← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

وهي في غاية المناسبة له، فإن الربانيين قالوا: هو اسم للقائم المحيط الأعلى الغائب عن مقامه لكنها الحاضر معه وجوداً كالروح، وكذا كان ﵁ حاضراً مع الأمة بوجوده وهو غائب عنهم بتوجهه، وجميع قلبه إنما هو مع الله ، واللام لعمر ﵁ وهي شديدة المناسبة له فإنها صلة بين باطن الألف وظاهر الميم الذي هو لمحمد ﷺ لأنه للتمام، وكذلك فعل - وصل بين السيريتن وصلاً تاماً بحيث وصل ضعف الصديق في بدنه وقوته في أمر الله بقوة رسول الله ﷺ حتى انتظم به الأمر انتظاماً لا مزيد عليه، والفاء لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو إشارة لبدء خلوص منته لتنقل بمزيد أو نقص، وآيته الفطرة الأولى، وآيتها المحسوسة اللبن أول خروجه إذا أصابه أقل شيء من الهواء الممدود غيّره، وكذلك الفطرة إذا أصابها أقل شيء من الهوى المقصود غيّرها، وكذا كان حاله رضي الله تعالى عنه، حصلت له آفات الإحسان إلى أقاربه الذي قاده إليه قويم فطرته حتى حصلت له الآفات الكبار ﵁، والجيم لعلي ﵁ وهو إشارة إلى الجمع، والإجمال الذي يحصل عنده عنا وهو أنسب الأمور له رضي الله تعالى عنه فإنه حصل به الجمع بعد

стр. 11482

الافتراق العظيم بقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شهيداً مظلوماً، وحصل به الإجمال لكن لم يتم التفصيل بسبب ما حصل من العناد، والراء إشارة إلى الحسن رضي الله تعالى عنه وهي تطوير وتصيير وتربية، وهي لكل مرب مثل زوج المرأة وسيد العبد، ولذلك فعل ﵁ لما رأى الملك يهلك بقتل المسلمين رباه بنزوله عن الأمر لمعاوية، فكان كالسيد أذن لعبده وربي أمره به، وقد سماه النبي ﷺ سيداً ﵃ أجمعين، والله أعلم بالصواب.

стр. 11483

سورة البينة سورة الإعلام بأن هذا الكتاب القيم من علو مقداره وجليل آثاره أنه كما أنه لقوم نور وهدى فهو لآخرين وقر وعمى، فيقود إلى الجنة دار الأبرار، ويسوق إلا النار دار الأشقياء الفجار، وعلى ذلك دل كل من اسمائها " الذين كفروا " " والمنفكين " بتأمل الآية في انقسام الناس إلى أهل الشقاوة وأهل السعادة) بسم الله (الذي له العلو المطلق فلا يخرج شيء عن مراده) الرحيم (الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه جميع عباده) الرحيم (الذي خص أهل وداده بالأعمال الصالحةى المتكلفة بإنجاء العامل بها وإسعاده.

стр. 11484

لما أخبر أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل من يتنزل فيها وفي تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى يأتي الفجر الذي يحصل به غاية البيان، أخبر أن أهل الأديان سواء كان لها أصل من الحق أم لا لم يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار الأسباب أن يتحولوا عما هم فيه إلا بسبب عظيم

стр. 11485

يكون بيانه أعظم من بيان الفجر، وهو القرآن المذكور في القدر والرسول المنزل عليه ذلك فقال: ﴿لم يكن﴾ أي في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال كوناً هو كالجبلة والطبع، وهذا يدل على ما كانوا عليه قبل ذلك من أنهم يبدلون ما هم عليه من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا يثبتون عليه لأن ذلك ليس في جبلاتهم، وإنما هو خاطر عارض كما هو محكيّ عن سيرتهم من بعد موسى ﵊ لما كانت تسوسهم الأنبياء ﵈ كما دل على بعض ذلك قوله تعالى: ﴿فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا﴾ [المائدة: ٧١] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل ﵊ ولا ينفصلون عنه بالكلية، وتارة يعبدون الأصنام، وتارة الملائكة، وأخرى الجن، ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتاً كلياً مثل ثباتهم على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا الميسر، فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغيرها ذلك من خرافاتهم ﴿الذين كفروا﴾ أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا. ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرماً عند فعل ما يقتضي اللوم، بدأ بقوله: ﴿من أهل الكتاب﴾ أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقاً، فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج

стр. 11486

في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا ﴿والمشركين﴾ أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب ﴿منفكين﴾ أي منفصلين زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكاً يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا يبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحماً، من فك الكتاب والختم والعظم - إذا زايل ما كان ملتصقاً ومتصلاً به، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم ﴿لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾ [فاطر: ٤٢] فيصيروا بذلك أحزاباً وفرقاً ﴿حتى﴾ أي إلى أن ﴿تأتيهم﴾ عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة ﴿البينة *﴾ أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهوراً وضياء ونوراً، وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور

стр. 11487

أو الفرقان، ولذلك أبدل منها قوله: ﴿رسول﴾ أي عظيم جداً، وزاد عظمته بقوله واصفاً له: ﴿من الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿يتلوا﴾ أي يقرأ قراءة متواترة ذلك الرسول بعد تعليمنا له ﴿صحفاً﴾ جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها، عبر بها عنه لشدة المواصلة ﴿مطهرة *﴾ أي هي في غاية الطهارة والنظافة والنزاهة من كل قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها وأنها لا يمسها إلا المطهرون، وقراءته وإن كان أمياً لمثل ما فيها قراءة لها. ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة، بين سبب ذلك فقال: ﴿فيها﴾ أي تلك الصحف ﴿كتب﴾ جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة بأن تكتب ﴿قيمة *﴾ أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية فيه ليس فيها شرك ولا عوج بنوع من الأنواع، فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا وانفكاكهم أنهم كانوا مجتمعين قبل هذا، أهل الكتاب يؤمنون بالنبي ﷺ لما عندهم من البشائر الصريحة به، والمشركون يقولون: لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، ويقولون: نحن

стр. 11488

نعرف الحق لأهله ولا ندفعه بوجه، فلما جاءهم النبي ﷺ بما لا شبهة فيه تفرقوا، فبعضهم آمن وبعضهم كفر. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هي من كمال ما تقدمها لأنه لما أمره ﵊ بقراءة كتابه الذي به اتضحت سبيله وقامت حجته، وأتبع ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها بتعظيم ما أهلت له مما أنزل فيها، أتبع ذلك بتعريفه ﷺ بأن هذا الكتاب هو الذي كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به، حتى إذا حصل ذلك مشاهداً لهم كانوا هم أول كافر به، فقال تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة - إلى قوله: وذلك دين القيمة﴾ وفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج بإذن الله التسليم والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة، فإن هؤلاء قد كانوا قدم إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا يؤملون الانتصار به ﵊ من أعدائهم ويستفتحون بكتابه، فرحم الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر وعمر وأنظارهما ﵃ أجمعين، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا

стр. 11489

على بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية، ورضي عن الآخرين ورضوا عنه، وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل بعثه ﵊ على جهالة وعمى، فلم يضرهم إذا قد سبق لهم في الأزل «أولئك هم خير البرية» انتهى. ولما كان التقدير: فإذا أتتهم انفكوا، فلقد تفرق المشركون بعد إتيانك وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال، والضال إلى مجاهر ومساتر، وكذا أهل الكتاب، ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ما جاءتهم البينة، عطف على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلماً بزيادة القبح في وقوع الذنب من العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين: ﴿وما تفرق﴾ أي الآن وفيما مضى من الزمان تفرقاً عظيماً ﴿الذين﴾ ولما كانوا في حال هي أليق بالإعراض، بنى للمفعول قوله: ﴿أوتوا الكتاب﴾ أي عما كانوا عليه من الإطباق على الضلال أو الوعد باتباع الحق المنتظر في محمد ﷺ ، وكذا كان فعلهم في عيسى ﷺ من قبل، فاستمر بعضهم على الضلال وبالغ في نقض العهد والعناد، ووفى بعض بالوعد فاهتدى، وكان تفرقهم لم يعد تفرقاً إلا زمناً يسيراً، ثم اجتمعوا فلم يؤمن منهم من يعد

стр. 11490

خلافته لباقيهم تفرقاً لكونه قليلاً من كثير، فلذلك أدخل الجارّ فقال: ﴿إلا من بعد﴾ وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل العرب الذين كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن وائل وعبد القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم، ثم أطبق اليهود والنصارى على الضلال فلم يسلم منه إلى من لا يعد لقلته مفرقاً لهم ﴿ما﴾ أي الزمن الذي ﴿جاءتهم﴾ فيه أو مجيء ﴿البينة *﴾ فكان حالهم كما قال سبحانه ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق، لا تفرقهم فيه، وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح بذكرهم لأنهم كانوا عكس أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا زمناً يسيراً في أول الأمر، فكان الضال منهم أكثر، ثم أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ومعتدل المزاج، فدل ذلك على غاية العوج لأهل الكتاب لأنهم كانوا لما عندهم من العلم أولى من المشركين بالاجتماع على الهدى، ودل ذلك على أن وقوع اللدد والعناد من العالم أكثر، وحصوله الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص بتربيته وتنميته

стр. 11491

بالمعاصي من أكل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف بالتوبة، فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها، وتكاثف رينها وغمامها، فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية الانقياد للدعاء.

