Полный текст (11 765 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.
стр. 10151
ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر المؤمنين، وكان من المعلوم - أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم نصيحة لهم وإحساناً إليهم، وكان تجويز بني النضير موهناً لذلك، قالوا مؤكدين للكون معهم: ﴿ولا نطيع فيكم﴾ أي في خذلانكم، والمعنى أنه لو فرض أنه صار أحد في القرب منكم مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير فيما يسركم ﴿أحداً﴾ أي يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين، وأكدوا بقولهم: ﴿أبداً﴾ أي ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب.
ولما قدموا في معونتهم ما كان فألاً قاضياً عليهم، أتبعوه قولهم: ﴿وإن قوتلتم﴾ أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا ﴿لننصرنكم﴾ فالآية من الاحتباك: ذكر الإخراج أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والقتال ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، ومعنى الآية أن النبي ﷺ إلى بني النضير: «اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني، قد هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشراً، فمن رئي بعد لك منكم ضربت عنقه» فأرسل إليهم ابن أبي بما تقدم.
ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث
стр. 10152
كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه، بين حاله سبحانه بقوله: ﴿والله﴾ أي يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يشهد﴾ بما يعلم من بواطنهم في عالم الغيب. ولما كان بعض من يسمع قولهم هذا ينكر أن لا يطابقه الواقع، وكان إخلافهم فيه متحققاً في علم الله، أطلق عليه ما لا يطلق إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابق، فقال تشجيعاً للمؤمنين على قتالهم مؤكداً ﴿إنهم﴾ أي المنافقون ﴿لكاذبون *﴾ وهذا من أعظم دلائل النبوة لأنه إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن يخرجوا فحققه الله عن قريب.
ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخباراً بما لا يكون، شرحه بقوله مؤكداً بأعظم من تأكيدهم: ﴿لئن أخرجوا﴾ أي بنو النضير من أي مخرج كان ﴿لا يخرجون﴾ أي المنافقون ﴿معهم﴾ أي حمية لهم لأسباب يعلمها الله ﴿ولئن قوتلوا﴾ أي اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم ﷺ ﴿لا ينصرونهم﴾ أي المنافقون ولقد صدق الله وكذبوا في الأمرين معاً: القتال والإخراج، لا نصروهم ولا خرجوا معهم، فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكاً فضلاً عن الموقنين، صدق
стр. 10153
الكلام على ما لم يكن ولا ليكون لو كان كيف كان يكون بصدق الكلام على ما لم يكن ويكون كيف يكون إذا كان في قوله تعالى: ﴿ولئن نصروهم﴾ أي المنافقون في وقت من الأوقات ﴿ليولن﴾ أي المنافقون ومن ينصرونه، وحقرهم بقوله: ﴿الأدبار﴾ ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر، بين أنهم لا كرة لهم بعد هذه الفرة وإن طال المدى فقال: ﴿ثم لا ينصرون *﴾ أي لا يتجدد لفريقيهم ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات، وقد صدق سبحانه لم يزل المنافقون واليهود في الذل ولا يزالون.
ولما كان ربما قيل: إن تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما يحسن وقعه، علل بما ينفي ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال مؤكداً له لأجل أن أهل النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم: ﴿لا أنتم﴾ أيها المؤمنون ﴿أشد رهبة﴾ أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن المبتدأ أي لرهبتكم الكائنة فيهم أشد وأعظم ﴿في صدورهم﴾ أي اليهود ومن ينصرهم مما أفاض إليها من قلوبهم
стр. 10154
﴿من الله﴾ أي من رهبتهم التي يظهرونها لكم منه وإن ذكروه بكل صفة من صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه يرهبون الله رياء لكم.
ولما كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من الخالق على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنياً عنهم ﴿بأنهم قوم﴾ أي على ما لهم من القوة ﴿لا يفقهون *﴾ أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله هو الذي ينبغي إن يخشى لا غيره، بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات، والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة.
ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله: ﴿لا يقاتلونكم﴾ أي كل من الفريقين اليهود والمنافقين أو أحدهما. ولما كان الشيء قد يطلق ويراد بعضه، حقق الأمر بقوله: ﴿جميعاً﴾ أي قتالاً يقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن ﴿إلا في قرى محصنة﴾ أي ممنعة بحفظ الدروب وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها ﴿أو من وراء جدر﴾ أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج بهذا ما حصل من بعضهم
стр. 10155
عن ضرورة كاليسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك، فإنه لم يكن عن اجتماع، أو يكون هذا خاصاً ببني النضير في هذه الكرة.
ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم دفعه بقوه إعلاماً بأنه إنما هو من معجزات هذا الدين: ﴿بأسهم﴾ أي قوتهم ما فيهم من الصفات التي يتأثر عنها العذاب ﴿بينهم شديد﴾ أي إذا أداروا رأياً أو حارب بعضهم بعضاً فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم وشجاعتهم إذا حاربوا المشركين لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله بها المؤمنين تتضمن علماً من أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم.
ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطباً للنبي ﷺ إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف
стр. 10156
بعضهم لبعض: ﴿تحسبهم﴾ أي اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق ويا أيها الناظر من كان ذلك التعاطف الظاهر ﴿جميعاً﴾ لما هم فيه من اجتماع الدفاع وعن ذلك نشأت الشدة ﴿وقلوبهم شتى﴾ أي مفترقة أشد افتراق، وعن ذلك نشأت الرهبة، وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم وإن اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب، قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد وموجب كل تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو، واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة والتساوي في القصد يوجب كل ظفر وكل سعادة.
