Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين﴾ لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب ﴿والأقربين﴾ لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة ﴿واليتامى﴾ لتعرضهم للضياع لضعفهم.
وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى ﴿والمساكين﴾ لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب.
стр. 1087
قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعاً ولغة نبوية - انتهى. ﴿وابن السبيل﴾ لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها.
ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ أي مما يعد خيراً من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم ﴿فإن الله﴾ المحيط علماً وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكِد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة فقال: ﴿به عليم *﴾ أي بالغ العلم
стр. 1088
وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله: ﴿كتب﴾ . وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خُرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه
стр. 1089
المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج: ٣٩] فكان الأول إذناً لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حباً كان الخطاب لهم بالقتال إذناً لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك حباً لهم يطلبون الوفاء به حباً للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم بالصلاة «حين عقلوا» وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة «في الحرب» ، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة
стр. 1090
استدراكاً فقال: ﴿كتب عليكم القتال﴾ أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعاً لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلداً إسرائيلياً ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا:
﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾ [المائدة: ٢٤] انتهى. ﴿وهو كره﴾ وهو ما يخالف غرض النفس وهواها، ولعله لكونه لما كان خيراً عبر باللام في ﴿لكم﴾ وهذا باعتبار الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قوماً كان
стр. 1091
الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى.
ولما كان هذا مكروهاً لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهياً لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال: ﴿وعسى أن﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني ﴿عسى﴾ ما يوضح أن المعنى: وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن ﴿تكرهوا شيئاً﴾ أي كالغزو
стр. 1092
فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿خير لكم﴾ لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي: فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: «كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون» ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة ﴿عسى﴾ لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى.
ولما رغبهم في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى.
стр. 1093
فقال تعالى: ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً﴾ أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿شر لكم﴾ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مراراً في أمور دنياه، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفاً على ما تقديره: فالله قد حجب عنكم سر التقدير ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يعلم﴾ أي له علم كل شيء وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير.
وقال الحرالي: شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى.
والآية من الاحتباك ذكر الخير أولاً دال على حذفه ثانياً وذكر الشر ثانياً دال على حذفه مثله أولاً.
стр. 1094
ولما أثبت شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال: ﴿وأنتم لا تعلمون *] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي: فنفى العلم عنهم لكلمة «لا» أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، «حتى شاورهم النبي ﷺ في التوجه إلى غزوة بدر» فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤]
стр. 1095
ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له، ثم قال رسول الله ﷺ : «أشيروا عليّ أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى» .
ولما أخبرهم بإيجاب القتال عليهم مرسلاً في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا: هل
стр. 1096
الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال: هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك؟ فقال مخبراً عن سؤالهم مبنياً لحالهم: ﴿يسئلونك﴾ أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم ﴿عن
стр. 1097
الشهر الحرام﴾ فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله: ﴿قتال فيه﴾ ثم أمر بالجواب في قوله: ﴿قل قتال فيه﴾ أيّ قتال كان فالمسوغ العموم.
ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدواناً فيه أكبر منه في غيره قال: ﴿كبير﴾ أي في الجملة.
ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله: ﴿وصد﴾ أيّ صد كان ﴿عن سبيل الله﴾ الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه، أو البيت الحرام فإن النبي ﷺ سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي: والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك
стр. 1098
منهجه ﴿وكفر به﴾ أيّ كفر كان، أي بالدين، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام، والتقييد فيما يأتي بقوله: ﴿عند الله﴾ يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله: ﴿كبير﴾ في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر.
ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط كما مضى كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو بغيره توقعاً للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سبباً لنزول هذه الآية وهي سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين كليهما فإنه قال: إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا: لئن تركتموهم
стр. 1099
هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فترددوا ثم شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون بذلك فاشتد تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي ﷺ بكل ذلك فإخبارهم له على هذه الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلاً عن دلالة ما مضى على التشوف إلى السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى: ﴿والمسجد﴾ أي ويسألونك عن المسجد ﴿الحرام﴾ أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك «قتال فيه قل قتال فيه كبير» عندكم على نحو ما مضى ثم ابتدأ قائلاً: ﴿وإخراج﴾ كما ابتدأ قوله: ﴿وصد عن سبيل الله﴾ وقال: ﴿أهله﴾ أي المسجد الذي كتبه الله لهم في القدم وهم أولى الناس به ﴿منه أكبر﴾ أي من القتال في الشهر الحرام خطأ وبناء على الظن والقتل فيه ﴿عند الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً
стр. 1100
فقد حذف من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك، وسر ما صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام قد وقع من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال عنه والجواب، ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من المسلمين أيضاً عام الفتح طواه وأضمره، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره وقدّره، ولما كان الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره؛ فأظهر ما أبرزه على يد الحدثان، وأضمر ما أضمره في صدر الزمان، وصرح بما صرح به لسان الواقع، ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي.
والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال الماوردي من أصحابنا: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٩] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن. وقال غيره: إنه يطلق أيضاً على نفس مكة مثل ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً
стр. 1101
من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١] فإن في بعض طرق البخاري: «فُرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست - إلى أن قال: ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء» ويطلق أيضاً على نفس المسجد نحو قوله تعالى: ﴿ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾
[الحج: ٢٥] .
ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل: أكبر، لأن ذلك فتنة ﴿والفتنة﴾ أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم ﴿أكبر من القتل﴾ ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول.
ولما كان التقدير: وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله عالماً بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم
стр. 1102
ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفاً على ما قدرته: ﴿ولا يزالون﴾ أي الكفار ﴿يقاتلونكم﴾ أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة.
ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله: ﴿حتى﴾ ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هيّن عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية، ﴿يردوكم﴾ أي كافة ما بقي منكم واحد ﴿عن دينكم﴾ الحق، ونبه على أن «حتى» تعليلية بقوله مخوفاً من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهباً للأخذ في الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون: ﴿إن استطاعوا﴾ أي إلى ذلك سبيلاً،
стр. 1103
فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم، ومن وكل إلى نفسه ضاع؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلاً عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعناً في الدين وصداً عن السبيل وشبههم التي أضَلوا عليهم دينهم ولا أصل لها، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي ﷺ فإن القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم. قال الحرالي: الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه، ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله: ﴿ومن يرتدد﴾ إلى آخره؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط
стр. 1104
مشروط بالكفر ظاهراً باللسان وباطناً بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئناً.
ولما حماهم بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهراً إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال: ﴿ومن يرتدد منكم﴾ أي يفعل ما يقصدونه من الردة ﴿عن دينه﴾ وعطف على الشرط قوله: ﴿فيمت﴾ أي فيتعقب ردته أنه يموت ﴿وهو﴾ أي
стр. 1105
والحال أنه ﴿كافر﴾ .
ولما أفرد الضمير على اللفظ نصاً على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس، وقرنه بفاء السبب إعلاماً بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال: ﴿فأولئك﴾ البعداء البغضاء ﴿حبطت أعمالهم﴾ أي بطلت معانيها وبقيت صورها؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي: من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه ﴿في الدنيا﴾ بزوال ما فيها من روح الأنس بالله ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق
стр. 1106
والتعظيم من الخلق ﴿والآخرة﴾ بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال: ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين منها.
ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريراً للجملة التي قبلها: ﴿هم فيها خالدون *﴾ أي مقيمون إقامة لا آخر لها، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي ﷺ من الردة لأن الله إذا ساق شيئاً مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى: ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم
стр. 1107
عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر.
стр. 1108
ولما بين المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هارباً من موجبات النار مقبلاً على مرجئات الجنة خوفاً من أن يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي: لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين؛ انتهى - فقال: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان.
ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعاراً
стр. 1109
باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكداً للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة: ﴿والذين هاجروا﴾ أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضاً ونفرة تصديقاً لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال الحرالي: من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه ﴿وجاهدوا﴾ أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد - فتحاً وضماً، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل ﴿في سبيل الله﴾ أي دين الملك الأعظم كل من خالفهم ﴿أولئك﴾ العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال: ﴿يرجون﴾ من الرجاء وهو ترقب الانتفاع بما تقدم له سبب ما - قاله الحرالي ﴿رحمت الله﴾
стр. 1110
أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم.
ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيراً إلى ذلك مبشراً بسعة الحلم في جملة حالية من واو ﴿يرجون﴾ ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم: ﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من الكبائر ﴿رحيم *﴾ فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال بالرضى. قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبداً في خواتم الآي إشعار بأن
стр. 1111
فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلاً ابتداء يرحمه كهلاً انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى.
ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقاً عن العبادة لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضرورياً في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن فاعل أجد الجدّ وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال: هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث؟ فقال معلماً بسؤالهم عنه مبيناً لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ما عداه على الإباحة المحضة: ﴿يسئلونك عن الخمر﴾ الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت
стр. 1112
الآيات السالفة بسببها.
