Полный текст (11 765 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.
стр. 10431
ولما تبين أن الذكر والرسول صارا شيئاً واحداً، وعلم ما في هذه المراسلة من الشرف، أتبع ذلك بيان شرف آخر ببيان ثمرة إنزاله فقال: ﴿ليخرج الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالشهادتين ﴿وعملوا﴾ تصيدقاً لما قالوه بألسنتهم وتحقيقاً لأنه من قلوبهم ﴿الصالحات﴾ من الأعمال ﴿من الظلمات﴾ أي النفسانية والأخلاق الرذيلة المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم وانتشارها في السبل الشيطانية ﴿إلى النور﴾ الروحاني العقيلي الخالص الذي لا دنس فيه بسلوك صراط الله الذي هو واحد لا شتات فيه وبين لا لبس فيه ﴿وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام: ١٥٣] كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن فساد الأعمال الصالحة إلى سداد الأعمال الصالحة، وذلك بأن يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهراً له في حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم فيكونوا ذكراً.
ولما كان التقدير: فمن آمن بالله وعمل صالحاً شاهد بركات ذلك في نفسه عاجلاً، عطف عليه بياناً لسعادة الآجلة قوله تعالى:
стр. 10432
﴿ومن يؤمن بالله﴾ أي يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه ﴿ويعمل﴾ على التجديد المستمر ﴿صالحاً﴾ لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة، ولما كان قد تقدم قريباً في آية التقوى أنه يكفر عنه سيئاته، قال شارحاً لقوله: ﴿ويعظم له أجراً﴾ [الطلاق: ٥] : ﴿يدخله﴾ أي عاجلاً مجازاً بما يتيح له من لذات العرفان ويفتح له من الأنس آجلاً حقيقة ﴿جنات﴾ أي بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار، وبين دوام ريها بقوله: ﴿تجري﴾ وبين انكشاف كثير من أرضها بقوله: ﴿من تحتها﴾ أي تحت غرفها ﴿الأنهار﴾ أو هو كناية عن أن أرضها في غاية الري بحيث إن ساكنها يجري في أي موضع أراد نهراً، وإلى زيادة عظمتها أشارت قراءة نافع وابن عامر بنون العظمة.
ولما أفرد الشرط والجزاء إجراء على لفظ «من» إشارة إلى أنه لا يشترط في الإيمان ولا في جزائه مشاركة أحد، وأنه لا توقف للقبول على شيء غير الوصف المذكور، جمع الحال بشارة
стр. 10433
بأن الداخلين كثير، وأن الداخل إلى دار الكرامة لا يحصل له هوان بعد ذلك أصلاً فقال: ﴿خالدين فيها﴾ وأكد معنى الخلود ليفهم الدوام بلا انقضاء فقال: ﴿أبداً﴾ ولما أعلم أن الخلود لكل الداخلين إلى الجنة رجع إلى الأسلوب الأول تنصيصاً على كل فرد إبلاغاً في عظمة هذا الجزاء بقوله نتيجة لذلك، منبهاً على أن هذه النتيجة من حقها أن يتوقع قولها من كل من سمع هذه البشرى: ﴿قد أحسن الله﴾ أي الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام ﴿له﴾ أي خاصة ﴿رزقاً *﴾ أي عظيماً عجيباً، قال القشيري: الرزق الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها عن غير نقصان ولا يتعذب بتعطشه ولا يكون زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي.
ولم تقدم أن فائدة الذكر النقل من خلق إلى خلق، وكان من المعلوم أن تحويل جبل من مكانه أيسر من تحويل شخص عن خلقه وشأنه، وتقدم أن أجر المجاهدة في ذلك الجنات الموصوفة، وكان ذلك يحتاج إلى قدرة تامة، دل على قدرته سبحانه عليه بقوله: ﴿الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة
стр. 10434
إحداها، ثم أخبر عنه بما يدل على ذلك لأن الصنعة تدل على الصانع وعلى ما له من الصفات فقال: ﴿الذي خلق﴾ أي أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال البديع القريب ﴿سبع سماوات﴾ أي وإنهم يشاهدون عظمة ذلك ويشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام العلم كامل القدرة، ثم زاد على ذلك ما أنتم أعرف به فقال: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ أي سبعاً كما دل عليه حديث سعيد بن زيد وعبد الله بن عمر ﵄ في الصحيحين «من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين» ولفظ ابن عمر ﵄: خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين، وقد تقدم في سورة السجدة ما ينفع في ذلك، وظاهره يدل على أنها كما هي مثلها في العدد فهي مثلها في الكرية وإحاطة كل واحدة منها بالتي تحتها، وأن التي نحن عليها هي السابعة العليا كالسماء السابعة التي سقفها الكرسي لأن ذلك أدل على ما السياق له من تمام العلم وشمول القدرة في الاستدلال عليه بقوله: ﴿يتنزل﴾ أي بالتدريج ﴿الأمر﴾ أي الذي يجود به الرحمن من التدبير من
стр. 10435
أمر الدين والتكوين من العرش والكرسي ﴿بينهن﴾ بالوحي من السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى وأنتم ترونهن بلا فروج فأنفذ بينهن حتى نفذ فيهن، وذلك - والله أعلم - هو ما يريد من عظيم تدبيره بإنزال الكتب وإرسال الرسل وإثبات شريعة ومحو أخرى وتوجيه الأسباب إلى المسببات من المطر والنبات والليل والنهار والفصول وخلق الحيوانات والمعادن وسائر النباتات، وترديد الملائكة بسائر المصنوعات، هذا ما دل عليه ظواهر الكتاب والسنة، وأولها بعضهم بأنها سبعة أقاليم، وهو مردود بعد القاعدة في أن التأويل بغير دليل لعب بما يأتي من صريح الحديث النبوي والكلام الضابط فيما يؤول وما لا يؤول أن النقليات أربعة أقسام: قطعي السند والدلالة، ظنيهما، ظني السند قطعي الدلالة، عكسه: قطعي السند ظني الدلالة، فالأول يجب اعتقاد ظاهره، ومن خالفه كفر، والبقية يجب اعتقاد ظواهرها ما لم تعارض، فإن عورضت بقطعي وجب العدول عن الظاهر إجماعاً، فمن اعتقده كفر، ثم للناس بعد ذلك مذهبان: أما السلف فيفوضون المراد إلى الله تعالى، وأما الخلف فإن كان لذلك محمل واحد عينوه، وإن كان ثَم محامل سردوها ولم يعينوا شيئاً منها مع اعترافهم بأنهم ليسوا على قطع من أن المراد شيء مما ذكروه، وإنما هو شيء يليق بالمقام والعلم عند الله وبأن طريق السلف أقرب وأسلم وبأنه
