Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ثمانية وعشرين سهماً أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل - انتهى. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: الياسر هو الضارب في القداح، وهو من الميسر وهو القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وكانوا يتقامرون على الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلاً بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي الفذ - إلى آخره، ثم يخرجون ذلك، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته، ومن خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئاً؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى.
هذا ما قالوه في مادة يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلاً لحفظها في قولي:
الفذ والتوأم والرقيب ... والحلس والنافس يا ضريب
ومسبل مع المعلى عدواً ... ثم منيح وسفيح وغد
وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس: الفذ أي بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: أول سهام الميسر، والتوأم أي
стр. 1122
بفتح الفوقانية المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب: سهم من سهام الميسر أو ثانيها، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب والثالث من قداح الميسر، وقال في مادة ضرب: والضريب الموكل بالقداح أو الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم: والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب، وقيل: هو أمين أصحاب الميسر، وقيل: هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله سواء، وإنما قيل للعيوق: رقيب الثريا، تشبيهاً برقيب الميسر، والرقيب الثالث من قداح الميسر، وفيه ثلاثة فروض، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه غرم ثلاثة إن لم يفز؛ وقال في مادة ضرب: وضرب بالقداح والضريب الموكل بالقداح، وقيل: الذي يضرب بها، قال سيبويه: فعيل بمعنى فاعل، والضريب القدح الثالث من قداح الميسر، قال اللحياني: وهو الذي يسمى الرقيب، قال: وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب؛ وقال في القاموس: والحُرْضَة أي بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين،
стр. 1123
والحلس بكسر المهملة وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر، والنافس بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر، ومسبل أي بسين مهملة وموحدة قال: بوزن محسن، السادس أو الخامس من قداح الميسر؛ وقال في مجمع البحرين: وهو المصفح أيضاً يعني بفتح الفاء، والمعلّى كمعظم سابع سهام الميسر، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب، والسفيح أي بوزنه وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له، والوغد أي بفتح ثم سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق الضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب له؛ وقال صاحب الزينة: وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء اللغة، ثم يجيلون عليها القداح فإن خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ونفدت أجزاء الجزور، وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيباً واحداً وصاحب التوأم نصيبين فعلى
стр. 1124
ذلك يقسمون الغرم بينهم. وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءاً: للفظ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء - فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءاً؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا يكون إذاً قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، لأنها عشرة أجزاء، قال امرؤ القيس.
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل
جعل القلب بدلاً لأعشار الجزور وجعل العينين مثلاً للقدحين أي سبت قلبه ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية من ديوانه: والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها، وإنما سمي توأماً بما عليه من الحظوظ، وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان، وإن قمرت أنصباء الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين، وذلك أنها عشرة قداح أولها الفذ وعليه فرض
стр. 1125
وله نصيب، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان، والثالث الرقيب وعليه ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء، والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة أنصباء، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة أنصباء، والسادس المسبل وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء، والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة أنصباء، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح والمنيح والوغد، وربما سموها بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها هاهنا ونذكرها بأسمائها في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض، ولذلك تدعى أغفالاً لأن الغفل من الدواب الذي لا سمة له. وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءاً، والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل جزء، والزور وهو الصدر جزء، والملحا أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي من عظم أو بضعة
стр. 1126
فهو الريم وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر؛ وربما استثنى بائع الناقة منها شيئاً لنفسه وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس، فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة أحضروا رجلاً يضرب بها بينهم يقال له الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس القداح ثم يؤتى بخريطة فيها القداح واسعة الأسفل ضيقة الفم قدر ما يخرج منها سهم أو سهمان والقداح فيها كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل الخريطة على يدي الحرضة، ويؤتى برجل يجعل أميناً عليه يقال له الرقيب فيقال له: جلجل القداح، فيجلجلها في الخريطة مرتين أو ثلاثاً، فإذا فعل ذلك أفاض بها وهو أن يدفعها دفعة واحدة فتندر من مخرجها ذلك الضيق، فإذا خرج قدح أخذه الرقيب، فإن كان من الثلاثة التي لا فروض عليها رده إلى الخريطة وقال: أعد، وإن كان من السبعة ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل القوم، وذاك أن الذين يتقامرون قد أخذ كل واحد منهم قدحاً على ما يحب،
стр. 1127
فإن كان الذي خرج الفذ أخذ صاحبه جزءاً وسلم من الغرم وأعاد الحرضة الإفاضة، وإن كان الذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل القوم وسلم من الغرم أيضاً، وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ويسلم من الغرم، فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له وكذا الثالث يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ما لم يستغرق الأول والثاني أنصباء الجزور، مثل أن يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء، ثم يخرج للثاني المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ويغرم الباقون ثمن الجزور.