ولما كان السبب الأعظم في الافتراق ضعف العقل، قال معللاً: ﴿ذلك﴾ أي الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يخيل الاجتماع ﴿بأنهم قوم﴾ أي مع شدتهم ﴿لا يعقلون *﴾ فلا دين لهم
стр. 10157
يجمعهم لعلمهم أنهم على الباطل فهم أسرى الأهوية، والأهوية في غاية الاختلاف، فالعقل مدار الاجتماع كما كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في زمن النبي ﷺ كما أن الهوى مدار الاختلاف.
стр. 10158
ولما كان الإخبار بعدم عقلهم دعوى دل عليها بأمر مشاهد فقال: ﴿كمثل﴾ أي قصتهم في عدم فقههم بل عقلهم الذي نشأ عنه إخراجهم هذا وما سببه من مكرهم وغدرهم واعتمادهم على ابن أبيّ ومن معه من المنافقين كمثل قصة ﴿الذين من قبلهم﴾ ولما كان إدخال الجار مع دلالته على عدم استغراق زمان القبل يدل على قرب الزمن، صرجح به فقال: ﴿قريباً﴾ وهم كما قال ابن عباس ﵄ بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأساً شديداً عند ما قصدهم النبي ﷺ غزوة بدر فوعظهم وحذرهم بأس الله فقالوا: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم، وأما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، ثم مكروا بامرأة من المسلمين فأرادوها
стр. 10159
على كشف وجهها فأبت فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها، فما قامت انكشفت سوأتها فصاحت فغار لها شخص من الصحابة ﵃، فقتل اليهودي الذي عقد ثوبها فقتلوه، فانتقض عهدهم، فأنزل النبي ﷺ بساحتهم جنود الله فأذلهم الله ونزلوا من حصنهم على حكمه ﷺ وقد كانوا حلفاء ابن أبيّ، ولم يغن عنهم شيئاً غير أنه سأل النبي ﷺ في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم فذهبوا عن المدينة الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء.
ولما كان كأنه قيل: ما كان خبرهم؟ قال: ﴿ذاقوا وبال﴾ أي وخامة وسوء عاقبة ﴿أمرهم﴾ في الدنيا وهو كفرهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ وحزبه الذين هم حزب الله، وسماه أمراً لأنه مما ائتمروا فيه ﴿ولهم﴾ أي في الآخرة ﴿عذاب أليم *﴾ أي شديد الإيلام، ولما شبه سبحانه أمرهم في طاعتهم لابن أبي ومن معه وهم البعداء المحترقون بسبب إبعاد المؤمنين لهم بإبعاد الله واحتراق أكبادهم لذلك مع ما أعد لهم في الآخرة بأمر بني قينقاع، شبه قصة الكل بقصة
стр. 10160
الشيطان ومن أطاعه من الإنس والجن، فقال مبيناً لمعنى ما حط عليه آخر الكلام: ﴿كمثل﴾ أي مثل الكل الواعدين بالنصر والمغترين بوعدهم مع علمهم بأن الله كتب في الذكر ﴿لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجالة: ٢١] في إخلافهم الوعد وإسلامهم إياهم عند ما حق الأمر يشبه مثل ﴿الشيطان﴾ أي البعيد من كل خير لبعده من الله المحترق بعذابه، والشيطان هنا مثل المنافقين ﴿إذا قال للإنسان﴾ أي كل من فيه نوس واضطراب وهو هنا مثل اليهود: ﴿اكفر﴾ أي بالله بما زين له ووسوس إليه من اتباع الشهوات القائم مقام الأمر.
ولما كان الإنسان بما يساعد تزيين الشيطان عليه من شهواته وحُظوظه وأخلاقه يطيع أمره غالباً قال: ﴿فلما كفر﴾ أي أوجد الكفر على أي وجه كان، ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه ﴿قال﴾ أي الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين مؤكداً لما لمن تعلق بمن أكد له الوعد بشيء من صادق الاعتماد عليه والتكذيب بأنه يخذله: ﴿إني بريء منك﴾ أي ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلاً ظناً منه أن هذه البراءة تنفعه شيئاً مما استوجبه المأمور بقبوله لأمره، وذلك
стр. 10161
كناية عن أنه فعل معه من الإعراض عنه والتمادي في كل ما يدل على إهماله من أكد البراءة منه، وذلك كما فعل المنافقون باليهود جرؤوهم على أمر ينهى وهو الإقامة في بلدهم، فلما نصبوا الحرب طمعاً في نصرهم فعل المنافقون بتباطؤهم عنهم فعل المتبرئ منهم فكان ذلك أشد عليهم مما لم يطمعوهم في نصرهم لأن هذا بمنزله انهزامهم عنهم من الصف الموجب لانهزامهم لا محالة، ثم علل البراءة بقوله: ﴿إني أخاف الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فلا تطاق صولته، ثم شرح ذلك بقوله: ﴿رب العالمين *﴾ أي الذي أوجدهم من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلا يغني أحد من خلقه عن أحد شيئاً إلا بإذنه وهو لا يغفر أصلاً لمن يقدح ربوبيته ولا سيما إن نسبها إلى غيره، وكان هذا كمثل ما يجد الإنسان بعد الوقوع في المعصية من الندم والحيرة، فإذا وجد ذلك وهم بالتوبة زين له المعصية وصعب عليه أمر التوبة وعسره وجرأه على المعصية بعينها أو على ما هو أكبر منها، ولا يزال كذلك حتى يتعذر عليه الرجوع فيتحقق هلاكه وهلاك من أوقعه، فلذلك سبب عنه قوله: ﴿فكان﴾ ولما كان تقديم الشيء على محله موجباً لروعة تنبه الإنسان للتفتيش عن السبب والتشويق إلى المؤخر قال: ﴿عاقبتهما﴾ مقدماً
стр. 10162
لخبر «كان» ﴿أنهما﴾ أي الغار والمغرور ﴿في النار﴾ حال كونهما ﴿خالدين فيها﴾ لأنهما ظلما ظلماً لا فلاح معه.
