← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.

стр. 10361

ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده، لا فعل فيه لطبيعة ولا غيرها، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام العلم فهو ناقص القدرة فقال: ﴿يعلم﴾ أي علمه حاصل في الماضي والحال والمآل يتعلق بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها ﴿ما﴾ أي الذي أو كل شيء ﴿في السماوات﴾ كلها. ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلاً للاعتقاد، والتحلي بحلية أهل السداد، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال: ﴿والأرض﴾ ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف، وكان الاطلاع على أحوال العقلاء أصعب، قال مؤكداً بإعادة العامل: ﴿ويعلم﴾ أي على سبيل الاستمرار ﴿ما تسرون﴾

стр. 10362

أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد. ولما كانت لدقتها وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها، وكان الإعلان ربما خفي لكثرة لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال: ﴿وما تعلنون﴾ من الكليات والجزيئات خلافاً لمن يقول: يعلم الكليات الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات إلا بعد وجودها، من فلسفي وغيره، ولمن يقول: يعلم الكليات خاصة. ولما ذكر حال المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور، وكان أمرها أعجب من أمر غيرها، قال مصرحاً بها إشارة إلى دقة أمرها مظهراً موضع الإضمار تعظيماً: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة لكل كمال ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم ﴿بذات﴾ أي صاحبة ﴿الصدور *﴾ من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أو لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي، لأن نسبة المقتضي لعلمه وهو وجود ذاته على ما هي عليه من صفات الكمال إلى الكل على حد سواء، فراقبوه في الإخلاص وغيره مراقبة من يعلم أنه بعينه لا يغيب عنه واحذروا أن يخالف السر العلانية، فإن حقه أن يتقي ويحذر، وتكرير العلم في معنى

стр. 10363

تكرير الوعيد وتقديم تقرير القدرة على تقريره لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولاً وبالذات، وكمال قدرته يستلزم كمال علمه لأن من لا يكمل علمه لا تتم قدرته، فلا يأتي مصنوعه محكماً. ولما تقرر الإيمان به من أنه الملك الذي له وحده الملك، وأشار بما يشاهد من انقسام عبيده إلى مؤمن وكافر إلى أنه لا من الأخذ على يد الظالم منهما كما هي عادة الملوك، لا يسوغ في الحكمة ولا في العادة غير ذلك، وأخبر أن علمه محيط لنسبته إلى العلويات والسفليات والظواهر والبواطن على حد سواء، أتبع ذلك وجوب الإيمان برسله لجمع الكلمة عليه سبحانه لنكمل الحياة بإصلاح ذات البين لئلا يقع الخلاف فتفسد الحياة ووجوب الاعتبار لمن مضى من أممهم، فمن لم يعتبر عثر على مهواه من الأمل، ودل عليه بإهلاكه من خالفهم إهلاكاً منسقاً في خرقه للعادة وخصوصه لهم على وجه مقرر ما مضى من انفراده بالملك معلم أن الكفرة هم المبطلون فقال: ﴿ألم يأتكم﴾ أي أيها الناس ولا سيما الكفار لتعلموا أنه شامل العلم محيط القدرة ينتقم من المسيء ﴿نبؤا الذين﴾ وعبر بما يشمل شديد الكفر وضعيفه فقال: ﴿كفروا﴾ أي خبرهم العظيم. ولما كان المهلكون على ذلك الوجه بعض الكفار وهم الذين أرسل إليهم الرسل، فلم يستغرقوا ما مضى من الزمان قال: ﴿من قبل﴾

стр. 10364

كالقرون المذكورين في الأعراف، ثم سبب عن كفرهم وعقب قوله: ﴿فذاقوا﴾ أي باشروا مباشرة الذائق بالعدل الثاني كما كان حكم عليهم بالعدل الأول بالتقسيم إلى كافر ومؤمن ﴿وبال أمرهم﴾ أي شدة ما كانوا فيه مما يستحق أن يشاور فيه ويؤمر وينهى وثقله ووخامة مرعاه في الدنيا، وأصله الثقل كيفما قلب ﴿ولهم﴾ أي مع ما ذاقوه بسببه في الدنيا ﴿عذاب أليم *﴾ في البرزخ ثم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم.

стр. 10365

ولما ذكر ما أحله بهم سبحانه وأشار إلى القطع بأنه من عنده باتساقه في خرقه العوائد بالاستئصال والخصوص لمن كذب الرسل والتنجية لمن صدقهم، علله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق. ولما لم يكن مقصودها كمقصود غافر من تصنيف الناس صنفين، وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على الساعة اكتفى بضمير الشأن فقال: ﴿بأنه﴾ أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ في الفظاعة ﴿كانت تأتيهم﴾ على عادة مستمرة ﴿رسلهم﴾ أي رسل الله الذين أرسلهم إليهم وخصهم بهم ليكونوا موضع سرورهم بهم ﴿بالبينات﴾ أي الأمور التي توضح غاية الإيضاح أنهم رسل الله من الكتب وغيرها، فشهدوا الأمر من معدنه، فلذلك كان عذابهم أشد.

стр. 10366

ولما كان قد أودع الإنسان من جملة ما منحه به خاصة لطيفة وهي العزة وحب الكبر والعلو، فمن وضعها موضعها بالتكبر على من أمر الله بالتكبر عليه وهم شياطين الإنس والجن ممن عصاه سبحانه نجا، ومن وضعها في غير موضعها بالتكبر على أولياء الله رب العزة هلك، بين تعالى أن الكفار وضعوها في غير موضعها: ﴿فقالوا﴾ أي الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبراً: ﴿أبشر﴾ أي هذا الجنس وهو مرفوع على الفاعلية لأن الاستفهام يطلب الفعل، ولما كان تكذيب الجمع أعظم، وكان لو أفرد الضمير لم يكن له روعة الجمع قال: ﴿يهدوننا﴾ فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم ﴿فكفروا﴾ بذلك عقب مجيء الرسل وبسببه من غير نظر وتفكر وأدنى تأمل وتبصر حسداً للرسل لكونهم مساوين لهم في البشرية فاستبعدوا أن يخصوا من بينهم بأمر ولا سيما إن كان عظيماً جداً، فلزمهم ارتكاب أقبح الأمور وهو استبعاد أن يكون النبي بشراً مع الإقرار بأن يكون الإله حجراً ﴿وتولوا﴾ أي كلفوا أنفسهم خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن الرسل بعد إنكار رسالتهم لشبهة قامت عندهم، وذلك أنهم قالوا: إن الله عظيم لا يشبه البشر فينبغي أن يكون رسله من غير البشر، ولو تأملوا حق التأمل لعلموا أن هذا

