Полный текст (11 765 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.
стр. 10326
وحرارة الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض لما يرى من سيئ أحوالهم بتلك الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من الكفر الذي يزينه الشيطان ﴿عن سبيل الله﴾ أي عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجرأتهم على الإيمان الحانثة التي يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه الحنيفية السمحة من القناعة من الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله.
ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة، أنتج قوله: ﴿إنهم﴾ وأكده لأن حالهم بعجبهم وعجب كثيراً ممن قاربهم ﴿ساء ما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يعملون *﴾ أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جرأتهم على الله ورسوله ﷺ وخلص عباده بالأيمان الحانثة.
стр. 10327
ولما كانت المعاصي تعمي القلب فكيف بأعظمها، علله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم في البعد من الخير من الكذب بالإخبار بالشهادة والحلف على الصدق والصد عن السبيل والوصف لعملهم بالسوء ﴿بأنهم آمنوا﴾ أي بسبب أنهم أقروا بالإيمان بألسنتهم من غير مطابقة لقلوبهم. ولما كان الكفر مستبعداً فكيف إذا كان بعد الإقرار، عبر بأداة البعد لذلك ولتفهم الذم على التعقيب من باب الأولى، ولئلا يتوهم أن الذم إنما هو على تعقيب الإيمان بالكفر فقط، لا على مطلقه،
стр. 10328
فالتعبير بثم يفهم أن من استمر طول عمره على الإيمان ثم كفر قبل موته بلحظة كان له هذا الذم فقال: ﴿ثم كفروا﴾ أي سراً فهابوا الناس ولم يهابوا الله. ولما كان مجرد الطبع على القلب في غاية البشاعة، كان مفهماً لبشاعة ما كان منه من الله من باب الأولى، بني للمجهول قوله: ﴿فطبع﴾ أي فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه ﴿على قلوبهم﴾ لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق حتى مرنوا على الكفر واستحكموا فيه، وكذلك من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها ﴿فهم﴾ أي فتسبب عن ذلك أنهم ﴿لا يفقهون *﴾ أي لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء فهم لا يميزون صواباً من خطأ ولا حقاً من باطل لأن المختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا يخرج منه شيء.
ولما وصف سبحانه بواطنهم بما زهد فيهم لأن الإنسان بعقله كما أن المأكول بشكله، وكانت لهم أشكال تغر ناظرها لأن العرب كانت تقول: جمال المنظر يدل غالباً على حسن المخبر، قال تعالى: ﴿وإذا رأيتهم﴾ أي أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة
стр. 10329
أو أيها الرائي كائناً من كان بعين البصر ﴿تعجبك أجسامهم﴾ لضخامتها وصباحتها، فإن غايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق، قال ابن عباس ﵄: كان ابن أبي - يعني - الذي نزلت السورة بسببه - جسيماً فصيحاً صحيحاً ذلق اللسان، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ويستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان رسول الله ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم. ولما وصف البواطن والظواهر، وكان قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه مشروطاً كما هو ظاهر العبارة بمطابقة اللسان للقلب، قال معبراً بأداة الشك إشارة إلى أنهم لا يكلمونه ﷺ إلا اضطراراً لأنهم لا يحبون مكالمته ولا باعث لهم عليها لما عندهم من أمراض القلوب: ﴿وإن يقولوا﴾ أي يوجد منهم قول في وقت من الأوقات ﴿تسمع لقولهم﴾ أي لأنه يكون بحيث يلذذ السمع ويروق الفكر لما فيه من الادهان مع الفصاحة فهو يأخذ بمجامع القلب.
ولما أخبر عن ظاهرهم، دل على أن ذلك الظاهر أمر لا حقيقة له، وأنهم لما وطنوا أنفسهم على الوقاحة وخلعوا لباس الحياء بالكذب
стр. 10330
بذلوا جميع الجهد في تحسين القول لأنه لا درك عليهم فيه فيما يحسبون بوجه لأنهم لا يحسبون للآخرة حساباً فقال: ﴿كأنهم﴾ أي في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم وفي الجبن والخور وعدم الانتفاع بهم في شيء من فهم أو ثبات فإنهم لا حقيقة لهم ﴿خشب﴾ جمع كثرة لخشبة وهو دليل على كثرتهم. ولما كان الخشب ربما أطلق على المغروس، نفى ذلك بقوله منبهاً بالتشديد على الكثرة: ﴿مسندة﴾ أي قد قطعت من مغارسها وقشرت وأسندت إلى الجدر لئلا يفسدها التراب، فهي بيض تلوح تعجب ناظرها ولا ثبات لها ولا باطن بثمرة ولا سقي فلا مدد سماوي لها أصلاً يزكيها نوع زكاء فقد فقدت روح الإثبات الذي به كمالها كما فقد المنافق روح الإيمان الذي به كمال الناطق وبقاؤه، فهم في تلك الحالة أشباح بلا أرواح أجسام بلا أحلام.