ولما كان ذلك قد يحمل على أنه في الإنسان بعينه، قال معلقاً بالوصف، تعميماً وزجراً عنه: ﴿وذلك﴾ أي العذاب الأكبر ﴿جزاء الظالمين *﴾ أي كل من وضع العبادة في غير محلها.
стр. 10163
ولما أبلغ سبحانه في المواعظ في هذه السورة قولاً وفعلاً، وكانت الإيقاعات المذكورة فيها مسببة عن الخيانات ممن كان له عهد فنقضه، أو ممن كان أظهر الإيمان فأبان فعله كذبه، قال استنتاجاً عن ذلك وعظاً للمؤمنين لأن الوعظ بعد المصائب أوقع في النفس وأعظم في ترقيق القلب وتحذيره مما يوجب العقوبة: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ منادياً لهم نداء البعد معبراً بأدنى أسنان الإيمان لأنه عقب ذكر من أقر بلسانه فقط ﴿اتقوا الله﴾ أي اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ولا بد أن يستعرض عبيده، فاحذروا عقوبته بسب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي ﴿ولتنظر نفس﴾ أي كل نفس تنظر إلى نفاستها وتريد العلو على أقرانها، ولعله وحدها للإشارة مع إفادة التعميم إلى قلة الممثل لهذا الأمر جداً ﴿ما قدمت﴾
стр. 10164
أي من الزاد الذي يكون به صلاح المنزل الذي من لم يسع في إصلاحه لم يكن له راحة، هل يرضي الملك ما قدمته فينجيها أو يغضبه فيرديها.
ولما كان الأجل مبهم الوقت، فكان لقاء الله في كل يوم بل كل لحظة للعاقل مترقباً لكونه ممكناً مع كونه على الإطلاق محققاً لا يجهله أحد، قال مشيراً بتنكيره وإبهامه إلى تهويله وإعظامه: ﴿لغد﴾ أي لأجل العرض بعد الموت أو في يوم القيامة الذي هو في غاية القرب لأن هذه الدنيا كلها يوم واحد يجيء فيه ناس ويذهب آخرون، والموت أو الآخرة غده، لا بد من كل منهما، وكل ما لا بد منه فهو في غاية القرب لا سيما إن كان باقياً غير منقض، وكل من نظر لغده أحسن مراعاة يومه، وتنوينه للتعظيم من جهات لا تحصى.
ولما أمر بتقواه سبحانه خوفاً من سطواته أمر بتقواه لأجل مراقبته حياء من جلالته وهيبته تأكيداً للأمر لأن مدار النجاة على التقوى لأن مكايد الشيطان دقيقة، فمن لم يبالغ في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من الخلل في أعماله أوشك أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي الجامع لجميع صفات الكمال أي اتقوه حياء منه، فالتقوى الأولى لإيجاد صور الأعمال، وهذه لتصفيتها وتزكية أرواحها، ولذلك علل بقوله
стр. 10165
مرغباً مرهباً: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿خبير﴾ أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة ﴿بما تعملون *﴾ فلا تعملون عملاً إلا كان بمرأى منه ومسمع فاستحيوا منه، وكرر الاسم الأعظم كراهية أن يظن تقييد التقوى بحيثية من الحيثيات تعظيماً لهذا المقام إعلاماً بأن شؤونه لا تنحصر وأن إحاطته لا تخص مقاماً دون مقام ولا شأناً سوى شأن.
ولما هز إلى تقواه تارة بالخوف وأخرى بالحياء تأكيداً لها، وعلل ذلك بما له شعبة من التحذير، وكان الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير، قال مؤكداً لشعبته وإيضاحاً لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية العمل: ﴿ولا تكونوا﴾ أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذي آمنوا ﴿كالذين نسوا الله﴾ أي أعرضوا عن أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما له من صفات الجلال والإكرام لما استغواهم به من أمره الشيطان حتى أبعدهم جداً عن العمران ﴿فأنساهم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن أنساهم بما له من
стр. 10166
الإحاطة بالظواهر والبواطن ﴿أنفسهم﴾ فلم يقدموا لها ما ينفعها وإن قدموا شيئاً كان مشوباً بالمفسدات من الرياء والعجب، فكانوا مما قال فيه. ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية تسقى من عين آنية﴾ [الغاشية: ٢ - ٣ - ٤ - ٥] لأنهم لم يدعوا باباً من أبواب الفسق فإن رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» .
ولما كانت ثمرة ذلك أنهم أضاعوها - أي التقوى - فهلكوا قال: ﴿أولئك﴾ أي البعيدون من كل خير ﴿هم﴾ أي خاصة دون غيرهم ﴿الفاسقون *﴾ أي العريقون في المروق من دائرة الدين.
ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به في هذه الحياة الدنيا من النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة للأولياء وسائر الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى، وصرح في آخر الدليل بخسران حزب الشيطان فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران، وكان المغرور بعد هذا بالدنيا الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائلة عاملاً عمل من يعتقد أنه لا فرق بين الشقي بالنار
стр. 10167
والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع لمرارات الأعمال المشتملة عليها، أشج ذلك قوله منزلاً لهم منزلة الجازم بذلك أو الغافل عنه تنبيهاً لهم على غلطهم وإيقاظاً من غفلتهم: ﴿لا يستوي﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿أصحاب النار﴾ التي هي محل الشقاء الأعظم ﴿وأصحاب الجنة﴾ التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة وهي من أدلة أنه لا يقتل مسلم بكافر.
ولما كان نفي الاستواء غير معلم في حد ذاته بالأعلى من الأمرين، كان هذا السياق معلماً بما حفه من القرائن بعلو أهل الجنة، صرح به في قوله: ﴿أصحاب الجنة هم﴾ أي خاصة ﴿الفائزون *﴾ المدركون لكل محبوب الناجون من كل مكروه، وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين، فشتان ما بينهما.