стр. 10367

هكذا، وأن الرسل إنما هي ملائكة، لكن لما كان لا يقوى جميع البشر على رؤية الملائكة كما هو مقتضى العظمة التي توهموها ولم يثبتوها على وجهها، خص سبحانه من البشر ناساً وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوى زائدة طوقهم بها على معالجتهم، فأتوا إليهم ليكونوا واسطة بين الله وبين خلقه لأن بعض الجنس أميل إلى بعض وأقبل. ولما كان هذا كله إنما هو لمصالح الخلق لا يعود على الله وعز شأنه نفع من وجوده ولا يلحقه ضرر من عدمه ولا بالعكس، نبه على ذلك بقوله ﴿واستغنى الله﴾ أي فعل الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه فعل من يطلب الغنى عنهم وأوجده إيجاداً عظيماً ممن هداه لاتباع الرسل فأعرض عنهم حين أعرضوا عن رسله فضرهم إعراضه عنهم ولم يضره إعراضهم وما ضروا إلا أنفسهم وأطلق الاستغناء ليعم كل شيء. ولما كان التعبير بذلك قد يوهم حدوث ما لم يكن له، نفى ذلك بقوله مظهراً زيادة في العظمة: ﴿والله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال من غير تقيد بحيثية ﴿غني﴾ عن الخلق جميعاً ﴿حميد *﴾ له صفة الغنى المطلق والحمد الأبلغ الذي هو الإحاطة بجميع أوصاف الكمال

стр. 10368

على الدوام أزلاً وأبداً، لم يتجدد له شيء لم يكن. ولما قرر وجوب الإيمان به وبرسله وكتبه وبالقدر خيره وشره، وقسم الناس إلى مؤمن وكافر، وأخبر أن الكافر تكبر عن الرسل، عين الموجب الأعظم لكفرهم بقوله دالاً على وجوب الإيمان بالعبث وترك القياس والرأي فإن عقل الإنسان لا يستقل ببعض أمور الإلهية، معبراً بما أكثر إطلاقه على ما يشك فيه ويطلق على الباطل إشارة إلى أنهم شاكون وإن كانوا جازمين، لكونهم لا دليل لهم، وإلى أنهم في نفس الأمر مبطلون: ﴿زعم﴾ قال ابن عمر ﵄: هي كنية الكذب، وفي حديث أبي مسعود ﵁ عند أبي داود: «بئس مطية الرجل زعموا» ﴿الذين كفروا﴾ أي أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله تعالى ولو على أدنى الوجوه. ولما كان الزعم ادعاء العلم وكان مما يتعدى إلى مفعولين، أقام سبحانه مقامهما قوله: ﴿أن لن يبعثوا﴾ أي من باعث ما بوجه من الوجوه. ولما كان قد أشار سبحانه بنوعي المؤمن والكافر إلى الدليل القطعي الضروري على وجود المبطل اللازم منه ودعه اللازم منه وجب البعث، اكتفى في الأمر بإجابتهم بقوله: ﴿قل﴾ أي لهم: ﴿بلى﴾ أي لتبعثن، ثم أكده بصريح القسم فقال: ﴿وربى﴾ أي المحسن إليّ

стр. 10369

بالانتقام ممن كذب بي، وبإحقاق كل حق أميت، وإبطال كل باطل أقيم ﴿لتبعثن﴾ مشيراً ببنائه للمفعول إلى أنه ويكون على وجه القهر لهم بأهون شيء وأيسر أمر وكذلك قوله: ﴿ثم لتنبؤن﴾ أي لتخبرن حتماً إخباراً عظيماً ممن يقيمه الله لإخباركم ﴿بما عملتم﴾ للدينونة عليه. وشرح بعض ما أفاده بناء الفعلين للمجهول بقوله: ﴿وذلك﴾ أي الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب ﴿على الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال وحده ﴿يسير *﴾ لقبول المادة وحصول القدرة، وكون قدرته سبحانه كذلك شأنها، نسبة الأشياء الممكنة كلها جليلها وحقيرها إليها على حد سواء.

стр. 10370

ولما كان في رد قولهم على هذا الوجه مع الإقسام من غير استدلال إشارة إلى تأمل الكلام السابق بما اشتمل عليه من الأدلة التي منها ذلك البرهان البديهي، سبب عنه قوله فذلكة لما مضى من الأدلة وجمعاً لحديث جبريل ﵊ في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والإسلام والإحسان: ﴿فآمنوا بالله﴾ أي الذي لا أظهر من أن له الإحاطة الكاملة بكل شيء وأنه لا كفؤ له ولا راد لأمره. ولما دعاه هذا إلى الإيمان به سبحانه عقلاً ونقلاً ذكراً وفكراً، ثنى بالإيمان بالرسل من الملائكة والبشر فقال: ﴿ورسوله﴾ أي كل من أرسله ولا سيما محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 10371

بما ثبت من تصديقه بالمعجزات من أنه رسوله، ويلزم من الإيمان به الإيمان بمن أبلغه من الملائكة. ولما كانت تلك المعجزات موجبات للعلم كانت أحق الأشياء باسم التور فإن النور هو المظهر للأشياء بعد انحجابها برداء الظلام وكان أعظم تلك المعجزات وأحقها بذلك كتب الله المنزلة على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وأعظمها القرآن الذي هو مع إعجازه بيان لكل شيء، قال: ﴿والنور﴾ وعينه بقوله: ﴿الذي أنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة فكان معجزاً فكان بإعجازه ظاهراً بنفسه مظهراً لغيره، وهذا وإن كان هو الواقع لكن ذكر هذا الوصف صالح لشمول كل ما أوحاه الله إلى رسله ﷺ ، ومن المعلوم أن أعظمه القرآن المنزل على أشرف رسله ﷺ وعليهم أجمعين، فهو أحق ذلك باسم النور لما مضى من إعجازه، فمن آمن به أدخل الله قلبه من أنوار الفهوم والألطاف والسكينة ما يضيء الأقطار. ولما كان التقدير: والله محاسبكم على ما قابلتم به إنعامه عليكم بذلك من إيمان وكفران، عطف عليه مرغباً مرهباً قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة، وقدم الجار لما تقدم غير مرة من مزيد التأكيد فقال: ﴿بما تعملون﴾ أي توقعون عمله في وقت من الأوقات