стр. 10436
ما حملهم على التأويل إلا انتشار المبتدعين وإشهارهم بدعتهم بين الناس، قال الإمام علاء الدين القونوي رحمه الله تعالى في باب السير من شرحه الحاوي: قال الإمام - يعني إمام الحرمين: ولو بقي الناس على ما كانوا عليه من صفوة الإسلام لما أوجبنا التشاغل بعلم الكلام بل ربما نهينا عنه، وأما الآن وقد ثارت البدع فلا سبيل إلى تركها تلتطم أمواجها فلا بد من إعداد ما يدعى به إلى المسلك الحق وتحل به الشبه، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبه من فروض الكفايات، ومن استراب في أصل من أصول الاعتقاد فعليه السعي في إزاحته إلى أن يستقيم عقده - انتهى.
ثم إنك تجد العلماء يختلفون في بعض الأدلة فبعضهم يجريها على الظاهر وبعضهم يؤول، وذلك للاختلاف في المعارض هل هو قطعي الدلالة أم لا، وهذا الموضع منه، لإن ظواهر الكتاب والسنة تدل على أن الأرضين مثل السماوات في العدد في أن بينهما خلاء، وفي أن في كل واحدة مخلوقات لا يعلمها إلا الله، بل بعض الأخبار يكاد يقطع به في ذلك، ولكنه لم يخرج عن أن يكون ظنياً فأكثر العلماء ومحققوهم على أن المعارض - وهو ما قاله
стр. 10437
أهل علم الهيئة من الأدلة على كونها واحدة - ليس بقطعي، فأولوا كونها سبعة بالأقاليم السبعة، وقد رأيت في التعدد حقيقة حديثاً صريحاً لكن لا أدري حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه للأسماء الحسنى قال: إن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ماء، أتدرون ما تحت ذلك، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال هواء، أتدرون ما تحت ذلك: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم - حتى عد سبع أرضين»
ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه: «هل تدرون ما الذي تحتكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضاً أخرى بينهما خمسمائة سنة - حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ : «ما بين السماء إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة وبين الكرسي
стр. 10438
والعرش مثل ذلك، وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك» .
ولما ذكر سبحانه الصنعة تنبيهاً على التفكر فيها والاعتبار بها، ذكر أن ثمرتها العلم بصفاته بعد العجز عن إحاطة العلم عقب ذاته تعالى فقال: ﴿لتعلموا﴾ أي بهذا العالم الذي أوجده بتسوية كل واحد من القبيلين سبعاً كل واحدة بينها وبين الأخرى مسافة بعيدة مع الكثافة الزائدة وأنتم تعلمون أنه لا يفصل الجسم ولا سيما الكثيف عن آخر مثله إلا فاصل قاهر بقوة باهرة وقدرة ظاهرة وعلم شامل لما يحتاج إليه ذلك، فكيف إذا كان على هذا المنهاج البديع والوجه المنيع على مر الدهور والأحقاب وتعاقب الشهور والأعوام على حساب معلوم ونظام منظوم، لا يدركه إلا أعلى الناس حساباً وأعظمهم صواباً، مع المنافع التي تفضل عن سكانها، والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها وأعيانها، وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل وتدمغ المعاند ببرهانها، فإنه لا يسع أحداً المنازعة في خلقه لها، ومن خلقها قدر على تدبيرها
стр. 10439
على الوجه المذكور، ومن كان كذلك كان منزهاً عن الشريك قطعاً، ومن كان كذلك قدر على كل شيء فلذا قال: ﴿أن الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها ﴿على كل شيء﴾ أي من غير هذا العالم ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم، وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ما لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣] وإياك أن تلتفت إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم، فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص على إبطاله وإن نسبه بعض الملحدين إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي «تهديم الأركان على من قال ليس في الإمكان أبدع مما كان» وكتابي «دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان» وكتابي «إطباق الأغلال في أعناق الضلال» ومع كونه مذهب
стр. 10440
الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه فصوصه وغير ذلك من كتبه واستند فيه في بعضها إلى الغزالي إتقاناً لمكره - أعاذنا الله من شره، والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره ﴿قدير *﴾ أي بالغ القدرة.
ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء والصفات قال: ﴿قد أحاط﴾ لتمام قدرته ﴿بكل شيء﴾ مطلقاً، ولما أسند الإحاطة إليه سبحانه تعظيماً لها، بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال: ﴿علماً *﴾ فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العلم بمصالحه ومفاسده فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا طلقتم فافعلوا ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى، ودبروا في جميع أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه وسقفه فإنه جعل فيه جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ونشر حلمه وفضله وأخر بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ومفصلها والله يعلم بذات الصدور.