стр. 11492

ولما كان حال من ضل على علم أشنع، زاد في فضيحتهم فقال: ﴿وما﴾ أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما. ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع، لا تعيين الآمر، قال بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانياً للمفعول: ﴿أمروا﴾ أي وقع أمرهم بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف إلا إليه، في تلك الكتب التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له ﴿إلا ليعبدوا﴾ أي لأجل أن يعبدوا ﴿الله﴾ أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره بأن يوجدوا عبادته ويجددوها في كل وقت، والعبادة امتثال أمر الله تعالى كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه آمر، مع المبادرة بغاية الحب والخضوع والتعظيم، وذلك مع الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو يحصل له الإعجاب فتفسد عبادته، حال كونهم ﴿مخلصين﴾ أي ثابتاً غاية الثبات إخلاصهم ﴿له الدين﴾ بحيث لا يكون فيه شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا خفي بأن

стр. 11493

يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشي من نفع ولا دفع، ويكون ذلك على الصواب، فإن كثيراً من العاملين يكون مخلصاً، ويكون بناؤه بغير أساس صالح، فلا ينفعه بل يكون وبالاً عليه، فإنه ضيع الأصل كالرهبان وكذا كثير ممن يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم والمستدرج، وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان الخلق في الأعمال والتوصل إليه بالتوقي من ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة النفس برؤية العبد نفسه عبداً مأموراً لا يريد ثواباً، جاعلاً كل شيء وسيلة إلى الله، وعلامته عدم رؤية العمل، ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات إلى طلب الثواب، وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ينبغي كما قال تعالى: ﴿يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [المؤمنون: ٦٠] قال القشيري: ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل، وقال الرازي: الإخلاص النية الصافية لأن النية دائمة، والعمل ينقطع، والعمل يحتاج إلى النية، والنية لا تحتاج إلى العمل، ولأجل ما أفهمه التعبير بالاسم من التمكن والثبات أكده بقوله: ﴿حنفاء﴾ أي في غاية الميل

стр. 11494

مع الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلاً، بل مهما حصل أدنى زيغ عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح فصاروا في غاية الاستقامة، وتلك هي العبادة الإحسانية، وأصل الحنف في اللغة: الميل، قال الملوي: وخصه العرف بالميل إلى الخير، ولذا سمي الأحنف بن قيس لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء، وسموا الميل إلى الشر إلحاداً، فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئاً عن أصول الملل الخمس: اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات الحقة، وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل الصالح وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى الذي يعني، وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق، فالإخلاص لمقام المشتغل بالمصفى له لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة، والخوف لمقام المشتغل بالمصفى منه لأنه الميل عن سائر المخلوقات إلى الله تعالى وإلى ما يرضيه.

стр. 11495

ولما ذكر أصل الدين، أتبعه الفروع، فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع التجرد عن العوائق فقال: ﴿ويقيموا﴾ أي يعدلوا من غير اعوجاج ما، بجميع الشرائط والأركان والحدود ﴿الصلاة﴾ لتصير بذلك أهلاً لأن تقوم بنفسها، وهي التعظيم لأمر الله تعالى. ولما ذكر صلة الخالق، أتبعها وصلة الخلائق فقال: ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ أي بأن يحضروها لمستحقيها شفقة على خلق الله إعانة على الدين، ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطباعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ووجاهة وغير ذلك - كما هو واضح من قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣ - والأنفال: - ٣] . ولما كان هذا ديناً حسناً بيناً فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة، زاد في توبيخهم بمدحه فقال: ﴿وذلك﴾ أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور الذي هو في غاية العلو والخير ﴿دين القيمة *﴾ أي الملة أو النفوس أو الكتب التي لا عوج فيها، وهو على الأول من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعن الخليل أنه قال: هو جمع قيم، والقيم والقائم واحد، والمعنى دين القائمين لله تعالى بالتوحيد، ودل على ما قدرته في أمر المشركين بذكرهم في نتيجة ما

стр. 11496

مضى في قوله مؤكداً لأجل إنكارهم: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي وقع منهم الستر لمرائي عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك وإن لم يكونوا عريقين فيه ﴿من أهل الكتاب﴾ أي اليهود والنصارى ﴿والمشركين﴾ أي العريقين في الشرك، ودل بالإتيان بالوصف هنا والفعل في أولئك - والله أعلم - على أن المشرك يرجع عن شركه ويؤمن إن لم يكن عريقاً في الشرك بخلاف أهل الكتاب متى تلبس أحد منهم بكفر لا يرجع عنه وإن كان تلبسه به على أضعف الوجوه، وكذا كل من ينسب إلى علم ولا سيما إن كان بليداً متى عرضت له شبهة بعد رجوعه عنها، فلذلك جمع بينهم في قوله: ﴿في نار جهنم﴾ أي النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة تكون عذاباً لأجسامهم ﴿خالدين فيها﴾ أي يوم القيامة أو في الحال لسعيهم في موجباتها، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته. ولما كان معظم السياق للعبادة والترغيب فيها من القراءة والسجود والانفكاك عن الكفر، لم يذكر التأبيد بلفظه، بل اكتفى بما دل عليه وقال في نتيجة ما مضى: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي خاصة بما لضمائرهم من الخبث ﴿شر البرية *﴾ أي الخليقة الذين أهملوا