ولما كان من يقول ما لا يفعل يصير متهماً لكل من يكلمه، لأنه لإخلافه له قد صار عدوه فيتوهم الناس كلهم أعداء له فيكسبه ذلك أشد الجبن، وذلك هو السبب الأعظم في تحسين قوله، قال: ﴿يحسبون﴾ أي لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم
стр. 10331
﴿كل صيحة﴾ أي من نداء مناد في انفلات دابة أو إنشاد ضالة، ونحو ذلك ﴿عليهم﴾ أي واقعة. ولما كان من يظن عداوة الناس له يكون هو عدواً لهم، قال نتيجة ما مضى: ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿العدو﴾ أي كامل العداوة بما دل عليه الإخبار بالمفرد الذي يقع على الجمع دون الجمع إشارة إلى أنهم - في شدة عداوتهم للاسلام وأهله وكمال قصدهم وشدة سعيهم فيه - على قلب واحد وإن أظهروا التودد في الكلام والتقرب به إلى أهل الإسلام، فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهو عيون لهم عليكم.
ولما بين ذلك من سوء أحوالهم سبب عنه قوله: ﴿فاحذرهم﴾ لأن أعدى الأعداء العدو المداحي الذي يكاشرك وتحت ظلوعه الداء الدوي، فإن من استشعر أنك عدو له بغى لك الغوائل، وأغلب من يعجبك قوله على هذا الوصف يكون، ولكنه يكون بلطف الله دائم الخذلان منكوساً في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسر قوله تعالى: ﴿قاتلهم الله﴾ أي أحلهم الملك المحيط علماً وقدرة محل من يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين.
ولما كان حالهم في غاية العجب في صرفهم عن الإسلام أولاً
стр. 10332
بالعمى عن الآيات الظاهرات، وثانياً عن الإخبار بأسرارهم، وخفي مكرهم وأخبارهم، وفي عدم صرفهم عما هم عليه من قبح السرائر وسوء الضمائر بتعكيس مقاصدهم، وتخييب مصادرهم في مكرهم ومواردهم، دل على ذلك بقوله: ﴿أنّى﴾ أي كيف ومن أيّ وجه ﴿يؤفكون *﴾ أي يصرفهم عن إدراك قبح ما هم عليه صارف ما كائناً ما كان ليرجعوا عنه إلى حسن الدين والأنس به وإدراك بركته وعظيم أثره.
ولما كان هذا أمراً عظيماً قاطعاً عن الله ورسوله فيحتاج فاعله حاجة شديدة إلى التطهير وهو جدير بعظمه أن لا يطهره غاية الطهر إلا سؤال النبي ﷺ وكانوا لم يفعلوا ذلك، دل على سوء بواطنهم وغلظ أكبادهم وأنهم كالخشب المسندة في أنهم لا ثمرة لهم ولا زكاء أصلاً بقوله: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي من أيّ قائل كان: ﴿تعالوا﴾ أي ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عالياً لعلو مكانته ﴿يستغفر لكم﴾ أي يطلب الغفران لأجلكم خاصة بعد أن تتولوا من ذنبكم من أجل هذا الكذب الذي أنتم مصرون عليه. ولما تقدم عاملان، أعمل الثاني منهما
стр. 10333
كما هو المختار من مذهب البصريين فرفع قوله: ﴿رسول الله﴾ أي أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لجوده ﴿لووا رؤوسهم﴾ أي فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضاً وعتواً وإظهاراً للبغض والنفرة، وبالغوا فيه مبالغة تدل على أنهم مغلوبون عليه لشدة ما في بواطنهم من المرض ﴿ورأيتهم﴾ أي بعين البصيرة ﴿يصدون﴾ أي يعرضون إعراضاً قبيحاً عما دعوا إليه مجددين لذلك كلما دعوا إليه، والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت ﴿وهم مستكبرون *﴾ أي ثابتو الكبر عما دعوا إليه وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار، فهم لشدة غلظتهم لا يدركون قبح ما هم عليه ولا يهتدون إلى دوائه، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ينبهون، فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين وقالوا: ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله ﷺ وتولوا إليه واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك فأنزل الله هذه الآية، وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه وقال لهم: أشرتم علي بالإيمان فآمنت وأشرتم عليّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد. ولما كان النبي ﷺ يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، فكان
стр. 10334
استغفاره بحيث يسأل عنه، قال منبهاً على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون. ﴿سواء﴾ أي غلب واستعلى هذا الاستواء الذي عالجوا أنفسهم عليه حتى تخلقوا به فصار مجرداً عن أدنى ميل وكلفة ﴿عليهم﴾ .
ولما كان قد سلخ في هذا السياق عن الهمزة معنى الاستفهام كان معنى ﴿استغفرت لهم﴾ أي في هذا الوقت ﴿أم لم تستغفر لهم﴾ أي فيه أو فيما بعده - مستو عندهم استغفارك لهم وتركه، لأنه لا أثر له عندهم، ولهذا كانت نتيجته - عقوبة لهم - النفي المبالغ فيه بقوله: ﴿لن يغفر الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لهم﴾ ولعل التعبير بالاستفهام بعد سلخ معناه للاشارة إلى أنهم لو شاهدوا الملك يستفهمك عن ذلك ما ردهم عن نفاقهم وما زادهم ذلك على ما عندهم شيئاً، وكان النبي ﷺ قيد هذه الآية بآية براءة المحتملة للتخيير وأنه إن زاد على السبعين كان الغفران مرجواً، فاستجاز بذلك الصلاة على ابن أبي رأس المنافقين والاستغفار له لما عنده ﷺ من عظيم الشفقة على عباد الله ومزيد الرحمة لهم ولا سيما من كان في عداد أصحابه والأنصار رضي الله عنهم
стр. 10335
به عناية.
