← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.

стр. 10466

ولما أفهم الأمر بالوقاية والمدح للملائكة أن المأمورين بالوقاية مقصرون قال مرشداً إلى داوء التقصير: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ناداهم بما هو أليق بهم من أداة البعد ﴿توبوا﴾ أي ارجعوا رجوعاً تاماً ﴿إلى الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له. ولما كان كل فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال: ﴿توبة نصوحاً﴾ أي بالغة في كونها ناصحة عن الإسناد المجازي أي منصوحاً فيها بالإخلاص في الأزمان الثلاثة، الماضي بالندم، والحال بالإقلاع. والمستقبل بالعزم على عدم العود إلى الذنب، فلا يقع فيها رجوع كما لا يعود الحليب إلى الضرع، فلا يؤذي أحد رسول الله ﷺ ، فإن أذى رسوله من أذاه، قال القرطبي: النصوح مجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الإخوان، وقال رويم الراعي: هي أن تكون لله وجهاً بلا قفا كما كانت له عند المعصية قفاء بلا وجه. ولما أمر بالتوبة عللها بما يفيد الإطماع من الإقامة بين الرجاء والخوف إعلاماً بأن هذا المقام هو المنجي لأنه اعتقاد الكمال له سبحانه وهو أن له أن يفعل ما يشاء في المطيع وغيره بقوله:

стр. 10467

﴿عسى ربكم﴾ أي افعلوا ذلك ليكون المحسن إليكم بهذا البيان جديراً أو حقيقاً ﴿أن يكفر﴾ أي يغطي تغطية عظيمة ﴿عنكم﴾ أي بالتوبة، وإذا كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر على ذنوبه ﴿سيئاتكم﴾ أي ما بدا منكم ما يسوءه. ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار، ذكر نفعها في جلب المسار فقال: ﴿ويدخلكم﴾ أي يوم الفصل ﴿جنات﴾ أي بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها لأنها ﴿تجري﴾ . ولما كان ذلك الجري في بعض أرضها قال معبراً بأداة التبعيض: ﴿من تحتها﴾ أي تحت غرفها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال ريا. ولما ذكر الغفران والإكرام. ذكر وقته فقال مبشراً لأهله معرضاً لغيرهم مستحمداً لأهل وده لكونه وفقهم ولم يخذلهم كأعدائه: ﴿يوم لا يخزي الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالكمال ﴿النبي﴾ أي الرجل الذي ينبئه الله بما يوجب له الرفعة التامة من الإخبار التي هي في غاية العظمة ﴿والذين﴾ أي

стр. 10468

ولا يخزي الذين ﴿آمنوا معه﴾ وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن كان المراد المعية في مطلق الزمان، وسابقوهم إن كان المراد في الوصف أو زمان مخصوص كبدر وبيعة الرضوان لأن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» كما رواه مسلم عن أم مبشر ﵂ وأبو داود والترمذي عن جابر ﵁: «ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال:» اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم «» وقال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا﴾ [الحديد: ١٠] إلى قوله ﴿وكلاًّ وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠] ونساءه ﵅ أحق بأن يكن أول راغب في الكون معه في الإيمان ليبعدن عن النيران، وإذا استحضرت قصص الأنبياء من سورة هود ﵊ اتضح لك حسن هذا الوجه، ويجوز أن يكون «الذين» مبتدأ خبره «نورهم» أو يكون الخبر «معه» إشارة إلى أن جميع الأنبياء وصالحي أممهم من أمته وتحت لوائه، وذلك في غاية ما يكون من الشرف والرفعة له ﷺ والإيمان المقيد بمعيته، أي تأهله لمصاحبة إيمانه ﷺ غير الإيمان المطلق، فلا مانع من أن يدخل غيرهم من المؤمنين النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين فلا متمسك للمعتزلة بها في أن مرتكب الكبائر مخلد في النار لأنه داخل النار فهو مخزي، فهو غير موصوف بالإيمان لأن من اتصف بالإيمان لا يخزى بدليل هذه الآية، قال أبو حيان:

стр. 10469

وفي الحديث: «أنه ﷺ تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: إن شئت جعلت حسابهم إليك، فقال: يا رب! أنت أرحم بهم مني، فقال تعالى: إذاً لا أخزيك فيهم» . ولما نفى عنهم الخزي، فسره بقوله مقدماً للنور لأن السياق لتعظيم النبي ﷺ بخلاف ما مضى في الحديد: ﴿نورهم يسعى﴾ أي سعياً مستمر التجدد، وعلى التفسير الآخر تكون هذه الجملة حالية، ويجوز أن تكون خبراً ل «الذين» إذا جعلناه مبتدأ ﴿بين أيديهم﴾ وحذف الجار إشارة إلى أنه ملأ تلك الجهة ﴿و﴾ كذا ﴿بأيمانهم﴾ وأما ما يلي شمائلهم فإنهم لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين، فهم يمشون فيما بين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أهل الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النر إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا. ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات العبد قال: ﴿يقولون﴾ أي مجددين لذلك دائماً لعلمهم أن الله تعالى له أن

стр. 10470

يفعل ما يشاء، لا حق لأحد عليه ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين، قال سهل: لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في الآخرة بل هم في الآخرة أشد افتقاراً إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى لقائه: ﴿ربنا﴾ أي أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه ﴿أتمم﴾ فأظهروا لأن المقام له. ولما كان الإنسان ربما رزق شيئاً فانتفع به غيره دونه قالوا: ﴿لنا نورنا﴾ أي الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى المأمن في دار السلام، ولا تجعلنا كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت عاقبتهم إلى الظلام. ولما كان كل من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص، قالوا على سبيل الذلة والمسكنة والتواضع: ﴿واغفر لنا﴾ أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره، وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل، فكل فضيلة تكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط، فالفضيلة هي الصراط المستقيم، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان

