد انتزاع المملوك من مالكه. ٨- إن المالك أرفقُ بما يملك من المَلِكِ، ذلك أن المالك ينظر في أمرِ ما يملك، ويتعاهد أمره ويُصْلح خَلَلَهُ، فمن كان منهم مريضاً عالجه، ومن كان ضعيفاً أعانه، وإن كان جائعاً أطعمه، وإن وقع في بلاء

стр. 33

خَلَّصه. وإن المالك يدافع عما يملك ويحميه، ويحفظه من الاعتداء عليه، وذلك ما لا يفعله الملك. وقصارى ما يفعله المَلِكُ إذا عُرِضَ عليه شخص للقيام بواجبٍ ما، وكان مريضاً أن يرده، ولا يكلفه بالواجب، أما المالك فإنه يعالجه ويقوم بأمره. فالقراءة بها مناسبة للرحمة في قوله تعالى: ﴿الرحمن الرَّحِيمِ﴾ ، ومناسبة ليوم الدين، والخَلْقُ أحوجُ ما يكون آنذاك إلى مالك أمرهم، يرعاهم ويرحمهم. فالقراءة بـ (مالك) كما يقول صاحب (روح المعاني) : "أرفقُ بالمذنبين مثلي وأنسب بما قبله، وإضافته إلى يوم الدين ليكسر حرارته". إلى غير ذلك. وقيل: إن الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم، ولا يكون إلا واحداً، في حين أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً فيكون الملك أشرف من المالك. والذي يبدو، إنما أنزلت القراءتان لتجمعا بين معنيي المالك والملك، فيكون مالكاً ملكاً، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿مَالِكَ الملك﴾ [آل عمران: ٢٦] . فالمُلك إنما هو لِلمَلِكِ لا لِلمالِكِ، كما قال تعالى على لسان فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهاذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتيا﴾ [الزخرف: ٥١] . فجمع بين المالك والملِك، وأفاد أن المُلك إنما هو مِلْك له ولا يتأتى ذلك في قراءة واحدة.

стр. 34

وقد تقول: ولِمَ خصَّ الملك بيوم الدين، ولم يذكر الدنيا. والجواب: أنه قال قبلها: ﴿رَبِّ العالمين﴾ وهو يشمل الدنيا. وأن (يوم الدين) يعني: يوم الجزاء، ولا شك أن مالك يوم الجزاء، هو مالك ما قبله من أيام العمل، وإلا فكيف يجزي على ما ليس ملكاً له؟ وقد تقول: ولِمَ قال: (يوم الدين) ولم يقل: (يوم القيامة) ؟ والجواب: أنه قال ذلك "مراعاة للفاصلة وترجيحاً للعموم، فإن الدين بمعنى الجزاء يشمل جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور، إلى السرمد الدائم بَلْ يكادُ يتناولُ النشأةَ الأولى بأسرها، على أن يوم القيامة لا يفهم منه الجزاء مثل يوم الدين". ثم إن (الدين) له معانٍ عدة، كالجزاء والحساب والطاعة والقهر، فيجمعها في المعنى، فذلك اليوم هو يوم الدين كله، فهو يوم الحساب، وهو يوم الجزاء، وهو يوم الطاعة والخضوع لله، وهو يوم يعزُّ فيه أهلَ طاعته، ويقهرُ أهل معصيته، وهو يوم الدين، أي: يوم إعلاء الدين، وإظهار شأنه كما يقال: (اليوم يومك) ، أي: أنت صاحبه والظاهر فيه، و (اليوم يوم المُجِدّين) إلى غير ذلك من المعاني التي تحتملها كلمةُ الدين، ولا يؤدي نحو هذه المعاني: يوم القيامة. جاء في (روح المعاني) : "وأيضاً للدين معانٍ شاع استعماله فيها كالطاعة والشريعة فتذهب نفس السامع إلى كل مذهب سائغ، وقد قال بكلٍّ من هذين المعنيين بعض، والمعنى حينئذ على تقدير مضاف، فعلى الأول، يوم الجزاء الكائن للدين، وعلى الثاني يوم الجزاء الثابت في الدين. وإذا أُريدَ بالطاعة في الأول الانقياد المطلق لظهوره ذلك اليوم