ولما كان التقدير لتعليل المبالغة في الإخبار بعد الغفران لهم: لأن فسقهم قد استحكم فصار وصفاً لهم ثابتاً، عبر عن ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿لا يهدي القوم﴾ أي الناس الذي لهم قوة في أنفسهم على ما يريدونه ﴿الفاسقين *﴾ لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق والخروج عن مظنة الإصلاح.
стр. 10336
ولما كان هذا داعياً إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به، قال مبيناً له: ﴿هم﴾ أي خاصة بواطنهم ﴿الذين يقولون﴾ أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير محققين بتصريف الأحكام، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور الله فتواصوا فيما بينهم بقولهم: ﴿لا تنفقوا﴾ أيها المخلصون في النصرة ﴿على من﴾ أي الذين ﴿عند رسول الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين، وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكماً وإشارة إلى أنه لو كان رسوله
стр. 10337
وهو الغنى المطلق لأغنى أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس عليهم، وما درى الأغبياء أن ذلك امتحان منه سبحانه لعباده - فسبحان من يضل من يشاء - حتى يكون كلامه أبعد شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف يصدر ذلك من أحد، أو أن هذه ليست عبارتهم وهو الظاهر، وعبر سبحانه عنهم بذلك إشارة إلى أن كلامهم يؤول إلى إرادة ضر من الله معه توقيفاً على كفرهم وتنبيهاً على أن من أرسل رسولاً لا يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما يهمه من غير افتقار إلى شيء أصلاً، فقد أرسل سبحانه إليه ﷺ بمفاتيح خزائن الأرض فأباها وما كفاهم هذا الجنون حتى زادوه ما دل على أنهم ظنوا أن أبواب الرزق تغلق إذا امتنع المنفقون من الناس عن إنفاقهم، وعبروا بحرف غاية ليكون لما بعده حكم ما قبله فقالوا: ﴿حتى ينفضوا﴾ أي يتفرقوا تفرقاً قبيحاً فيه كسر فيذهب أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك، قال الحرالي: «حتى» كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى «إلى» ، وقال أهل العربية: لا يجر بها إلى آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في ﴿حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] وحتى آخر الليل، ولا تقولوا: حتى نصف الليل، وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك
стр. 10338
أتاح الله غيرهم للانفاق، أو أمر رسوله ﷺ فدعا في الشيء اليسير فصار كثيراً، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلاًّ يسيراً من طعام على كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير عائشة وعكة أم أيمن ﵃ وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة، ولكن ليس لمن يضل الله من هاد، ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله: ﴿ولله﴾ أي قالوا ذلك واستمروا على تجديد قوله والحال أن للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو الآمر الناهي ﴿خزائن السماوات﴾ أي كلها ﴿والأرض﴾ كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدرة «إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ما يشاء حتى من أيديهم، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يد غيره، ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم: إن كان محمد صادقاً فنحن شر من البهائم، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿ولكن المنافقين﴾ أي العريقين في وصف النفاق.
ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن كثير منهم أنهم حصلوه بقوتهم، عبر بالفقه الأخص من العلم فقال: ﴿لا يفقهون *﴾ أي
стр. 10339
لا يتجدد لهم فهم أصلاً لأن البهائم إذا رأت شيئاً ينفعها يوماً ما في مكان طلبته مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق البركات على يد رسول الله ﷺ فلم ينفعهم ذلك، فمن رأى أن رزقه بيد الخلق فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برئ من القرآن، ودل على عدم فقههم بقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ أي يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره: ﴿لئن رجعنا﴾ أي نحن أيتها العصابة المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا فيها من نصرة النبي ﷺ ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع وهو ماء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه - ﴿إلى المدينة﴾ ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم: ﴿ليخرجن الأعز﴾ يعنون أنفسهم ﴿منها الأذل﴾ وهم كاذبون في هذا، لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين ﴿ولله﴾ أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له وحده عز الإلهية ﴿العزة﴾ كلها، فهو قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه.
стр. 10340
ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول، أخبر أنه يعطي منها من أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله: ﴿ولرسوله﴾ لأن عزته من عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله، وكذلك أيضاً أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله: ﴿وللمؤمنين﴾ أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً لأن عزتهم بعزة الولاية، ونصر الله إياهم عزة لرسولهم ﷺ ، ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل.
ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله ﷺ ومن تابعه ﵃ وإعلائهم على كل من ناواهم، قال منبهاً على ذلك: ﴿ولكن المنافقين﴾ أي الذي استحكم فيهم مرض القلوب.
ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على أحد لما تحقق من قهره للملوك وغيرهم بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه ولا المنازعة فيه، ومن المنع من أكثر المرادات، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك، وبأنه سبحانه ما قال شيئاً إلا تم ولا قالت الرسل شيئاً إلا صدقهم فيه، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال: ﴿لا يعلمون *﴾ أي لا لأحد لهم علم الآن، ولا يتجدد
стр. 10341
في حين من الأحيان، فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف، وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسببه إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال: أنت والله الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز، ولما دنوا من المدينة الشريف جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته. وزجرها إلى ورائها وقال: إياك وراءك والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ ولئن لم تقر بأن رسول الله ﷺ الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك، قال: أفاعل أنت؟ قال: نعم، قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وشكا ولده إلى رسول الله ﷺ فأمره أن يدعه يدخل المدينة، فأطلق فدخل.
стр. 10342
ولما كان هذا الذي حكاه عن المنافقين بحيث يعجب غاية العجب من تصور قائله له فضلاً عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده، نبه على أن العلة الموجبة له طمس البصيرة، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدنيا رجوعاً على إيضاح ما تقدم في
стр. 10343
نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب ﵁ وفعل من انصرف عن خطبة لتلك العير، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة، ولو بأن تؤثر أثراً ما ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما، فقال منادياً لمن يحتاج إلى ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم مذعنة كظواهرهم ﴿لا تلهكم أموالكم﴾ ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى التأكيد قال: ﴿ولا أولادكم﴾ أي لا تقبلوا على شيء من ذلك بجميع قلوبكم إقبالاً يحيركم سواء كان ذلك في إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون ﴿عن ذكر الله﴾ أي من توحيد الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء فله الملك وله الحمد يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فإذا كان العبد ذاكراً له بقلبه دائماً لم يقل كقول المنافقين ﴿لا تنفقوا﴾ [المنافقين: ٧] ولا ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقين: ٨] لعلمه أن الأمر كله لله، وأنه لن يضر الله شيئاً، ولا يضر بذلك إلا نفسه، وهذا يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم وغير ذلك، ولإرادة المبالغة في النهي وجّه النهي إلى الأموال والأولاد بما المراد منه نهيهم.
стр. 10344
ولما كان التقدير: فمن انتهى فهو من الفائزين، عطف عليه قوله: ﴿ومن يفعل﴾ أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل ﴿ذلك﴾ أي الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل ﴿فأولئك﴾ أي البعداء عن الخير ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرون *﴾ أي العريقون في الخسارة حتى كأنهم كانوا مختصين بها دون الناس، وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر إليهم والإقبال عليهم من السعي للتكثير والزيادة والتوفير، وفي إفهامه أن من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عنه إضاعته وتوعده عليها كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده على ذلك، فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره ديناً ودنيا، وتوجه إليه في جميع نوائبه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلاً فاستراح من المخاوف، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حراً.
ولما حذر من الإقبال على الدنيا، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال: ﴿وأنفقوا﴾ أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب، وزاد في الترغيب بالرضى منهم باليسير مما هو كله له بقوله: ﴿من ما رزقناكم﴾
стр. 10345
أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات الجار، فقال مرغباً في التأهب للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل، محذراً من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة: ﴿من قبل﴾ وفك المصدر ليفيد «أن» مزيد القرب فقال: ﴿أن يأتي﴾ ولما كان تقديم المفعول كما تقدم في النساء أهول قال: ﴿أحدكم الموت﴾ أي برؤية دلائله وأماراته، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته. ولما كانت الشدائد تقتضي الإقبال على الله، سبب عن ذلك بقوله: ﴿فيقول﴾ سائلاً في الرجعة، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله: ﴿رب لولا﴾ أي هل لا ولم لا ﴿أخرتني﴾ أي أخرت موتي إمهالاً لي ﴿إلى أجل﴾ أي زمان، وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا بقوله: ﴿قريب فأصدق﴾ أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله، قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قال بعض العارفين: إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها
стр. 10346
ويتدارك تفريطه، يقول: يا ملك الموت! أخرني يوماً أعتذر فيه إلى ربي وأتوب وأتزود فيها صالحاً لنفسي، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، فذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً فلا يقبل المحو، الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، فيأتي الله تعالى بقلب غير سليم، والقلب أمانة الله عند عبده، قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى عبده سرين على سبيل الإلهام: أحدهما إذا خرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني، والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك
стр. 10347
هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب.
ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ليكون أفضل، أو يكون إدغامها اختصاراً لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز في القول كما طلب في الزمن، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو ﴿وأكن﴾ بالجزم عطفاً على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره، فإن حال هذا الذي أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن «أخرتني أتصدق» ولكنه حذفه لضيق المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع، فإن الجازم غير موجود، ومعنى ما قال غيره أن «لولا» لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ومعنى الشرط، فكأنه قيل: أخرني، فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزوماً لفظاً والمقرون بها مجزوماً محلاً ف «اكن» عطف على المحل، ونصب أبو عمرو عطفاً على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه «لولا» وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره لأنه قال: إنها للاختصار، وهو ظاهر، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد، ومن هنا تعرف جلالة
стр. 10348
القراء ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق رسم المصحف ولو احتمالاً ﴿من الصالحين *﴾ أي العريقين في هذا الوصف العظيم، وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكداً لأجل عظيم الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفاً على ما تقديره: فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد: ﴿ولن﴾ ويجوز أن تكون الجملة حالاً أي قال ذلك والحال أنه لن ﴿يؤخر الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه ﴿نفساً﴾ أي أيّ نفس كانت، وحقق الأجل بقوله: ﴿إذا جاء أجلها﴾ أي وقت موتها الذي حده الله لها فلا يؤخر الله نفس هذا القائل لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. ولما كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها: الله عالم فإنه يقول ذلك، عطف عليه قوله حاثاً على المسارعة إلى الخروج عن عهدة الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذراً من الإخلال ولأنه لا تهديد كالعلم: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الشاملة علماً وقدرة ﴿خبير﴾ أي بالغ الخبرة والعلم ظاهراً وباطناً ﴿بما تعملون *﴾ أي توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي يقوله ومن غيره منه ومن غيره
стр. 10349
أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور بالخطاب، وعلى قراءة أبي بكر عن عاصم بالغيب يمكن أن يراد المنافقون، ويمكن أن يعم فيكون الضمير للنفس على المعنى ويمكن أن يكون الضمير للناس على الالتفات للإعراض تخويفاً لهم، ولذلك علم سبحانه كذب المنافقين في أنهم يعتقدون ما شهدوا به في أمر الرسالة وعلم جميع ما قص من أخبارهم ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] والله أعلم.
стр. 10350
لما ختمت تلك بإثبات القهر بنفوذ الأمر وإحاطة العلم، افتتح هذه بإحاطة الحمد ودوام التنزه عن كل شائبة نقص، إرشاداً إلى النظر في أفعاله والتفكر في مصنوعاته لأنه الطريق إلى معرفته، وأما معرفته بكنه الحقيقة فمحال فإنه لا يعرف الشيء كذلك إلا مثله ولا مثل له، فقال مؤكداً لما أفهمه أول الجمعة: ﴿يسبح﴾ أي يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار ﴿لله﴾ الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿ما في السماوات﴾ الذي من جملته الأراضي وما فيها فلا يريد من شيء منه شيئاً إلا كان على وفق الإرادة، فكان لذلك الكون والكائن
стр. 10351
شاهداً له بالبراءة عن كل شائبة نقص.
ولما كان الخطاب مع من تقدم في آخر المنافقين ممن هو محتاج إلى التأكيد، قال مؤكداً بإعادة الموصول: ﴿وما في الأرض﴾ أي كذلك بدلالتها على كماله واستغنائه، وقد تقدم أن موافقة العاقل للأمر مثل موافقة غير العاقل للارادة، فعليه أن يهذب نفسه غاية التهذيب فيكون في طاعته بامتثال الأوامر كطاعة غير العاقل في امتثاله لما يراد منه.
ولما ساق سبحانه ذلك الدليل النقلي كمال نزاهته على وجه يفهم الدليل العقلي لمن له لب كما قال علي ﵁: لا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وذلك لكونه سبحانه جعلهم مظروفين كما هو المشاهد، والمظروف محتاج لوجود ظرفه قبله فهو عاجز فهو مسبح دائماً إن لم يكن بلسان قاله كان بلسان حاله، وصانعه الغني عن الظرف فغيره سبوح، علل ذلك بقوله: ﴿له﴾ أي وحده ﴿الملك﴾ أي كله مطلقاً في الدنيا والآخرة، وهو السيادة العامة للخاص والعام والسياسة العامة بركنيها دفع الشرور وجلب الخيور الجالب للسرور
стр. 10352
والحبور من الإبداع والإعدام، فهو أبلغ مما في الجمعة، فإن الملك قد يكون ملكاً في الصورة، وذلك الملك الذي هو ظاهر فيه لغيره، فداوم التسيبح الذي اقتضته عظمة الملك هنا أعظم من ذلك الدوام.