стр. 10372

﴿خبير *﴾ أي بالغ العلم بباطنه وظاهره. ولما أخبر بالبعث وأقسم عليه، وأشار إلى دليلة السابق، وسبب عنه ما ينجي في يومه، ذكر يومه وما يكون فيه ليحذر فقال متبعاً ما مضى من دعائم الإيمان دعامة اليوم الآخر واعظاً لمن يقول: يا ليت شعري ما حالي بعد ترحالي؟ وقامعاً لمن يقول: لا حال بعد الترحال، بالإعلام بأنها أحوال أي أحوال، تشيب الأطفال، وتقصم ظهور الرجال، بل تهد شم الجبال: ﴿يوم﴾ أي تبعثون في يوم ﴿يجمعكم﴾ أي أيها الثقلان. ولما كان الوقت المؤرخ به فعل من الأفعال إنما يذكر لأجل ما وقع فيه، صار كأنه علة لذلك الفعل فقال تعالى: ﴿ليوم الجمع﴾ لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض من الحساب والجزاء الذي يكون فوزاً لناس فيكونون غابنين، ويكون خيبة لناس فيكونون مغبونين، وكل منهم يطلب أن يكون غابناً. ولما كان هذا المقصد أمراً عظيماً مقطعاً ذكره الأكباد، قال تعالى مشيراً إلى هوله بأداة البعد مستأنفاً: ﴿ذلك﴾ أي اليوم العظيم المكانة الجليل الأوصاف ﴿يوم التغابن﴾ الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه، والغبن: ظهور النقصان للحظ الناشىء عن خفاء لأنه يجمع

стр. 10373

فيه الأولون والآخرون وسائر الخلق أجمعون، ويكون فيه السمع والإبصار على غاية لا توصف بحيث إن جميع ما يقع فيه يمكن أن يطلع عليه كل أحد من أهل ذلك الجمع، فإذا فضح أحد افتضح عند الكل، وما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده نم النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان وكل مؤمن بتقصيره في الإحسان، ومادة «غبن» تدور على الخفاء من مغابن الجسد وهي ما يخفى عن العين، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه، فالكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر، وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم، فالغبن فيه لا يشبهه غبن، فقد بعث ذكر هذا اليوم على هذا الوجه على التقوى أتم بعث، وهي الحاملة على اتباع الأوامر واجتناب النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه، ويحصل بعده للكافر العذاب الأليم. ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور، ويكره أن يكون في الظلام، ويحب أن يكون غابناً، ويكره أن يكون مغبوناً، أرشدت

стр. 10374

سوابق الكلام ولواحقه إلى أن التقدير، فمن آمن كان في النور، وكان في ذلك اليوم برجحان ميزانه من الغابنين، ومن كفر كان في الظلام، وكان في ذلك اليوم بنقصان ميزانه من المغبونين، فعطف عليه قوله بياناً لآثار ذلك الغبن، وتفضيلاً له بإصلاح الحامل على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية: ﴿ومن يؤمن﴾ أي يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار ﴿بالله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفؤ له. ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية، أتبعه البدن وهو إصلاح القوة العملية فقال: ﴿ويعمل﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿صالحاً﴾ أي عملاً هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المنافع ودفع المضار. ولما كان الدين مع سهولته متيناً لن يشاده أحد إلا غلبه، قال حاملاً على التقوى بالوعد بدفع المضار، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره، كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة إن كان من أهلها: ﴿يكفر﴾ أي الله - على قراءة الجماعة بأن يستر ستراً عظيماً ﴿عنه سيئاته﴾ التي غلبه عليها نقصان الطبع، وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء

стр. 10375

والرهبة والرغبة والنذارة والبشارة فقال: ﴿ويدخله﴾ أي رحمة له وإكراماً وفضلاً ﴿جنّات﴾ أي بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها، ورياض مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها، وأشار إلى دوام ريها بقوله: ﴿تجري﴾ ولما كان عموم الماء لجميع الأرض غير ممدوح، بين أنه في خلالها على أحسن الأحوال فقال: ﴿من تحتها﴾ وبين عظمه بقوله: ﴿الأنهار﴾ ولما كان النزوح أو توقعه عن مثل هذا محزناً، أزال توقع ذلك بقوله جامعاً لئلا يظن الخلود لواحد بعينه تصريحاً بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في الخلود: ﴿خالدين فيها﴾ وأكد بقوله: ﴿أبداً﴾ والتقدير على قراءة نافع وابن عامر بالنون: نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من العظمة فإنه لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا الله سبحانه، ولا تكون هذه القدرة تامة إلا لمن كان عظيماً لا راد لأمره أصلاً. ولما كان هذا أمراً باهراً جالباً بنعيمه سرور القلب، أشار إلى عظمته بما يجلب سرور القلب بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي جداً من الغفران والإكرام، لا غيره ﴿الفوز العظيم *﴾ لأنه جامع لجميع

стр. 10376

المصالح مع دفع المضار وجلب المسار. ولما ذكر الفائز بلزومه التقوى ترغيباً، أتبعه الخائب بسبب إفساد القوتين الحاملتين على التقوى: العلمية والعملية ترهيباً، فقال بادئاً بالعلمية: ﴿والذين كفروا﴾ أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام. ولما ذكر إفسادهم القوة العلمية، أتبعه العملية فقال: ﴿وكذبوا﴾ أي أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب ﴿بآياتنا﴾ بسببها مع ما لها من العظمة بإضافتها إلينا، فلم يعملوا شيئاً. ولما بين إفسادهم للقوتين، توعدهم بالمضار فقال معرياً من الفاء في جانبي الأشقياء والسعداء طرحاً للأسباب، لأن نظر هذه السورة إلى الجبلات التي لا مدخل فيها لغيره أكثر بقوله: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن: ٢] فإن ذلك أجدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل على الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿أصحاب النار﴾ ولما كان السجن إذا رجي الخلاص منه قلل من خوف داخله، وكان التعبير بالصحبة مشعراً بالدوام المقطع للقلوب لأنه مؤيس من الخلاص، أكده بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ وزاد في

стр. 10377

الإرهاب منها بقوله مشيراً إلى مضار القلب بعد ذكر مضار القالب: ﴿وبئس المصير *﴾ أي جمعت المذام كلها الصيرورة إليها وبقعتها التي للصيرورة إليها، فكيف بكونها على وجه الإقامة زمناً طويلاً فكيف إذا كان على وجه الخلود.