стр. 35

ظاهراً وباطناً، وجعل إضافة (يوم) للدين في الثاني، لِمَا بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء لم يحتج إلى تقدير". وهناك أمر آخر وهو أن (يوم الدين) أنسبُ لقوله: (رب العالمين) لشمول العالمين على المكلفين ولا بد، وأنسبُ لأصناف المكلفين التي ذكرتهم السورة من مُنْعَمٍ عليهم، ومَغْضوب عليهم وضالين، لأن من معنى (الدين) الجزاء والحساب والطاعة والقهر، وهذه كلها إنما تكون لهؤلاء فهو أنسب من يوم القيامة الذي لا يُفْهَمُ من معناه اللغوي ما يفهم من يوم الدين ولشموله على أشياء لا تتعلق بالجزاء. فيومُ الدين أنسب من يوم القيامة من كل ناحية. وقد تقول: ولِمَ أضاف الملك إلى اليوم، واليوم لا يملك وإنما يُملك ما فيه؟ والجواب: أن ذلك لقصد العموم، فملك اليوم هو ملكٌ لما فيه ومن فيه. فمالكه مالك لما اشتمل عليه من أمور مادية ومعنوية، فملكية اليوم هي ملكية لكل ما يجري ويحدث في ذلك اليوم ولكل ما في ذلك اليوم، ولكل مَنْ في ذلك اليَوْم، فهي إضافة عامة شاملة لا تقوم مقامها إضافة، ونظيره في كلام الناس: (خليفة العصر والزمان) . جاء في (روح المعاني) : "وتخصيصُ (اليوم) بالإضافة مع أنه تعالى مالكُ وملكُ جميع الأشياء في كل الأوقات، إما للتعظيم وإما لأن المُلك والمِلك الحاصلين في الدنيا لبعض الناس، بحسب الظاهر، يزولان، وينسلخ الخلق عنها انسلاخاً ظاهراً في الآخرة: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة

стр. 36

فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] وينفرد سبحانه في ذلك اليوم انفراداً لا خفاء فيه، ولذلك قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] و ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . واقتران الحمد بهذه الصفات أحسن اقتران وأجمله، فالله محمودٌ بذاته وصفاته، فإن (الله) اسم للذات العلية المتصفة بالصفات العليا، فقولك: (الحمد لله) معناه: أنه المستحقُّ للحمد بذاته وجميع صفاته، وأنه محمودٌ بربوبيته للعالمين، فإن من الأرباب مَنْ لا تُحمَدُ ربوبيته، أما الله سبحانه فهو محمود بكل معاني الربوبية، وهو محمود في كونه رحماناً رحيماً، وليست كل رحمة محمودة، فإذا وضعت الرحمة في غير محلها، كانت عيباً في صاحبها، أما الله فمحمود في رحمته يضعها في محلها، ويكتبها لمستحقيها، ولذلك كان من الناس صنف منعَماً عليهم وصنف مغضوباً عليهم. وهو محمودٌ يوم الدين محمودٌ في مالكيته وملكه لذلك اليوم كله. وقد استغرق هذا الحمد الأزمنة كلها، فقد استغرق الحمد حين كان الله ولم يكن معه شيء وهو قوله: (الحمد لله) . واستغرق الحمد حين خلق العالم وربَّه وأنشأه وذلك قوله: (رب العالمين) ، واستغرق الحمد، وقتَ كانت الرحمة تنزلُ وهي لم تنقطع، ولا تنقطع وذلك قوله: (الرحمن الرحيم) ، واستغرق الحمد يوم الجزاء كله، ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي، فأهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها. وجزاء كل منهم فيها غير مُنْقَضٍ، فذلك هو يوم الدين. جاء في "حاشية الجرجاني على الكشاف" في قوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ "فإن الجزاء يتناول جميع أحوال الآخرة إلى السرمد".

стр. 37

فاستغرق الحمد الزمان كلَّه من الأزل إلى الأبد، ولم يترك منه شيئاً، فكان كقوله: ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ [القصص: ٧٠] . وشمل ذلك قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الزمر: ٧٥] . وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠] . فلم يترك شيئاً من الحمد إلا ذكره، ولم يترك وقتاً منذ الأزل إلى الأبد حيث لا ينقطع الزمن إلا استغرقه فكانت هذه السورة جديرة بأن تسمى أم الكتاب. جاء في (التفسير القيم) : "في ذِكْرِ هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ربٌّ محمود، ورحمن محمود وملك محمود". ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . قدم مفعولي (نعبد) و (نستعين) لقصد الاختصاص، والمعنى، نَخُصُّكَ بالعبادة ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك إذ لا تصح العبادة إلا لله، ولا تجوز الاستعانة إلا به، وهو نظير قوله تعالى: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ [الزمر: ٦٦] . وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون﴾ [الزمر: ٦٤] . وقوله: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة: ٤] . وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: ٨٨] . وقوله: ﴿وَعَلَى الله فتوكلوا﴾ [المائدة: ٢٣] . ولو قيل: نعبدك ونستعينك، لم يُفِدْ نفيَ عبادتهم لغيره، ولا الاستعانة بغيره، وذلك نظير قولك: (أكرمتك) و (إياك أكرمت) . فقولك: (أكرمتك)