ولما أتبعه في الجمعة التنزيه عن النقص، أتبعه هنا الوصف بالكمال فقال: ﴿وله﴾ أي وحده ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها فلذلك ينزهه جميع مخلوقاته، فمن فهم تسبيحها فذلك المحسن، ومن كان في طبعه وفطرته الأولى بالفهم ثم ضيعه يوشك أن يرجع فيفهم، ومن لم يهيأ لذلك فذلك الضال الذي لا حيلة فيه ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿على كل شيء﴾ أيّ شيء ممكن أن يتعلق به المشيئة ﴿قدير *﴾ لأنه وحده بكل شيء مطلقاً عليم، لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الأشياء كلها على حد سواء وهذا واضح جداً، ولأن من عرف نفسه بالنقص عرف ربه بالكمال وقوة السلطان والجلال.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما بسط في السورتين قبل من حال من حمل التوراة من بني إسرائيل ثم لم يحملها، وحال المنافقين المتظاهرين بالإسلام، وقلوبهم كفرا وعناداً متكاثفة الإظلام، وبين خروج الطائفتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هدى الدين القويم، وأوهم ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسماً ينبىء عن عظيم ذلك الإبعاد، سوى ما
стр. 10353
تناول غيرهم من أحزاب الكفار، فأنبأ تعالى عن أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى طريقين فقال تعالى ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن: ٢] وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات، وأهل الكفر ذو طبقات، وأهل النفاق أدونهم حالاً وأسوأهم كفراً وضلالاً «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» وافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين في جهلهم ولو لم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى من قولهم ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقين: ٨] وقد أشار قوله تعالى ﴿يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور﴾ [التغابن: ٤] إلى ما قبله وبعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم حرمانهم في قولهم بألسنتهم مما لم تنطو عليه قلوبهم ﴿والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقين: ١] واتخاذهم أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله إلى ما وصفهم سبحانه به، فافتتح سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه سبحانه ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم﴾ [التوبة: ٧٨] ثم قال تعالى: ﴿ويعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ [التغابن: ٤] فقرع ووبخ في عدة آيات ثم
стр. 10354
أشار إلى ما منعهم من تأمل الآيات، وصدهم عن اعتبار المعجزات، وأنه الكبر المهلك غيرهم، فقال تعالى مخبراً عن سلفهم في هذا المرتكب، ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب ﴿ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا﴾ [التغابن: ٦] ثم تناسج الكلام معرفاً بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى قوله ﴿وبئس المصير﴾ [التغابن: ١٠] ومناسبة ما بعد يتبين في التفسير بحول الله - انتهى.
ولما كان أعظم الدلائل عليه سبحانه آيات الآفاق ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ وآيات الأنفس، وقدم الأول علويه وسفليه لوضوحه، أتبعه الثاني دليلاً على عموم قدرته الدال على تمام ملكه بأنه المختص بالاختراع لأعجب الأشياء خلقاً والحمل على المكاره فقال: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الذي خلقكم﴾ أي أنشأكم على ما أنتم عليه بأن قدركم وأوجدكم بالحق على وفق التقدير خلافاً لمن أنكر ذلك من الدهرية وأهل الطبائع.
ولما كان قد تقدم في سورة المنافقين ما أعلم أنهم فريقان، عرف في هذه أن ذلك مسبب عن إبداعه لأن من معهود الملك أن يكون في مملكته الولي والعدو والمؤالف والمخالف والطائع والعاصي والملك ينتقم ويعفو ويعاقب ويثيب ويقدم ويؤخر ويرفع ويضع، ولذلك قال ﷺ
«لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» أخرجه مسلم والترمذي عن
стр. 10355
أبي أيوب ﵁، فقال تعالى مقدماً للعدو إشارة إلى أنه عالم به وقادر عليه، وما كان منه شيئاً إلا بإرادته، وفيه تلويح إلى أنه الأكثر ومع كثرته هو الأضعف، لأن الله تعالى ليس معه بمعونته وإلا لأعدم الصنف الآخر: ﴿فمنكم﴾ أي فتسبب عن خلقه لكم وتقديره لأشباحكم التي تنشأ عنها الأخلاق إن كان منكم بإبداعه لصفاتكم كما أبدع لذواتكم ﴿كافر﴾ أي عريق في صفة الكفر مهلك نفسه بما هيأه لاكتسابه ويسره له بعد ما خلقه في أحسن تقويم على الفطرة الأولى، وفي الحديث أن الغلام الذي قتله الخضر ﵇ طبع كافراً فمعنى أن فطرته الأولى خلقت مهيأة للكفر، فإن الأفعال عامة وخاصة، فالخاصة تضاف إلى العبد يقال: صلى وصام وآمن وكفر، والعامة تضاف إلى الله تعالى فيقال: أوجد القدرة على الحركة والسكون وخلق الحركة والسكون، والأفعال الخاصة متعلق الأمر والنهي ﴿ومنكم مؤمن﴾ أي راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل منج نفسه بالأعمال الصالحة التي طابق بها العلم الأزلي، فهو سبحانه خلق الكافر وخلق كفره فعلاً له، والمؤمن وإيمانه فعلاً له، لأنه خلق القدرة
стр. 10356
والاختيار وغيب أمر العاقبة، فكل منهما يكتب باختياره بتقدير الله، ولا يوجد من كل منهما إلا ما قدره عليه وأراده منه لأن وجود غير المقدور عجز، وخلاف المراد المعلوم جهل، وقد علم من هذه القسمة علماً قطعياً أن أحد القسمين مبطل ضال مخالف لأمر الملك الذي ثبت ملكه، ومن المعلوم قطعاً أن كل ملك لا بدّ له أن يحكم بين رعيته في الأمر الذي اختلفوا فيه وينصف المظلوم من ظالمه، ومن المشاهد أن بعضهم يموت على كفرانه من غير نقص يلحقه، وبعضهم على إيمانه كذلك، فعلم أن هذه الدار ليست دار الفصل، وأن الدار المعدة له إنما هي بعد الموت والبعث، وهذا مما هو مركوز في الطبائع لا يجهله أحد، ولكن الخلق أعرضوا عنه بما هم فيه من القواطع، فصار مما لا يخطر بإنكارهم، فصار بحيث لا تستقل به عقولهم، ولكنهم إذا ذكروا به وأوضحت لهم هذه القواطع التي أشار سبحانه إليها وجردوا النفس عن الحظوظ والمرور مع الألف عدوه كلهم من الضروريات، وعلم ن تسبيبه تقسيمهم هذا عن تقديره وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره.