стр. 10471

يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تاماً، ومن أمالته الشهوات طفىء نوره - أعاذنا الله من ذلك ورزقنا حسن الثبات، وكان ذلك الطفىء في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها، والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التوحيد، فإذا مشى طفىء لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له. ولما كان ما ذكر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، علله بقوله مؤكداً لإنكار الكفار البعث وما تفرع عنه: ﴿إنك﴾ أي وحدك ﴿على كل شيء﴾ أي يمكن دخول المشيئة فيه ﴿قدير *﴾ أي بالغ القدرة. ولما ذكر ما تقدم من لينه ﷺ لأضعف الناس النساء وحسن أدبه وكريم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم، وختم بما للمؤمنين من الشرف ولله من تمام القدرة، أنتج ذلك القطع بإذلال أعدائهم وإخزائهم فقال مدارياً لهم من خطر ذلك اليوم بيد أنصح الخلق ليكون ﷺ جامعاً في طاعته بين المتضادات من اللين والشدة والرضى والغضب والحلم والانتقام وغيرها، فيكون ذلك أدل على التعبد لله بما أمر به والتخلق بأوامره وكل ما يرضيه: ﴿يا أيها النبي﴾

стр. 10472

منادياً بأداة التوسط إسماعاً للأمة الوسطى تنبيهاً على أنهم المنادون في الحقيقة، ولأجل دلالتها على التوسط والله أعلم كان لا يتعقبها إلا ما له شأن عظيم، معبراً بالوصف الدال على الرفعة بالإعلام بالأخبار الإلهية المبني على الإحكام والعظمة المثمرة للغلبة، وأما وصف الرسالة فيغلب فيه الرحمة فيكثر إقباله على اللين والمسايسة نظراً إلى وصف الربوبية: ﴿جاهد الكفار﴾ أي المجاهرين بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف وما دونه ليعرف أن الأسود إنما اكتسبت من صولتك، فيعرف أن ذلك اللين لأهل الله إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك، وكبير حلمك وخوفك من الله ونبلك: ﴿والمنافقين﴾ أي المساترين بما يليق بهم من الحجة إن استمروا على المساترة، والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة ﴿وأغلظ﴾ أي كن غليظاً بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر ﴿عليهم﴾ فإن الغلظة عليهم من اللين لله كما أن اللين لأهل الله من خشية الله، وقد أمره سبحانه باللين لهم في أول الأمر لإزالة أعذارهم وبيان إصرارهم، فلما بلغ الرفق أقصى مداه جازه إلى الغلظة وتعداه، وقد بان بهذه الآية أن أفعل التفضيل في قول النسوة لعمر ﵁: «

стр. 10473

أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ » على بابه ولا محذور. ولما كان انتقام الولي من العدو إنما هو لله ، لاحظ له فيه، فكان موجباً لعدم اكتفاء الله به في حق الولي، فكان التقدير: فإنهم ليس لهم عصمة ولا حرمة في الدنيا ولا قوة وإن لاح في أمرهم خلاف ذلك، عطف عليه قوله: ﴿ومأواهم﴾ أي في الآخرة ﴿جهنم﴾ أي الدركة النارية التي تلقى داخلها بالعبوسة والكراهة. ولما كان التقدير: إليها مصيرهم لا محالة، عطف عليه قوله: ﴿وبئس المصير *﴾ أي هي، فذلك جزاء الله لهم عن الإساءة إلى أوليائه والانتقاص لأحبائه.

стр. 10474

ولما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك أشبه شيء بحال أهل الآخرة في الدينونة بالعدل والفضل، وكان المفتتح به السورة عتاب النساء، ثم أتبع بالأمر بالتأديب لجميع الأمة إلى أن ختم بهلاك المخالف في الدارين، وكان للكفار قرابات بالمسلمين وكانوا يظنون أنها ربما تنفعهم، وللمسلمين قرابات بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها تضرهم، قال مجيباً لما يتخيل من ذلك تأديباً لمن ينكر عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 10475

من النساء وغيرهن: ﴿ضرب الله﴾ أي الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿مثلاً﴾ يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ ﴿للذين كفروا﴾ أي غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم سواء كانوا مشاققين أو منافقين في عدم انتفاعهم مع كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل والعلائق فيغلظ عليهم في الدارين معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد وإن جل مقامه، وعلا منصبه ومرامه، لأن الكفر قاطع للعلائق بين الكافر والمسلم: ﴿امرأت نوح﴾ الذي أهلك الله من كذبه بالغرق ونصره وآواه ﵊ وكان اسمها فيما يقال واعلة ﴿وامرأت لوط﴾ الذي أهلك الله أيضاً من كذبه بالحصب والخسف والإغراق، واسمها فيما قيل واهلة، ودل على وجه الشبه بقوله: ﴿كانتا﴾ أي مع كونهما كافرتين. ولم يقل: تحتهما، بل أظهر بالوصف العبودية المضافة إليه والوصف بالصلاح لأن ذلك أفخم، فيكون أشد تأثيراً للموعوظ وأعظم، ودفعاً لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق بمقامهما عليهما الصلاة والسلام فقال: ﴿تحت عبدين﴾ أي

стр. 10476

كل واحدة منهما تحت عبد، وعبر بذلك لأن أثر الناس عند الملك كما تقدم عبيده، ودل على كثرة عبيده تنبيهاً على غناه بقوله: ﴿من عبادنا﴾ . ولما كانت طبقات القرب متفاوتة بحسب الصلاح قال: ﴿صالحين﴾ وهما نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام ﴿فخانتاهما﴾ بعدم المتابعة في الدين نفاقاً منهما لا بالخيانة في الفرش، فقد صان الله جميع الأنبياء من ذلك فلم تقل واحدة منهما لأجل كفرهما: رب اجعلني مع نبيك في الجنة، وآذن بعدم قبول الشفاعة فيمن أساء إلى الحبيب وبعذابه حتماً للتشفي بقوله: ﴿فلم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم ﴿يغنيا عنهما﴾ أي المرأتين بحق الزواج ﴿من الله﴾ أي من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره ﴿شيئاً﴾ أي من إغناء لأجل خيانتهما بالمخالفة في الدين، ودل على كمال قدرته تعالى بالتعبير بالمجهول فقال: ﴿وقيل﴾ أي للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا مرد له: ﴿ادخلا النار﴾ أي مقدماتها من الإصرار على الكفر ثم الإهلاك بعذاب الانتقام في الدنيا وحقيقتها في الآخرة لأن الله أبغضهما لأنهما عدو لأوليائه، وذلك كما قيل: عدو صديقي ليس لي بصديق.