стр. 10441
سورة التحريم
مقصودها الحث على تقدير التدبير في الأدب مع الله ومع رسوله ﷺ ومع سائر العباد والندب إلى التخلق بالأدب الشرعي وحسن المباشرة لا سيما للنساء اقتداء بالنبي ﷺ في حسن عشرته وكريم صحبته وبيان ان الأ ب الشرعي تارة يكون باللين والأناة، وأخرى بالسوط وما داناه ومرة بالسيف وما والاه، وكل من اسميها التحريم والنبي ﷺ موضح لذلك) بسم الله (الذي له الكمال كله على الدوام) الرحمن (الذي عم عباده بعظيم الإنعام) الرحيم (الذي أتم خواصه نعمة الإسلام.
стр. 10442
لما ختم سبحانه الطلاق بإحاطة علمه وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه اللاتي من خير النساء واجتهد كل في إخفاء ما تعلق به منه فأظهره سبحانه عتاباً لأزواج نبيه ﷺ في صورة عقابه لأنه أبلغ رفقاً به لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة
стр. 10443
رحمة لأمته تارة لطلب رضاهم وأخرى رغبة في هداهم، لأنه ﷺ بالغ في تهذيب أخلاقه مع ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ضيق عليها بالامتناع عن بعض ما أبيح له حفظاً لخاطر الغير، فقال تعالى منادياً له بأداة البعد وهو أقرب أهل الحضرة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب جليل ومعنى جسيم جليل، وفيها إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه وتزكيته وتهذيبه: ﴿يا أيها النبي﴾ مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه أشد الملاءمة خلو البال وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله تعالى فيحث كل سامع على البعد عن كل ما يشوش عليه ﷺ أدنى تشويش ﴿لم تحرم﴾ أي تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة ﴿ما أحل الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ﴿لك﴾ بالوعد لبعض أمهات المؤمنين ﵅ بالامتناع من شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب ﵄ والامتناع من ملامسة سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك لإحسان العشرة مع نسائك ﵅ أجمعين، فإن النبي ﷺ كان يشرب عسلاً عند حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش ﵄ على اختلاف
стр. 10444
الروايتين في ذلك في الصحيح، وفي رواية «أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه ﵅ امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر ﵄ عكة من العسل، فكانت إذا دخل عليها فسلم حبسته وسقته منها، وأن عائشة ﵂ أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خصرة: إذا دخل رسول الله ﷺ على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع فأخبرتها الخبر فوصت صواحباتها فنفرنه من شربه بإخباره بأنه يوجد منه ريح كريهة لأن نحلة جرست العرفط، فقال: لن أعود له،» وروى الطبري وابن مردوية «أنه ﷺ خلا بمارية ﵂ أم ولده إبراهيم ﵇ في بيت حفصة ﵂ فتوجعت من ذلك حفصة ﵂ فقال هي علي حرام ولا تذكري ذلك لأحد وأبشرك على ذلك بشارة، وهي أن أبا بكر يلي هذا الأمر من بعدي وأباك يليه من بعد أبي بكر ﵄، لا تخبري بذلك أحداً، فأخبرت عائشة ﵂»
ويروى أن حفصة ﵂ قالت في يومها من النبي ﷺ : «إن بي إلى أبي حاجة نفقة له عنده فأذن لي أن
стр. 10445
أزوره وآتي بها، فأذن لها فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية ﵂ فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقاً فجلست عنده فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقاً وحفصة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقاً ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقال ﷺ : أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا أحداً، فلما خرج أخبرت عائشة ﵂ فحلفته على ترك مارية ﵅» ثم علل ذلك سبحانه بقوله: ﴿تبتغي﴾ أي تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك ﴿مرضات أزواجك﴾ أي الأحوال والمواضع والأمور التي يرضين بها ومن أولى بأن تبتغين رضاك وكذا جميع الخلق لتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد.
ولما كان أعلى ما يقع به المنع من الأشياء من جهة العباد الإيمان، وكان تعالى قد جعل من رحمته لعباده لإيمانهم كفارة قال: ﴿والله﴾ أي تفعل ذلك لرضاهن والحال أن الله الملك الأعلى ﴿غفور رحيم *﴾
стр. 10446
أي محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، ثم علل أو بين بقوله: ﴿قد فرض الله﴾ أي قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض حثاً على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ولا يخل بحرمة اسم الله لأن أهل الهمم العوالي لا يحبون النقلة من عزيمة إلى رخصة بل من رخصة إلى عزيمة، أو عزيمة إلى مثلها.