стр. 10378

ولما كان من تعرفه من المرغبين والمرهبين لا يفعل ذلك إلا فيما ليس قادراً على حفظه وضبطه حتى لا يحتاج العامل في عمل ذلك إلى رقيب يحفظه ووكيل يلزمه ذلك العمل ويضبطه، وكان قول المنافقين المتقدم في الإنفاق والإخراج من المصائب، وكانت المصائب تطيب إذا كانت من الحبيب، قال جواباً لمن يتوهم عدم القدرة متمماً ما مضى من خلال الأعمال بالإيمان بالقدر خيره وشره، مرغباً في التسليم مرهباً من الجزع قاصراً الفعل ليعم كل مفعول: ﴿ما أصاب﴾ أي أحداً يمكن المصائب أن تتوجه إليه، وذكر الفعل إشارة إلى القوة، وأعرق في النفي بقوله: ﴿من مصيبة﴾ أيّ مصيبة كانت دينية أو دنيوية من كفر أو غيره ﴿إلا بإذن الله﴾ أي بتقدير الملك الأعظم وتمكينه، فلا ينبغي لمؤمن أن يعوقه شيء من ذلك عن التقوى النافعة في يوم التغابن. ولما تسبب عن ذلك ما تقديره: فمن يكفر بالله بتقديره عليه

стр. 10379

الكفر يغو قلبه ويزده ضلالاً فيفعل ما يتوغل به في المصيبة حتى تصير مصائب عدة فتهلكه، عطف عليه قوله باعثاً على أول ركني الإسلام وهو إصلاح القوة العلمية: ﴿ومن يؤمن بالله﴾ أي يوجد الإيمان في وقت من الأوقات ويجدده بشهادة إن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بسبب الملك الأعظم وتقديره وإذنه ﴿يهد قلبه﴾ أي يزده هداية بما يجدده له من التوفيق في كل وقت حتى يرسخ إيمانه فتنزاح عنه كل مصيبة، فإنه يتذكر أنها من الله وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم بقضائه فيصبر له ويفعل ويقول ما أمر الله به ورسوله فيخف عليه، ولا يعوقه عن شيء من المنجيات في يوم التغابن، بل يحصل له بسببها عدة أرباح وفوائد، فتكون حياته طيبة بالعافية الشاملة في الدينيات والكونيات لأن بالعافية في الكونيات تطيب الحياة في الدنيا، وبالعافية في الدينيات تطيب الحياة في الآخرة فتكون العيشة راضية، وذلك بأن يصير عمله صواباً في سرائه وضرائه فيترك كل فاحشة دينية بدنية وباطنة قلبية ويترك الهلع في المصائب الكونية كالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات

стр. 10380

وذلك لأنه بصلاح القلب ينصلح البدن كله. ولما كان التقدير تعليلاً لذلك: فالله على كل شيء قدير فهو لا يدع شيئاً يكون إلا بإذنه، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الملك الذي لا نظير له ﴿بكل شيء﴾ مطلقاً من غير مثنوية ﴿عليم *﴾ فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. ولما كان التقدير: فاصبروا عن هجوم المصائب، عطف عليه قوله تحذيراً من أن يشتغل بها فتوقع في الهلاك وتقطع عن أسباب النجاة دالاً على تعلم أمور الدين من معاداتها مشيراً إلى أن العبادة لا تقبل إلا بالاتباع لا بالابتداع: ﴿وأطيعوا الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله فافعلوا في كل مصيبة ونائبة تنوبكم وقضية تعروكم ما شرعه لكم، وأكد بإعادة العامل إشارة إلى أن الوقوف عند الحدود ولا سيما عند المصائب في غاية الصعوبة فقال: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي الكامل في الرسلية ﷺ فإنه المعصوم بما خلق فيه من الاعتدال وما زكى به من شق البطن وغسل القلب مراراً، وما أيد به من الوحي، فما كانت الأفعال بإشارة العقل مع الطاعة لله والمتابعة لرسوله ﷺ في كل إقدام وإحجام كانت معتدلة، سواء كانت شهوانية أو غضبية، ومتى لم تكن كذلك

стр. 10381

كانت منحرفة إلى أعلى وإلى أسفل فكانت مذمومة، فإن الله تعالى بلطف تدبيره ركب في الإنسان قوة غضبية دافعة لما يهلكه ويؤذيه، وقوة شهوانية جالبة لما ينميه ويقويه، فاعتدال الغضبية شجاعة ونقصها جبن وزيادتها تهور، فالناس باعتبارها جبان وشجاع ومتهور، واعتدال الشهوانية عفة ونقصانها زهادة وزيادتها شره، والناس باعتبارها زهيد وعفيف وشره، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وميزان العدل متابعة الرسول ﷺ فيما شرعه، فبذلك تنزاح الفتن الظاهرة والباطنة، ولا طريق إلى الله إلا بما شرعه، وكل طريق لم يشرعه ضلال من الكفر إلى ما دونه، ثم سبب عن أمره ذلك قوله معبراً بإداة الشك إشارة إلى البشارة بحفظ هذه الأمة من الردة ومشعراً بأن بعضهم يقع منه ذلك ثم يقرب رجوعه أو هلاكه: ﴿فإن توليتم﴾ أي كلفتم أنفسكم عندما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن هذا النور الأعظم والميل إلى طرف من الأطراف المفهومة من طرفي القصد فما على رسولنا شيء من توليكم ﴿فإنما على رسولنا﴾ أضافه إليه على وجه العظمة تعظيماً له وتهديداً لمن يتولى عنه ﴿البلاغ المبين *﴾