стр. 10477

ولما فعلتا فعل الرجال في استقلالهما وعدم عدهما لأنفسهما تبعاً، غلظ عذابهما بالكون مع الرجال في عذابهم فقال دالاً على نفوذ الحكم فيمن هو أقوى منهما بعد نفوذه فيهما: ﴿مع الداخلين *﴾ أي الذين هم أعظم منهما ممن لهم وصلة بأهل الله وممن لا وصلة لهم بهم، فليتأدب كل أحد مع النبي ﷺ غاية الأدب خوفاً من مثل ذلك، وهذا خالع لقلوب من ابتدأ بتأديبهن - رضي الله تعالى عنهن.

стр. 10478

ولما أتم مثل النذارة بأن طاعة المطيع لا تنفع العاصي وإن كان أقرب الناس إلى المطيع إلا إن كان له أساس يصح البناء عليه، ويجوز الاعتداد به والنظر إليه، أتبعه مثل البشارة بأن عصيان العاصي لا يضر المطيع فقال: ﴿وضرب الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال ﴿مثلاً للذين آمنوا﴾ ولو كان في أدنى درجات الإيمان مبيناً لأن وصلة الكفار إذا كانت على وجه الإكراه والإجبار لا تضر ﴿امرأت فرعون﴾ واسمها آسية بنت مزاحم، آمنت وعملت صالحاً فلم تضرها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾ [الطور: ٢١] وأثابها ربها سبحانه أن جعلها زوجة خير خلقه محمد ﷺ في دار كرامته بصبرها على عبادة الله وهي في حبالة عدوه، وأسقط وصفه بالعبودية دليلاً على تحقيره وعدم رحمته لأنه أعدى أعدائه، وأشار إلى وجه الشبه في المثل

стр. 10479

وهو التحيز إلى حزب الله بقدر الوسع فقال: ﴿إذ﴾ أي مثلهم مثلها حين ﴿قالت﴾ تصديقاً بالعبث منادية نداء الخواص بإسقاط الأداة لأجل أنها مؤمنة وإن كانت تحت كافر بنا فلم تضر صحبته شيئاً لأجل إيمانها: ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ولم تغرني بعز الدنيا وسعتها ﴿ابن لي﴾ . ولما كان الجار مطلوباً - كما قالوا - قبل الدار، طلبت خير جار وقدمت الظرف اهتماماً به لنصه على المجاورة ولدلالته على الزلفى فقالت: ﴿عندك بيتاً﴾ وعينت مرادها بالعندية فقالت: ﴿في الجنة﴾ لأنها دار المقربين فظهر من أول كلامها وآخره أن مطلوبها أخص داره، وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة لخاتم رسوله الذي هو خير خلقه وأقربهم منه، فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل. ولما سألت ما حيّزها إلى جناب الله سألت ما يباعدها في الدارين من أعدائه فقالت: ﴿ونجني﴾ أي تنجية عظيمة ﴿من فرعون﴾ أي فلا أكون عنده ولا تسلطه عليّ بما يضرني عندك ﴿وعمله﴾ أي أن أعمل بشيء منه ﴿ونجني﴾ أعادت العامل تأكيداً ﴿من القوم الظالمين *﴾ أي الناس الأقوياء العريقين في أن يضعوا أعمالهم في غير مواضعها التي أمروا بوضعها فيها فعل من يمشي في الظلام عامة، وهم القبط، لا تخالطني بأحد منهم، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها

стр. 10480

للمحبوب وهو موسى ﵊ كما يقال: صديق صديقي داخل في صداقتي، وذلك أن موسى ﵊ لما غلب السحرة آمنت به فعذبها فرعون فماتت بعد أن أراها الله بيتها في الجنة ولم يضرها كونها تحت فرعون شيئاً لأنها كانت معذورة في ذلك، فالآية من الاحتباك: حذف أولاً «فلم تسألا الجنة» لدلالة «رب ابن لي» ثانياً عليه، وحذف ثانياً «كانت تحت كافر» لدلالة الأول عليه. ولما أتم المثل بمن أساءتا الأدب فلم تنفعهما الوصلة بالأولياء بل زادتهما ضرراً للإعراض عن الخير مع قربه وتيسره، وبمن أحسنت الأدب فلم تضرها الوصلة بأعدى الأعداء بل زادتها خيراً لإحسانها مع قيام المغتر بها عن الإحسان ضرب مثلاً بقرينتها في قوله ﷺ كما رواه الشيخان عن أبي موسى ﵁: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» ومع مقارنتها لها في الكمال، فبين حاليهما في الثيوبة والبكورة طباق، فلم يبتلها سبحانه بخلطة زوج جمعاً بين ما تقدم من صنفي الثيبات والأبكار اللاتي يعطيهما لنبيه ﷺ فأحسنت الأدب في نفسها مع الله ومع سائر من لزمها الأدب معه من عباده فأحسن إليها رعاية لها

