← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارئ المصور سبحانه، قال الرازي في اللوامع: والتصوير موجود في كل أجزاء العالم وإن صغر حتى في الذرة والنملة بل في كل عضو من أعضاء النملة، بل الكلام يطول في طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها، ووجه الحكمة فيها، فمن لم يعرف صورتها لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من نبات وحيوان. ولما علم من هذا أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة، أردفه بقوله تعالى: ﴿له﴾ أي خاصة لا لغيره ﴿الأسماء الحسنى﴾ أي من الحكيم وغيره ممن لا يتم التصوير إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه. ولما أخبر سبحانه أول السورة أن الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعاً لعزته وحكمته، ودل على ذلك بما تقدم إلى أن أسمعه الآذان الواعية بالأسماء الحسنى، دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج لما له من النقص من الخلق إلى التذكير فعبر بالمضارع فقال: ﴿يسبح﴾ أي يكرر التنزيه الأعظم من كل شائبة نقص على سبيل التجدد والاستمرار ﴿له﴾ أي على وجه التخصيص بما أفهمه قصر المتعدي وتعديته باللام ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان هذا المنزه الذي استجلى التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت أنفاسه ولطفت أقطاره

стр. 10187

وأغراسه حتى صار علوياً فرأى الأرض عالية كالسماء لما شاركتها به في الدلالة على تمام كماله لجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد كالشيء الواحد بإسقاط «ما» وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال: ﴿والأرض﴾ فمن تأمل الوجود مجملاً ومفصلاً، علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف الجلال والجمال ﴿وهو﴾ أي والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ولا يوجد له مثل، ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه. ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره وثبت كل ما يريده إلا إن كان على قانون الحكمة قال: ﴿الحكيم *﴾ من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها إلى جد لا يمكن نقضهن والحكم قال الحرالي: المنع عما يترامى إليه المحكوم إيالة عليه وحمله على ما يمتنع منه نظراً له، ففي ظاهره الجهد وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح، فموقعه في الأبدان المداواة «تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» ، وموقعه في الأديان التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال وجهاد الأعداء ظاهراً من عدو الدين والبغي وباطناً من عدو النفس (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)

стр. 10188

ومن بعض الأهل والولد عدو، والشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ [فاطر: ٦] فالحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهراً بالإيالة العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر عاجلته وحسن العقبى في آجلته من الحكمة، فالحكم مباح التعليم للناس عامة بل واجب أن يتعلم كل امرئ من الأحكام ما يخصه، وأن ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع الناس ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب الحكم من مشروطه التعليم بالتزكية ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة: ٢] فما يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من أهلها ومن يترك فليس من أهلها، فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام فييسر بها ما يعسر دونها، والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق للبدن، والحكمة تود محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم. ولما لم يكن للخلق من العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من الحكمة إلا مقدار ما يورثهم ﴿ولقد آتينا لقمان

стр. 10189

الحكمة﴾ [لقمان: ١٢] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة الله وإنما الحكم حكم الله، فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو - انتهى. وقد علم سر اتباع الأسماء الشريفة من غير عطف، وذاك أنه لما ابتدأ ب «هو» وأخبر عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاماً بأنه لا شيء منها يؤدي جميع معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة، ولذلك جمع بعدها الأسماء إشارة إلى أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه والمأخوذة عن أوليائه التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا مضاداً في المعنى الظاهري للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله نقص في المعنى بسبب ترك العطف، وأما ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح لما خفي من الذي قبله ومبين للازمه، وموضع لما ألاح أنه من مضمونه، وقد انعطف على افتتاحها وختامها وعانق ابتداؤها تمامها، ووفى مطلعها مقطعها، وزاد وبلغ الغاية من الإرشاد إلى سبيل الرشاد، فسبحان من أنزله برحمته رحمة للعباد، وهادياً إلى الصواب والسداد.

стр. 10190

سورة الممتحنة مقصودها براءة من أقر بالإيمان ممن اتسم بالعدوان دلالة على صحة مدعاه كما أن الكفار تبرؤوا من المؤمنين وكذبوا بما جاءهم من الحق لئلا يكونوا على باطلهم أحرص من المؤمنين على حقهم، وتسميتها بالممتحنة أوضح شيء فيها وأدله على ذلك لأن الصهر أعظم الوصل وأشرفها بعد الدين، فإذا نفى ومنع دل على أعظم المقاطعة لدلالته على الامتهان بسبب الكفران الذي هو أقبح العصيان) بسم الله (الكافي من لجأ إليه فمن تولاه أغناه عمن سواه) الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد من فلق عن وجوده العدم وبراه وشمل، برحمته البيان من حاطه بالعقل ورعاه) الرحيم (الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه.

стр. 10191

ولما كان التأديب عقب الإنعام جديراً بالقبول، وكان قد أجرى سبحانه سنته الإلهية بذلك، فأدب عباده المؤمنين عقب سورة الفتح السببي بسورة الحجرات، وكانت سورة الحشر مذكرة بالنعمة في فتح بني النضير

стр. 10192

ومعلمة بأنه لا ولي إلا الله، ولذلك ختمها بصفتي العزة والحكمة بعد أن افتتحها بهما، وثبت أن من حكمة حشر الخلق، وأن أولياء الله هم المفلحون، وأن أعداءه هم الخاسرون، وكان الحب في الله والبغض في الله أفضل الأعمال وأوثق عرى الإيمان، ولذلك ذم سبحانه من والى أعداءه وناصرهم، وسماهم مع التكلم بكلمة الإسلام منافقين، أنتج ذلك قطعاً وجوب البراءة من أعدائه والإقبال على خدمته وولائه، فقال معيداً للتأديب عقب سورة الفتح على أهل الكتاب بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ منادياً بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب، ومعبراً بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهاباً له وتهييجاً إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من عليّ رتبته مع اللطف به بالتسمية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع بني النضير بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق، فحكم على