стр. 10382

أي الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاع ولم يدع لبساً، ليس إليه خلق الهداية في القلوب. ولما كان هذا موجعاً لإشعاره بإعراضهم مع عدم الحيلة في ردهم، عرف بأن ذلك إنما هو إليه وأنه القادر عليه فقال جواباً لمن كأنه قال: فما الحيلة في أمرهم - مكملاً لقسمي الدين بالاستعانة بعد بيان قسمه الآخر وهو العبادة: ﴿الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿لا إله إلا هو﴾ فهو القادر على الإقبال بهم ولا يقدر على ذلك غيره، فإليه اللجاء في كل دفع ونفع وهو المستعان في كل شأن فإياه فليرج في هدايتهم المهتدون ﴿وعلى الله﴾ أي الذي له الأمر كله لا على غيره. ولما كان مطلق الإيمان هو التصديق بالله باعتقاد أنه القادر على كل شيء فلا أمر لأحد معه ولا كفوء له فكيف بالرسوخ فيه، نبه على هذا المقتضي للربط بالفاء والتأكيد بلام الأمر في قوله: ﴿فليتوكل المؤمنون *﴾ أي يوجد التوكيل إيجاداً هو في غاية الظهور والثبات العريقون في هذا الوصف في رد المتولي منهم إن حصل منهم تول وكذا في كل مفقود فالعفة ليست مختصة بالموجود فكما أن قانون العدل في الموجود الطاعة فقانون العدل في المفقود التوكل وكذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان لهم الحظ الأوفر في كل

стр. 10383

توكل لا سيما حين ارتدت العرب بعد موت النبي ﷺ وكان أحقهم بهذا الوصف الصديق رضي الله تعالى عنه كما يعرف ذلك من ينظر الكتب المصنفة في السير وأخبار الردة لا سيما كتابي المسمى في أخبار الردة. ولما كانت أوامر الدين تارة تكون باعتبار الأمر الديني من سائر الطاعات المحضة، وتارة باعتبار الأمر التكويني وهو ما كان بواسطة مال أو أهل أو ولد، أتم سبحانه القسم الأول في الآيتين الماضيتين، شرع في الأمر الثاني لأنه قد ينشأ عنه فتنة في الدين وقد ينشأ عنه فتة في الدنيا، ولما كانت الفتنة بالإقبال عليه والإعراض عنه أعظم الفتن، لأنها تفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وابنه وتذهل الخليل عن خليله - كما شوهد ذلك في بدء الإسلام، وكان أعظم ذلك في الردة، وكان قد تقدم النهي عن إلهاء الأموال والأولاد، وكان النهي عن ذلك في الأولاد نهياً عنه في الأزواج بطريق الأولى، فلذلك اقتصر عليهم دون الأزواج، وكان المأمور بالتوكل ربما رأى أن تسليم قياده لكل أحد لا يقدح في التوكل، أشار إلى أن بناء هذه الدار على الأسباب مانع من ذلك فأمر بنحو «اعقلها وتوكل» «واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» الحديث، فقال جواباً عن ذلك لمن يحتاج إلى السؤال عن مثله مبيناً للأوامر بالاعتبار للامتحان التكويني وإن كان أولى الناس ببذل الجهد في تأديبه وتقويمه وتهذيبه أقرب الأقارب وألصق الناس بالإنسان

стр. 10384

وهو كالعلة لآخر «المنافقون» : ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ولما كان الأزواج أقرب عداوة من الأولاد قدمهن، فقال مؤكداً لمن يستبعد ذلك: ﴿إن من أزواجكم﴾ وإن أظهرن غاية المودة ﴿وأولادكم﴾ وإن أظهروا أيضاً غاية الشفقة والحنان ﴿عدواً لكم﴾ أي لشغلهم لكم عن الدين أو لغير ذلك من جمع المال وتحصيل الجاه لأجلهم والتهاون بالنهي عن المنكر فإن الولد مجبنة وغير ذلك، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: ولا أعدى على الرجل من زوجه وولده إذا كانا عدوين وذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبإذهاب ماله - كما هو معروف - وعرضه، وأما في الآخرة فيما يسعى في اكتسابه من الحرام لأجلهم وبما يكسبانه منه بسبب جاهه. فالرجل من رأى ذلك نعمة من الله فجعله معيناً له على طاعته لا قاطعاً ومعوقاً عما يرضيه بأن يلتهي بمحبته وعداوته وبغضته. ولما أخبر عن العداوة، عبر بما قد يفهم الواحد فقط تخفيفاً، ولما أمر بالحذر جمع إشارة إلى زيادة التحذير والخوف في كل أحد ولو كان أقرب الأقرباء لأن الحزم سوء الظن كما رواه الطبراني في الأوسط، فسبب عن الإخبار بالعداوة الأمر بالحذر في قوله: ﴿فاحذروهم﴾ أي بأن تتقوا الله في كل أمرهم فتطلبوا في

стр. 10385

السعي عليهم الكفاف من حله وتقتصروا عليه، ولا يحملنكم حبهم على غير ذلك، وليشتد حذركم منهم بالعمل بما أمر الله حتى في العدل بينهم لئلا يتمكنوا من أذاكم فيعظم بهم الخطب ويكون فاتناً لكم في الدين إما بالردة - والعياذ بالله تعالى - أو بالشغل عن الطاعة أو بالإقحام في المعصية ومخالفة السنة والجماعة. ولما كان قد يقع ما يؤذي مع الحذر لأنه لا يغني من قدر أو مع الاستسلام، وكان وكل المؤذي إلى الله أولى وأعظم في الاستنصار، قال مرشداً إلى ذلك: ﴿وإن تعفوا﴾ أي توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك لأن من طبع على شيء لا يرجع، وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه سبحانه لئلا يكون سبباً للو المنهي عنه. ولما كان الرجوع عن الحظوظ صعباً جداً، أكد سبحانه فقال: ﴿وتصفحوا﴾ أي بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان ﴿وتغفروا﴾ أي بأن تستروا ذنوبهم ستراً تاماً شاملاً للعين والأثر بالتجاوز بعد ترك العقاب عن العتاب، فلا يكون منكم اشتغال بعداوتهم ولا ما قد يجرها عما ينفع من الطاعة، ولما كان التقدير: يغفر الله لكم، سبب عنه قوله: ﴿فإن الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال ﴿غفور﴾ أي بالغ

стр. 10386

المحو الأعيان الذنوب وآثرها جزاء لكم على غفرانكم لهم وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم لهم فإنه ﴿رحيم *﴾ يزيدكم بعد ذلك الستر الإكرام بالإنعام إن أكرمتموهم، فتخلقوا بأخلاقه سبحانه يزدكم من فضله.