стр. 10481

على ما وفقها إليه من الإحسان، وذلك رعاية لأسلافها إذ كانوا من أعظم الأحباب فقال: ﴿ومريم﴾ أي وضرب الله مثلاً لأهل الانفراد والعزلة من الذين آمنوا مريم ﴿ابنة عمران﴾ أي أحد الأحباب، وذكر وجه الشبه فقال: ﴿التي أحصنت فرجها﴾ أي عفت عن السوء وجميع مقدماته عفة كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على بكريتها إلى الممات فتزوجها في الجنة جزاء لها بخير عبادنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. ولما اغتنت بأنسها بروح الله الذي بثه في قلبها من محبة الذكر والعبادة عن الأنس بأرواح الناس، كان ذلك سبباً لأن وهبها روحاً منه جسده في أكمل الصور المقدرة في ذلك الحين فقال مخبراً عن ذلك: ﴿فنفخنا﴾ أي بعظمتنا بواسطة ملكنا روح القدس. ولما كانت هذه السورة لتشريف النبي ﷺ وتكميل نسائه في الدنيا والآخرة، نص على المقصود بتذكير الضمير ولم يؤنثه قطعاً للسان من يقول تعنتاً: إن المراد نفخ روحها في جسدها: ﴿فيه﴾ أي فرجها الحقيقي وهو جيبها وكل جيب يسمى فرجاً، ويدل على الأول قراءة «فيها» شاذة ﴿من روحنا﴾ أي روح هو أهل لشرفه بما عظمنا من خلقه ولطف تكوينه أن يضاف إلينا لكونه خارجاً

стр. 10482

عن التسبيب المعتاد وهو جبريل ﵊ أو روح الحياة. ولما كان التقدير: فكان ما أردنا، فحملت من غير ذكر ولدت عيسى ﵊ الذي كان من كلمتنا وهي «احملي» ثم كلمتنا «كن يا حمل من غير ذكر» ثم كلمتنا «لديه يا مريم من غير مساعد» ثم كلمتنا «تكلم عيسى في المهد بالحكمة» عطف عليه قوله: ﴿وصدقت﴾ فاستحقت لذلك أن تسمى صديقة ﴿بكلمات ربها﴾ أي المحسن إليها بما تقدم وغيره مما كان من كلام جبريل ﵊ بسببه ومن عيسى ﵊ ومما تكلم به عن الله ﴿وكتبه﴾ أي وكتابه الضابط الجامع لكلامه أنزل على ولدها وغيره من كتب الله كما دل على ذلك قراءة البصريين وحفص بالجمع. ولما كان المصدق ربما كان تصديقه في الظاهر أو مشوباً بشيء من الضمائر قال: ﴿وكانت﴾ أي جبلة وطبعاً، وشرفها بأن جعلها في رتبة الأكمل وهم الرجال فقال: ﴿من القانتين *﴾ أي المخلصين الذين هم في غاية القوة والكمال لأنها كانت من بنات الأحباب المصطفين على العالمين، فلم تكن عبادتها تقصر عن عبادة الأقوياء الكلمة، وقد أتم سبحانه الأمثال في الآداب بالثيبات والأبكار والأخيار والأشرار، فانعطف آخر السورة على أولها في المعاني بالآداب، وزاد

стр. 10483

ذلك حسناً كونها في النساء وفي الذوات والأعيان بزواج النبي ﷺ لآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران في الجنة دار القرار السالمة عن الأكدار الزواج الأبدي فصار أول السورة وآخرها في أزواجه ﷺ وفي ختامها بالقنوت الذي هو خلاصة الأوصاف الماضية في الأبدال المذكورات أعظم مناسبة - والله الهادي. سورة الملك وتسمى تبارك والمانعة والواقية والمنجية، قال الولي الملوي: هذه السورة كان النبي ﷺ يحبها لكثرة علومها، وقال: " وددت لو كانت في صدر كل مسلم ". مقصودها الخضوع لله لاتصافه بكمال الملك الدال عليه تمام القدرة الدال عليه قطعا أحكام المكونات الدال عليه تمام العلم الدال عليه أحكام المصنوعات علم ما في الصدور لينتج ذلك العلم بتحتم البعث لدينونة العباد على ما هم عليه من الصلاح والعناد كما هي عادة الملوك في دينونة رعاياهم لتكمل الحكمة وتتم النعمة وتظهر سورة الملك، واسمها الملك واضح في ذلك لأن الملك محل الخضوع من كل

стр. 10484

من يرى الملك وكذا تبارك لأن من كان كذلك كان له تمام الثبات والبقاء، وكان له من كل شيء كمال الخضوع ولالاتقاء، وكذا اسمها المانعة والواقية والمنجية لأن الخضوع حامل على لزوم طريق السعادة، ومن لزمها نجا مما يخاف ومنع من كل هول ووقي كل مخلوق، وترد السؤال عمن لازم عليها وهذا من أهم الأمور) بسم الله (الذي خضعت لكمال عظمته الملوك) الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد وتبيان محل السلوك) الرحيم (الذي خص أولياءه الهعداية وزوال الشكوك.

стр. 10485

لما ختمت تلك بأن من أعرض عنه سبحانه أهلكته ولم يغن عنه أحد، ومن أقبل عليه رفعه واستخلصه ولم يضره أحد، وختم بأنه قوى مريم ﵍ حتى كانت في درجة الكملة ورزقها الرسوخ في الإخلاص، وكان مثل هذا لا يقدر على فعله إلا من لا كفوء له، وكان من لا كفوء له أهلاً لأن يخلص له الأعمال ولا يلتفت إلى سواه بحال، لأنه الملك الذي يملك الملك قال مثيراً للهمم إلى

стр. 10486

الاستبصار المثير للإرادة إلى رياضة تثمر جميع أبواب السعادة: ﴿تبارك﴾ أي تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتاً لا مثل له مع اليمن والبركة وتواتر الإحسان والعلى. ولما كان من له الملك قد لا يكون متمكناً من إبقائه في يده أو إعطاء ما يريد منه لغيره ونزعه منه متى أراد قال: ﴿الذي بيده﴾ أي بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره ﴿الملك﴾ أي أمر ظاهر العالم فإليه كل تدبير له وتدبير فيه وبقدرته إظهار ما يريد، لا مانع له من شيء ولا كفوء له بوجه، وهو كناية عن الإحاطة والقهر، وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبهاً بالخلق. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورود ما افتتحت به هذه السورة من التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقيب تفصيل وإيراد عجائب من صنعه سبحانه كورود قوله تعالى «فتبارك الله أحسن الخالقين» عقيب تفصيل التقلب الإنساني من لدن خلقه من سلالة من طين إلى إنشائه خلقاً آخر وكذا كل ما ورد من هذا ما لم يرد أثناء أي قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي والجلال.