أو يخرج في الأول الفذ وفي الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضاً سائر الأنصباء ويغرم باقي القوم ثمن الجزور، وكذا ما كان مثل هذا؛ فإن زادت سهام من خرج له قدح على ما بقي من الجزور غرم له من بقي ما زاد سهمه؛ وذلك مثل أن يخرج للأول المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني النافس وحظه خمسة وإنما بقي من الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون خمسي الجزور، وكذا لو خرج للأول النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني الحلس فأخذ أربعة أنصباء وخرج للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له الباقون ثلاثة أخماس
стр. 1128
الجزور، وعلى هذا سائر قمارهم، إذا تدبرته علمت كيف يجري جميعه ويغرم القوم ما يلزمهم على قدر سهامهم الباقية يفرضون ما لزمهم على عدد ما في أنصبائهم من الفرض، وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ما في القداح من الفروض وهي ثمانية وعشرون جزءاً، ولا معنى لهذا القول لأنه يلزم أن لا يكون في هذا قمار ولا فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما خرج له ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا بفراغ القداح، فلا معنى للتقامر عليها، والأول أصح ويدل عليه شعر العرب، وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين فيفوز بأجزاء الجزور، مثل أن يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له الحرضة خرج له أحدهما ففاز بحظه ثم إذا ضرب الثانية خرج له الآخر فيفوز بسائر الجزور، ولو كان السهام والأنصباء على ما ذكروا لم يفز صاحب سهمين بسائر
стр. 1129
الأنصباء إذ لا تذهب الأنصباء إلا بفراغ القداح، ومما يدل على فوز صاحب السهمين بالكل قول امرىء القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
يقول: تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز القلب كله، ومن هذا قول كثير ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب لحمها:
وتؤبن من نص الهواجر والسرى ... بقدحين فازا من قداح المقعقع
يقول: هذه الناقة هزلها السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها بالقداح ففاز منها قدحان فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - انتهى. هكذا ذكر شرح قول كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله أليق، وذلك لأنه قال أي يظن بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر والسرى لصبرها وكرمها وشدتها كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه؛ والمقعقع هو الذي يجيل القداح - انتهى. وهو أقرب مما قاله لأن قوله: تؤبن بقدحين فازا، ظاهر في أن القدحين لها وأنها هي الفائزة؛ والله سبحانه
стр. 1130
وتعالى الموفق - هذا. وقوله: لا معنى للتقامر عليها، على تقدير التجزئة بثمانية وعشرين ليس كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء، وذلك بأن تكون السهام وهي القداح عشرة، فإنه لما قال: إن الأجزاء تكون ثمانية وعشرين، لم يقل: إنها على عدد السهام، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين، بل قال: إنها على عدد الفروض التي في السهام، وقد علم أنها عشرة؛ وقد صرح صاحب الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول، فحينئذ من خرج له المعلى مثلاً أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظاً ممن خرج له ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات؛ وقوله: إن الرجل ربما أخذ قدحين - إلى آخره، يبين وجهاً آخر من التفاوت، وهو أن الرجل ربما خرج له سهم واحد لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج، وربما خرج له
стр. 1131
سهمان أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ففاز بمعظم الجزور، وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام، وربما خرج له أكثر من ذلك مع الوفاء للثمن بينهم على السواء، وهذا الوجه يتأتى أيضاً بتقدير أن تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء، لانحصار العد فيمن خرج له سهام سواء كان على عددهم أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن يخرج لغيره عدد من السهام؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد واحد يكون قماراً أيضاً، لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء، ومن قال: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال يغرم، كان القمار عنده لازماً في كل صورة بكل تقدير. وقال في الكشاف: إنهم كانوا يعطون الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئاً، وقد تقدم نقل ذلك عن صاحب الزينة والله أعلم.
ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما
стр. 1132
اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفاً على السؤال عن المقتضي لتبذير المال ﴿ويسئلونك ماذا ينفقون﴾ وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في قوله:
﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين﴾ [البقرة: ٢١٥] ، منع من توقع سؤال آخر، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلاً، وادعاء أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقاً مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع أسباب النزول وجد كثيراً من ذلك. وقال الحرالي: في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين كما في قصة بني إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه
стр. 1133
الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما، وقال في الجواب: ﴿قل العفو﴾ وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة قال: فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من اليسر، فصار المنفق على ثلاث رتب: رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه، وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها «قالت امرأة للنبي ﷺ : ما يحل لنا من أموال أزواجنا - تسأل عن الإنفاق منها، قال: الرُطْب - بضم الراء وسكون الطاء - تأكلينه وتهدينه» لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى. وفي تخصيص المنفق بالعفو منع
стр. 1134
لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا على هذا الوجه، لأن حالة السكر غير معتد بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفاً وكذا الميسر بل هو أغلظ. ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم، ومن أعظم الملوحات إلى ذلك أن في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧] . قال الأصبهاني: قال أهل التفسير: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية.
لما بيّن الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما أراد أبدع تفصيل لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال: هي يبين لنا ربنا غير هذا من الآيات كهذا البيان؟ فقال: ﴿كذلك﴾ أي مثل ما مضى من هذا البيان العلي الرتبة
стр. 1135
البعيد المنال عن منازل الأرذال ﴿يبين الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿لكم﴾ جميع ﴿الآيات﴾ قال الحرالي: فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى. وأفرد الخطاب أولاً وجمع ثانياً إعلاماً بعظمة هذا القول للإقبال به على الرأس، وإيماء إلى أنه ﷺ قد امتلأ علماً من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم، ويجوز أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكوراً مرتين: مرة في خطابه تلويحاً، وأخرى في خطابهم تصريحاً؛ أو يقال: أشار إلى علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى ﴿لعلكم تتفكرون *﴾ أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي.
стр. 1136
ولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور
стр. 1137
الدارين وكفى وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال: ﴿في الدنيا والآخرة﴾ أي في أمورهما فتعلموا بما فتح الله لكم من الأبواب وما أصل لكم من الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا الشر فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين.
ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في أمور الآخرة وكان الجهاد من أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم فنزل التحريج الشديد في أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم فيهم وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر والميسر فقال: ﴿ويسئلونك عن اليتامى﴾
стр. 1138
أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر حصره؛ وأمره بالجواب بقوله: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ أي من تركه، ولا يخفى الإصلاح على ذي لب فجمع بهذا الكلام
стр. 1139
اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا يكاد يعد، وفي قوله: ﴿لهم﴾ ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي.
ولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم قال: ﴿وإن تخالطوهم﴾ أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركاً بينكم وبينهم، لأن المصالح صارت كالواحدة. قال الحرالي: وهي رتبة دون الأولى، والمخالطة مفاعلة من الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك ﴿فإخوانكم﴾ جمع أخ وهو الناشىء مع أخيه من منشأ واحد على السواء بوجه ما - انتهى. أي فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم؛ قالت عائشة
стр. 1140
رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. قالوا: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً كان في غيرهم أوسع، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار، يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني.
ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا الخير وعكسه قال مرغباً مرهباً: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿يعلم﴾ أي في كل حركة وسكون.
ولما كان الورع مندوباً إليه محثوثاً عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا المقام أولى قال: ﴿المفسد﴾ أي الذي الفساد صفة له ﴿من المصلح﴾ فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم.