стр. 10387

ولما حكم على البعض، كان كأنه قيل: فما حكم سائره؟ فكأن الحكم بذلك يلزم منه الحذر من الكل لكن للتصريح سر كبير في ركون النفس إليه، فقال حاصراً الجميع ضاماً إليهم المال الذي به قيام ذلك كله وقدمه لأنه أعظم فتنة: ﴿إنما﴾ وأسقط الجار لأن شيئاً من ذلك لا يخلو عن شغل القلب فقال: ﴿أموالكم﴾ أي عامة ﴿وأولادكم﴾ كذلك ﴿فتنة﴾ أي اختبار مميل عن الله لكم وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكن ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون له نعمة، فربما رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده، وذلك أنه من شأنه أن يحمل على كسب الحرام ومنع الحق والإيقاع في الإثم، روي عن أبي نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري عنه أنه قال: «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له: أكل عياله حسناته» «ويكفي فتنة المال قصة

стр. 10388

ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله فتنة تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن﴾ [التوبة: ٧٥] » وكأنه سبحانه ترك ذكر الأزواج في الفتنة لأن منهم من يكون صلاحاً وعوناً على الآخرة. ولما كان التقدير: ففي الاحتراز من فتنهم تعب كبير، لا يفوت به منهم إلى حظ يسير، وكانت النفس عند ترك مشتبهاتها ومحبوباتها قد تنفر، عطف عليه مهوناً له بالإشارة إلى كونه فانياً وقد وعد عليه بما لا نسبة له منه مع بقائه قوله: ﴿والله﴾ أي ذو الجلال ﴿عنده﴾ وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمه ﴿أجر﴾ ولم يكتف سبحانه بدلالة السياق على أن التنوين للتعظيم حتى وصفه بقوله: ﴿عظيم *﴾ أي لمن ائتمر بأوامره التي إنما نفعها لصاحبها، فلم يقدم على رضاه مالاً ولا ولداً، وذلك الأجر أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم على وجه ينقص من الطاعة. ولما كان التقدير: وعنده عذاب أليم لمن خالف، سبب عنه قوله فذلكة أخرى لما تقدم من السورة كلها: ﴿فاتقوا الله﴾ مظهراً غير مضمر تعظيماً للمقام واحترازاً من أن يتوهم نوع تقيد فأفهم الإظهار أن المعنى: اجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعلى وقاية من غير نظر إلى حيثية ولا خصوصية بشيء ما، باجتناب نواهيه بعد امتثال أوامره، فإن التقوى إذا انفردت كان المراد بها فعل الأوامر وترك المناهي،

стр. 10389

وإذا جمعت مع غيرها أريد بها اجتناب النواهي فقط. ولما كان الأمر إذا نسب إليه سبحانه أعظم من مقالة قائل، فلا يستطيع أحد أن يقدره سبحانه حق قدره، خفف ويسر بقوله: ﴿ما استطعتم﴾ أي ما دمتم في الجملة قادرين مستطيعين، ويتوجه عليكم التكليف في العلميات والعمليات، وابذلوا جهدكم في ذلك في الإيمانيات لما علمتم من ذاته ومرتبته وصفاته تعالى وأفعاله، وغير ذلك من جميع أعمالكم الظاهرة والباطنة، وأعظمه الهجرة والجهاد، فلا يمنعكم الإخلاد إليها ذلك والتقوى فيما وقع من المكروهات بالندم والإقلاع مع العزم على ترك العود، وفيما لم يقع بالاحتراس عن أسبابه، وبذل الإنسان جميع جهده هو الاتقاء حق التقاة فلا نسخ - والله أعلم. ولما كان إظهار الإسلام فيه مشقة كالأعمال قال: ﴿واسمعوا﴾ أي سماع إذعان وتسليم لما توعظون به ولجميع أوامره ﴿وأطيعوا﴾ أي وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله والشفقة على خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة، وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل طاعة من الكل والبعض وكذا في الإنفاق. ولما كان الإنفاق شديداً أكد أمره بتخصيصه بالذكر فقال: ﴿وأنفقوا﴾ أي أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما

стр. 10390

أوجبه أو ندب إليه وإن كان في حق من اطلعتم منها على عداوة، والإنفاق لا يخص نوعاً بل يكون ما رزق الله من الذاتي والخارجي. ولما كان الحامل على الشح ما يخطر في البال من الضرورات التي أعزها ضرورة النفس، رغب فيه بما ينصرف إليه بادىء بدء ويعم جميع ما تقدم فقال: ﴿خيراً﴾ أي يكن ذلك أعظم خير واقع ﴿لأنفسكم﴾ فإن الله يعطي خيراً منه في الدنيا ما يزكي به النفس، ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة ما لا يدري كنهه، فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف وغرور لا طائل تحته. ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عم في جميع الأوامر فقال: ﴿ومن يوق﴾ بناه للمفعول تعظيماً للترغيب فيه نفسه مع قطع الناصر عن الفاعل أي يقيه واق أيّ واق كان - وأضافه إلى ما الشؤم كله منه فقال: ﴿شح نفسه﴾ فيفعل في ماله وجميع ما أمر به ما يطيقه مما أمر به موقناً به مطمئناً إليه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرز عن رق المكونات، والشح: خلق باطن هو الداء العضال رأس الحية وكل فتنة ضلالة، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها، وتارة بإنفاق