قال الحرالي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته العجماء، وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير ﴿والميسر﴾ قال الحرالي: اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. وقرنهما لتآخيهما في الضرر بالجهاد وغيره
стр. 1113
بإذهاب المال مجاناً عن غير طيب نفس ما بين من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أسّ يتبعه كل ضرر فقال في الجواب: ﴿قل فيهما﴾ أي في استعمالهما ﴿إثم كبير﴾ لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر. قال الحرالي: في قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. ﴿ومنافع للناس﴾ يرتكبونهما لأجلها من التجارة في الخمر واللذة بشربها، ومن أخذ
стр. 1114
المال الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال والافتخار على الأبرام والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم ودرء المفاسد مقدم فكيف ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ وفي هذا كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين وتفاوت الشرين - انتهى. قال أبو حاتم أحمد بن أحمد الرازي في كتاب الزينة: وقال بعض أهل المعرفة: والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء والجدب كانوا يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر والحاجة فانتفعوا واعتدلت أحوالهم؛ قال الأعشى في ذلك:
المطعمو الضيف إذا ما شتوا ... والجاعلو القوت على الياسر
انتهى. وقال غيره: وكانوا يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم، وبيان المراد من الميسر عزيز الوجود مجتماً وقد استقصيت ما قدرت عليه
стр. 1115
منه إتماماً للفائدة قال المجد الفيروز آبادي في قاموسه: والميسر اللعب بالقداح، يسر ييسر، أو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، أو النرد أو كل قمار - انتهى.
وقال صاحب كتاب الزينة: وجمع الياسر يسر وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع مثل حارس وحرس وأحراس - انتهى. والقمار كل مراهنة على غرر محض وكأنه مأخوذ من القمر آية الليل، لأنه يزيد مال المقامر تارة وينقصه أخرى كما يزيد القمر وينقص؛ وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين وعبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: قال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، وفي تفسير الأصبهاني عن الشافعي: إن الميسر ما يوجب دفع مال أو أخذ مال، فإذا خلا
стр. 1116
الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن ميسراً. وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر لأنه يجزىء لحم الجزور، قال وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سبباً لذلك، ويقال: يسر القوم - إذا قامروا، ورجل يسر وياسر والجمع أيسار؛ القزاز: فأنت ياسر وهو ميسور برجع والمفعول ميسور - يعني الجزور، وأيسار جمع يسر ويسر جمع ياسر، وقال القزاز: واليسر القوم الذين
стр. 1117
يتقامرون على الجزور، واحدهم ياسر كما تقول: غائب وغيب، ثم يجمع أيسر فيقال: أيسار، فيكون الأيسار جمع الجمع، ويقال للضارب بالقداح: يسر، والجمع أيسار، ويقال للنرد: ميسر، لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور، ولا يقال ذلك في الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى؛ وقال عبد الحق في الواعي: والميسر موضع التجزئة؛ أبو عبد الله: كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون جزوراً فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء، قال أبو عمرو: على عشرة أجزاء، وقال الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءاً، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح، لسبعة منها أنصباء وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل
стр. 1118
والمعلي، وثلاثة منها ليس لها أنصباء وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلونها على يد رجل عدل عندهم يجيلها لهم باسم رجل رجل، ثم يقسمونها على قدر ما يخرج لهم السهام، فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ذلك، ومن خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئاً ولم يغرم ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ويكون لغواً؛ وقال بعضهم: بل يصير
стр. 1119
ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكونون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصباء على ما خرج لهم فهؤلاء الياسرون. قال أبو عبيد: ولم أجد علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ولا يدعونه، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء له، قال أبو عبيدة: وقد سألت عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، هذا شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون.