стр. 11497

إصلاح أنفسهم، وفرطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا نار لأرواحهم حين ينادى عليهم به. ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم، لأن السياق لذم من جمد من المألوف وترك المعروف، أتبعه الأولياء فقال مؤكداً لما للكفار من الإنكار: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي هذا النوع، ولما كان نعيم القلب أعظم، قدمه على نعيم البدن إبلاغاً في مدحهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الدرجات ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿خير البرية *﴾ . ولما خصصهم بالخيرية، ذكر ثوابهم، فقال ذاكراً جنة أبدانهم معظماً لهم بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذن بأنه مقابلة ما وصفوا به: ﴿جزاؤهم﴾ أي على طاعاتهم، وعظمه بقوله: ﴿عند ربهم﴾ إليهم المربي لهم وأي المحسن ﴿جنات عدن﴾ أي إقامة لا تحول عنها ﴿تجري﴾ أي جرياً دائماً لا انقطاع له. ولما كان عموم الماء مانعاً من تمام اللذة، قرب وبعض بقوله: ﴿من تحتها﴾ أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ . ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: ﴿خالدين فيها﴾ ولما كان النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثاً على اتباع الدليل

стр. 11498

المعروف، والمفارقة للحال المألوف، أكد معنى الخلود تعظيماً لجزائهم بقوله: ﴿أبداً﴾ . ولما كان هذا كله ثمرة الرضا، وكان التصريح به أقر للعين لأنه جنة الروح، قال مستأنفاً أو معللاً: ﴿رضي الله﴾ أي بما له من نعوت الجلال والجمال ﴿عنهم﴾ أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. ولما كان الرضا إذا كان من الجانبين، كان أتم وأعلى لهم قال: ﴿ورضوا عنه﴾ لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك، لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقدره أحد حق قدره، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم، وأعظم نعمه عليهم ما منّ عليهم به من متابعتهم رسول الله ﷺ ، فإن ذلك كان سبباً لكل خير. ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص، قال معمماً له ومنبهاً على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي الذي جوزوا به ﴿لمن خشي ربه *﴾ أي خاف المحسن إليه خوفاً يليق به، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل، ولم يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرمات بل كان ممن

стр. 11499

يطلب معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه، فكان تواتر إحسانه يزيده خوفاً فيزيده شكراً، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير، وهي للعارفين، قال الملوي ما معناه: إن الإنسان إذا استشعر عقاباً يأتيه أو خسراً، لحقته حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن وقلقه واضطرابه لتوقع مكروه، فإن اشتد سمي وجلاً لجولانه في نفسه، فإذا اشتد سمي رهباً لأدائه إلى الهرب، وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ومن غلب عليه الحب لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ينفك عن خوف إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة، ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في شهود الجلاليات صار في الإجلال، ووراء هذا الخشية ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك من جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه سبحانه، ولم يقدح في البينة ولا توقف فيها، وما فارق الخوف قلباً إلا خرب، فكان جديراً بأن يقدح في كل ما أدى إلى العمارة، وقد رجع آخر السورة على أولها بذلك، وبتصنيف الناس صنفين: صنف انفك عن هوى نفسه فأنجاها، وصنف استمر في أسرها فأرداها، وقد ذكرت في «مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور» سر تخصيص النبي ﷺ لأبيّ ﵁ بقراءة هذه السورة عليه بخصوصها، وحاصله

стр. 11500

أن سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة ﵃ قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبي ﷺ فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما، قال: فسقط في نفسي من التكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فضرب ﷺ في صدري ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، ثم قص عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل وفيها أن الله يبعث رسوله ﷺ يوم البعث شهيداً، وأنه نزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا، وأن اليهود اختلفوا في السبت، وسورة ﴿لم يكن﴾ على قصرها حاوية إجمالاً لكل ما في النحل على طولها بزيادة، وفيها التحذير من الشك بعد البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك، وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد، فيكون شر البرية، فقرأها النبي ﷺ عليه ﵁ تذكيراً له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصوراً فيكون أرسخ في النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت وأراد له الثبات، فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب النبي ﷺ لصدره من كشفه الحجب ونفي الشياطين والنظر إلى سبحات القدس

стр. 11501

وشهود تلك الحضرة الشماء، وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة ﵃ مراقبة لتلاوة النبي ﷺ بما يتذكر من الأمر الشريف بتخصيصه بذلك، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائباً عن تلاوة نفسه مصغياً بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل إليه بسر تلك الضربة. ولثبوته في هذا المقام قال ﷺ : «أقرؤكم أبيّ» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه وهو صحيح ورواه بعضهم مرسلاً، ومما فيه ولم أذكره في المصاعد سنة التواضع حتى لا يمنع أحداً ما يراه من علوه من القراءة على من هو دونه فإنه ما منع أكثر أهل الكتاب من الإسلام إلا رؤية ما كانوا عليه من العلم بكتب الله وسنن الرسل عليهم الصلاة والسلام وجهل العرب بذلك، فنظروا إلى ما كان ولم ينظروا إلى الحالة الراهنة الآن، فحلق الحسد أديانهم وسلبهم إيمانهم، وصاروا أشقى الناس - كما نبه عليه أول السورة - نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة - آمين.