ولما كان التخفيف على هذه الأمة إنما هو كرماً منه وتعظيماً لهذا النبي ﷺ قال: ﴿لكم﴾ أي أيتها الأمة التي أنت رأسها، وعبر بمصدر حلل المزيد مثل كرمه وتكرمه إظهاراً لمزيد الغاية فقال: ﴿تحلة﴾ أي تحللة ﴿أيمانكم﴾ أي شيئاً يحللكم مما أوثقتم به أنفسكم منها تارة بالاستثناء وتارة بالكفارة تحليلاً عظيماً بحيث يعيد الحال إلى ما كان عليه قبل اليمين، وقد بين ذلك في سورة المائدة فحلل يمينك واخرج من تضييقك على نفسك واشرح من صدرك لتتلقى ما يأتيك من أنباء الله تعالى وأنت متفرغ له بطيب النفس وقرة العين، وهذا يدل على أن قوله «أنت علي حرام» كاليمين إذا لم يقصد به طلاقاً للزوجة ولا إعتاقاً للأمة، وإذا كان الله قد فرض ذلك لكافة الأمة تيسيراً عليهم فرأسهم أولى بأن يجعل له ذلك، قال مقاتل:
стр. 10447
فأعتق ﷺ في هذه الواقعة رقبة، وقد قيل: إن تحريمه ﷺ هنا كان بيمين حلفها وحينئذ لا يكون فيه حجة لمن رأى أن «أنت على حرام» يمين ﴿والله﴾ أي والحال أن المختص بأوصاف الكمال ﴿مولاكم﴾ أي يفعل معكم فعل القريب الصديق ﴿العليم﴾ أي البالغ العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له ﴿الحكيم *﴾ أي الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا ينسخه هو ولا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئاً منه، وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لاخفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب معناهما، وقد ظن أن رسول الله ﷺ طلق نساءه حين اعتزل في المشربة حتى سأله عمر ﵁ والقصة معروفة وتخييره صل الله عليه وسلم إياهن أثر ذلك وبعد اعتزالهن شهراً كاملاً وعتب الله عليهن في قوله:
﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه﴾ [التحريم: ٤] وقوله: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ [التحريم: ٥] فهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأشبه بسورة الأنفال وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد - انتهى.
стр. 10448
ولما كانت العدة فيمن رأى حبيبه قد ضاق صدره أن يسعى أولاً في شرح صدره وطيب نفسه ثم يزيده بسطاً بأن يقول للحاضرين: إن حبيبنا هذا الكريم علينا اتفق له كذا، وقد كرهت هذا وضمنت زواله، وكان تعالى قد طيب نفسه ﷺ بأول السورة، ثم أتبعه الأمر الآخر، فكان التقدير: اذكروا هذا الذي ذكرته من حسن عشرة نبيكم ﷺ لنسائه رضي الله تعالى عنهن وكريم صحبته وشريف أخلاقه وجميل أفضاله وجليل حلمه واذكروا ما خفف الله به عنكم في الأيمان التي لا مثنوية فيها واذكروا فيها اسمه المقدس، عطف عليه قوله تعالى تشريفاً لنبيه ﷺ بالمعاتبة عليه وبإظهار ما هو حامل له من ثقل هذا السر على أجمل وجه تخفيفاً عنه وترويحاً له: ﴿وإذ﴾ أي واذكروا كريم أخلاقه ﷺ وطاهر شمائله في عشرتهن حين ﴿أسر النبي﴾ أي الذي شأنه أن يرفعه الله دائماً بأن يتلقى من فياض علمه ما يخبر به الناس فإنه ما ينطق عن الهوى وأبهم الزوجة ولم يعينها سبحانه تشريفاً له ﷺ ولها ﵅ فقال تعالى: ﴿إلى بعض أزواجه﴾ وهي حفصة ﵂، كنى عنها صيانة لهن لأن حرمتهن ﵅ من حرمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 10449
﴿حديثاً﴾ ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لهم به وأعلنه ولم يخص به ولا أسره وذلك هو تحريم مارية ﵂ ووعده بأن يترك العسل وبشارته بولاية أبي بكر وعمر ﵄ ولم يبين الحديث ويفصله إكراماً له ﷺ وحفظاً لسره لأن العادة جارية بأن الإنسان لا يحب تفصيل سره وإن كنا اطلعنا عليه بعد ذلك لنتأسى به فيما فيه من الأحكام، فإن أحواله ﷺ كلها أحكام لنا إلا ما اختص به وأشار إلى قرب زمن إفشائه من زمن التحديث بالفاء في قوله تعالى: ﴿فلما نبأت﴾ أي أخبرت إخباراً عظيماً جليلاً لشرفه في نفسه ولأنه من عند الله وبالغت في ذلك وأخبرت ﴿به﴾ كله من جميع وجوهه، وجعل ذلك في سياق حكاية لأنه أستر لحرمه ﷺ حيث لم يقل: فنبأت به ولا قال: أساءت بالإنباء به، ونحو ذلك مما يفهم أنه مقصود بالذات ﴿وأظهره الله﴾ أي أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليه﴾ أي الحديث بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شراً ويثيب عليه إن كان خيراً ﴿عرف﴾ أي النبي ﷺ التي أسر إليها ﴿بعضه﴾ وهو أمر الخلافة عتاباً لها عليه لأنه كان أوصاها أن لا تظهره، والكف عن بعض العتب أبعث على حياء
стр. 10450
المعتوب وأعون على توبته وعدم عدده إلى فعل مثله ﴿وأعرض عن بعض﴾ وهو أمر السرية والعسل تكرما منه أن يستقصي في العتاب وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان الثوري: ما زال التغافل من فعل الكبراء وإنما عاتب على أمر الخلافة خوفاً من أن ينتشر في الناس ويذيع، فربما أثار حسداً من بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق والفاروق كيداً أو جر إلى مفسدة لا نعلمها، وخفف الكسائي: عرف أي أقر به والمعرفة سبب التعريف والتعريف عن المعرفة فإطلاق أحدهما على الآخر شائع وعلاقته ذلك وأشار إلى مبادرته بتعريفها ذلك لئلا ينتشر ما يكرهه منه بقوله: ﴿فلما نبأها﴾ بما فعلت من إفشاء ما عرفها منه على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها ﴿به﴾ شيئاً منه ولا من عوارضه ليزداد بصيرة، روي أنها قالت: قلت لعائشة ﵂ سراً وأنا أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي وهو معنى قوله: ﴿قالت﴾ أي ظناً منها أن عائشة ﵂ أفشت عليها ﴿من أنبأك هذا﴾ أي مطلق إخبار، واستأنف قوله: ﴿قال نبأني﴾ وحذف المتعلق اختصاراً للفظ وتكثيراً للمعنى بالتعميم إشارة إلى أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة ﵄ مما عرفها به ومن غيره على أتم ما كان ﴿العليم﴾ أي المحيط بالعلم ﴿الخبير *﴾ أي المطلع
стр. 10451
على الضمائر والظواهر فهو أهل لأن يحذر فلا يتكلم سراً ولا جهراً إلا بما يرضيه.