стр. 38

يفيد أن المتكلمَ أكرمَ المُخاطَبَ، ولا يفيد أنه خَصَّهُ بالإكرام بخلاف قوله: (إياك أكرمت) فإنه يفيد أنه خَصَّهُ بالإكرام فلم يُكْرِمْ أحداً غيره. وتكرير (إياك) مع فعل الاستعانة يفيد التخصيص على حصر الاستعانة به، فإنه لو قال: (إياك نعبد ونستعين) لأفاد أنه يخصه بالعبادة، ولم يُفِدْ أنه يخصّه بالاستعانة نصّاً، بل لم يعيّن الذات التي يستعين بها أيضاً. كما أنه لو اقتصر على ضميرٍ واحد فقال: (إياك نعبد ونستعين) لربما أفهم أنه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة، فلا يعبد من دون استعانة ولا يستعين من دون عبادة وهو غير صحيح، ونظيره أن تقول: (إياك أعطي وأحذر) فإن هذا قد يفهم أن الحذر يكون مع العطاء ولا يكون عطاء على وجه الاستقلال، أو حذر على وجه الاستقلال، وربما أفهم أيضاً الاستقلال في العطاء والحذر. فإن قال: (إياك أُعطي وإياك أحذر) أفاد أنه يخصه بالعطاء، وأنه يخصه بالحذر على كل وجه سواء اجتمع العطاء والحذر أم لم يجتمعا. جاء في (روح المعاني) : "في سر تكرار (إياك) فقيل: للتخصيص على طلبِ العون منه تعالى، فإنه لو قال سبحانه: (إياك نعبد ونستعين) لاحتمل أن يكون إخباراً بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب. وقيل: لو اقتصر على واحد ربما توهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما، والواقع خلافه". ثم إن في تكرير (إياك) من الاهتمام والقوة ما ليس في الحذف، فقولك: (إياك أحفظ وإياك أرعى) أقوى من (إياك أحفظ وأرعى) .

стр. 39

جاء في (التفسير القيم) : "ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلاً: إياك أحبُّ وإياك أخاف، كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره، ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف". فاقتضى التكرار من كل وجه. ثم لننظر من ناحية أخرى، كيف أطلق فِعْلَ الاستعانة ولم يقيده بشيء، فإنه قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولم يقل: نستعين على كذا، أو على كذا فلم يقل مثلاً: (نستعين على العبادة) أو نستعين على الطاعة، أو ما إلى ذلك، وذلك أنه أراد إطلاق الاستعانة لتشمل كل شيء يريده الإنسان، ولا يخصها بشيء، فهو يستعينُ بالله على العبادة، وعلى طلب الرزق، وعلى النصر على الأعداء، وعلى أن ييسر له أموره، وعلى أن يقضي له حوائجه، فتشمل كل أمور الدنيا والآخرة. قيل: ولو خصَّ الاستعانة بالعبادة والطاعة، لبقي حكم الاستعانة في غيرها مجهولاً. جاء في (روح المعاني) : "في سر إطلاق الاستعانة فقيل: ليتناول كلَّ مُستعانٍ فيه، فالحذف هنا مثله في قولهم: (فلان يعطي) في الدلالة على العموم. وأيضاً لو كان المَرادُ الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، لبقي حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب". ثم لننظر من ناحية أخرى، كيف عبر عن العبادة والاستعانة بلفظ الجمع، لا الإفراد فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولم يقل: (أعبد وأستعين) ، وذلك إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام فالدين

стр. 40

الإسلامي ليس ديناً فردياً، بل هو دينٌ جماعي، وكثيرٌ من مظاهر الجماعية واضحٌ فيه كصلاة الجماعة وهي تَفضُلُ صلاةَ الفرد بسبعٍ وعشرينَ درجة، ولست المساجدُ إلا مظهراً من مظاهر الجماعية، وهذه السورة التي تَتَرَدَّدُ في كل ركعة من ركعات الصلاة فيها إشارة إلى أهمية الجماعة، بكلمة نعبد ونستعين واهدنا. والحج أكبر مظهر جماعي، والزكاة والصدقات من أكبر مظاهر التكافل الاجتماعي، والجهاد من شؤون الجماعة ويعلنه أمير المؤمنين، والصوم في الإسلام ليس عبادة فردية محضة بل هو عبادة جماعية، فتخصيصه بشهر معين يلتزم به كل المجتمع المسلم وليس كما يرغب الفرد، من أكبر مظاهر الجماعية، وتعيين الأعياد ووجوب الإفطار فيها فلا يشذ فرد واحد عن المجتمع من أكبر مظاهر الجماعية، وعيادة المرضى أمرٌ جماعي، وغير ذلك وغيره كل ذلك من مظاهر الجماعة. جاء في (تفسير الرازي) : "إن المراد من هذه النون نون الجمع، وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة ... الوجه الثالث: إن المؤمنين إخوة، فلو قال: (إياك أعبد) لكان قد ذكر عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره. أما لما قال: (إياك نعبد) كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين، شرقاً وغرباً، فكأنه سعى في إصلاح مهمات المسلمين". وجاء في (فتح القدير) : "والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه، وعن جنسه من العباد. وقيل: إن المقام لما كان عظيماً لم يستقلّ به الواحد استقصاراً لنفسه واستصغاراً لها، فالمجيء بالنون لقصد التواضع لا لتعظيم النفس".
следующие страницы →