стр. 10487

ولما كان قد أوقع في آخر سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر، وأعلى آية لمن استبصر، من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين قد بعثهما الله تعالى رحمة لعباده واجتهدا في دعاء الخلق، فحرم الاستنارة بنورهما والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه ولا أكثر مشاهدة لما مدا به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من حالها، وهو ذكر امرأة فرعون التي لم يغرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته مع شدة الوصلة واستمرار الألفة لما سبق لها في العلم القديم من السعادة وعظيم الرحمة فقالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة﴾ [التحريم: ١١] وحصل في هاتين القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك به أولى الناس في ظاهر الأمر وتقديم سبب امتحان عصم منه أقرب الناس إلى التورط فيه، ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل هذين السببين وانفصلت في مقدماتها عن تينك القصتين، وهو ذكر مريم ابنة عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب، وأن القلوب بيد العزيز الوهاب، أعقب تعالى ذلك. بقوله الحق ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء

стр. 10488

قدير﴾ [الملك: ١] وإذا كان الملك بيده الملك فهو الذي يؤتي الملك والفضل من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء كما صرحت به الآية الأخرى في آل عمران، فقد اتضح اتصال سورة الملك بما قبلها ثم بنيت سورة الملك على التنبيه والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسطه التفسير - انتهى. ولما كان المتصرف في الملك قد لا يكون قدرته تامة ولا عامة قال تعالى: ﴿وهو﴾ أي وحده له عظمة تستولي على القلوب وسياسة تعم كل جلب نفع ودفع ضرر لأنه ﴿على كل شيء﴾ أي يمكن يشاؤه من الملك وغيره من باطنه وهو الملكوت وغيره مما وجد وما لم يوجد ﴿قدير *﴾ أي تام القدرة، ودل على ذلك بقوله: ﴿الذي خلق﴾ أي قدر وأوجد. ولما كان الخوف من إيقاع المؤلم ادعى إلى الخضوع لأنه أدل على الملك مع أن الأصل في الأشياء العدم، قدم قوله: ﴿الموت﴾ أي هذا الجنس وهو زوال الحياة عن الحي الذي هو في غاية الاقتدار على التقلب بجعله جماداً كأن لم يكن به حركة أصلاً. أول ما يفعل في تلك الدار بعد استقرار كل فريق في داره وأن يعدم هذا الجنس فيذبح بعد أن يصور في صورة كبش ﴿والحياة﴾ أي هذا

стр. 10489

الجنس وهو المعنى الذي يقدر الجماد به على التقلب بنفسه وبالإرادة، وقال ابن عباس ﵄: الموت خلقه الله على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، والحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها فلا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها وألقاه على الحلي الذي ألقاه بنو إسرائيل ونوى أن يكون عجلاً فصار عجلاً. ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه غايته، وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك فقال تعالى: ﴿ليبلوكم﴾ أي يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر لإظهار ما عندكم من العمل بالاختيار ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ أي من جهة العمل أي عمله أحسن من عمل غيره، وعبارة القرآن في إسناد الحسن إلى الإنسان تدل على أن من كان عمله أحسن كان هو أحسن ولو أنه أبشع الناس منظراً، ومن كان عمله أسوأ كان بخلاف ذلك، والحسن إنما يدرك بالشرع، فما حسنه الشرع فهو الحسن وما قبحه فهو القبيح، وكان ذلك مفيداً للقيام بالطاعة لأن من تفكر في حاله علم أنه مباين لبقية الحيوانات بعقلة وللنباتات بحياته، وللجمادات بنموه، وأن ذلك ليس له من ذاته بدليل موته، فما كان له ذلك إلا بفاعل مختار، له الحياة من ذاته، فيجتهد في رضاه باتباع رسله إن كان عاقلاً،

стр. 10490

فيشكره إذا أنعم، ويصبر إن امتحن وانتقم، ويخدمه بما أمر وينزجر عما عنه زجره، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع منها ووجود المقتضي إعداد وإرشاد، فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة كالحداد يلين الحديد بالنار ليقبل أن يكون سكيناً، والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له كالضرب بالسكين وإصلاحها للقطع بها، وانتفاء المانع هو الموقف عن ذلك وهو دفع المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري السبب وسبب السبب، وهو ما اشتمل عليه قوله ﷺ «اللهم أعني ولا تعن عليّ» الحديث، فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر الأحسن دال على توفيقه بما ذكر، ومن تأمل الآية عرف أنه ما خلق لا ليتميز جوهره من صدق غيره أو صدقه من جوهر غيره، وأن الدنيا مزروعة، وأن الآخرة محصدة، فيصير من نفسه على بصيرة، وثارت إرادته لما خلق له تارة بالنظر إلى جمال ربه من حسن وإحسان، وأخرى إلى جلاله من قدرة وإمكان، وتارة بالنظر لنفسه بالشفقة عليها من خزي الحرمان، فيجتهد في رضا ربه وصلاح نفسه خوفاً من عاقبة هذه البلوى.

стр. 10491

ولما كان لا يغفل الابتلاء منا إلا جاهل بالعواقب وعاجز عن رد المسيء عن إساءته وجعله محسناً من أول نشأته، قال نافياً لذلك عن منيع جنابه بعد أن نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره في خلق الموت والحياة، ومزيلاً بوصف العزة لما قد يقوله من يكون قوي الهمة: أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول إليه سبحانه بل أصل إليه أي وقت شئت بأيسر سعي ﴿وهو﴾ أي والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي الذي يصعب الوصول إليه جداً، من العزاز وهو المكان الوعر والذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فلو أراد جعل الكل محسنين، ولا يكون كذلك إلا وهو تام القدرة فيلزم تمام العلم والوحدانية ووجوب الوجود أزلاً وأبداً. ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم مخالفته، قال مبيناً إمهاله للعصاة مرغباً للمسيء في التوبة، بعد ترهيبه من الإصرار على الحوبة، لأنه قد يكون مزدرئاً لنفسه قائلاً: إن مثلي لا يصلح للخدمة لما لي من الذنوب القاطعة وأين التراب من رب الأرباب ﴿الغفور *﴾ أي أنه مع ذلك يفعل في محو الذنوب عيناً وأثراً فعل المبالغ في ذلك ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق كما