стр. 11502

سورة الزلزلة مقصودها انكشاف الأمور، وظهور المقدور أتم ظهور، وانقسام الناس في الجزاء في دار البقاء إلى سعادة وشقاء، وعلى ذلك دل اسمها بتامل الظرف ومظروفه، وما أفاد من بديع القدر وصروفه) بسم الله (المحيط بكل شيء قدؤرة وعلما) الرحمن (الذي عم الخلق بنعمته الظاهرة قسما) الرحيم (الذي أتم النعمة على خواصه حقيقة واسما، عينا ورسما.

стр. 11503

لما ختم تلك بجزاء الصالح والطالح في دار البقاء على ما أسلفوه في مواطن الفناء، ذكر في هذه أول مبادىء تلك الدار وأوائل غاياتها، وذكر في القارعة ثواني مبادئها وآخر غاياتها، وأبلغ في التحذير بالإخبار بإظهار ما يكون عليه الجزاء، فقال معبراً بأداة التحقق لأن الأمر حتم لا بد من كونه: ﴿إذا﴾ . ولما كان المخوف الزلزلة ولو لم يعلم فاعلها، وكان البناء للمفعول يدل على سهولة الفعل ويسره جداً، بنى للمفعول قوله: ﴿زلزلت الأرض﴾ أي حركت واضطربت زلزلة البعث بعد النفخة الثانية بحيث يعمها ذلك

стр. 11504

لا كما كان يتفق قبل ذلك من زلزلة بعضها دون بعض وعلى وجه دون ذلك، وعظم هذا الزلزال وهوّله بإبهامه لتذهب النفس فيه كل مذهب، فقال كاسراً الزاء لأنه مصدر، ولو فتحها لكان اسماً للحركة، قال البيضاوي: وليس إلا في المضاعف. ﴿زلزالها *﴾ أي تحركها واضطرابها الذي يحق لها في مناسبته لعظمة جرم الأرض وعظمة ذلك اليوم، ولو شرح بما يليق به لطال الشرح، وذلك كما تقول: أكرم التقي إكرامة وأهن الفاسق الشقي إهانة، أي على حسب ما يليق به. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت عقب سورة البرية ليبين بها حصول جزاء الفريقين ومآل الصنفين المذكورين في قوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ - إلى قوله: ﴿أولئك شر البرية﴾ وقوله: ﴿إن الذين آمنوا﴾ - إلى آخر السورة. ولما كان حاصل ذلك افتراقهم على صنفين ولم يقع تعريف بتباين أحوالهم، أعقب ذلك بمآل الصنفين واستيفاء جزاء الفريقين المجمل ذكرهم فقال تعالى: ﴿يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم﴾ إلى آخر السورة - انتهى.

стр. 11505

ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال: ﴿وأخرجت﴾ وأظهر ولم يضمر تحقيقاً للعموم فقال: ﴿الأرض﴾ أي كلها ﴿أثقالها﴾ أي مما هو مدفون فيها كالأموات والكنوز التي كان أمرها ثقيلاً على الناس، وهو جمع ثقل بالكسر، وذلك حين يكون البعث والقيام متأثراً ذلك الإخراج عن ذلك الزلزال، كما يتأثر عن زلزال البساط بالنفض إخراج ما في بطنه وطيه وغضونه من وسخ وتراب وغيره، وما كان على ظهرها فهو ثقل عليها لأنها يعطيها الله قوة إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوة أن تخرج النبت الصغير اللطيف الطري الذي هو أنعم من الحرير فيشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاول والحديد، ويشق النواة مع ما لها من الصلابة التي تستعصي بها على الحديد فينفلق نصفين وينبت منها ما يريده ، ويفلق قشر الجوز واللوز ونوى الخوخ وغيره مما هو في غاية الصلابة كما نشاهده، ويخرج منه الشجر بشق الأرض على ضعفه ولينه وصلابتها وبكونه على ظهرها حتى يصير أغلظ شيء وأشده، وكذا الحب سواء، فالذي قدر على ذلك هو سبحانه وتعالى

стр. 11506

قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن ويشق جميع منافذه على التحذير من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل إلى هناك بيكار ولا منشار، ثم يخرج من البطن، فكذا إخراج الموتى من غير فرق، كل عليه هين - سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. ولما كان الإنسان إذا رأى هذا عجب له ولم يدرك سببه لأنه أمر عظيم فظيع يبهر عقله ويضيق عنه ذرعه، عبر عنه بقوله: ﴿وقال الإنسان﴾ أي هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما تأكد عنده من أمر البعث بما له من الأنس بنفسه والنظر في عطفه، على سبيل التعجب والدهش أو الحيرة، ويجوز أن يكون القائل الكافر كما يقول: ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢] فيقول له المؤمن: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢] ﴿ما لها *﴾ أي أيّ شيء للأرض في هذا الأمر الذي لم يعهد مثله. ولما طال الكلام وأريد التهويل، أبدل من «إذا» قوله معرفاً للإنسان ما سأل عنه: ﴿يومئذ﴾ أي إذ كان ما ذكر من الزلزال