стр. 10193

القلوب في الموضعين فقال هناك: ﴿الذين نافقوا﴾ كما قال هنا: ﴿الذين آمنوا﴾ . ولما كان قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة للكفار، وفي الحشر الزجر العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من مصاحبة ودهم ظاهراً أو باطناً، بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على السعي في موادتهم والتكلف لتحصيلها، فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه بالعزة والحكمة، فعبر لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء بأداة البعد والتعبير بأدنى أسنان الإيمان: ﴿لا تتخذوا﴾ وزاد في ذلك المعنى من وجهين: التعبير بما منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيراً منهم والتوحيد لما يطلق على الجمع لئلا يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد الاجتماع والإشارة إلى أنهم في العداوة على قلب واحد، فأهل الحق أولى بأن يكونوا كذلك في الولاية فقال: ﴿عدوي﴾ أي وأنتم تدعون موالاتي ومن المشهور أن مصادق العدو أدنى مصادقة لا يكون ولياً فكيف بما هو فوق الأدنى وهو فعول من عدى، وأبلغ في الإيقاظ بقوله: ﴿وعدوكم﴾ أي

стр. 10194

العريق في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين. ولما وحد لأجل ما تقدم من الإشارة إلى اتحاد الكلمة، بين أن المراد الجمع فقال: ﴿أولياء﴾ ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيراً إلى غاية الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله: ﴿تلقون﴾ أي جميع ما هو في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو ﴿إليهم﴾ على بعدهم منكم حساً ومعنى ﴿بالمودة﴾ أي بسببها. ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح إليه، ملهياً ومهيجاً إلى عداوتهم بالتذكير بمخالفهم إياه في الاعتقاد المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة ﴿وقد﴾ أي هو الحال أنهم قد ﴿كفروا﴾ أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿جاءكم من الحق﴾ أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتاً منه، ثم استأنف بين كفرهم بما يبعد من مطلق موادتهم فضلاً عن السعي فيها بقوله مذكراً لهم بالحال الماضية زيادة في التنفير منهم ومصوراً لها بما يدل على الإصرار بأنهم ﴿يخرجون الرسول﴾ أي الكامل في الرسلية الذي يجب على كل أحد عداوة من عاداه أدنى عداوة ولو كان أقرب الناس فكيف إذا كان عدواً، وبين أن المخاطب من أول السورة من المهاجرين وأن إيراده على وجه الجمع للسير

стр. 10195

والتعميم في النهي بقوله: ﴿وإياكم﴾ أي من دياركم من مكة المشرفة. ولما بين كفرهم، معبراً بالمضارع إشارة إلى دوام أذاهم لمن آمن المقتضي لخروجه عن وطنه، علل الإخراج بما يحقق معنى الكفر والجداوة فقال: ﴿أن﴾ أي أخرجوكم من أوطانكم لأجل أن ﴿تؤمنوا﴾ أي توقعوا حقيقة الإيمان مع التجديد والاستمرار. ولما كان الإيمان به سبحانه مستحقاً من وجهي الذات والوصف لفت الخطاب من التكلم إلى الغيبة للتنبيه عليهما فقال: ﴿بالله﴾ أي الذي اختص بجميع صفات الكمال، ولما عبر بما أبان أنه مستحق للإيمان لذاته أردفه بما يقتضي وجوب ذلك لإحسانه فقال: ﴿ربكم﴾ ولما ألهبهم على مباينتهم لهم بما فعلوا معهم وانقضى ما أريد من التنبيه بسياق الغيبة عاد إلى التكلم لأنه أشد تحبباً وأعظم استعطافاً وأكمل على الرضا فألهبهم بما كان من جانبهم من ذلك الفعل أن لا يضيعوه، فقال معلماً إن ولايته سبحانه لا تصح إلا بالإيمان، ولا يثبت الإيمان إلا بدلائله من الأعمال، ولا تصح الأعمال إلا بالإخلاص، ولا يكون الإخلاص إلا بمباينه الأعداء: ﴿إن كنتم﴾ أي كوناً راسخاً حين أخرجوكم من أوطانكم لأجل إيمانكم بي ﴿خرجتم﴾ أي منها وهي أحب البلاد إليكم ﴿جهاداً﴾ أي لأجل الجهاد ﴿في سبيلي﴾ أي بسبب إرادتكم

стр. 10196

تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها ﴿وابتغاء مرضاتي﴾ أي ولأجل تطلبكم بأعظم الرغبة لرضاي ولكل فعل يكون موضعاً له، وجواب هذا الشرط محذوف لدلالة ﴿لا تتخذوا﴾ عليه. ولما فرغ من بيان حال العدو وشرط إخلاص الولي، وكان التقدير: فلا تتخذوهم أولياء، بنى عليه قوله مبيناً ﴿تلقون﴾ إعلاماً بأن الإسرار إلى أحد بما فيه نفعه لا يكون إلا تودداً: ﴿تسرون﴾ أي توجدون إسرار جميع ما يدل على مناصحتهم والتودد إليهم، وأشار إلى بعدهم عنهم بقوله: ﴿إليهم﴾ إبلاغاً في التوبيخ بالإشارة إلى أنهم يتجشمون في ذلك مستفتين إبلاغ الأخبار التي يريد النبي ﷺ وهو المؤيد بالوحي كتمها عنهم على وجه الإسرار خوف الافتضاح والإبلاغ إلى المكان البعيد ﴿بالمودة﴾ أي بسببها أو بسبب الإعلام بأخبار يراد بها أو يلزم منها المودة. ولما كان المراد بالإسرار الستر على من يكره ذلك، قال مبكتاً لمن يفعله: ﴿وأنا﴾ أي والحال أني ﴿أعلم﴾ أي من كل أحد من نفس الفاعل ﴿بما أخفيتم﴾ أي من ذلك ﴿وما أعلنتم﴾ فأيّ فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة. ولما كان التقدير بما هدى إليه العاطف: فمن فعل منكم فقد ظن