стр. 10452
ولما عرف من هذا أن المعاتب المنبئة ومن نباته، وكان قد يكون عدداً أشار إلى أنه واحد فالمعاتب اثنتان، وكانتا قد اتسعت قلوبهما لما يأتي من قبل الله من الرغائب بهذا العتاب على هذا الأمر الخفي جداً والكرم عليهما فيه بعدم الاستقصاء فمالت قلوبهما إلى المعالي وغاصت على جليل المعارف فصاغت من جواهر ذلك دقيق المعاني، لفت إليهما الخطاب بلطيف العباد لشريف المتاب، فقال تشريفاً آخر له ﷺ بالإقبال على نسائه رضي الله تعالى عنهن بالعتاب لأجله قياماً عنه بما ربما أزعجه لو باشره حفظاً لخاطره الشريف مما قد يغره ﴿إن تتوبا﴾ أي يا عائشة ويا حفصة مما صنعته حفصة بالإفشاء وعائشة بالاحتيال على المنع من شرب العسل والتحليف على مارية ﴿إلى الله﴾ أي الملك الذي أحاط علمه فجلت قدرته ولطف بهما لأجله ﷺ غاية اللطف في قوله: ﴿فقد صغت﴾ أي مالت وغاضت بما صاغت ﴿قلوبكما﴾ وفي جمع القلوب جمع كثرة تأكيد لما فهمته من ميل القلب بكثرة المعارف بما أفادهما إظهار هذا السر والعتاب عليه من الحياء، فصارتا جديرتين بالمبادرة إلى التوبة متأهلتين لذلك غاية التأهل.
ولما أورد ما صارتا حقيقيتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين
стр. 10453
الخوف والرجاء من ذلك وهو أعلم مما يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف، فقال معلماً بأن الملك وأوليائه أنصار له ﴿وإن تظاهرا﴾ بالتشديد للإدغام في قراءة الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في أمر مارية ﵂ والعسل وما يأتي من مثل ذلك ما يبعث عليه الغيرة ﴿عليه﴾ أي النبي ﷺ المنبأ من قبل الله بما يرفع قدره ويعلي ذكره، وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى سهولة أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له ﷺ .
ولما كان المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته، فقال مؤكداً إعلاماً بأن حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام: ﴿فإن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ﴿هو﴾ أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه التي لا يقوم لما لها من العظمة شيء ﴿مولاه﴾ أي ناصره والمتولي من أمره ما يتولاه القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك فهو يعمل أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه ﷺ إظهار
стр. 10454
لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره.
ولما كانت النفوس لمبنى هذه الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم نظر إليها، وكان نساء النبي ﷺ لكثرة ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة على لسان جبريل ﵊ وكثرة تردده إلى النبي ﷺ في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من الأسباب الظاهرة المألوفة، وكان هو أعظم أنصار النبي ﷺ قال: ﴿وجبريل﴾ لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها الله سبحانه.
ولما كان الحامل على مظاهرته ﷺ على كل ما يريده الإيمان فكل ما كان الإنسان فيه أمكن كان له أشد مظاهرة وأعون قال: ﴿وصالح المؤمنين﴾ أي الراسخين في رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن وأبواهما ﵄ أعظم مراد بهذا، وقد روي أن عمر ﵁ قال للنبي ﷺ : لو أمرتني لأضربن عنقها، والصالح وإن كان لفظه مفرداً فمعناه الجمع المستغرق لأنه للجنس، ودل على ذلك مع دلالة السياق إضافته للجمع ولعله عبر بالإفراد مع أن هذا المراد للإشارة إلى قلة المتصف بهذا
стр. 10455
جداً لقلة الراسخين في الإيمان وقلة الراسخين في الصلاح من الراسخين في الإيمان فهو قليل من قليل وقد جوز بعضهم أن يكون جمعاً وأنه حذفت واؤه في الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين، فظن لذلك مفرداً ودخل في ذلك جبريل ﵇ أيضاً.
ولما كان الله قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في الظواهر. والبواطن ما يجل عن الوصف، قال تعظيماً للمقام بعد تعظيمه بما ذكر من رئيس الكروبيين عليهم الصلاة والسلام ﴿والملائكة﴾ أي كلهم ومنهم جبريل عليهم الصلاة والسلام فهو مذكور خصوصاً وعموماً ثلاث مرات إظهاراً لشدة محبته وموالاته للنبي ﷺ . ولما كان المراد التعميم في الزمان والمكان بعد التعميم في الصالحين من الملائكة والإنس والجان، قال من غير جار معظماً لنصرة الملائكة لما لهم من العظمة في القلوب لما تقرر لمن باشر منهم العذاب تارة بالرجفة وأخرى بالصعقة وتارة بالخسف وأخرى بغير ذلك، فكيف إذا تصور الآدمي المقيد بالمحسوسات اجتماعهم على ما لهم من الأشكال المهولة ﴿بعد ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي تقدم ذكره وهو مظاهرة الله ومن ذكر معه ﴿ظهير *﴾ أخبر عن الجمع باسم الجنس
стр. 10456
إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة في المظاهرة، فخوف بهذا كله لأجل المتاب لطفاً به ﷺ وإظهاراً لعظمته وفي قصة صاحب ياسين قال ﴿وما أنزلنا على قومه﴾ الآية، تحقيراً لقومه وإهانة لهم، ويجوز أن يكون «ظهير» خبر جبريل ﵊، وخبر ما بعده محذوف لدلالته عليه أي كذلك.