стр. 11507

وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله: ﴿تحدث﴾ أي الأرض بلسان الحال بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم زلزلت ولم أخرجت، وأن الإنذار بذلك كان حقاً، وقال ابن مسعود ﵁: تحدث بلسان المقال. ﴿أخبارها *﴾ أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت لأجلها، وكل شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول: عمل فلان كذا وكذا - تعدد حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه العار، وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه صوته من رطب ويابس. ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى، وكان قد بنى الأفعال لما لم يسم فاعله، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال: ﴿بأن﴾ أي تحدث بسبب أن ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء شأنك ﴿أوحى﴾ وعدل عن حرف النهاية إيذاناً بالإسراع في الإيحاد فقال: ﴿لها *﴾ أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال. ولما أخبر تعالى بإخراج الأثقال التي منها الأموات، اشتد التشوف

стр. 11508

إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه، فقال مكرراً ذكر اليوم زيادة في التهويل: ﴿يومئذ﴾ أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور ﴿يصدر﴾ أي يرجع رجوعاً هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ينادون منه لا يغلط أحد منهم فيه ولا يضل عنه ﴿الناس﴾ من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم ﴿أشتاتاً *﴾ أي متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. ولما ذكر ذلك، أتبعه علته فقال بانياً للمفعول على طريقة كلام القادرين: ﴿ليروا﴾ أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير واسطة حين يكلم كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله ﷺ ﴿أعمالهم *﴾ فيعلموا جزاءها أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلاً الجملة التي قبله: ﴿فمن يعمل﴾ من محسن أو مسيء مسلم أو كافر ﴿مثقال﴾ أي مقدار وزن ﴿ذرة خيراً﴾ أي من جهة الخير ﴿يره *﴾ أي حاضراً لا يغيب عنه شيء منه لأن المحاسب له الإحاطة علماً وقدرة، فالكافر يوقف على

стр. 11509

أنه جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان، فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه، والمؤمن يراه ليشتد سروره به. ولما ذكر الخير، أتبعه ضده فقال: ﴿ومن يعمل﴾ أي كائناً من كان ﴿مثقال ذرة شراً﴾ أي من جهة الشر ﴿يره﴾ فما فوقه، فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد غفر له ليشتد فرحه، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه، والذرة النملة الصغيرة أو الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة، وقد رجع آخرها على أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار، وقد ورد في حديث الأعرابي أن هذه السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة، وقال ابن مسعود ﵁: إنها أحكم آية في القرآن، وكان رسول الله عليه ﷺ يسميها الفاذة الجامعة، ومن فقه ذلك لم يحقر ذنباً وإن دق لأنه يجتمع إلى أمثاله فيصير كبيراً كما قال ﷺ لعائشة ﵂: «إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً» وروي كما ذكرته في كتابي «مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور» في حديث «

стр. 11510

إنها تعدل نصف القرآن» وفي حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن، ولا تعارض، فالأول نظر إليها من جهة أن الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، وهذه السورة اشتملت على أحكام الآخرة إجمالاً، وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وأن كل أحد يرى كل ما عمل، والثاني نظر إليه باعتبار ما تضمنه الحديث الذي رواه الترمذي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» فاقتضى هذا الحديث أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان الكامل الذي دل عليه القرآن، وأيضاً فأمر الدين أربعة أجزاء: أمر المعبود، وأمر العبيد، وأمر العبادة، وأمر الجزاء، فهذه السورة تكفلت بأمر الجزاء، وسورة الكافرون ربع لأنها في أمر العبادة على وجه الخصوص والخفاء وإن كانت على وجه التمام والوفاء، وسورة النصر ربع لأنها لأمر العبادة على وجه العموم والجلاء والظهور والعلاء - والله الهادي للصواب وإليه المآب.

стр. 11511

سورة العاديات مقصودها اإعلام بأن أكثر الخلق يوم الزلزلة هالك لإيثار الفاني من العز والمال على الباقي عند ذي الجلال، المدلول عليه بالقسم وه والعاديلت والمقسم عليه وما عطف عليه، وقد علم أن اسمها أدل شيء على ذلك لما هدى إليه القسم والمقسم عليه: (بسم الله (الذي له الأمر كله فلا يسأل عما يفعل) الرحمن (الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل) الرحيم (الذي خص خلص عباده بتوفيقه فأتم نعمته عليهم وأكمل.