ولما كان قد مر في هذه السورة فضلاً عما تقدمها من حكمة هذا القرآن وإعجازه تارة بمطابقته لما نزل بسببه مطابقة تجلو عنه كل إشكال، وتارة بما يشاهد من صدقه فيما أخبر بإتيانه من الأفعال، وأخرى بما يتحدى به من الأقوال، ومرة بنظم كل جملة مع ما تقدمها على ما لم يكن لبشر مثله في الأحوال إلى غير ذلك من أمور لا يحصرها المقال، ترتب على ذلك قوله مبيناً أن سبب افتراق الفريقين في العقبى افتراقهم في
стр. 10168
هذا القرآن في الأولى تمثيلاً للقلوب في قسوتها أو لينها عند سماع القرآن وتخيلاً توبيخاً للقاسي ومدحاً للعاطف اللين لافتاً القول إلى أسلوب العظمة لاقتضاء الحال لها: ﴿لو أنزلنا﴾ بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال ﴿هذا القرآن﴾ أي الجامع لجميع العلوم، الفارق بين كل ملتبس - المبين لجميع الحكم ﴿على جبل﴾ أي أي جبل كان ﴿لرأيته﴾ مع صلابته وفوته يا أشرف الخلق إن لم يتأهل غيرك لمثل تلك الرؤية ﴿خاشعاً﴾ أي مطمئناً مخبتاً على صلابته متذللاً باكياً ﴿متصدعاً﴾ أي متشققاً غاية التشقق كما تصدع الطور لتجلينا له بما دون ذلك من العظمة التي جلونا كلامنا الشريف لموسى ﵇ في ملابسها ﴿من خشية الله﴾ أي من الخوف العظيم من له الكمال كله حذراً من أن لا يكون مؤدياً ما افترض عليه من تعظيم القرآن عند سماعه فما لابن لآدم وقد آتاه الله من العقل ما لم يؤت الجبل يستخف بحقه، ويعرض عما فيه من العبر، وفي الآية مدح للنبي ﷺ في ثباته لما لا تثبت له الجبال، وذم للمعرضين بكونهم أقسى من الجبال.
ولما كان التقدير تبكيتاً وتوبيخاً لمن لم يرق للقرآن ﴿أفلم يأن
стр. 10169
للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ [الحديد: ١٦] فإنا قد فصلنا لهم الحلال والحرام والأمر والنهي وأوضحنا الحكم ودللنا على المتشابه وقصصنا الأقاصيص بعد جعلهم عقلاء ناطقين، فتلك أقاصيص الماضين لعلهم يعتبرون عطف عليه قوله: ﴿وتلك الأمثال﴾ أي التي لا يضاد فيها شيء ﴿نضربها للناس﴾ أي الذي يحتاجونها وهم من فيهم تذبذب واضطراب ﴿لعلهم يتفكرون *﴾ أي لتكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى تفكره في تلك الأمثال فينفعه ذلك إذا أراد التفكر إلى التذكر فرأى تنبيه الرسول ﷺ له أن كل ما في القرآن من شيء فيه مشاهد منه متطابق له كتاب الخلق وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية فنجا من الحظوظ النفسية فتحلى بالملابس الروحانية فصار بالمجاهدات والمنازلات إلى الصفات الملكية فكان أهلاً للمقامات القدسية في الجنان العلية.
стр. 10170
ولما أعلى سبحانه أولياءه بأن فتح السورة بالإيمان بالغيب وهو العزيز الحكيم بعد التنزيه عن نقائص التعطيل وكل شائبة نقص وينزل لعباده في أسباب الصفات والأفعال إلى أن أوصلهم إلى محسوس الأمثال فتأهلوا للفناء في ذاته وما على صفاته الموجبة لخشيته، رقاهم إلى التفكر في تفصيل ما افتتح به، فقال عادلاً عن أسلوب العظمة إلى
стр. 10171
أعظم منها بإسبال حجب العزة على منهاج الحكمة: ﴿هو﴾ أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له أصلاً بوجه من الوجوه، فلا يستحق الوصف ب «هو» غيره لأنه الموجود دائماً أزلاً وأبداً، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك يتصدع الجبل من خشيته.
ولما عبر بأخص أسمائه، أخبر عنه لطفاً بنا وتنزلاً لنا بأشهرها الذي هو مسمّي الأسماء كلها فقال: ﴿الله﴾ أي المعبود الذي لا ينبغي العبادة إلا له، الذي بطن بما لم تحط ولا تحيط به العقول من نعوت الكبرياء والعظمة والإكرام، فظهر بأفعاله التي لا تضاهى بوجه غاية الظهور، فتميز غاية التميز، فلم يلحقه شرك أصلاً في أمة من الأمم ولا نسمة من النسم، قال الحرالي في شرح الأسماء: وهو لوه القلوب والعقول أي محارها الذي لا تدركه، فلزم الخلق من توحيد اسم الإله ما حصل لهم من توحيد اسم الله من الأحدية الإحاطية - انتهى - فلذلك كان وصفه ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصبح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء والإله أول اسم الله فلذلك -
стр. 10172
لا يكون أحداً مسلماً إلا بتوحيده فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة، وتوحيد سائر الأسماء نقل وهو أساس كل نافلة، فمن وحد في الكل فقد كمل دينه وتمت النعمة عليه وإلا كان من الذين آمنوا، فإن كان ذلك منه قولاً عصم من نار الأحكام على الأبدان في الدنيا، وإن كان علماً تخلص من نار الهلع على النفوس في الدنيا، وهو الجزع عند مس الشر، والمنع والبخل عند مس الخير، ولن يشهد التوحيد في هذه الكلمة التي مضمونها توحيد اسم الإله إحساناً إلا بعد إحصاء جميع الأسماء علماً، قال الحرالي: والإله: التعبد وهو التذلل، فمن توهم حاجته بشيء وتوهم أن عنده قوام حاجته تذلل فكان تذلله له تألهاً، وكل من عبد ما أحاط عينه فقد خذل عقله عن تصحيح معنى الإله الذي يجب أن يكون غيباً، فكان تصحيح معنى الإله أنه غيب قائم مستحق للعبادة والتذلل لأجل قيامه والاستغناء به.