стр. 10492

قال تعالى في الحديث القدسي «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» . ولما أثبت له سبحانه صفتي العز والغفر على أبلغ ما يكون، دل على ذلك بقوله دالاً على كمال تفرده بعد آيات الأنفس بآيات الآفاق إرشاداً إلى معالي الأخلاق: ﴿الذي خلق﴾ أي أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق ﴿سبع سماوات﴾ حال كونها ﴿طباقاً﴾ جمع طبق كل واحدة منها كأنها لشدة مطابقتها للأخرى طالبة مطابقتها بحيث يكون كل جزء منها مطابقاً لجزء من الأخرى، ولا يكون جزء منها خارجاً عن ذلك وهي لا تكون كذلك إلا بأن تكون الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطاً بالكل، والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، فما ظنك بما تحته، وكل سماه في التي فوقها بهذه النسبة، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك، وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة الملقاة في فلاة كما مضى بسط ذلك في ذلك سورة السجدة، وأحاط سبحانه بالأرض منافعها من جميع الجوانب، وجعل المركز بحيث يجذب إليه الأسفل فكيفما مشى الحيوان في جوانبها اقتضى المركز أن تكون رجلاه إلى الأرض ورأسه إلى السماء لتكون السماء في رأيه دائماً أعلى، والأرض أسفل في أي جانب كان

стр. 10493

هو عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ولا شك أن من تفكر في هذه العظمة مع ما لطف بنا فيما هيأه فيها لنا من المنافع، آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ضد، فانقطع باللجاء إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع، وسارع في مراضيه ومحابه في كل خفض ورفع. ولما كان ذلك في حد ذاته خارجاً عن طوق المخلوق، وكان سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ولما بين كل سماءين كذلك مع عدم الفروج والعمد والأطناب، فكان ذلك النهاية في الخروج عن العادة في حد ذاته ولأنه قيل: إن القبة إذا بنيت بلا فروج ولا شيء يدخل الهواء منه تفسد وتسقط، دل على عزته بعظيم صنعه في ذلك بقوله واصفاً لها: ﴿ما ترى في﴾ وكان الأصل: خلقها، ولكنه دل على عزته وعموم عظمته بقوله: ﴿خلق الرحمن﴾ أي لها ولغيرها ولولا رحمته وعموم عظمته التي اقتضت إكرامه لخلقه بعد غفرانه لما لهم من النقائص ما أحسن إليهم بها في اتساعها وزينتها وما فيها من المنافع، وأعرق في النفي بقوله:

стр. 10494

﴿من تفاوت﴾ بين صغير ذلك الخلق وكبيره بالنسبة إلى الخالق في إيجاده له على حد سواء، إنما قوله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فلا فرق في ذلك بين الذرة مثلاً والغرس ولا بالنسبة إلى الخالق من عجز صغيرهم وكبيرهم عن إيجاد شيء من العدم صغيراً كان أو كبيراً جليلاً كان أو حقيراً، ولا ترى تفاوتاً في الخلق بأن يكون شيء منه فائتاً للآخر بالمخالفة والاضطراب والتناقض في الخلقة غير مناسب له بأن يكون خارجاً عنه أو منافراً له في مقتضى الحكمة، وآثار الإحسان في الصنعة، والنزول عن الإتقان والاتساق، والخروج عن الإحكام والاتفاق، والدلالة للخالق على كمال القدرة وللمخلوق على الحدوث بنوع من ضعف البنية بحيث يكون كل واحد كالطالب لأن يخالف الآخر، أو تعمد لأن يفوت الآخر ويخالفه - على قراءة حذف الألف والتشديد بحيث يكون التفاضل في المزدوجات وعدم المساواة كأنه مقصود بالذات وبالقصد الأول، بل لا توجد المخالفة إلا نارداً بحيث يعلم أن المشاكلة هي المقصود بالذات وبالقصد الأول، فإذا وقع في شيء منه مخالفة كان على وجه الندور ليعلم أنه ليس مقصوداً بالذات، وإنما أريد به الدلالة على الاختيار وأن الفاعل هو القادر المختار لا الطبيعة، قال الرازي: كأن التفاوت الشيء

стр. 10495

المختلف لأعلى النظام، وقال البغوي: من اعوجاج واختلاف وتناقض، وقال غيره: عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضاً ولا يلائمه، وهو من الفوت وهو أن يفوت بعضها بعضاً لقلة استوائها، وقال أبو حيان: والتفاوت تجاوز الحد الذي يجب له زيادة أو نقصان - انتهى. يظهر ذلك بأن أغلب الخلق أجوف، والأجوف يعمل مبسوطاً ثم يضم ويوصل أحد جانبيه بالآخر فيكون ثم نوع فطر يعرفه أهل الحذق وإن اجتهد صانعه في إخفائه وإن كان فيه أشياء متقابلة كان فيها تفاوت ولو قل وإن اجتهد الصانع في المساواة، وخلق الله لا تفاوت فيه بوجه، فالسماوات كرية ولا ترى في جانب منها شقاً ولا فطراً ظاهراً ولا خفياً، والحيوان أجوف ولا ترى في شيء من جسده فصماً يكون الضم والتجويف وقع به وكل من متقابليه مساو للأخر كالعينين والأذنين والمنخرين والساقين ونحوها مما يقصد فيه التساوي لا تفاوت فيه أصلاً - إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ولا يمكن ضبطه، فسبحان من لا تتناهى قدرته فلا تتناهى مقدوراته، ولا تحصى بوجه معلوماته، وكل ذلك عليه هين، والأمر في ذلك واضح بين، هذا مع الاتساع الذي لا يدرك مقداره بأكثر