قال أبو عبيد: وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف والثروة والجدة - انتهى. ولعل هذا سبب تسميته ميسراً. وقال صاحب الزينة: فالتي لها الغنم وعليها الغرم أي من السهام يقال لها: موسومة، لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة، ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل قدحاً، وربما نقص عدد الرجال عن السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين، فإذا فعل ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي، قال النابغة:
إني أتمم إيثاري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الحفنة الأدما
وقال: ويقال للذي يضرب بالقداح: حرضة، وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل لا يدخل مع الأيسار ولا يأخذ نصيباً ولذلك يختارونه
стр. 1120
لأنه لا غنم له ولا غرم عليه، والذي لا يضرب القداح ولا يدخل مع الأيسار في شيء من أمورهم يقال له: البرم، وتجمع القداح في جلدة، وقال بعضهم: في خرقة، وتسمى تلك الجلدة الربابة، أي بكسر الراء المهملة وموحدتين، ثم تجمع أطرافها ويعدل بينها وتكسى يده أديماً لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد عيناه، فيجمع أصابعه عليها ويضمها كهيئة الضغث ثم يضرب رؤوسها بحاق راحته فأيها طلع من الربابة كان فائزاً؛ قال: وقال غيره: تكون الربابة شبه الخريطة تجمع فيها القداح ثم يؤمر الحرضة أن يجيلها، فمنها ما يعترض في الربابة فلا يخرج ومنها ما لا يعترض فيطلع، فذاك يكون فائزاً، ويقعد رجل أمين على الحرضة يقال له: الرقيب، ويقال للذي يضرب بالقداح: مفيض، والإفاضة الدفع وهو أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدام ويجيلها ليخرج منها قدح؛ وكذلك الإفاضة من عرفة هو الدفع منها إلى جمع - انتهى. وقال في القاموس: كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه
стр. 1121
ثمانية وعشرين سهماً أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل - انتهى. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: الياسر هو الضارب في القداح، وهو من الميسر وهو القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وكانوا يتقامرون على الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلاً بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي الفذ - إلى آخره، ثم يخرجون ذلك، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته، ومن خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئاً؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى.
هذا ما قالوه في مادة يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلاً لحفظها في قولي:
الفذ والتوأم والرقيب ... والحلس والنافس يا ضريب
ومسبل مع المعلى عدواً ... ثم منيح وسفيح وغد
وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس: الفذ أي بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: أول سهام الميسر، والتوأم أي
стр. 1122
بفتح الفوقانية المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب: سهم من سهام الميسر أو ثانيها، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب والثالث من قداح الميسر، وقال في مادة ضرب: والضريب الموكل بالقداح أو الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم: والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب، وقيل: هو أمين أصحاب الميسر، وقيل: هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله سواء، وإنما قيل للعيوق: رقيب الثريا، تشبيهاً برقيب الميسر، والرقيب الثالث من قداح الميسر، وفيه ثلاثة فروض، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه غرم ثلاثة إن لم يفز؛ وقال في مادة ضرب: وضرب بالقداح والضريب الموكل بالقداح، وقيل: الذي يضرب بها، قال سيبويه: فعيل بمعنى فاعل، والضريب القدح الثالث من قداح الميسر، قال اللحياني: وهو الذي يسمى الرقيب، قال: وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب؛ وقال في القاموس: والحُرْضَة أي بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين،
стр. 1123
والحلس بكسر المهملة وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر، والنافس بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر، ومسبل أي بسين مهملة وموحدة قال: بوزن محسن، السادس أو الخامس من قداح الميسر؛ وقال في مجمع البحرين: وهو المصفح أيضاً يعني بفتح الفاء، والمعلّى كمعظم سابع سهام الميسر، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب، والسفيح أي بوزنه وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له، والوغد أي بفتح ثم سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق الضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب له؛ وقال صاحب الزينة: وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء اللغة، ثم يجيلون عليها القداح فإن خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ونفدت أجزاء الجزور، وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيباً واحداً وصاحب التوأم نصيبين فعلى
стр. 1124
ذلك يقسمون الغرم بينهم. وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءاً: للفظ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء - فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءاً؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا يكون إذاً قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، لأنها عشرة أجزاء، قال امرؤ القيس.
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل
جعل القلب بدلاً لأعشار الجزور وجعل العينين مثلاً للقدحين أي سبت قلبه ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية من ديوانه: والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها، وإنما سمي توأماً بما عليه من الحظوظ، وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان، وإن قمرت أنصباء الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين، وذلك أنها عشرة قداح أولها الفذ وعليه فرض
стр. 1125
وله نصيب، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان، والثالث الرقيب وعليه ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء، والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة أنصباء، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة أنصباء، والسادس المسبل وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء، والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة أنصباء، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح والمنيح والوغد، وربما سموها بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها هاهنا ونذكرها بأسمائها في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض، ولذلك تدعى أغفالاً لأن الغفل من الدواب الذي لا سمة له. وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءاً، والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل جزء، والزور وهو الصدر جزء، والملحا أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي من عظم أو بضعة
следующие страницы →