стр. 10197

أني لا أعلم الغيب أو فعل ما يقتضي ظن ذلك، عطف عليه قوله: ﴿ومن يفعله﴾ أي يوجد الاتخاذ سراً أو علناً أو يوجد الإسرار بالمودة فالإعلان أولى في وقت من الأوقات ماض أو حال أو استقبال. ولما كان المحب قد يفعل بسبب الإدلال ما يستحق به التبكيت، فإذا بكت ظن أن ذلك ليس على حقيقته لأن محبته لا يضرها شيء، وكان قد ستر المعايب بأن أخرج الكلام مخرج العموم، صرح بأن هذا العتاب مراد به الإحباب فقال: ﴿منكم﴾ وحقق الأمر وقربه بقوله: ﴿فقد ضل﴾ أي عمي ومال وأخطأ ﴿سواء السبيل *﴾ أي قويم الطريق الواسع الموسع إلى القصد قويمه وعدله، وسبب نزول هذه الآية روي من وجوه كثيرة فبعضه في الصحيح عن علي ومنه في الطبراني عن أنس ومنه في التفاسير «أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ورسول الله ﷺ يتجهز لفتح مكة فسألها ما أقدمها، فقالت: ذهب موالي وقد احتجت حاجة شديدة، وكنتم الأهل والعشيرة والموالي، فحث رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها وكسوها وحملوها، فكتب معها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله ﷺ يريدكم فخذوا حذركم، فأعطاها عشرة

стр. 10198

دنانير، فنزل جبريل ﵇ بالخبر فبعث رسول الله ﷺ عمر وعلياً وعماراً والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم فرساناً فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاط إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. فانطلقوا تعادي بهم خيلهم، فأدركوها في ذلك المكان فأنكرت وحلفت بالله، ففتشوها فلم يجدوه فهموا بالرجوع، فقال علي ﵁: ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه فقال: أخرجي الكتاب أو لألقين الثياب ولأضربن عنقك، فقالت: على أن لا تردوني، ثم أخرجته من عقاصها قد لفت عليه شعرها، فخلوا سبيلها، فقال رسول الله ﷺ لحاطب: هل تعرف الكتاب قال: نعم، قال: فما حملك على هذا؟ قال: لا تعجل يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششت منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يدفع الله به عن عشيرته، وكنت غريباً خليفاً فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم فأردت أن أتخذ عندهم يداً يدفع الله بها عن أهلي، وقد علمت أن الله تعالى ينزل بهم بأسه،

стр. 10199

وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً، فقال لهم رسول الله ﷺ : صدق ولا تقولوا له إلا خيراً، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر ﵁ وقال: الله ورسوله أعلم، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم﴾ » الآيات. ولاق الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت - يعني هذه السورة - بوصية المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونهيهم عن ذلك وأمرهم بالتبرؤ منهم، وهو المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم﴾ إلى آخر السورة، وقد حصل منها أن أسنى أحوال أهل الإيمان وأعلى مناصبهم ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢] فوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء ووعظهم بقصة إبراهيم ﵊ والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم، والاتصال في هذا بين، وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع

стр. 10200

على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليهم، اعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم أتبع ذلك ما عجله لهم من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة له، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة وكفار مكة ليسوا من يهود، وطلبوا المعادة للجميع واحد، فلهذا فضل بما هو من تمام الإخبار بحال يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين، والتحمت السور الثلاث وكثر في سورة الممتحنة تزداد الوصايا والعهود، وطلب بذلك كله ولهذا المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء وما يشترط عليهن في ذلك، فمبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحاً واختتاماً حسب ما بين في التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة - انتهى.

стр. 10201

ولما كان ما بينه تعالى من إخراجهم لهم موضحاً بعداوتهم وكان طول كفهم عن قصدهم بالأذى من سنة الأحزاب سنة خمس إلى سنة

стр. 10202

ثمان ربما شكك في أمرها، وكان سبحانه قد أعز المؤمنين بعد ذلهم وقواهم بعد وهنهم وضعفهم، وثقفهم بعد جهلهم، بين ظلال معتقد ذلك بأن كف الكفار إنما هو لعجزهم وأنهم لو حصل لهم ما هو للمسلمين الآن من القوة لبادروا إلى إظهار العداوة مع أن ذلك في نصر الشيطان، فأولياء الرحمان أولى باتباع ما آتاهم من الإيمان، فقال مبيناً لبقاء عداوتهم: ﴿إن يثقفوكم﴾ أي يجدوكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن وهم يطمعون في أخذكم بكونهم أقوى منكم أو أعرف بشيء مما يتوصل به إلى الغلبة، وأشار بأداة الشك إلى أن وجدانهم وهم على صفة الثقافة مما لا تحقق له، وإنما هو على سبيل الفرض والتقدير، وأنه إنما علم سبحانه أنه لو كان كيف كان يكون، مع أنه مما لا يكون، ونبه على عراقتهم في العداوة بالتعبير بالكون فقال: ﴿يكونوا لكم﴾ أي خاصة ﴿أعداء﴾ أي يعدون إلى أذاكم كل عدو يمكنهم وإن واددتموهم. ولما كانت العداوة قد تكون بإغراء الغير، عرف أنهم لشدة غيظهم لا يقتصرون على ذلك فقال: ﴿ويبسطوا إليكم﴾ أي خاصة وإن كان هناك في ذلك الوقت من غيركم من قتل أعز