стр. 10496

من أن كل سماء بالنسبة إلى التي فوقها كحلقة ملقاة في فلاة إلى أن يوصل إلى الكرسي ثم العرش العظيم، ومن سر كونها كذلك حصول النفع بكل ما فيها من كواكب مرطبة أو ميبسة أو منورة واتصالات ممطرة ومثبتة يجري كل ذلك منها على ترتيب مطرد، ونظام غير منخرم مقدر جريه بالقسط مرتب على منافع الوجود ومصالح الكائنات كلها مكفوفة على هواء لطيف بتدبير شريف: لا يتعدى شيء منها طوره ولا يتخطى حده، ولا يرسب فيها تحته من الهواء فيهوي، ولا يرتفع عن محله بمقدار ذرة فيطفو، قد أحاط بكلها الأمر، وضبطها صاغرة القهر. ولما كان العلم الناشىء عن الحسن أجل العلوم، دل على بديع ما ذكره بمشاهدة الحس له كذلك، فسبب عنه قوله منبهاً بالرجع الذي هو تكرير الرجوع على أن كل أحد يشاهد ذلك كذلك من حين يعقل إلى أن يبلغ حد التكليف المقتضي للمخاطبة بهذا الكلام: ﴿فارجع البصر﴾ أي بعد ترديدك له قبل ذلك، ودل بتوجيه الخطاب نحو أكمل الخلق ﷺ في السمع والبصر والبصيره وكل معنى إلى أن ذلك لا شبهة فيه.

стр. 10497

ولما كان السؤال عن الشيء يدل على شدة الاهتمام بالبحث عنه، نبه على أن هذا مما اشتدت عناية الأولين به فقال: ﴿هل ترى﴾ أي في شيء منها. ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي، أعرق في النفي بقوله: ﴿من فطور *﴾ أي خلل بشقوق وصدوع أو غيرها لتغاير ما هي عليه وأخبرت به من تناسبها واستجماعها واستقامتها ما يحق لها مما يدل على عزة ما فيها وبليغ غفرانه، وهذا أيضاً يدل على إحاطة كل منها بما دونه فإنه لو كان لها فروج لفاتت المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها أو كمالها، فالهواء وجميع المنافع منحبسة فيها محوطة بها مضطربة متصرفة فيها على حسب التدبير والحيوان في الهواء كالسمك في الماء، أو انحبس الهواء عنه لمات كما أنه لو انكشف الماء عن السمك لمات.

стр. 10498

ولما كان في سياق المجازاة بالأعمال الصالحة والطالحة التي دل عدم الانتصاف من الظالمين في هذه الدار على أنها تكون بعد البعث

стр. 10499

وكانت العزة مقتضية لذلك، وكان خلقه لهذا الوجود على هذا النظام مثبتاً لها، وكانت أعمالهم أعمال المنكر لها، ولا سيما تصريحهم بأنه لا بعث، دل على عظمة عزته بما أبدعه من هذا السقف الرفيع البديع، ثم بجعله محفوظاً هذا الحفظ المنيع، على تعاقب الأحقاب وتكرر السنين، فقال معبراً بأداة التراخي دالاً على جلاله بإدامة التكرير طول الزمان: ﴿ثم ارجع البصر﴾ وأكد ما أفهمته الآية من طلب التكرير بقوله تعالى: ﴿كرتين﴾ أي مرتين أخريين - هذا مدلولها لغة، وبالنظر إلى السياق علم أن المرد مرة بعد مرة لا تزال تكرر ذلك لارتياد الخلل لا إلى نهاية، كما أن «لبيك» مراد به إجابة إلى غير غاية، وعلى ذلك دل قوله : ﴿ينقلب إليك﴾ أي من غير اختيار بل غلبة وإعياء وانكسار ﴿البصر خاسئاً﴾ أي صاغراً مطروداً ذليلاً بعيداً عن إصابة المطلوب ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿حسير *﴾ أي كليل تعب معيى من طول المعاودة وتدقيق النظر وبعد المسرح، وإذا كان هذا الحال في بعض المصنوع فكيف يطلب العلم بالصانع في كماله من جلاله وجماله، فكيف بمن يتفوه بالحلول أو الاتحاد حسبه جهنم وبئس المهاد. ولما أخبر عن بديع هذا الخلق، ونبه على بعض

стр. 10500

دقائقه وأمر بالإبصار وتكريره، وكان السامع أول ما يصوب نظره إلى السماء لشرفها وغريب صنعها وبديع وضعها ومنيع رفعها، فكان بحيث يتوقع الإخبار عن هذه الزينة التي رصعت بها، قال في جواب من توقعه مؤكداً بالقسم إعلاماً بأنه ينبغي أن يبعد العاقل عن إنكار شيء مما ينسب إلى صاحب هذا الخلق من الكمال، عاطفاً على ما تقديره: لقد كفى هذا القدر في الدلالة على عظمة مبدع هذا الصنع وتمام قدرته: ﴿ولقد﴾ واستجلب الشكر بجلب المسار فقال ناظراً إلى مقام العظمة صرفاً للعقول عما اقتضاه «الرحمن» من عموم الرحمة تذكيراً بما في الآية الماضية، وتنبيهاً على ما في الزينة بالنجوم من مزجها بالرجوم الذي هو عذاب «الجن المتمردين الطاغين» : ﴿زينا﴾ دلالة أخرى تدل على العظمة بعد تلك الدلالة الأولى ﴿السماء الدنيا﴾ أي أدنى السماوات إلى الأرض وهي التي تشهد وأنتم دائماً تشاهدونها وهي سقف الدار التي اجتمعتم فيها في هذه الحياة الدنيا ﴿بمصابيح﴾ أي نجوم متقدة عظيمة جداً، كثرتها تفوت الحصر، ظاهرة سائرة مضيئة زاهرة. وهي الكواكب التي تنور الأرض بالليل إنارة السرج التي تزينون بها سقوف دوركم، فتفيد شعبة من ضوء الصباح، والتزيين بها لا يمنع أن تكون مركوزة فيها فوقها من السماوات وهي تتراءى لنا بحسب الشفوف