ولما أخبر بتفرده، دل عليه بآية استحقاقه لذلك، فقال مقدماً لما هو متقدم في الوجود: ﴿عالم الغيب﴾ أي الذي غاب عن علم جميع
стр. 10173
خلقه.
ولما كنا ربما ظن أن وصفه بالغيب أمر نسبي سمي غيباً بالنسبة لناس دون ناس، دل بذكر الضد على أن المراد كل ما غاب وكل ما شهد فقال تعالى: ﴿والشهادة﴾ أي الذي وجد فكان بحيث يحسه ويطلع عليه بعض خلقه.
ولما تعالى في صفات العظمة ونعوت الجلال والكبر فبطن غاية البطون، أخذ رحمة العبادة بالتنزيل لهم بالتعرف إليهم بعواطف الرحمة فقال بانياً الكلام على الضمير إعلاماً بأن المحدث عنه أولاً هو بعينه المحدث عنه ثانياً: ﴿هو الرحمن﴾ أي العام الرحمة، قال الحرالي رحمه الله تعالى: والرحمة إجراء الخلق على ما يوافق حسبهم ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية، ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لإتمام في معنى استغراقه - يعني باسم الله.
ولما كانت الرحيمية خاصة بما ترضاه الإلهية قال تعالى: ﴿الرحيم *﴾ أي ذو الرحمة العامة المسعدة في الظاهر والرحمة الخاصة المسعدة في
стр. 10174
الباطن، قال الحرالي: الرحمة من الرحيم اختصاص من شملته الرحمانية بمزية ما أوثر به من الرحمة في مقابلة من آل أمره إلى نعمه ليجمع مقتضى الاسمين بين عموم الرحمانية واختصاص الرحيمية: ولما أظهر على الخلق خصوص الإيثار، أجرى عليهم اسم الرحيم كرحمة الخلق أبناءهم. ولما كان حق اسم الرحيم إثبات رحمة غير مجذوذة ولم يكن ذلك للخلق لم يكن بالحقيقة الرحيم إلا الله الذي إذا اختص بالرحمة لم يحدها ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٥٦] «إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً بعد أن أعطاكموه» ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] فلذلك لا رحيم بالحقيقة إلا الله تحقيق علم كما أنه لا رحمان إلا الله بادي معنى.
ولما كان الملك كمال استيلاء على الخلق يقصرهم به ملكهم على بعض مستطاعهم ويدينهم - أي يجيزهم - على حسب دينهم أي ما وضع لهم من عادة قصره لهم وحكمه عليهم وبحسب إحصائه عليهم دقيق أعمالهم وإحاطته بخفي أحوالهم والاطلاع على سرائرهم بتحقيق استيفاء الجزاء فيتحقق بذلك كمال الملك، فكان لذلك لا تتحقق حقيقة الملك فيمن هو دون العلم
стр. 10175
بالسر وأخفى، والمحصي الحسيب لمثاقيل الدر، الخبير بخبأ الكون، فكان لا ملك في الحقيقة إلا الله، ولكنه تعالى لما كان قد أولى الخلق من رفعه بعضهم فوق بعض ما أجرى عليهم اسم الملك فتنة لهم فضل بسبب ذلك قوم ادعوا الملك الحقيقي، فغلط من أراد الله من الخلق فيهم فضلوا بهم، أعاد التهليل مع اسمه الملك كما ابتدأ مع اسمه الإله أول أسماء الله، ولذلك أيضاً قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الشيخان وأبو داود والترمذى في حديث الذي يسمى ملك الملوك في رواية المسلم:
«لا ملك إلا الله» ، فقال مصرحاً بما في باطن اسمي الرحمة من القهر والجبر على النسق الأول في البناء على الضمير تأكيداً لتعين المحدث عنه وتوحيده: ﴿هو الله﴾ أي الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء ﴿الذي لا إله﴾ أي معبود بحق ﴿إلا هو الملك﴾ فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج إلى شيء، فإنه مهما أراد كان.
ولما كان الملك أصل ما لحق الخلق من الآفات لأنه رأس الشرف الذي هو باب الترف الملازم لمخالفة كتاب الله أما في الأعمال فيكون فتنة، وأما في الرأي فيكون علواً وكبراً وكفراً، فإن أمر الله في آدم على ماهو نبوة ثم ينزل فيصير خلافة ثم ينتهي نزوله فيكون
стр. 10176
ملكاً ثم تتداعى الأحداث، فلمكان تداعي الملك لموجبات الذم قال عقب صفات الملك: ﴿القدوس﴾ مصرحاً بما لزم عن تمام ملكه من أنه بليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حسن أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أيو يختلج به ضمير، فإن القدس طهر لا يقبل التغير ولا يلحقه رجس فلا يزال على وصف الحمد بثبات القدس، ولمكان ما حوّل سبحانه الخلق من حال طهر لا يظهر فيه تغير بما دونه أجرى عليهم اسم القدس كروح القدس المؤيد للشارع ينفث في روعة المؤيد لشاعره في مكافحته عنه، ولأجل قصر تخلي الخالق بالملك في قليل متاع الدنيا رغب النبي العبد ﷺ عنه، واختار العبودية الدائمة بدوام العزة لسيده، فوضح بذلك علم أن لا قدوس إلا الله حقيقة معنى وتصحيح إحاطة.