ولما كان هذا أمراً لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر منّ عليهم بشرعه في قوله: ﴿ولو شاء الله﴾ أي بعظمة كماله
стр. 1141
﴿لأعنتكم﴾ أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدوداً وعينها يصعب لوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿عزيز﴾ يقدر على ما يريد ﴿حكيم *﴾ يحكمه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه. ولما ذكر تعالى فيما مر حلّ الجماع في ليل الصيام وأتبع ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل النكاح في سياق مانع مع الفساد داع إلى
стр. 1142
الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من معظم المخالطة في النفقة وغيرها وكان الإنسان جهولاً تولى بحكمته تعريفه ما يصلح له وما لا يصلح من ذلك، وأخر أمر النكاح عن بيان ما ذكر معه من الأكل والشرب في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم، وقدمه في آية الصيام لأن النفس إليه أميل فقال عاطفاً على ما دل العطف على غير مذكور على أن تقديره: فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على وجه الإصلاح إن أردتم ﴿ولا تنكحوا﴾
стр. 1143
قال الحرالي: مما منه النكاح وهو إيلاج نهد في فرج ليصيرا بذلك كالشيء الواحد - انتهى. وهذا أصله لغة، والمراد هنا العقد لأنه استعمل في العقد في الشرع وكثر استعماله فيه وغلب حتى صار حقيقة شرعية فهو في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الجماع وفي اللغة بالعكس وسيأتي عند ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة ﴿المشركات﴾ أي الوثنيات، والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥] ﴿حتى يؤمن﴾ فإن المشركات شر محض ﴿ولأمة﴾ رقيقة ﴿مؤمنة﴾ لأن نفع الإيمان أمر ديني
стр. 1144
يرجع إلى الآخرة الباقية ﴿خير﴾ على سبيل التنزيل ﴿من مشركة﴾ حرة ﴿ولو أعجبتكم﴾ أي المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر الغيب في أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء من المؤمنات خلقاً وكوناً وظاهر صورة على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقاً وظاهر صورة وشرف بيت - انتهى ﴿ولا تنكحوا﴾ أيها الأولياء
стр. 1145
﴿المشركين﴾ أي الكفار بأي كفر كان شيئاً من المسلمات ﴿حتى يؤمنوا﴾ فإن الكفار شر محض ﴿ولعبد﴾ أي مملوك ﴿مؤمن خير﴾ على سبيل التنزيل ﴿من مشرك﴾ حر ﴿ولو أعجبكم﴾ أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاماً بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ومن يعدونه شريفاً فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه.
ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى
стр. 1146
اتباعه قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم: ﴿أولئك﴾ أي الذين هم أهل للبعد من كل خير ﴿يدعون إلى النار﴾ أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم؛ وسيأتي في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥] لذلك مزيد بيان.
ولما رهب من أهل الشرك حثاً على البغض فيه رغب في الإقبال إليه بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال: ﴿والله﴾ أي بعز جلاله وعظمة كماله ﴿يدعوا﴾ أي بما يأمر به ﴿إلى الجنة﴾ أي الأفعال المؤدية إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال: ﴿والمغفرة﴾ أي إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة سنية
стр. 1147
يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه متهيئاً للوصول إليه قال: ﴿بإذنه﴾ أي بتمكينه من ذلك لمن يريد سعادته ﴿ويبين آياته﴾ في ذلك وفي غيره ﴿للناس﴾ كافة من أراد سعادته وغيره ﴿لعلهم يتذكرون *﴾ أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار.
ولما كان في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل الصيام على أحسن وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح شائبة للجماع تثير للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك كان نظم آية الحرث بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف فقال: ﴿ويسئلونك عن المحيض﴾ أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود.
قال الحرالي: وهو
стр. 1148
مفعل من الحيض وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو في الدم بمنزلة البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب من الفرج ﴿قل هو أذى﴾ أي مؤذ للجسم والنفس لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - قاله الحرالي، وقال: حتى أنه يقال إن التي توطأ وهي حائض يقع في ولدها من الآفات أنواع - انتهى. ولهذا سبب عنه قوله: ﴿فاعتزلوا النساء﴾ أي كلفوا أنفسكم ترك وقاعهن، من الاعتزال وهو طلب العزل وهو الانفراد عما شأنه الاشتراك - قاله الحرالي. ﴿في المحيض﴾ أي زمنه، وأظهره لئلا يلبس لو أضمر بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل الاستحاضة وهي دم صالح يسيل من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى كالحيض الذي هو دم فاسد يتولد من طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس لمرضت المرأة، فهو كالبول والغائط فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر - قاله الإمام. ﴿ولا تقربوهن﴾ أي في محل الإتيان بجماع ولا مباشرة في ما دون الإزار وإنما تكون المباشرة في ما علا عن الإزار ﴿حتى﴾ ولما كان فيه ما أشير إليه
стр. 1149
من الركس قال: ﴿يطهرن﴾ أي بانقطاعه وذهاب إبانه والغسل منه، والذي يدل على إرادة ذلك مع قراءة التشديد قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ أي اغتسلن، فالوطء له شرطان: الانقطاع والاغتسال وربما دلت قراءة التخفيف على جواز القربان لا الإتيان وذلك بالمباشرة فيما سفل عن الإزار ﴿فأتوهن﴾ أي جماعاً وخلطة مبتدئين ﴿من حيث أمركم الله﴾ أي الذي له صفات الكمال، وهو القبل على أي حالة كان ذلك؛ ولما دل ما في السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو أحب أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه علل بقوله: ﴿إن الله﴾
стр. 1150
مكرراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام ولم يضمره إعلاماً بأن هذا حكم عام لما يقع من هفوة بسبب الحيض أو غيره ﴿يحب﴾ أي بما له من الاختصاص بالإحاطة بالإكرام وإن كان مختصاً بالإحاطة بالجلال ﴿التوابين﴾ أي الرجاعين عما كانوا عزموا عليه من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج الإلمام به، كلما وقعت منهم زلة أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفة الحلم والفعو والجود والرحمة والكرم «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه. وإذا أحب من يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي فهو في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب وبه أرحم، ولما كان ذلك مما يعز التخلص من إشراكه إما في تجاوز ما في المباشرة أو في
стр. 1151
الجماع أولاً أو آخراً أتى بصيغة المبالغة.