стр. 10203

الناس إليهم ﴿أيديهم﴾ أي بالضرب إن استطاعوا ﴿وألسنتهم﴾ أي بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره بما نجرع من آخر من غيركم من القصص حتى أوجب له غاية السعة ﴿بالسوء﴾ أي بكل ما من شأنه أن يسوء. ولما كان أعدى الأعداء لك من تمنى أن يفوتك أعز الأشياء لديك، وكان أعز الأشياء عند كل أحد دينه، قال متمماً للبيان: ﴿وودوا﴾ أي وقعت منهم هذه الودادة قبل هذا لأن مصيبة الدين أعظم فهم إليها أسرع لأن دأب العدو القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوه، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه، وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال ﴿لو تكفرون *﴾ أي يقع منكم الكفر الموجب للهلاك الدائم، وقدم الأول لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكأ. ولما كانت عداوتهم معروفة وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء يعمي ويصم، فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالاتهم، زهد فيها مما يرجع إلى حال من والوهم لأجلهم بما تورثه من الشقاء الدائم يوم البعث، فقال مستأنفاً إعلاماً بأنها خطأ على كل حال: ﴿لن تنفعكم﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿أرحامكم﴾ أي قراباتكم الحاملة لكم على

стр. 10204

رحمتهم والعطف عليهم ﴿ولا أولادكم﴾ الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء الله لأجلهم فينبغي أن لا تعدوا قربهم منكم بوجه أصلاً، ثم علل ذلك بينه بقوله: ﴿يوم القيامة﴾ أي القيام الأعظم. ولما كان النافي للنفع وقوع الفصل لا كونه من فاصل معين قال بانياً للمفعول على قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير وأبي جعفر وابن عامر من أكثر طرقه إلا أن شدد الصاد للمبالغة في الفصل: ﴿يفصل﴾ أي يوقع الفصل وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب ﴿بينكم﴾ أي أيها الناس فيدخل من شاء من أهل طاعته الجنة، ومن شاء من أهل معصيته النار، فلا ينفع أحد أحداً منكم بشيء من الأشياء إلا إن كان قد أتى الله بقلب سليم فيأذن الله في إكرامه بذلك. ولما كان التقدير إعلاماً بأن الله هو الفاصل وهو الضار النافع بما دلت عليه قراءة الباقين إلا أن حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة إشارة إلى عظمة هذا الفصل بخروجه عن المألوف عوداً إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الأمر بانتشار الخلائق وأعمالهم: فالله على ذلك قدير، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة ﴿بما تعملون﴾ أي من كل عمل في كل وقت ﴿بصير *﴾ فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة، وقد مضى غيره مرة أن

стр. 10205

تقديم الجار في مثل هذا للتنبه على مزيد الاعتناء بعلم ذلك لا على الاختصاص ولا لأجل الفواصل.

стр. 10206

ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك، وكانت عادته التربية بالماضين، كان موضع توقع ذلك فقال معبراً بأداة التوقع: ﴿قد كانت﴾ أي وجدت وجوداً تاماً، وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على أدنى الوجوه ﴿لكم﴾ أي أيها المؤمنون ﴿أسوة﴾ أي موضع اقتداء وتأسية وتسنن وتشرع وطريقة مرضية ﴿حسنة﴾ يرغب فيها ﴿في إبراهيم﴾ أي في قول أبي الأنبياء ﴿والذين معه﴾ أي ممن كانوا قبله من الأنبياء، قال القشيري: وممن آمن به في زمانه كابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسلام وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قالوا﴾ وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف ﴿لقومهم﴾ الكفرة، وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى وكان لهم فيهم أرحام وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات. ولما كان ما ذكر من ضعفهم وقوة قومهم مبعداً لأن يبارزوهم، أكدوا قولهم فقالوا: ﴿إنا﴾ أي من غير وقفة ولا شك ﴿برءاء﴾ أي متبرئون تبرئة عظيمة ﴿منكم﴾ وإن كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم. ولما تبرؤوا منهم أتبعوه ما هو أعظم عندهم منهم وهو سبب العداوة فقالوا: ﴿ومما تعبدون﴾ أي توجدون عبادته في وقت

стр. 10207

من الأوقات الماضية المفيد التعبير عنها بالمضارع تصوير الحال أو الحاضرة أو الآتية كائناً من كان لا نخاف شيئاً من ذلك لأن إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه لا يقاويه شيء، ولا تقدرون أنتم مع إشراككم به على البراءة منه. ولما كانوا مشركين قالوا مستثنين ومبينين لسفول كل شيء عن متعالي مرتبة معبودهم: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعظم الذي هو كاف لكل مسلم. ولما كانت البراءة على أنحاء كثيرة، بينوا أنها براءة الدين الجامعة لكل براءة فقالوا: ﴿كفرنا بكم﴾ أي أوجدنا الستر لكل ما ينبغي ستره حال كوننا مكذبين بكل ما يكون من جهتكم من دين وغيره الذي يلزم منه الإيمان، وهو إيقاع الأمان من التكذيب لمن يخبرنا بسبب كل ما يضاده مصدقين بذلك. ولما كان المؤمن على جبلة مضادة لجبلة الكافر، عبر بما يفهم أن العداوة كانت موجودة ولكنها كانت مستورة، فقال دالاً على قوتها بتذكير الفعل: ﴿وبدا﴾ أي ظهر ظهوراً عظماً، وعلى عظمتها بالدلالة بنزع الخافض على أنها شاحنة لجميع البينين فقال: ﴿بيننا وبينكم﴾ أي في جمع الحد الفاصل بين كل واحد منا وكل واحد منكم ﴿العداوة﴾ وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على الآخر ولا يكون ذلك