ولما كان التقدير: فالذي أبدعكم وحملكم على ذلك وفاوت بينكم
стр. 10357
على كل شيء قدير، عطف عليه قوله تعالى: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة بفعله ذلك، وقدم الجار لا للتخصيص بل إشارة إلى مزيد الأعتناء كما تقول لمن سألك: هل تعرف كذا، وظهر منه التوقف في علمك له: نعم أعرفه ولا أعرف غيره، فقال: ﴿بما تعملون *﴾ أي توقعون عمله كسباً ﴿بصير *﴾ أي بالغ العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافاً للقدرية لأنه لا يتصور أن يخلق الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر، فيكف لو سئل أين موضع مشيه ومتى زمانه فكيف وإنه ليمشي أكثر مشيه وهو غافل عنه، ومن جهل أفعاله كماً وكيفاً وأيناً وغير ذلك لم يكن خالقاً لها بوجه.
ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالاً على تمام إحاطته بالبواطن، والظواهر بأنه يخلق الشيء العظيم جداً فيأتي على وفق الإرادة ثم لا يحتاج إلى أن يزاد فيه ولا أن ينقص منه فقال: ﴿خلق السماوات﴾ التي هي السقف لبيت عبيد الملك على كبرها وعلوها كطا ترون ﴿والأرض﴾ التي هي قرار بيتهم ومهاده على سعتها وما فيها من المرافق والمعاون ﴿بالحق﴾ أي بالأمر الذي يطابقه الواقع فلا زائداً عنه ولا ناقصاً بل جاء الواقع منها مطابقاً لما أراد سواء لا كما يريد أحدنا الشيء فإذا
стр. 10358
أوجده لم يكن على وفق مراده سواء، وبسبب إظهار الأمر الثابت وإبطال الباطل فهو خالق المسكنين: الدنيوي والأخروي، خلافاً لمن لا يقول بذلك من صابىء وفلسفي وغيرهم.
ولما كان أهل الطبائع يقولون: إن الأفلاك لها تأثير بحسب الذات والطبع، قال نافياً لذلك مذكراً بنعمته لتشكر: ﴿وصوركم﴾ أي أيها المخاطبون على صور لا توافق شيئاً من صور العلويات ولا السفليات ولا فيها صورة توافق الأخرى من كل وجه ﴿فأحسن صوركم﴾ فجعلها أحسن صور الحيوانات كلها كما هو مشاهد في الدنيا وكذا في الآخرة خلافاً لأهل التناسخ مع أن وضعها في نفسها أحسن الأوضاع، لو غير شيء منها عن مكانه إلى شيء مما نعلمه فحصلت البشاعة به مع تفضيل الآدمي بتزيينه بصفوة أوصاف الكائنات وجعل سبحانه أعضاء متصرفة بكل ما يتصرف به أعضاء سائر الحيوان مع زيادات اختص بها الآدمي إلى حسن الوجه وجمال الجوارح، فهو أحسن بالنسبة إلى النوع من حيث هو هو، وبالنسبة إلى الأفراد في نفس الأمر وإن كان بعضها أحسن من بعض، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه، ولذا قال الحكماء، شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان، فخلق الانسان في أحسن تقويم لا ينفي أن يكون
стр. 10359
للنوع الذي جعل أحسن أفراد أنواع لما فوقه من الجنس، لا نهاية لأحسنية بعضها بالنسبة إلى بعض يشاهد ما وجد من أفراد نوعه من الذوات فقدرة الله لا تتناهى، فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الإمام الغزالي أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإن كان قد علم أنه اعترض عليه في ذلك وأجاب عنه في الكتاب الذي أجاب فيه عن أشياء اعترض عليه فيها فإنه لا عبرة بذلك الجواب أيضاً، فإن ذلك ينحل إلى أنه لا يقدر على أن يخلق أحسن من هذا العالم، وهذا لا يقوله أحد، وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد كما قال الإمام مالك ﵁، وعزاه الغزالي بنفسه إلى ابن عباس ﵄، وقال الإمام الشافعي ﵁ وأرضاه: صنفت هذه الكتاب وما ألوت فيها جهداً وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول:
﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] .
ولما كان التقدير: فكان منه سبحانه المبدأ، عطف عليه قوله: ﴿وإليه﴾ أي وحده ﴿المصير *﴾ أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن كان على الفطرة الأولى لم يغيرها أدخله الجنة، ومن كان قد أفسدها فجعل روحه نفساً بما طبعها به من حيث جسده أدخله
стр. 10360
النار، وفي الدنيا أيضاً بانفراده بالتدبير، فلا يكون من الملك والسوقة إلا ما يريد، لا ما يريد ذلك المريد الفاعل.