ولما كان سبحانه لتمام ملكه وعلو ملكه وكمال قدسه لا يتصور أن يلحقه نقص في ذات ولا صفة ولا فعل، فلا يقبح منه إهلاك على حال من الأحوال ولا مس بضر في الدنيا والآخرة في وقت من الأوقات لأنه سبحانه، لعلمه بالظواهر والبواطن على حد سواء، يصنع الأمور في
стр. 10177
أحكم مواضعها بما لا يدركه غيره أصلاً أو لا يدركه حق إدراكه فاحتيج إلى ما يؤمن من ذلك، وكان السلام حد ما بين الألفة والفرقة وحد ما بين الرحمة والسطوة وهو أدنى منال الجاهل من عباد الرحمان، ومنال المعتدي من المقتدر، وكان سلام المسلم للجاهل مداراة لئلا يزيد في جهله عليه، أو ارتقاباً لاستقبال مكنة، وكان الله لا يعبأ بالخلق ولا يحتاج لارتقاب مكنة لأنه لا يعجزه شيء فلم يتحقق السلام بكل معنى من وجود السلامة له وإفاضتها على غيره تماماً إلا منه إعفاء من معاجلة استحقاق السطوة وحفيظة لحرمة اختصاص الرحمة، أتبع ذلك مؤمناً للعاصي من المعاجلة وللمطيع من سوء المعاملة قوله: ﴿السلام﴾ لأنه حد ما بينهما ظاهراً، ولذلك أردفه بما يتعلق بالباطن لتحصل إحاطة السلامة ظاهراً وباطناً فقال: ﴿المؤمن﴾ لأن الأمن حد ما بين المحبة والكره فيمن لا وسيلة له للحب وهو أدنى ما يقبله ذو الحق ممن يستحق منه الحب، ولذلك لم يقبل الحق ممن كان ظاهر الوسيلة للحب - إلا بالحب فلم يثبت إيمان المؤمن بمجرد الإيمان
стр. 10178
حباً له بل إيثاراً لمحبته على كل حب ومساواة لأخيه المؤمن فيما يحب لنفسه، وأدناه الأمنة في الغيب من الغيبة والعيب إلى غاية الأمان من بوائق الغشم والظلم من الجار المستحق حفظ جاره في غيبه، فالإحلال بالإيمان لكونه الأمنة في الغيب نفاق، والإخلال بالإسلام لكونه السلم في المواجهة إحرام، فبأدنى إخلال في جانب الحق أو الخلق ينثلم الإسلام والإيمان، وذلك كله إنما هو في الحقيقة من الله تعالى فهو الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه ومنع أسباب المخاوف فلا أمن في الوجود ولا أمان إلا وهو مستفاد من جهته.
ولما كان الاطلاع على بيّن ما ذكر ليتحقق معنى السلم والأمن، وعلى كل من تلك الحدود خفياً جداً يفتقر إلى مزيد علم، قال: ﴿المهيمن﴾ فإن الهيمنة شهادة خبرة وإحاطة وإبصار لكلية ظاهر الأمر وباطنه بحيث لا يخفى منه خافية هوية ولا بادية ظاهر، ولإحاطة معناه لا يكاد يقع له في الخلق مسوغ إطلاق إلا مسامحة لأن الخلق لا يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن، ولذلك انعجم معناه على كثير من فصحاء العرب، فمفهوم معناه موجب توحيده فواضح إذ لا مهيمن بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة والحفظ والرعاية فيكون قائماً على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل
стр. 10179
إلا هو، ولذلك كان القرآن الذي هو صفته مهيمناً على جميع الكتب التي قبله مصدقاً لما يستحق التصديق منها مكذباً لما يستحق التكذيب، فمن كان به أمهر كان بذلك أعلم.
ولما كان تمام الخبرة ملزوماً لتمام القدرة، صرح بها اللازم فقال؛ ﴿العزيز﴾ والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة وجه مدافعة ولا انفلات ولا إعجاز، فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل شيء إليه في كل لحظة، الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه، ولذلك ينظم كثير بآيات إمضاء الأحكام متصلاً بالحكمة والعلم إنباء عن العدل، قال الغزالي: وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد باطناً فلا يباشر ما غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهراً لكل أحد، أردفه بقوله: ﴿الجبار﴾ وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله، فهو على هذا من أسماء الذات ويصلح أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد، فهم أحقر من أن يعصوه طرفة عين بغير إرادته، والجبر: طول يلجيء الأدنى لما يريد منه الأعلى ويغيب من
стр. 10180
الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع الظهور التام الذي تدور مادته عليه، فالجبار لا يخرج شيء من قبضته، وتقصر الأيدي عن حمى عز حصرته، ولا ينال منه إلا ما نوّل، وهو أبعد شيء عن أوصاف الخلق لمنال الذباب منهم منا شاء وعجزهم عنه، ولما فيه من الإلجاء كان هو الاسم الذي يجليء النار لقصرها على مراده منها من الحسب الذي جبلها على ضده من الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت عليه: هل من مزيد، حتى يضع الجبار فيها قدمه أي يهينها فإن القدم موضع الإهانة، وهذه الإهانة - هي من مبدأ ظهور غلبة الرحمة للغضب، فله الملك ظهوراً بالأيدي الظاهرة من الإنسان وما دونه، وله الملكوت بطوناً بالأيدي الباطنة من الملك وما دونه، ولو الجبروت اختصاصاً من وراء كل ملك وملكوت.
ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة، أتبعه قوله: ﴿المتكبر﴾ ليعم الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي أمر الله وظاهر خلقه الذي يجد الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه عما لا يريد من مرادهم، لأن الكل حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته وعظمته
стр. 10181
وكماله، ولسواء الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر فلم يصح منهم كبر، ولا شرع لهم تكبر، فلم يكن للخلق منهم حقيقة حظ ولا لبس حق، فاختص بهذا الاسم لاستيلائه على الظواهر بإظهار ما لهم من الكبر لعدم الحاجة إلى شيء وبإلجاء غيره إلى الاحتياج إليه والإيقاع بجبابرتهم وإذلالهم وغير ذلك من الأمور المزعجة المرهبة من غير مبالاة بشيء كما اختص بالجبار لاستيلائه على البواطن.