стр. 10208

إلا عندما يستخف الغيظ الإنسان لإرادة أن يشفي صدره من شدة ما حصل له من حرارة الخنق. فالعداوة مما يمتد فيكون مالئة لظرفها، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في تلويحه على توضيح صدر الشريعة في أوائله في علاقات المجاز: الفعل المنسوب إلى ظرف الزمان بواسطة تقدير «في» دون ذكره يقتضي كون الظرف معياراً له غير زائد عليه مثل صمت الشهر، يدل على صوم جميع أيامه بخلاف صمت في الشهر، فإذا امتد الفعل الظرف ليكون معياراً له فيصح حمل اليوم - في نحو صرت يوم كذا - على حقيقته، وهو ما يمتد من الطلوع إلى الغروب، وإذا لم يمتد الفعل - يعني مثل وقوع الطلاق - لم يمتد الظرف، لأن الممتد لا يكون معياراً لغير الممتد فحينئذ لا يصح حمل اليوم على النهار الممتد بل يجب أن يكون مجازاً عن جزء من الزمان الذي لا يعتبر في الغرف ممتداً، وهو الآن سواء كان من النهار أو من الليل بدليل قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ [الأنفال: ١٦] فإن التولي عن الزحف حرام ليلاً كان أو نهاراً ولأن مطلق الآن جزء من الآن اليومي وهو جزء من اليوم، فيكون مطلق الآن جزءاً من اليوم، فتحقق العلاقة.

стр. 10209

ولما كان ذلك قد يكون لغير البغض بل لتأديب ونحوه قالوا: ﴿والبغضاء﴾ أي وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم. ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا: ﴿أبداً﴾ ولما كان ذلك مرئياً من صلاح الحال، وكان قد يكون لحظ نفس بينوا غايته على وجه عرفت به علته بقولهم: ﴿حتى تؤمنوا﴾ أي توقعوا الأمان من التكذيب من أمركم بالإيمان وأخبركم عن الرحمان، حال كونكم مصدقين ومعترفين ﴿بالله﴾ أي الملك الذي له الكمال كله. ولما كانوا يؤمنون به مع الإشراك قالوا: ﴿وحده﴾ أي تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دونه. ولما حث سبحانه المخاطبين على التأسي بقوله إبراهيم ومن معه في الوقت ﵈ استثنى منه فقال تأنيساً لمن نزلت القصة بسببه واستعطافاً له وهو حاطب ابن أبي بلتعة ﵁: ﴿إلا قول إبراهيم﴾ أي فلا تأسي لكم به ﴿لأبيه﴾ واعداً له قبل أن يبين له أنه ثابت العداوة لله تعالى لكونه مطبوعاً على قلبه، فلا صلاح له، يقال: إن أباه وعده أنه يؤمن فاستغفر له، فلما تبين له، أنه لا يؤمن تبرأ منه: ﴿لأستغفرن﴾ أي لأوجدن طلب الغفران من الله ﴿لك﴾ فإن هذا الاستغفار لكافر، فلا ينبغي لهم أن يتأسوا به فيه مطلقاً غير ناظرين إلى علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز الرجوع.

стр. 10210

ولما وعده بالاستغفار ترغيباً له، رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما معناه أنه ليس في يدي غير الاستغفار، فقال: ﴿وما أملك لك﴾ أي لكونك كافراً ﴿من الله﴾ أي لأنه الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال، وأعرق في النفي بقوله: ﴿من شيء﴾ والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه التعرض للأجزاء، فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة لأن النبي ﷺ لما نادى: «واصباحاه حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ كان يقول لكل من سماه: لا أملك لك من الله شيئاً، حتى قال في آخر ذلك: يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من الله شيئاً» . ولما حثهم على التأسي بقول الخلص، وقدم منه المحافاة لأنها المقصودة، واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضاً به بين أجزاء مقالهم بياناً للاهتمام به للتنفير منه من قوله، أتم ما يؤيسي فيه فقال مبيناً أنهم ما أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ما يقولونه ورضوا به دون موادتهم وانقطعوا إلى الله وحده انقطاعاً تاماً يفعل بهم ما يشاء من تسليطهم عليهم أو حمايتهم منهم، لكنهم سألوا الحماية

стр. 10211

لا لذاتها ولا لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالاً ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا بتخليصك لنا من الهلاك باتباعهم ﴿عليك﴾ أي لا على غيرك ﴿توكلنا﴾ أي فعلنا في جميع أمورنا معك فعل من يحملها على قوى ليكفيه أمرها لأنا نعلم أنك تكفي إذا شئت كل ملم، وأنه لا يذل من والتي ولا يعز من عاديت وقد عادينا فيك قوماً عتاة أقوياء ونحن ضعفاء، ورضينا بكل ما يحصل لنا منهم غير أن عافيتك هي أوسع لنا. ولما كان الذي ينبغي لكل أحد وإن كان محسناً أن يعد نفسه مقصراً شارداً عن ربه لأنه لعظم جلاله لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره، وأن يعزم على الاجتهاد في العبادة قالوا مخبرين بذلك عادين ذلك العزم رجوعاً: ﴿وإليك﴾ أي وحدك لا إلى غيرك ﴿أنبنا﴾ أي رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا. ولما كان المعنى تعليلاً: فإنه منك المبدأ، عطف عليه قوله: ﴿وإليك﴾ أي وحدك ﴿المصير *﴾ ولما أخبروا بإسلامهم له سبحانه وعللوه بما اقتضى الإحاطة فاقتضى مجموع ذلك الثناء الأتم، فلزم منه الطلب، صرحوا به فقالوا داعين بإسقاط الأداة للدلالة على غاية قربه سبحانه بما له من الإحاطة: ﴿ربنا﴾ أي أيها المربي لنا والمحسن إلينا ﴿لا تجعلنا﴾ بإضعافنا والتسليط علينا ﴿فتنة﴾