стр. 10361
ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده، لا فعل فيه لطبيعة ولا غيرها، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام العلم فهو ناقص القدرة فقال: ﴿يعلم﴾ أي علمه حاصل في الماضي والحال والمآل يتعلق بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها ﴿ما﴾ أي الذي أو كل شيء ﴿في السماوات﴾ كلها.
ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلاً للاعتقاد، والتحلي بحلية أهل السداد، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال: ﴿والأرض﴾ ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف، وكان الاطلاع على أحوال العقلاء أصعب، قال مؤكداً بإعادة العامل: ﴿ويعلم﴾ أي على سبيل الاستمرار ﴿ما تسرون﴾
стр. 10362
أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد. ولما كانت لدقتها وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها، وكان الإعلان ربما خفي لكثرة لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال: ﴿وما تعلنون﴾ من الكليات والجزيئات خلافاً لمن يقول: يعلم الكليات الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات إلا بعد وجودها، من فلسفي وغيره، ولمن يقول: يعلم الكليات خاصة. ولما ذكر حال المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور، وكان أمرها أعجب من أمر غيرها، قال مصرحاً بها إشارة إلى دقة أمرها مظهراً موضع الإضمار تعظيماً: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة لكل كمال ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم ﴿بذات﴾ أي صاحبة ﴿الصدور *﴾ من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أو لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي، لأن نسبة المقتضي لعلمه وهو وجود ذاته على ما هي عليه من صفات الكمال إلى الكل على حد سواء، فراقبوه في الإخلاص وغيره مراقبة من يعلم أنه بعينه لا يغيب عنه واحذروا أن يخالف السر العلانية، فإن حقه أن يتقي ويحذر، وتكرير العلم في معنى
стр. 10363
تكرير الوعيد وتقديم تقرير القدرة على تقريره لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولاً وبالذات، وكمال قدرته يستلزم كمال علمه لأن من لا يكمل علمه لا تتم قدرته، فلا يأتي مصنوعه محكماً.
ولما تقرر الإيمان به من أنه الملك الذي له وحده الملك، وأشار بما يشاهد من انقسام عبيده إلى مؤمن وكافر إلى أنه لا من الأخذ على يد الظالم منهما كما هي عادة الملوك، لا يسوغ في الحكمة ولا في العادة غير ذلك، وأخبر أن علمه محيط لنسبته إلى العلويات والسفليات والظواهر والبواطن على حد سواء، أتبع ذلك وجوب الإيمان برسله لجمع الكلمة عليه سبحانه لنكمل الحياة بإصلاح ذات البين لئلا يقع الخلاف فتفسد الحياة ووجوب الاعتبار لمن مضى من أممهم، فمن لم يعتبر عثر على مهواه من الأمل، ودل عليه بإهلاكه من خالفهم إهلاكاً منسقاً في خرقه للعادة وخصوصه لهم على وجه مقرر ما مضى من انفراده بالملك معلم أن الكفرة هم المبطلون فقال: ﴿ألم يأتكم﴾ أي أيها الناس ولا سيما الكفار لتعلموا أنه شامل العلم محيط القدرة ينتقم من المسيء ﴿نبؤا الذين﴾ وعبر بما يشمل شديد الكفر وضعيفه فقال: ﴿كفروا﴾ أي خبرهم العظيم.
ولما كان المهلكون على ذلك الوجه بعض الكفار وهم الذين أرسل إليهم الرسل، فلم يستغرقوا ما مضى من الزمان قال: ﴿من قبل﴾
стр. 10364
كالقرون المذكورين في الأعراف، ثم سبب عن كفرهم وعقب قوله: ﴿فذاقوا﴾ أي باشروا مباشرة الذائق بالعدل الثاني كما كان حكم عليهم بالعدل الأول بالتقسيم إلى كافر ومؤمن ﴿وبال أمرهم﴾ أي شدة ما كانوا فيه مما يستحق أن يشاور فيه ويؤمر وينهى وثقله ووخامة مرعاه في الدنيا، وأصله الثقل كيفما قلب ﴿ولهم﴾ أي مع ما ذاقوه بسببه في الدنيا ﴿عذاب أليم *﴾ في البرزخ ثم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم.
стр. 10365
ولما ذكر ما أحله بهم سبحانه وأشار إلى القطع بأنه من عنده باتساقه في خرقه العوائد بالاستئصال والخصوص لمن كذب الرسل والتنجية لمن صدقهم، علله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق. ولما لم يكن مقصودها كمقصود غافر من تصنيف الناس صنفين، وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على الساعة اكتفى بضمير الشأن فقال: ﴿بأنه﴾ أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ في الفظاعة ﴿كانت تأتيهم﴾ على عادة مستمرة ﴿رسلهم﴾ أي رسل الله الذين أرسلهم إليهم وخصهم بهم ليكونوا موضع سرورهم بهم ﴿بالبينات﴾ أي الأمور التي توضح غاية الإيضاح أنهم رسل الله من الكتب وغيرها، فشهدوا الأمر من معدنه، فلذلك كان عذابهم أشد.
следующие страницы →