قال الحرالي: تأنيساً لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئاً فيسقط من عين الله ثم لا يبالي به فيوقفه ذلك عن التوبة.
ولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره جداً
стр. 1152
أشار إلى ذلك بقوله: ﴿ويحب﴾ ولما كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة بأن تغلب الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال: ﴿المتطهرين *﴾ أي الحاملين أنفسهم على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره، وهم الذين يبالغون ورعاً في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضاً إلا بعد كمال التطهر؛ أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة حسية أو معنوية.
ولما بين المأتي في الآية السابقة نوع بيان أوضحه مشيراً إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال: ﴿نساؤكم﴾ أي اللاتي هن حل لكم بعقد أو ملك يمين
стр. 1153
ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث دلالة على أن الغرض الأصيل طلب النسل فقال مسمياً موضع الحرث باسمه موقعاً اسم الجزء على الكل موحداً لأنه جنس ﴿حرث لكم﴾ فأوضح ذلك. قال الحرالي: ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه لأولي العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - انتهى. وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم
стр. 1154
جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله: ﴿فأتوا حرثكم﴾ أي الموضع الصالح للحراثة ﴿أنى شئتم﴾ أي من أين وكيف إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي: الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث.
ولما كانت هذه أموراً خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض الورع قال: ﴿وقدموا﴾ أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجمع وهو من شهوات النفس قال مشيراً إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي: ﴿لأنفسكم﴾ أي من هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلاً هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة وصرح به الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على
стр. 1155
ما نقل عنه.
ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى مزيد وعظ فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه.
وزاد في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل. قال الحرالي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى، قال ﵊: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته» وقال: «لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها»
стр. 1156
فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله حفيظة على ما بين الزوجين ليبقى سراً لا يظهر أمره إلا الله تعالى، وفي إشعاره إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى.
ولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل الخلق فقال عاطفاً على ما تقديره: فأنذر المكذبين فعلاً أو قولاً، قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين *﴾ أي الذين صار لهم الإيمان وصفاً راسخاً تهيؤوا به للمراقبة، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه.
ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع
стр. 1157
مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه ﷺ تعظيماً لمقامه: ﴿ولا تجعلوا الله﴾ أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله ﴿عرضة﴾ أي معرضاً ﴿لأيمانكم﴾ فيكون في موضع ما يمتهن ويبتذل فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح
стр. 1158
الأشياء. قال الحرالي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد نحوه بل له صمد غيره ﴿أن﴾ أي لأجل أن ﴿تبروا﴾ في أموال اليتامى وغيرها مما تقدم الأمر به أو النهي عنه ﴿وتتقوا﴾ أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله ﴿وتصلحوا بين الناس﴾ فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ينقاد إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة، وفي الأمثال: فرس لا تجري إلا بمهماز بئس الفرس.
ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فالله
стр. 1159
جليل عظيم عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي بما له من العز والعظمة ﴿سميع﴾ لجميع ما يكون من ذلك وغيره ﴿عليم *﴾ بما أسر منه وما أعلن، فاحذروه في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه، ويجوز أن يكون الجملة حالاً من واو ﴿تجعلوا﴾ فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام.
стр. 1160
ولما تقدم إليهم في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك: ﴿لا يؤاخذكم﴾ أي لا يعاقبكم، وحقيقته يعاملكم معاملة
следующие страницы →