стр. 10212

أي موضع اختبار ﴿للذين كفروا﴾ بأن يعذبونا بعذاب يميلنا عما نحن عليه ويميلهم عما وصلوا إليه بسبب إسلامنا من الزلازل بما يوجب ذلك لهم من اعتقاد لو أنك كنت راضياً بديننا لكنا على الحق وكانوا هم على الباطل ما أمكنت منا، فيزيدهم ذلك طغياناً ظناً منهم أنهم على الحق وأنا على الباطل. ولما كان رأس مال المسلم الأعظم الاعتراف بالتقصير وإن بلغ النهاية في المجاهدة فإن الإله في غاية العظمة والبعد في نهاية الضعف، فبلوغه ما يحق له سبحانه لا يمكن بوجه قالوا ﴿واغفر لنا﴾ أي استر ما عجزنا فيه وامح عينه وأثره. ولما طلبوا منه الحياطة من جميع الجوانب، عللوه زيادة في التضرع والخضوع واستجاز المطلوب مكررين صفة الإحسان زيادة في الترقق والاستعطاف بقولهم: ﴿ربنا﴾ أي المحسن إلينا، وأكدوا إعلاماً بشدة رغبتهم بحسن الثناء عليه سبحانه واعترافاً بأنهم قد يفعلون ما فيه شيء من تقصير فيكون من مثل أفعال من لا يعرفه سبحانه فقالوا: ﴿إنك أنت﴾ أي وحدك لا غيرك ﴿العزيز﴾ الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم *﴾

стр. 10213

الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله فوق ما طلب.

стр. 10214

ولما أتم ما حثهم على التأسي فيه بذكر أعظم آبائهم لأن دواعي الإنسان إلى المداراة عما يخاف عليه من أقاربه وآله وجميع أحواله عظيمة جداً إن كان المدارأ عظيماً لا سيما إن كان قد تقدم له صداقة وبه ألفة، فكان جديراً بعد الوعظ والتأسية أن يبقى عنده بقايا ولا سيما والناس متفاوتون، منهم من يرده أيسر وعظ ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك أعاد التأسية تأكيداً لها على وجه بلغ الذروة من جمال الترغيب وجلال الترهيب، وليكون فيها أتم دلالة على أن ما بينهما من قول إبراهيم ﵇ المأمور بالتأسي به من الدعاء وغيره إلا ما استثنى لتشتد الرغبة فيه، فقال مصدراً بما دل على القسم إشارة إلى أن من فعل غير هذا كان فعله فعل منكر لحسن هذا التأسي، ولذلك ذكر الفعل الذي أنثه في الأول: ﴿لقد كان لكم﴾ أي أيها الذين ادعوا الإيمان، وقدم الظرف بياناً للاهتمام به فقال: ﴿فيهم﴾ أي إبراهيم ﵇ ومن معه ﴿أسوة حسنة﴾ وأبدل من ﴿لكم﴾ ما هو الفيصل في الدلالة على الباطل، فقال مشيراً إلى أن من لم يتأس بهم في هذا لم يكن راجياً لما ذكر: ﴿لمن كان﴾ أي جبل على أنه ﴿يرجوا الله﴾ أي الملك

стр. 10215

المحيط بجميع صفات الكمال فهو ذو الجلال الذي يجير ولا يجار عليه، والإكرام الذي هو جدير بأن يعطى جميع ما يسأله ﴿واليوم الآخر﴾ الذي يحاسب على، النقير والقطمير، ولا تخفى عليه خافية، فمن لم يتأس بهم كان تركه للتأسي دليلاً على سوء عقيدته، فلا يلومن إلا نفسه، فقد أذن لإمام المسلمين إن عثر عليه في عقوبته، فإن علم الغيب الذي أعلمناه نبينا ﷺ بأن حاطباً ﵁ صحيح العقيدة غير متأهل للعقوبة منقطع بموته ﷺ ولا يبقى إلى ما نصبناه من الشعائر، وأقمناه من الدلائل. ولما كان التقدير: فمن أقبل على هذا التأسي لكونه يرجو الله واليوم الآخر فلم يخلد إلى الدنيا، يتوله الله فإن الله رحيم ودود، عطف عليه قوله: ﴿ومن يتول﴾ أي يوقع الإعراض عن أوامر الله تعالى في وقت من الأوقات مطلقاً لكونه أخلد إلى الدنيا ولم ير اليوم الآخرة أعرض الله عنه، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك لا يقع إلا بمعالجة الفطرة الأولى، وأكد لأن فاعل ذلك كالمنكر لمضمون الكلام فقال: ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿هو﴾ أي خاصة

стр. 10216

﴿الغني﴾ أي عن كل شيء ﴿الحميد *﴾ أي الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال في حال الطاعة له والمعصية فإن العاصي عبد لإرادته، كما أن المطيع عبد لآمره وإرادته ولطفه، فلا يخرج شيء عن مراده، وكل شيء خاضع لحكمه، وقد بينت الآية أدب العشرة لما ألهبت وهيجت على المفارقة للعصاة والتبرء منهم حساً ومعنى، وإظهار ذلك لهم قولاً وفعلاً، إلى أن تحصل التوبة، ومن لم يفعل ذلك كان شريكاً في الفعل فيكون شريكاً في الجزاء كما ورد، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وجليسه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ألسنة الأنبياء، ومن فعل ما أمره الله به كان فعله جديراً بأن يكون سبب الوصله والقرب والمودة، فالآية من الاحتباك: ذكر الرجاء أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والتولي ثانياً دليلاً على ضده أولاً، وسره أنه ذكر سبب السعادة ترغيباً وسبب الشقاوة ترهيباً. ولما أتم وعظهم بما هو الأنفع والأقرب إلى صلاحهم ففعلوا، وكان ذلك شاقاً لما جبل عليه البشر من حب ذوي الأرحام والعطف عليهم، فتشوفت النفوس إلى تخفيف بنوع من الأنواع، أتبعه الترجئة فيما قصده حاطب ﵁ بغير الطريق الذي يتوصل به فقال على عادة الملوك في الرمز إلى ما يريدونه فيقنع الموعود به بل يكون ذلك الرمز