стр. 11512

لما ختم الزلزلة بالجزاء لأعمال الشر يوم الفصل، افتتح هذه ببيان ما يجر إلى تلك الأعمال من الطبع، وما ينجر إليه ذلك الطبع مما يتخيله من النفتع، موبخاً من لا يستعد لذلك اليوم بالاحتراز التام من تلك الأعمال، معنفاً من أثر دنياه على أخراه، مقسماً بما لا يكون إلا عند أهل النعم الكبار الموجبة للشكر، فمن غلب عليه الروح شكر، ومن غلب

стр. 11513

عليه الطبع - وهم الأكثر - كفر فقال: ﴿والعاديات﴾ أي الدواب التي من شأنها أن تجري بغاية السرعة، وهي الخيل التي ظهورها عز وبطونها كنز، وهي لرجل وزر ولرجل أجر، فمن فاخر بها ونادى بها أهل الإسلام وأبطره عزها حتى قطع الطريق وأخاف الرفيق كانت له شراً، ومن جعلها في سبيل الله كانت له أجراً، ومن حمل عليها ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها وكانت له ستراً، وإنما أقسم بها ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت به أمثالها من الدواب كالثور مثلاً والحمار ليعلم أن الذي خصها بذلك فاعل مختار واحد قهار، فالقسم في الحقيقة به سبحانه. ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام، قال ناصباً به أو ب «تضبح» مقدراً: ﴿ضبحاً *﴾ والضبح صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد، ليس بصهيل ولا حمحمة ولا رغاء وهو النفس، وليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وأصله للثعلب واستيعر للخيل، وحكاه ابن عباس ﵄ فقال: أح أح، أو الضبح عدو دون التقريب.

стр. 11514

ولما ذكر عدوها، أتبعه ما ينشأ عنه، فقال عاطفاً بأداة التعقيب لأن العدو بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء: ﴿فالموريات﴾ أي المخرجات للنار بما يصطك من نعلها بالأحجار، لا سيما عند سلوك الأوعار. ولما كان الإيراء أثر القدح قال: ﴿قدحاً *﴾ أي تقدح ضرباً بعنف كضرب الزند ليوري النار، ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن لم يكن لها قصد إليه. ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه، ذكر نتيجته وغايته فقال: ﴿فالمغيرات﴾ أي بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض الشديد لإرادة القتل والنهب. ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور والويل أروع ما تكون في أعقاب الليل قال: ﴿صبحاً *﴾ أي ذات دخول في الصباح. ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفاً تارة يميناً وتارة شمالاً وتارة أماماً وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة أثر الهارب، وأخرى في مصاولة المقبل المحارب، فينشأ عنها الغبار الكثير لإثارة الهواء له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما تحركه منه، وكان المقسم به منظوراً فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظوراً فيها إلى الفعل بادىء بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات، عطف على اسم الفاعل بعد حله إلى أن وصلتها فقال:

стр. 11515

﴿فأثرن به﴾ أي بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو ﴿نقعاً *﴾ أي غباراً مع الاعناق والصياح والزجر بالعنق حتى صار ذلك الغبار منحبكاً ومنعقداً عليها. ولما كان المغير يتوسط الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى افترقوا حصل فيهم الخلل، ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال: ﴿فوسطن به﴾ أي بذلك النقع أو الفعل والوقت والموضع ﴿جمعاً﴾ أي وهو المقصود بالإغارة، فدخلت في وسط ذلك الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها وشجاعة فرسانها. ولما أقسم بالخيل التي هي أشرف الحيوان كما أن الإنسان المقسم لأجله أشرف ما اتصف منه بالبيان، وتجري به أفكاره كخيل الرهان، وتقدح المعاني تارة مقترنة بأشرف اللمعان، وأخرى بأخس ما يقع به الاقتران، من الزور والبهتان، والإلحاد والطغيان، وتغير منه ثواقب الأذهان، تارة على شبه الخصوم بالبرهان، وأخرى بما يغير به من الشبه الملتبسة في وجوه المعاني الحسان، وينثر تارة المعاني الصحيحة على أهل الطغيان،

стр. 11516

من ذوي البدع والكفران، وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان، وتتوسط تارة جمع أولي الطغيان، وأخرى جمع أولي الإيمان، وكانت الإغارة في الغالب لأجل قهر المغار عليهم على أموالهم عدواناً إن كان ذلك في غير الجهاد، وإن كانت في الجهاد فقل من يخلص في ذلك الحال، فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه الحديث القدسي: «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» قال مجيباً للقسم بذكر المقسم عليه حاكماً على النوع باعتبار عد المخلص لقلته عدماً، مؤكداً لما لهم من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا الحال: ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ينفعه ﴿لربه﴾ أي المحسن إليه بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته ﴿لكنود *﴾ أي كفور نكد لسوء المعاملة حيث يقدم بما أحسن به الله إليه من الصافنات الجياد وبما آتاه من قوة الجنان والأركان على ما نهاه عنه، ومصدره الكنود بالضم وهو كفران النعمة، فالمراد هنا - بالتعبير عنه بهذه الصيغة التي هي للمبالغة - من يزدري القليل ولا يشكر الكثير، وينسى كثير النعمة بقليل المحنة، ويلوم ربه في أيسر نقمة، وقال الفضيل بن عياض: هو من أنسته