ولما حذر بما تقدم، زاد في التحذير ما يقطع القلوب لأن أشد ما على المرأة أن تطلق ثم إذا طلقت أن تستبدل بها ثم أن يكون البدل خيراً منها فقال مبيناً لأدنى أنواع المظاهرة سائقاً الأمر مساق الرجاء إشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف تجويز احتمال الضرر فكيف إذا كان الأمر حتماً لأن من المعلوم أن «عسى» من الله على طريق الكبراء لا سيما الملوك في اكتفائهم بالإشارات والرموز فمن هنا كانت واجبة لأنه ملك الملوك وهو ذو الكبرياء في الحقيقة لا غيره ﴿عسى ربه﴾ أي المسحن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها وما لم تعرفوه جدير وحقيق، ووسط بينها وبين خبرها اهتماماً وتخويفاً قوله: ﴿إن طلقكن﴾ أي بنفسه من غير اعتراض عليه جمع أو بعضكن
стр. 10457
بإيجاد الطلاق لمن لم يطلقها وإدامته من طلقها ﴿أن يبدّله﴾ منكن بمجرد طلاقه لكن من غير أن تحوجه إلى التفتيش تبديلاً مبالغاً فيه بما أشارت إليه قراءة نافع وأبي جفعر وأبي عمرو بالتشديد، فهي أبلغ من قراءة الباقين بالتخفيف الدال على مطلق الإبدال الصالح للمبالغ فيه وغيره، ومن التشريف أيضاً إضافة الطلاق إليه والإبدال إلى الله مع التعبير بصفة الإحسان وتخصيص الإضافة! بضميره.
ولما كان الأوجع لقب الحرة حرة مثلها لا سرية قال: ﴿أزواجاً﴾ ولما كان علوها عليها في الرتبة هو النهاية في التأسيف قال: ﴿خيراً﴾ ودل على أنها للتفضيل بقوله: ﴿منكن﴾ وهذا على سبيل الفرض وعام في الدنيا والآخرة فلا يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقاً وإن قيل بوجوده في خديجة ﵂ لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه ﷺ وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهراً وباطناً النهاية القصوى ومريم ﵍ التي أحصنت فرجها حتى كانت من القانتين، وذلك في الآخرة، والكلام خارج مخرج الشرط بالطلاق وقد علم سبحانه أنه لا يقع لكنه سبحانه علم أنه لو وقع أبدله ﷺ من هو بالصفات المذكورة المقتضية للإخلاص
стр. 10458
في طاعته كما أشار إليه «قانتات» ولا شك أن من لازم طاعته وقيد الاتصال به في الدارين كان خيراً من غيره، وتعليق تطلق الكل لا يدل على أنه لم يطلق حفصة ﵂ فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلاً من الله تعالى لأن الله تعالى أمره بأن يراجعها لأنها صوامة قوامه - والله الموفق. ولما وعد بما ذكر، وكان أول منظور إليه الظاهر، فصل ذلك الوعد وفسر الخيرية بادئاً بقوله: ﴿مسلمات﴾ أي ملقيات لجميع قيادهن ظاهراً وباطناً لله ولرسوله ﷺ على وجه الخضوع.
ولما كان المشاهد من الإسلام إنما هو الظاهر قال: ﴿مؤمنات﴾ أي راسخات في القوة العلمية بتصديق الباطن.
ولما كان ذلك قد يكون فيه نوع شوب قال: ﴿قانتات﴾ أي مخلصات في ذلك لا شائبة في شيء منه فهن في غاية ما يكون من إدامة الطاعة له من الذل والانكسار والمبادرة إلى امتثال أمره ﷺ في المنشط والمكره.
ولما كان الإنسان مجبولاً على النقصان، وكان الإخلاص يدل صاحبه على تقصيره فكان ربما فتره ذلك، قال تسهيلاً لخدمته وتقريباً
стр. 10459
لدوام طاعته معلماً الأدب لمحتاجه ﴿تائبات﴾ أي راجعات من الهفوات أو الزلات سريعاً إن وقع منهن شيء من ذلك. ولما كان هذا مصححاً للعبادة مسهلاً لدوامها قال: ﴿عابدات﴾ أي مديمات للعبادة بسبب إدامة تجديد التوبة. ولما كان دوام العبادة مسهلاً للخروج عن الدنيا قال: ﴿سائحات﴾ أي متصفات بصفات الملائكة من التخلي عن الدنيا والاستغراق في الآخرة بما أدناه الصيام ماضيات في ذلك غاية المضاء ليتم الانقياد لله ولرسوله ﷺ ، لأن من كان هكذا لم يكن له مراد، فكان تابعاً لربه في أمره دائماً ويصير لطيف الذات حلو الشمائل، قال الملوي: والمرأة إذا كانت كثيرة الصيام قليلة الأكل يقل عرقها ويصغر كرشها وتلطف رائحتها وتخف حركتها لما يراد منها - انتهى. وسوق هذه الأوصاف هذا السياق في عتاب من هو متصف بها معرف أن المراد منها التمام لا سيما وهي لا يوجد وصف منها على سبيل الرسوخ إلا كان مستلزماً لسائرها، فلذلك لم يحتج في تعدادها إلى العطف بالواو. والتجريد عنه أقعد في الدلالة على إرادة اجتماعها كلها.