стр. 10217

عنده أعظم من البت من غيرهم لما لهم من العظمة التي تقتضي النزاهة عما يلم بشائبة نقص، وذلك أعظم في الإيمان بالغيب لأن الوعود لا تزال بين خوف ورجاء جواباً لمن كأنه كان يقول: كيف يكون الخلاص من مثل هذه الواقعة وقد بنيت يا رب هذه الدار على حكمة الأسباب: ﴿عسى الله﴾ أي أنتم جديرون بأن تطمعوا في الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿أن يجعل﴾ بأسباب لا تعلمونها ﴿بينكم وبين﴾ أي في جميع الحد الفاصل بين المجموعين أو بين كل شخصين من الجمعين ﴿الذين عاديتم﴾ أي بالمخالفة في الدين ﴿منهم﴾ أي من هؤلاء الذين عادوكم بما تقدم بأعيانهم من أهل مكة ﴿مودة﴾ وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقاً لما رجاه سبحانه، وأجرى سنته الإلهية بأن من عاديته فيه جعل عاقبة ذلك إلى ولاية عظيمة، ومن تهاونت في مقاطعته فيه سبحانه أقامه لك ضداً. ولما كان التقدير: فالله بكم رفيق، عطف عليه تذكيراً لهم بما له سبحانه من العظمة قوله ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بالكمال: ﴿قدير﴾ أي بالغ القدرة على كل ما يريده فهو يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسير، فلما تم الرجاء لم يبق إلا كدر الذنب

стр. 10218

فأتبعه تطييباً للقلوب مما نزلت هذه الآيات بسببه قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي محاء لأعيان الذنوب وآثارها ﴿رحيم *﴾ يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة ثم بالجزاء غاية الإكرام، قال الرازي في اللوامع: كان النبي ﷺ استعمل أبا سفيان ﵁ على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل فلقي ذا الحجار مرتداً فقاتله، فكان أول من قاتل على الردة، فتلك المودة بعد المعاداة. ولما تم الوعظ والتأسية وتطبيب النفوس بالترجئة، وكان وصف الكفار بالإخراج لهم من ديارهم يحتمل أن يكون بالقوة فيعم، ويحتمل أن يكون بالفعل فيخص أهل مكة أو من باشر الأذى الذي تسبب عنه الخروج منهم، بين ذلك بقوله مؤذناً بالإشارة إلى الاقتصاد في الولاية والعداوة كما قال ﷺ : «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما. وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» ﴿لا ينهاكم الله﴾ أي الذي اختص بالجلال والإكرام ﴿عن الذين لم يقاتلوكم﴾ أي بالفعل ﴿في الدين﴾ أي بحيث تكونون مظروفين له ليس شيئاً من أحوالهم خارجاً عنه،

стр. 10219

فأخرج ذلك القتال بسبب حق دنيوي لا تعلق له بالدين، وأخرج من لم يقاتل أصلاً كخزاعة والنساء، ومن ذلك أهل الذمة بل الإحسان إليهم من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم لأنهم جيران. ولما كان الذين لم يقاتلوا لذلك ربما كانوا قد ساعدوا على الإخراج قال: ﴿ولم يخرجوكم﴾ وقيد بقوله: ﴿من دياركم﴾ ولما كان قد وسع لهم سبحانه بالتعميم في إزالة النهي خص بقوله مبدلاً من «الدين» : ﴿أن﴾ أي لا ينهاكم عن أن ﴿تبروهم﴾ بنوع من أنواع البر الظاهرة فإن ذلك غير صريح في قصد المواددة ﴿وتقسطوا﴾ أي تعدلوا العدل الذي هو في غاية الاتزان بأن تزيلوا القسط الذي هو الجور، وبين أن المعنى: موصلين لذلك الإقساط ﴿إليهم﴾ إشارة إلى أن فعل الإقساط ﴿إليهم﴾ إشارة إلى أن فعل الإقساط ضمن الاتصال، وإلى أن ذلك لا يضرهم وإن تكفلوا الإرسال إليهم من البعد بما أذن لهم فيه فإن ذلك من الرفق والله يحب الرفق في جميع الأمور ويعطي عليه ما لا يعطي على الخرق، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً دفعاً لظن من يرى أذى الكفار بكل طريق، ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿يحب﴾ أي يفعل المحب مع ﴿المقسطين *﴾ أي الذين يزيلون الجور ويوقعون العدل.

стр. 10220

ولما علم الحال من هذا وما في أول السورة، أتبعه التصريح بما

стр. 10221

أفاده مجموعاً أحسن جمع مصوراً أحسن تصوير فقال تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة ﴿عن الذين قاتلوكم﴾ متعمدين لقتالكم كائنين ﴿في الدين﴾ ليس شيء من ذلك خارجاً عنه، لتكون العداوة في الله ﴿وأخرجوكم من دياركم﴾ أي بأنفسهم لبغضكم ﴿وظاهروا﴾ أي عاونوا غيرهم ﴿على إخراجكم﴾ ولما تناول هذا المقصودين صريحاً، وكان النهي الذي موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم تأكيداً له، عرف بالمقصود بقوله: ﴿أن﴾ أي إنما ينهاكم عن المذكورين في أن ﴿تولوهم﴾ أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى الوجوه - بما أشار إليه إسقاط التاء. ولما كان التقدير: فمن أطاع فأولئك هم المفلحون، عطف عليه قوله: ﴿ومن يتولّهم﴾ أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من المنابذة، وأطلق ولم يقيد ب «منكم» ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين وغيرهم: ﴿فأولئك﴾ أي الذين أبعدوا عن العدل ﴿هم﴾ أي خاصة لا غيرهم العريقون في أنهم ﴿الظالمون *﴾ أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي.