стр. 10391

المال، ومن فعل ما فرض عليه خرج عن الشح. ولما كان الواقي إنما هو الله تعالى سبب عن وقايته قوله: ﴿فأولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿المفلحون *﴾ أي الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه من الكونيات من المال والولد والأهل والمشوشات من جميع القواطع. ولما أمر ورهب من ضده على وجه أعم، رغب فيه تأكيداً لأمره لما فيه نم الصعوبة لا سيما في زمان النبي ﷺ فإن المال فيه كان في غاية العزة ولا سيما إن كان في لوازم النساء اللاتي افتتح الأمر بأن منهن أعداء ولا سيما إن كان في حال ظهور العداوة، فقال بياناً للإفلاح متلطفاً في الاستدعاء بالتعبير بالقرض مشيراً إلى أنه على خلاف الطبع بأدة الشك: ﴿إن تقرضوا الله﴾ أي الملك الأعلى ذا الغنى المطلق المستجمع لجميع صفات الكمال بصرف المال وجميع قواكم التي جعلها فتنة لكم في طاعاته، ورغب في الإحسان فيه بالإخلاص وغيره فقال: ﴿قرضاً حسناً﴾ أي على صفة الإخلاص والمبادرة ووضعه في أحسن مواضعه على أيسر الوجوه وأجملها وأهنأها وأعدلها، وأعظم الترغيب فيه بأن رتب عليه الربح في الدنيا والغفران في الآخرة فقال: ﴿يضاعفه لكم﴾ أي لأجلكم خاصة أقل ما يكون للواحد عشراً

стр. 10392

إلى ما لا يتناهى على حسب النيات، قال القشيري: يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم عن مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني يقال له: آثر على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. ولما كان الإنسان لما له النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن الدين وإن كان يسيراً فهو متين «لن يشاده أحد إلا غلبه» قال: ﴿ويغفر لكم﴾ أي يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره لأجلكم ببركة الإنفاق، وقد تضمنت هاتان الجملتان جلب السرور ودفع الشرور، وذلك هو السعادة كلها. ولما كان التقدير: فالله غفور رحيم، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الذي لا يقاس عظمته بشيء ﴿شكور﴾ أي بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان قليلاً فيثيبه ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة ﴿حليم *﴾ لا يعاجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيراً طويلاً ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه، فإن غضب الحليم لا يطاق،

стр. 10393

وهو راجع إلى الغفران. ولما كان الحليم قد يتهم في حلمه بأن ينسب إلى الجهل بالذنب أو بمقداره قال: ﴿عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره الجبلة ولا علم لصاحب القلب به فضلاً عن غيره. ولما كان قد يظن أنه لا يلزم من علم ما غاب علم ما شهد، أو يظن أن العلم إنما يتعلق بالكليات، قال موضحاً أن علمه بالعالمين بكل من الكليات والجزئيات قبل الكون وبعده على حد سواء: ﴿والشهادة﴾ وهو كل ما ظهر فكان بحيث يعلمه الخلق، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه يوجب للمؤمن ترك ظاهر الاسم وباطنه وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله كأنه يراه. ولما شمل ذلك كل ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنهم فلم يبق إلا أن يتوهم أن تأخير العقوبة للعجز قال: ﴿العزيز﴾ أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ولما كان ذلك قد يكون لأمر آخر لا يمدح عليه قال: ﴿الحكيم *﴾ أي أنه ما أخره إلا لحكمة بالغة يعجز عن إدراكها الخلائق، وقد أقام الخلائق في طاعته بالجري تحت إرادته، وتارة يوافق ذلك أمره فيسمى طاعة. وتارة يخالف فيسمى معصية، فمن أراد أتم نعمته عليه بالتوفيق للطاعة بموافقته أمره بإحاطة

стр. 10394

علمه والإتقان في التدبير ببالغ حكمته وإدامة ذلك وحفظه عن كل آفة بباهر عزته، ومن أراد منعه ذلك بذلك أيضاً والكل تسبيح له سبحانه بإفادة أنه الواحد القهار، وقد أحاط أول الجمعة بهذه السورة أولها وآخرها، فجاءت هذه شارحة له وكاشفة عنه على وجه أفخم لأن مقصود هذه نتيجة مقصد تلك، وقد رجع - بالتنزه عن شوائب النقص والاختصاص بجميع صفات الكمال وشمول القدرة للخق وإحاطة العلم بأحوال الكافر والمؤمن - على افتتاحها حسن ختامها، وعلم علماً ظاهراً جلالة انتظامها، وبداعة اتساق جميع آيها وبراعة التئامها - والله الموفق للصواب.

стр. 10395

سورة الطلاق لمقصودها تقدير حسن التدبير في المفارقة والمهاجرة بتهذيب الأخلاق، بالتقوى لا سيما في الإنفاق، لا سيما إن كان ذلك عند الشقاق، لا سيما إن كان في أمر النساء لا سيما عند الطلاق، ليكونالفراق على نحو التواصل والتلاق، واسمها الطلاق أجمع ما يكون لذلك، فلذا سميت به وكذا سورة النساء القصرى لأن العدل في الفراق بعض مطلق العدل الذي هو محط مقصود سورة النساء) بسم الله (الذي له جميع صفات الكمال) الرحمن (الذي عم برحمته النوال) الرحيم (الذي خص بالرحمة ذوي الهمم العوال.