стр. 10501

بما للاجرام السماوية من الصفاء، ولتلك المصابيح من شدة الإضاءة. ولما أخبر - جلت قدرته - بعظيم قدرته فيها منبهاً على ما فيها من جلب المسار بتلك الأنوار والهداية في الدين والدنيا التي لولا هي لما انتفع أحد في ليل انتفاعاً تاماً، أخبر بما فيها مع الزينة من دفع المضار بعبارة عامة وإن كان المراد البعض الأغلب فإن ما للرجوم منها غير ما للاهتداء والرسوم فقال: ﴿وجعلناها﴾ أي النجوم من حيث هي بعظمتنا مع كونها زينة وأعلاماً للهداية ﴿رجوماً﴾ جمع رجم وهو مصدر واسم لما يرجم به ﴿للشياطين﴾ الذين يستحقون الطرد والبعد والحرق من الجن لما لهم من الاحتراق، وذلك بياناً لعظمتنا وحراسة للسماء الدنيا التي هي محل تنزل أمرنا بالقضاء والقدر، وإنزال هذا الذكر الحكيم لئلا يفسدوا باستراق السمع منها على الناس دينهم الحق، ويلبسوا عليهم أمرهم بخلط الحق الذي ختمنا به الأديان بالباطل، فيخرجوهم - لأنهم أعداؤهم - من النور إلى الظلمات كما كانوا في الجاهلية مع ما فيها بما خلق سبحانه في أمزجتها من ترطيب وتجفيف وحر وبرد واعتدال ينشأ عنه الفصول الأربعة وقهرها به من شروق وغروب وحركة وسكون يعرف بها ما إليه المآل، مما أخبرت به الرسل من الزوال، مع ما يدل من الليل والنهار والعشي

стр. 10502

والإبكار وأشياء يكل عنها الوصف في ذواتها وعن إحصاء منافعها حتى لو عدم شيء مما في السماوات مما دبره الحكيم لصلاح هذا العالم يهلك كل حيوان ونبات على وجه الأرض، والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكواكب وهو قار في فلكه على حالة كقبس النار يؤخذ منها وهي باقية على حالها لا نقص، وذلك مسوغ لتسميتها بالرجوم، فمن لحقه الشهاب منهم قتله أو ضعضع أمره وخبله، ويحتمل مع ذلك أن يكون المراد: ظنوناً لشياطين الإنس وهم المنجمون يتكلمون بها رجماً بالغيب في أشياء هي من عظيم الابتلاء ليتبين الموقن من المزلزل والعالم من الجاهل؛ وفي البخاري: قال قتادة: «خلقت النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف بما لا علم له به» ولما كان التقدير: ورجمناهم بها بالفعل عند استراقهم للسمع إبعاداً لهم عن مسكن المكرمين ومحل النزاهة والأنس ومهبط القضاء والتقدير، ونكالاً لغيرهم من أمثالهم عذاباً لهم في الدنيا، عطف عليه قوله ترهيباً من جلاله بعد ما رغب في عظيم جماله: ﴿وأعتدنا﴾ أي هيأنا في الآخرة مع هذا

стр. 10503

الذي في الدنيا بما لنا من العظمة ﴿لهم﴾ أي الشياطين الذين يسترقون السمع ﴿عذاب السعير -﴾ أي النار التي هي في غاية الاتقاد، ففي الآية بشارة أهل السمع والبصر والعقل وفيها من التنبيه ما لا يخفى. ولما أخبر سبحانه عن تهيئته العذاب لهم بالخصوص، أخبر أيضاً عن تهيئته لكل عامل بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه فقال حاثاً على التكفر في عظيم انتقامه الخارج عن العادة في عدم الانطفاء، لكونه ليس بسيف ولا عصا. ولا بسوط ونحوه بل النار الخارجة عن العادة في عدم الانطفاء، ولا للمعذب من الخلاص منها مسلك ولا رجاء بل كلما طال الزمان تلقته بالشدة والامتداد، بئس الجامعة للمذام في كل انتقام مع الإهانة والاحتقار ﴿وللذين كفروا﴾ أي أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان للإله، فقال صارفاً القول عن مقام العظمة إلى صفة الإحسان الخاصة بالتربية تنبيهاً على ما في إنكاره من عظيم الكفران: ﴿بربهم﴾ أي الذي تفرد بإيجادهم والإحسان إليهم فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت وذلك كفراً منهم بما شاهدوا من اختراعه لهم من العدم ﴿عذاب جهنم﴾ أي الدركة النارية التي تلقاهم بالتجهم

стр. 10504

والعبوسة والغضب. ولما كان التقدير: هي مصيرهم، قال دالاً على عدم خلاصهم منها أصلاً أزلاً وأبداً: ﴿وبئس المصير *﴾ أي هي. ولما عبر عن ذمها بمجمع المذام، أتبعه الوصف لبعض تجهمها على وجه التعليل، فقال دالاً بالإلقاء على خساستهم وحقارتهم معبراً بأداة التحقيق دالالة على أنه أمر لا بد منه، وبالبناء للمفعول على أن إلقاءهم في غاية السهولة على كل من يؤمر به: ﴿إذا ألقوا﴾ أي طرح الذين كفروا والأخساء من أي طارح أمرناه بطرحهم ﴿فيها﴾ حين تعتلهم الملائكة فتطرحهم كما تطرح الحطب في النار ﴿سمعوا لها﴾ أي جهنم نفسها ﴿شهيقاً﴾ أي صوتاً هائلاً أشد نكارة من أول صوت الحمار لشدة توقدها وغليانها، أو لأهلها - على حذف مضاف ﴿وهي تفور *﴾ أي تغلي بهم كغلي المرجل بما فيه من شدة التلهب والتسعر، فهم لا يزالون فيها صاعدين هابطين كالحب إذا كان الماء - يغلي به، لا قرار لهم أصلاً.

стр. 10505

ولما وصفها بالفوران، بين سببه تمثيلاً لشدة اشتعالها عليهم فقال: ﴿تكاد تميز﴾ أي تقرب من أن ينفصل بعضها من
следующие страницы →