ولما تقرر بما ذكر من مظاهر عظمته استيلاؤه على الظواهر والبواطن باللطف والعنف، أنتج ذلك تعاليه عن شوب نقص لا سيما بالشرك فقال سبحانه: ﴿سبحان الله﴾ أي تنزه الملك الأعلى الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزهاً لا تدرك العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص ﴿عما يشركون *﴾ أي من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرهما مما في الأرض أو في السماء من كبير وصغير. وجليل وحقير.
ولما تم دليل الوحدانية بما حل من التفهيم بالتدني إلى الملك ثم بالتعلي إلى التكبر فأنتج هذه الخاتمة، ابتدأ سبحانه دليلاً آخر هو في غاية التنزل والوضوح، فقال مفتتحاً بما افتتح به الأول من الترتيب في المراتب الثلاث، غيب الغيب ثم الغيب ثم الظهور على مراتبه،
стр. 10182
إعلاماً بأنه لا براح عن الإيمان بالغيب، ومن برح عنه هلك ﴿وهو﴾ أي الذي لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ذاته ولا شيء غيره إلا وهو ممكن فهو أهل لأن لا يكون فلا يكون له ظهور ليكون له بطون.
ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر الأشياء، أخبر عنه بأشهر الأسماء الذي لم يقع فيه شركة بوجه فقال: ﴿الله﴾ أي الذي ليس له سمي فلا كفوء له فهو المعهود بالحق فلا شريك له بوجه. ولما بدأ سبحانه بهذا الدليل الجامع بين الغيب والظهور، ثنى بتنزيل متضمن للعلم والقدرة فهو في غاية الظهور فقال: ﴿الخالق﴾ أي الذي لا خالق على الحقيقة إلا هو لأن الخلق فرض حد وقدر في مطلق منه لم يكن فيه بعد حد ولا قدر كالحاذي يخلق أي يقدر في الجلد حداً وقدراً لنعل ونحوه وهو سابق للفري والبري ونحو «سبق العلم العمل» فالخالق في الحقيقة هو الذي كل شيء عنده بمقدار، الذي يقول ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق﴾ [الزمر: ٦] ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ [الحجر: ٢١] ومن ناشئة القدر الفرق والترتيب، ومن ناشئة
стр. 10183
الفرق والترتيب الإحياء والإماتة، ومن معاد الفرق والإحياء والإماتة على أول أمره الجمع والرب، فلا يملك الخلق والفرق إلا من يملك الجمع والرب، وقد أوتي الحق ملكة ما في الفرق والشتات، ولم يملكوا جمع ما فرقوا ولا ألف ما شتتوا كالقاطع عضواً لا يقدر على لأمه، والهادم بناء لا يقدر على رمه على حده، والكاسر شيئاً لا يقدر على وصله، فلأن الخلق لا يحيطون بتقدير ما يسرعون في قدره ولا يقدرون بعد الفرق والفري على رمه ووصله كان المحيط التقدير في الشيء من جميع جهاته وجملة حدوده، القادر على جمع ما فرق الذي كما بدء أول خلق يعيده هو أحسن الخالقين، وتلايح تحت هذا اللبس في إطلاق اسم الخالق على الخالق الحق ذي الحول والقوة والقدرة والإحاطة والإبداء والإعادة، وعلى الخالق من الخلق المقدر بغير إحاطة علم ولا تأصيل حول ولا قدرة، ولا إتمام إبداء لاحظ من إعادة أنه لا خالق إلا الله كما أنه لا معيد لما بدأ إلا الله، وأن ليس إطلاق هذا الاسم على الخلق مبدأ فتنته التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء، وتحقيق أفراد الخلق لله فيما ظهر على أيدي أهل الملك والملكوت وإحاطة جبروته بما ظهر وما بطن من أعمالهم وصنائعهم، هو أول مجمع من
стр. 10184
مجامع التوحيد، وهو أساس لإيمان أمة محمد ﷺ ، حيث فرض عليهم في الفاتحة ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فهم خير أمة أخرجت للناس حيث أخلصوا الدين لله، ولموقع الشرك فيه كان القدرية مجوس هذه الأمة.
ولما كان الخالق الحق هو من أتقن التقدير والبريء وإن كان أغلب الخلق لقصورهم لا يفهمون منه إلا مطلق التقدير كما قال شاعرهم:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
أردفه تنبيهاً على ذلك وتصريحاً وتأكيداً قوله: ﴿البارئ﴾ أي الذي يدقق بما وقع به التقدير ويقطعه ويصلحه لقبول الصورة على أتم حال، فإن كان من المحيط العلم كان تمام التهيؤ للصورة على كمال المشيئة فيها، وإن كان ممن لا يحيط علماً طرأ له في البرء من النقص عن التمام ما لا يمكن معه حصول المقصود في الصورة، ولا يكاد يقع الإحسان للخلق في مصوراتهم إلا وفاقاً لا يعلمون كنهه ولا يثقون بحصوله.