стр. 11517

الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور ضده. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو فقال: «إن الإنسان لربه لكنود» أي لكفور، يبخل بما لديه من المال كأنه لا يجازي ولا يحاسب على قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وكأنه ما سمع بقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ ﴿وإنه لحب الخير﴾ أي المال ﴿لشديد﴾ لبخيل، ﴿وإنه على ذلك لشهيد﴾ فإن الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة مآله ﴿إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور﴾ أي ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾ لا يخفى عليه شيء من أمرهم ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ - انتهى. ولما كان إقدام الإنسان على الظلم عجباً، فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم كان أعجب، قال مؤكداً لما لأكثر الخلق قبل البعث والمحاققة من إنكار كفرانه: ﴿وإنه﴾ أي الإنسان ﴿على ذلك﴾ أي الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه

стр. 11518

﴿لشهيد *﴾ لأنه مقر إذا حوقق بأن جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه نهاه عن المخالفة، أو أنه لا أمر عنده منه بما فعل، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتحرك بحركة يمكن أن يكرهها الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه بغير إذنه، وأنه إن تحرك بغير ذلك كان كافراً لإحسانه مستحقاً لعقابه، لا يقدر على إنكار شيء منه. ولما كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم، وهو شاهد على نفسه، ذكر الحامل له على ذلك حتى هان عليه فقال: ﴿وإنه﴾ أي الإنسان من حيث هو مع شهادته على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب النعم ﴿لحب﴾ أي لأجل حب ﴿الخير﴾ أي المال الذي لا يعد غيره لجهله خيراً ﴿لشديد *﴾ أي بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه، أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد بالعاجل الحاضر المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه وهو معرض عن الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرّف بما يرضى من خدمة ربه الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف متقاعس، وكان حبه الخير يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة، ولا يتخيل أن شديداً عامل في الحب لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، وإنما ذلك المتقدم دليل على المعمول المحذوف.

стр. 11519

ولما كان المال فانياً لا ينبغي لعاقل أن يعلق أمله به فضلاً عن أن يؤثرة على الباقي، نبهه على ذلك بتهديد بليغ، فقال مسبباً عن ذلك معجباً، موقفاً له على ما يؤول إليه أمره: ﴿أفلا يعلم﴾ أي هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه. ولما كان الحب أمراً قلبياً، لا يطلع عليه إلا عالم الغيب، وكان البعث من عالم الغيب، وكان أمراً لا بد منه، وكان المخوف مطلق كونه، لم يحتج إلى تعيين الفاعل، فبنى للمفعول قوله مهدداً مؤذناً بأنه شديد القدرة على إثارة الخفايا، معلقاً بما يقدره ما يؤول إليه أمره من أن الله يحاسبه ويجازيه على أعماله، وأنه لا ينفعه مال ولا غيره، ولا ينجيه إلا ما كان من أعماله موافقاً لأمر ربه مبنياً على أساس الإيمان واقعاً بالإخلاص: ﴿إذا بعثر﴾ أي أثير بغاية السهولة وأخرج وفرق ونظر وفتش بغاية السهولة. ولما كان الميت قبل البعث جماداً، عبر عنه بأداة ما لا يعقل فقال: ﴿ما في القبور *﴾ أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر العرب بعثهم فنشروا للحساب، أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع أجسامهم، وقلب بعضه على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه، ثم أعيدت إليه الروح، فكان كل أحد على ما مات عليه.

стр. 11520

ولما كان المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال الفاسدة قال: ﴿وحصل﴾ أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية السهولة كما أشار البناء للمفعول ﴿ما في الصدور *﴾ أي من خير أو شر مما يظن مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلاً، وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن النيات يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. ولما كان علم ما في الصدور أمراً باهراً للعقل، قال جامعاً نظراً إلى المعنى لما عبر عنه بالإفراد بالنظر إلى اللفظ، لأن العلم بالكل يلازمه العلم بالبعض بخلاف العكس مؤكداً إشارة إلى أنه مما لا يكاد يصدق، معللاً للجملة المحذوفة الدالة على الحساب: ﴿إن ربهم﴾ أي المحسن إليهم بخلقهم وزرقهم وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين ﴿بهم﴾ قدم هذا الجار والمجرور لا للاختصاص، بل للاشارة إلى نهاية الخبر. ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ظاهراً وباطناً، وكان يلزم من الخبرة بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة به حال كونه من باب الأولى قال: ﴿يومئذ﴾ أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة ﴿لخبير *﴾ أي محيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم، فكيف
следующие страницы →