стр. 10222

ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبي ﷺ سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة - شرفها الله تعالى - لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذي كانوا قد تحيزوا إلى النبي ﷺ فكانوا في عقده وعهده في صلح الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي ﷺ ومن دخل في عقده، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبي ﷺ من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلماً، ومن جاءهم من كان مع النبي ﷺ لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من الصحابة ﵁ من أعظمهم عمر بن الخطاب ﵁ حتى سكنه الصديق رضي الله تعالى عنه بما وقر في صدره من الحكم، ورد إليهم ﷺ أبا بصير ﵁، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق لقوله ﷺ «أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً» وقصته في ذلك كله مشهورة، وكانت «من» من صيغ العموم، وكانت دلالة العام قطعية في الحكم على الأفراد ظنية - كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه - في الدلالة على الجزئي من تلك الأفراد بخصوصه حيث لا قرينة

стр. 10223

لأن تلك الصيغ ترد تارة على عمومها وتارة يراد بها بعض الأفراد فتكون من العام الذي أريد به الخصوص، وتارة يقع فيها التخصيص، فتكون من العام الذي أريد به الخصوص فطرقها الاحتمال فاحتاج ما دلت عليه من الظاهر إلى قرينة، وكان دخول النساء تحت لفظ «من» في صلح الحديبية أما عرباً عن القرينة أو أن القرينة القتال الذي وقع الصلح عليه بسببه صارفة عنه، وكذا قرينة التعبير عنهن ب «ما» دون «من» في كثير من الكتاب العزيز ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣] ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ [النساء: ٢٤] ، ﴿فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] ﴿إلا على أزواجكم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦] ، وكان قد ختم سبحانه هذه الآيات التي أدب بها في غزوة الفتح بما أبان به ما لا يخرج عن الصلح في عمرة الحديبية مما هو أقرب إلى الخير من البر والعدل، ونهى عن تولي الكفار، فكانت المصاهرة والمناكحة من أعظم التولي، وصل بذلك ما لا يخرج عنه ولا يحل بالعهد في أن من جاء من الكفار إلى النبي ﷺ رده إليهم وإن كان مسلماً، فقال مخاطباً لأدنى أسنان أهل الإيمان الذين

стр. 10224

يحتاجون إلى التفهيم، وأما من هو أعلى منهم فهو عالم بذلك مؤتمر به بما آتاه الله من الفهم وأنار به قلبه الشريف من فنون العلم ليكوفوا النبي ﷺ مقدمات البيعة منه لهن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان - وهو إيقاع الأمان من التكذيب - لمن يخبرهم ما ينبغي التصديق به بسبب تصديقهم بالله . ولما كان في علمه أنه يأتيهم نساء يهربن بدينهن إلى الله، بشرهم بذلك بالتعبير بأداة التحقيق فقال: ﴿إذا﴾ أي صدقوا ما ادعيتموه من الإيمان بأنه في أي زمان ﴿جاءكم﴾ ولما كان لا يهجر داره وعشيرته لا سيما إن كانوا أقارب بسبب كفرهم إلا من رسخ في الإيمان ذكراً كان أو أنثى قال: ﴿المؤمنات﴾ أي النساء اللاتي صار وصف الإيمان لهن صفة راسخة بدلالة الهجرة عليه: ﴿مهاجرات﴾ للكفار ولأرضهم ﴿فامتحنوهن﴾ أي اختبروهن تأكيداً لما دلت عليه الهجرة من الإيمان بالتحليف بأنهن ما خرجن لحدث أحدثته ولا بغضاً في زوج ولا رغبة في عشير ولا خرجن إلا حباً لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام، قال الإمام شهاب الدين ابن النقيب في الهداية من مختصره للكفاية لفقيه المذهب نجم الدين أحمد بن الرفعة في شرح التنبيه:

стр. 10225

واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى: هل كان النبي ﷺ شرط لقريش في الصلح رد النساء ففي قول: لم يشترطه بل أطلق رد من جاءه فتوهموا تناول النساء، وكان النبي ﷺ عالماً بعدم دخولهن، فأطلق ذلك حذيفة يعني ومن شرعه أن الحرب خدعة، وفي قوله: شملهن الشرط، لكن هل شرطه صريحاً أم دخلن في الإطلاق فيه وجهان أظهرهما الثاني، وهل كان شرطهن جائزاً فيه وجهان: أحدهما نعم ثم نسخ، وهل ناسخه الآية المذكورة أم منع النبي ﷺ من الرد فيه وجهان مبنيان على أنه هل يجوز نسخ السنة بالقرآن وفيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى، ومختاره منهما المنع وهو الجديد، وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه نسخ الكتاب بالسنة وإن كانت متواترة - انتهى. ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة، وإن وقع نسخه بالسنة كان معها قرآن، وهو معنى قول ابن السبكي في جمع الجوامع: قال الشافعي ﵁: وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة. ولما كان الاختبار ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به، نفى ذلك بقوله مستأنفاً في جواب من يقول: أليس الله بعالم بذلك، ومفيداً أن علمكم
следующие страницы →