ولما كان من يهيئ الأمور للتصوير قد لا يتقنه قال: ﴿المصور﴾
стр. 10185
فإن التصوير إتمام تفصيل الخلق الظاهر وإكمال تخطيطه وإحكام أعضائه وهو حد ما انتهى إليه الخلق في الظهور، وليس وراء ظهور الصور كون إلا لطائف تطويرها في إسنان كمالها بعد بعثها بإحيائها بما لها من الروح المقوم لها سواء كان حيوانياً أو غيره إلى غاية كما لها الذي يعطيه المصور لها إفضالاً ومزيداً ويظهره إبداعاً، ويتضح الفرق جداً بين الأسماء الثلاثة بالبناء فإنه يحتاج أولاً إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الحجر واللبن والخشب والحديد ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه وهو الخلق ثم يحتاج إلى حجار ينحت الحجارة ويهيئها لتصلح لمواضعها التي تكون فيها من الأبواب وأوساط الجدر وأطرافها وزواياها غير ذلك، وكذا الخشاب والحداد في الخشب والحديد وهو البرئ ثم يأخذ الكل البناء فيضعها مواضعها إلى أن تقوم صورتها التي رسمها المهندس أولاً وقدرها، ولا تقوم الصورة بالحق إلا إذا كانت محكمة بحسب الطاقة كما أن البناء يضع الحجارة أولاً ثم يجعل الخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة، ولو قلب ذلك لم تثبت الصورة ولم يكن لها الاسم إلا على أقل وجوه الضعف فكل من كان أحكم كان تصويره أعظم، ولذلك
стр. 10186
لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارئ المصور سبحانه، قال الرازي في اللوامع: والتصوير موجود في كل أجزاء العالم وإن صغر حتى في الذرة والنملة بل في كل عضو من أعضاء النملة، بل الكلام يطول في طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها، ووجه الحكمة فيها، فمن لم يعرف صورتها لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من نبات وحيوان.
ولما علم من هذا أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة، أردفه بقوله تعالى: ﴿له﴾ أي خاصة لا لغيره ﴿الأسماء الحسنى﴾ أي من الحكيم وغيره ممن لا يتم التصوير إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه.
ولما أخبر سبحانه أول السورة أن الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعاً لعزته وحكمته، ودل على ذلك بما تقدم إلى أن أسمعه الآذان الواعية بالأسماء الحسنى، دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج لما له من النقص من الخلق إلى التذكير فعبر بالمضارع فقال: ﴿يسبح﴾ أي يكرر التنزيه الأعظم من كل شائبة نقص على سبيل التجدد والاستمرار ﴿له﴾ أي على وجه التخصيص بما أفهمه قصر المتعدي وتعديته باللام ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان هذا المنزه الذي استجلى التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت أنفاسه ولطفت أقطاره
стр. 10187
وأغراسه حتى صار علوياً فرأى الأرض عالية كالسماء لما شاركتها به في الدلالة على تمام كماله لجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد كالشيء الواحد بإسقاط «ما» وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال: ﴿والأرض﴾ فمن تأمل الوجود مجملاً ومفصلاً، علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف الجلال والجمال ﴿وهو﴾ أي والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ولا يوجد له مثل، ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه.
ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره وثبت كل ما يريده إلا إن كان على قانون الحكمة قال: ﴿الحكيم *﴾ من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها إلى جد لا يمكن نقضهن والحكم قال الحرالي: المنع عما يترامى إليه المحكوم إيالة عليه وحمله على ما يمتنع منه نظراً له، ففي ظاهره الجهد وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح، فموقعه في الأبدان المداواة «تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» ، وموقعه في الأديان التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال وجهاد الأعداء ظاهراً من عدو الدين والبغي وباطناً من عدو النفس (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)
стр. 10188
ومن بعض الأهل والولد عدو، والشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ [فاطر: ٦] فالحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهراً بالإيالة العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر عاجلته وحسن العقبى في آجلته من الحكمة، فالحكم مباح التعليم للناس عامة بل واجب أن يتعلم كل امرئ من الأحكام ما يخصه، وأن ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع الناس ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب الحكم من مشروطه التعليم بالتزكية ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة: ٢] فما يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من أهلها ومن يترك فليس من أهلها، فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام فييسر بها ما يعسر دونها، والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق للبدن، والحكمة تود محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم.
ولما لم يكن للخلق من العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من الحكمة إلا مقدار ما يورثهم ﴿ولقد آتينا لقمان
стр. 10189
الحكمة﴾ [لقمان: ١٢] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة الله وإنما الحكم حكم الله، فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو - انتهى. وقد علم سر اتباع الأسماء الشريفة من غير عطف، وذاك أنه لما ابتدأ ب «هو» وأخبر عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاماً بأنه لا شيء منها يؤدي جميع معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة، ولذلك جمع بعدها الأسماء إشارة إلى أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه والمأخوذة عن أوليائه التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا مضاداً في المعنى الظاهري للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله نقص في المعنى بسبب ترك العطف، وأما ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح لما خفي من الذي قبله ومبين للازمه، وموضع لما ألاح أنه من مضمونه، وقد انعطف على افتتاحها وختامها وعانق ابتداؤها تمامها، ووفى مطلعها مقطعها، وزاد وبلغ الغاية من الإرشاد إلى سبيل الرشاد، فسبحان من أنزله برحمته رحمة للعباد، وهادياً إلى الصواب والسداد.
стр. 10190
سورة الممتحنة
مقصودها براءة من أقر بالإيمان ممن اتسم بالعدوان دلالة على صحة مدعاه كما أن الكفار تبرؤوا من المؤمنين وكذبوا بما جاءهم من الحق لئلا يكونوا على باطلهم أحرص من المؤمنين على حقهم، وتسميتها بالممتحنة أوضح شيء فيها وأدله على ذلك لأن الصهر أعظم الوصل وأشرفها بعد الدين، فإذا نفى ومنع دل على أعظم المقاطعة لدلالته على الامتهان بسبب الكفران الذي هو أقبح العصيان) بسم الله (الكافي من لجأ إليه فمن تولاه أغناه عمن سواه) الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد من فلق عن وجوده العدم وبراه وشمل، برحمته البيان من حاطه بالعقل ورعاه) الرحيم (الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه.
следующие страницы →