ولما أكمل الصفات الدينية النافعة في أمر العشرة ولم يبق إلا الصفات
стр. 10460
الكونية وكان التنويع إلى عارفة بالعشرة وباقية على أصل الفطرة، ألذ وأشهى إلى النفس، قال مقسماً للنساء المتصفات بالصفات الست عاطفاً ثاني الوصفين بالواو للتضاد ﴿ثيبات﴾ قدمهن لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها ﴿وأبكاراً﴾ .
стр. 10461
ولما أبلغ سبحانه في عتاب أزواج النبي ﷺ مع صيانتهن عن التسمية إكراماً له ﷺ وعلم اتصافهن بهذه الصفات العظيمة على سبيل الرسوخ من دوام صحبته ﷺ لهن ليكن من جملة أزواجه في الجنة وكان اتصافهن بذلك الذي أداهن إلى السعادة العظمى إنما هو بحسن تأديب أوليائهن لهن وإكمال ذلك الأدب بحسن عشرته ﷺ وتأدبهن بكريم أخلاقه أثمر ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق الكاملة والتأسي بأوليائهن في ذلك ليعرفن حق الله وحق الأزواج فيحصل بذلك صلاح ذات البين المثمرات للخير كله فقال تعالى متبعاً لهذه الموعظة الخاصة بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب ﴿يا أيها﴾ مخاطبة لأدنى الأسنان إشارة إلى أن من فوقهم
стр. 10462
تأسى من حين دخوله في الإسلام فهو غني عن أمر جديد ﴿الذين آمنوا﴾ أي أقروا بذلك ﴿قوا أنفسكم﴾ أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به ﷺ في أدبه مع الخلق والخالق في لينه لمن يستحق اللين من الخلق تعظيماً للخالق فعاملوه قبل كل شيء بما يعاملكم به من الأدب، وكذا كونوا مع بقية الخلق.
ولما كان الإنسان راعياً لأهل بيته مسؤولاً عن رعيته قال تعالى: ﴿وأهليكم﴾ من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم ﴿ناراً﴾ بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي ﷺ كما روى أحمد والطبراني عن سعيد بن العاص ﵁ رفعه: «ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن» ولما كانت الأشياء لا تعظم في نفسها وعند المخبر بها إلا بإخباره بما يشتمل عليه من الأوصاف قال: ﴿وقودها﴾ أي الذي توقد به ﴿الناس والحجارة﴾ أي ألين الأشياء وأصلبها، فما بين ذلك هو لها وقود بطريق الأولى.
ولما وصفها بغاية الأدب في الائتمار أتبعه وصف القُوَام فقال معبراً بأداة الاستعلاء دلالة على تمكنهم من التصرف فيها:
стр. 10463
﴿عليها ملائكة﴾ أي يكون أمرها على سبيل الاستعلاء فلا تعصيهم شيئاً لتأديب الله لها ﴿غلاظ﴾ أي في الأبدان والقلوب فظاظة على أهلها لاستحقاقهم لذلك بعصيانهم الملك الأعلى.
ولما كان الغلظ قد يكون مع الرخاوة قال: ﴿شداد﴾ أي في كل شيء يحاولونه بالقول والفعل حتى روي أن الواحد منهم يلقي بالدفعة الواحدة في النار من الكفار سبعين ألفاً.
ولما كان المعنى أنهم يوقعون غلظتهم وشدتهم بأهل المعاصي على مقادير استحقاقهم. بين ذلك بما يخلع القلوب لكونه بأمر الله تعالى فقال: ﴿لا يعصون الله﴾ أي الملك الأعلى في وقت من الأوقات ﴿ما أمرهم﴾ أي أوقع الأمر لهم به في زمن ما.
ولما كان المطيع منا قد يخل ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو وقت لنسيان، أو نوم ونحوه أو بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه على أعلى الدرجات كما قال ﷺ فيما أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵄ والطيالسي عن ثوبان ﵁: «استقيموا ولن تحصوا» قال نافياً لذلك عنهم: ﴿ويفعلون﴾ أي مجددين مع كل أمر على سبيل الاستمرار ﴿ما يؤمرون *﴾ أي ما يقع
стр. 10464
لهم الأمر به في أي وقت كان من غير نقص ما، وبني الفعل لما لم يسم فاعله كناية عن سهولة انقيادهم وإشارة إلى أن الذي أمرهم معلوم أنه الله .
ولما كان النبي ﷺ أعظم من أريد بأمر الأمة بالتأدب معه فكان تعمد الإخلال بالأدب معه كفراً، علم أن هذه النار لأولئك فعلم أن التقدير: يقولون: ﴿يا أيها الذين كفروا﴾ أي بالإخلال بالأدب في النبي ﷺ فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع سائر خلقه ﴿لا تعتذروا﴾ أي تبالغوا في إظهار العذر وهو إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير ﴿اليوم﴾ فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، وإذا نهى عن المبالغة في الاعتذار لعدم نفعها كان النهي عن مطلقه من باب الأولى، وهذا قطع لرجائهم وإيجاب لباسهم ليعظم همهم وتنقطع قلوبهم لأن معناه أن الاعتذار لا ينفعكم وإن بالغتم فيه، ولذلك استأنف قوله على سبيل الحصر: ﴿إنما تجزون﴾ أي في هذا اليوم ﴿ما كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة والطبع ﴿تعملون *﴾ أي على سبيل الإصرار ولا بعد على الله في أن
стр. 10465
يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنها عمله، ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم سبحانه أنه بمقدار استحقاقه.
стр. 10466
ولما أفهم الأمر بالوقاية والمدح للملائكة أن المأمورين بالوقاية مقصرون قال مرشداً إلى داوء التقصير: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ناداهم بما هو أليق بهم من أداة البعد ﴿توبوا﴾ أي ارجعوا رجوعاً تاماً ﴿إلى الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له.