стр. 10396

لما ختمت التغابن بأنه تعالى شكور حليم عزيز حكيم مع تمام العلم وشمول القدرة، بعد التحذير من النساء بالعداوة، وكانت العداوة تجر إلى الفراق، افتتح هذه بزم لأنفس عند ثوران الحظوظ بزمام التقوى، وأعلى الخطاب جداً بتوجيهه إلى أعلى الخلق تنبيهاً على عظمة الأحكام الواردة في هذه السورة فإنها مبنية على الأسماء الأربعة لتتلقى بغاية الرغبة فقال: ﴿يا أيها النبي﴾ مخصصاً له ﷺ ، ذاكراً الوصف الذي هو سبب التلقي لغرائب العلوم ورغائب الحكم والفهوم. ولما علم من الإقبال عليه ﷺ عظمة الحكمة، ومن

стр. 10397

التعبير في النداء بأداة التوسط التي لا تذكر في أمر مهم جداً أن الذي هو أقرب أهل الحضرة غير مقصود بها من كل وجه، وأن القصد التنبيه لجلالة هذه الأحكام، وبذل الجهد في تفهيمها والعمل بها، فلذا أقبل على الأمة حين انتبهوا وألقوا أسماعهم، فقال معبراً بأداة التحقق لأنه من أعظم مواضعها: ﴿إذا طلقتم﴾ وعلم من ذلك عموم الحكم له ﷺ لكن لما كان للإنسان مع نسائه حالان أحدهما المشاححة، كان غيره أولى بالخطاب فيه، وثانيهما الجود والمصالحة بالحلم والعفو، فكان هو ﷺ أولى بذلك فجاءت له سورة التحريم ﴿النساء﴾ أي أردتم طلاق هذا النوع واحدة منه فأكثر ﴿فطلقوهن﴾ أي إن شئم مطلق طلاق ثلاثاً أو دونها، وكلما قل كان أحب بدليل ما يأتي من لواحق الكلام من الإشارة إلى الرجعة ﴿لعدتهن﴾ أي في وقت أو عند استقبال العدة أي استقبال طهر يحسب منها، وهو الطهر الذي لم يجامع فيه إن كانت مدخولاً بها، ذلك معنى قراءة ابن عباس وابن عمر ﵃ «في قبل عدتهن» فهذا طلاق السنة وغيره طلاق البدعة، فإن الطلاق في الحيض تطويل للعدة لأنه غير محسوب، ولا بد أن يكون الطهر لم يجامع فيه لأنها إذا

стр. 10398

جومعت ربما حملت فطالت العدة، وهذه اللام للوقت مثلها في «كتب هذا لخمس بقين من شهر كذا» واختير التعبير بها لأنها تفهم مع ذلك أن ما دخلت عليه كالعلة الحاملة على متعلقها، فصار كأنه قيل: طلقوا لأجل العدة وإذا كان لأجلها علم أن المراد تخفيفها على المرأة بحسب الطاقة لأن مبنى الدين على اليسر، وذلك دال على أن العدة بالأسهار، وأن الطلاق في الحيض حرام لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يدل على عدم الوقوع لأن النهي غير مستلزم للفساد، وقد بين ذلك كله «حديث ابن عمر ﵄ في طلاقه زوجته في الحيض الذي كان سبب النزول، فغضب النبي ﷺ وأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس» وعلم أن من عدتها بغير الأقراء التي يمكن طولها وقصرها وهي غير المدخول بها والتي لم تحض والآئسة والحامل لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وكذا للخالعة لأن النبي ﷺ أذن لثابت بن قيس ﵁ في الخلع من غير استفصال عن حال امرأته لأنه إنما يكون في الغالب عن تشاجر وتساؤل من المرأة، ويقع الطلاق البدعي لأن النبي ﷺ أمر ابن عمر ﵄ بالمراجعة منه، ويأثم به

стр. 10399

بعد العلم، ولو طلق في الحيض وراجع جاز له أن يطلق حال انقضاء الحيض قبل المجامعة، والأمر بالإمساك إلى كمال الطهر والحيض الذي بعده للندب حتى لا يكون في صورة من راجع للطلاق، ولا بدعة في جمع الثلاثة لأنه لا إشارة إليه في الآية ولا في حديث ابن عمر ﵄ الذي هو سببها، نعم قد يدعي ذلك في آية البقرة في قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩] و «الطلاق أبغض الحلال إلى الله» كما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ فأبغضه إليه أنهاه «وما حلف به ولا استحلف إلا منافق» كما في الفردوس عن أنس ﵁. ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديداً لما فيها من الحكم بالتأني لاحتمال الندم وبالظن لبراءة الرحم احتياطاً للأنساب وبقطع المنازعات والمشاجرات المفضية إلى ذهاب الأموال والارواح، وقد أفهمه التعبير باللام، صرح به بصيغة الأمر فقال: ﴿وأحصوا﴾ أي اضبطوا ضبطاً كأنه في إتقانه محسوس بعد الحصي ﴿العدة﴾ لتكملوها ثلاثة أقراء كما تقدم الأمر به ليعرف زمان النفقة والرجعة والسكنى وحل النكاح لأخت المطلقة مثلاً ونحو ذلك من الفوائد الجليلة. ولما كان الطلاق على غير هذا الوجه حراماً للضرار ومخالفة الأمر وكذا التهاون في الضبط حتى يحتمل أن تنكح المرأة قبل الانقضاء، أمر بمجانبة ذلك كله بقوله: ﴿واتقوا﴾ أي في ذلك ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر لذاته

стр. 10400

في الزمن والإحصاء لأن في ذلك ما هو حقه ﴿ربكم﴾ أي لإحسانه في تربيتكم في حملكم على الحنيفية السمحة ودفع جميع الآصار عنكم. ولما أمر بالتقوى وناط بعضها بصفة الإحسان فسره بقوله: ﴿لا تخرجوهن﴾ أي أيها الرجال في حال العدة ﴿من بيوتهن﴾ أي المساكن التي وقع وهي سكنهن، وكأنه عبر بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيفاء العدة به في العظمة كاستحقاق المالك، ولأنها كانت في حال العصمة كأنها مالكة له، فليس من المروءة إظهار الجفاء بمنعها منه، ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ولم يفحش الزوج في المقاطعة، وإن لم يحصل ذلك فظهر أنها حامل لم تحصل شبهة في الحمل. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لحقهن فقط نفاه بقوله: ﴿ولا يخرجن﴾ أي بأنفسهن إن أردن ذلك من غير مخرج من جهة الزوج أو غيره، فعلم من ذلك تحتم استكمال العدة في موضع السكنى وأن الإسكان على الزوج، وتخرج لضرورة بيع الغزل وجذاذ النخل ونحوه. ولما كان منطوق ذلك أنه لا يجوز له إخراجها كارهة، ولا يجوز لها أن تخرج بنفسها فقط وهو كاره فأفهم ذلك أنهما لو اتفقا جاز لأن ذلك خارج عن المنهي، استثنى من كلا شقي المنهي عنه بقوله.
следующие страницы →