ولما كان كل فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال: ﴿توبة نصوحاً﴾ أي بالغة في كونها ناصحة عن الإسناد المجازي أي منصوحاً فيها بالإخلاص في الأزمان الثلاثة، الماضي بالندم، والحال بالإقلاع. والمستقبل بالعزم على عدم العود إلى الذنب، فلا يقع فيها رجوع كما لا يعود الحليب إلى الضرع، فلا يؤذي أحد رسول الله ﷺ ، فإن أذى رسوله من أذاه، قال القرطبي: النصوح مجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الإخوان، وقال رويم الراعي: هي أن تكون لله وجهاً بلا قفا كما كانت له عند المعصية قفاء بلا وجه.
ولما أمر بالتوبة عللها بما يفيد الإطماع من الإقامة بين الرجاء والخوف إعلاماً بأن هذا المقام هو المنجي لأنه اعتقاد الكمال له سبحانه وهو أن له أن يفعل ما يشاء في المطيع وغيره بقوله:
стр. 10467
﴿عسى ربكم﴾ أي افعلوا ذلك ليكون المحسن إليكم بهذا البيان جديراً أو حقيقاً ﴿أن يكفر﴾ أي يغطي تغطية عظيمة ﴿عنكم﴾ أي بالتوبة، وإذا كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر على ذنوبه ﴿سيئاتكم﴾ أي ما بدا منكم ما يسوءه.
ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار، ذكر نفعها في جلب المسار فقال: ﴿ويدخلكم﴾ أي يوم الفصل ﴿جنات﴾ أي بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها لأنها ﴿تجري﴾ .
ولما كان ذلك الجري في بعض أرضها قال معبراً بأداة التبعيض: ﴿من تحتها﴾ أي تحت غرفها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال ريا.
ولما ذكر الغفران والإكرام. ذكر وقته فقال مبشراً لأهله معرضاً لغيرهم مستحمداً لأهل وده لكونه وفقهم ولم يخذلهم كأعدائه: ﴿يوم لا يخزي الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالكمال ﴿النبي﴾ أي الرجل الذي ينبئه الله بما يوجب له الرفعة التامة من الإخبار التي هي في غاية العظمة ﴿والذين﴾ أي
стр. 10468
ولا يخزي الذين ﴿آمنوا معه﴾ وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن كان المراد المعية في مطلق الزمان، وسابقوهم إن كان المراد في الوصف أو زمان مخصوص كبدر وبيعة الرضوان لأن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» كما رواه مسلم عن أم مبشر ﵂ وأبو داود والترمذي عن جابر ﵁: «ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال:» اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم «»
وقال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا﴾ [الحديد: ١٠] إلى قوله ﴿وكلاًّ وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠] ونساءه ﵅ أحق بأن يكن أول راغب في الكون معه في الإيمان ليبعدن عن النيران، وإذا استحضرت قصص الأنبياء من سورة هود ﵊ اتضح لك حسن هذا الوجه، ويجوز أن يكون «الذين» مبتدأ خبره «نورهم» أو يكون الخبر «معه» إشارة إلى أن جميع الأنبياء وصالحي أممهم من أمته وتحت لوائه، وذلك في غاية ما يكون من الشرف والرفعة له ﷺ والإيمان المقيد بمعيته، أي تأهله لمصاحبة إيمانه ﷺ غير الإيمان المطلق، فلا مانع من أن يدخل غيرهم من المؤمنين النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين فلا متمسك للمعتزلة بها في أن مرتكب الكبائر مخلد في النار لأنه داخل النار فهو مخزي، فهو غير موصوف بالإيمان لأن من اتصف بالإيمان لا يخزى بدليل هذه الآية، قال أبو حيان:
стр. 10469
وفي الحديث: «أنه ﷺ تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: إن شئت جعلت حسابهم إليك، فقال: يا رب! أنت أرحم بهم مني، فقال تعالى: إذاً لا أخزيك فيهم» .
ولما نفى عنهم الخزي، فسره بقوله مقدماً للنور لأن السياق لتعظيم النبي ﷺ بخلاف ما مضى في الحديد: ﴿نورهم يسعى﴾ أي سعياً مستمر التجدد، وعلى التفسير الآخر تكون هذه الجملة حالية، ويجوز أن تكون خبراً ل «الذين» إذا جعلناه مبتدأ ﴿بين أيديهم﴾ وحذف الجار إشارة إلى أنه ملأ تلك الجهة ﴿و﴾ كذا ﴿بأيمانهم﴾ وأما ما يلي شمائلهم فإنهم لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين، فهم يمشون فيما بين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أهل الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النر إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا.
ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات العبد قال: ﴿يقولون﴾ أي مجددين لذلك دائماً لعلمهم أن الله تعالى له أن
стр. 10470
يفعل ما يشاء، لا حق لأحد عليه ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين، قال سهل: لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في الآخرة بل هم في الآخرة أشد افتقاراً إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى لقائه: ﴿ربنا﴾ أي أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه ﴿أتمم﴾ فأظهروا لأن المقام له.
ولما كان الإنسان ربما رزق شيئاً فانتفع به غيره دونه قالوا: ﴿لنا نورنا﴾ أي الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى المأمن في دار السلام، ولا تجعلنا كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت عاقبتهم إلى الظلام.
ولما كان كل من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص، قالوا على سبيل الذلة والمسكنة والتواضع: ﴿واغفر لنا﴾ أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره، وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل، فكل فضيلة تكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط، فالفضيلة هي الصراط المستقيم، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان
следующие страницы →