← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

من ذوي البدع والكفران، وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان، وتتوسط تارة جمع أولي الطغيان، وأخرى جمع أولي الإيمان، وكانت الإغارة في الغالب لأجل قهر المغار عليهم على أموالهم عدواناً إن كان ذلك في غير الجهاد، وإن كانت في الجهاد فقل من يخلص في ذلك الحال، فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه الحديث القدسي: «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» قال مجيباً للقسم بذكر المقسم عليه حاكماً على النوع باعتبار عد المخلص لقلته عدماً، مؤكداً لما لهم من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا الحال: ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ينفعه ﴿لربه﴾ أي المحسن إليه بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته ﴿لكنود *﴾ أي كفور نكد لسوء المعاملة حيث يقدم بما أحسن به الله إليه من الصافنات الجياد وبما آتاه من قوة الجنان والأركان على ما نهاه عنه، ومصدره الكنود بالضم وهو كفران النعمة، فالمراد هنا - بالتعبير عنه بهذه الصيغة التي هي للمبالغة - من يزدري القليل ولا يشكر الكثير، وينسى كثير النعمة بقليل المحنة، ويلوم ربه في أيسر نقمة، وقال الفضيل بن عياض: هو من أنسته

стр. 11517

الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور ضده. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو فقال: «إن الإنسان لربه لكنود» أي لكفور، يبخل بما لديه من المال كأنه لا يجازي ولا يحاسب على قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وكأنه ما سمع بقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ ﴿وإنه لحب الخير﴾ أي المال ﴿لشديد﴾ لبخيل، ﴿وإنه على ذلك لشهيد﴾ فإن الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة مآله ﴿إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور﴾ أي ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾ لا يخفى عليه شيء من أمرهم ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ - انتهى. ولما كان إقدام الإنسان على الظلم عجباً، فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم كان أعجب، قال مؤكداً لما لأكثر الخلق قبل البعث والمحاققة من إنكار كفرانه: ﴿وإنه﴾ أي الإنسان ﴿على ذلك﴾ أي الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه

стр. 11518

﴿لشهيد *﴾ لأنه مقر إذا حوقق بأن جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه نهاه عن المخالفة، أو أنه لا أمر عنده منه بما فعل، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتحرك بحركة يمكن أن يكرهها الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه بغير إذنه، وأنه إن تحرك بغير ذلك كان كافراً لإحسانه مستحقاً لعقابه، لا يقدر على إنكار شيء منه. ولما كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم، وهو شاهد على نفسه، ذكر الحامل له على ذلك حتى هان عليه فقال: ﴿وإنه﴾ أي الإنسان من حيث هو مع شهادته على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب النعم ﴿لحب﴾ أي لأجل حب ﴿الخير﴾ أي المال الذي لا يعد غيره لجهله خيراً ﴿لشديد *﴾ أي بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه، أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد بالعاجل الحاضر المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه وهو معرض عن الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرّف بما يرضى من خدمة ربه الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف متقاعس، وكان حبه الخير يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة، ولا يتخيل أن شديداً عامل في الحب لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، وإنما ذلك المتقدم دليل على المعمول المحذوف.

стр. 11519

ولما كان المال فانياً لا ينبغي لعاقل أن يعلق أمله به فضلاً عن أن يؤثرة على الباقي، نبهه على ذلك بتهديد بليغ، فقال مسبباً عن ذلك معجباً، موقفاً له على ما يؤول إليه أمره: ﴿أفلا يعلم﴾ أي هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه. ولما كان الحب أمراً قلبياً، لا يطلع عليه إلا عالم الغيب، وكان البعث من عالم الغيب، وكان أمراً لا بد منه، وكان المخوف مطلق كونه، لم يحتج إلى تعيين الفاعل، فبنى للمفعول قوله مهدداً مؤذناً بأنه شديد القدرة على إثارة الخفايا، معلقاً بما يقدره ما يؤول إليه أمره من أن الله يحاسبه ويجازيه على أعماله، وأنه لا ينفعه مال ولا غيره، ولا ينجيه إلا ما كان من أعماله موافقاً لأمر ربه مبنياً على أساس الإيمان واقعاً بالإخلاص: ﴿إذا بعثر﴾ أي أثير بغاية السهولة وأخرج وفرق ونظر وفتش بغاية السهولة. ولما كان الميت قبل البعث جماداً، عبر عنه بأداة ما لا يعقل فقال: ﴿ما في القبور *﴾ أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر العرب بعثهم فنشروا للحساب، أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع أجسامهم، وقلب بعضه على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه، ثم أعيدت إليه الروح، فكان كل أحد على ما مات عليه.

стр. 11520

ولما كان المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال الفاسدة قال: ﴿وحصل﴾ أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية السهولة كما أشار البناء للمفعول ﴿ما في الصدور *﴾ أي من خير أو شر مما يظن مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلاً، وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن النيات يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. ولما كان علم ما في الصدور أمراً باهراً للعقل، قال جامعاً نظراً إلى المعنى لما عبر عنه بالإفراد بالنظر إلى اللفظ، لأن العلم بالكل يلازمه العلم بالبعض بخلاف العكس مؤكداً إشارة إلى أنه مما لا يكاد يصدق، معللاً للجملة المحذوفة الدالة على الحساب: ﴿إن ربهم﴾ أي المحسن إليهم بخلقهم وزرقهم وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين ﴿بهم﴾ قدم هذا الجار والمجرور لا للاختصاص، بل للاشارة إلى نهاية الخبر. ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ظاهراً وباطناً، وكان يلزم من الخبرة بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة به حال كونه من باب الأولى قال: ﴿يومئذ﴾ أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة ﴿لخبير *﴾ أي محيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم، فكيف

стр. 11521

بظواهرها جواهر وأعراضاً، أقوالاً وأفعالاً، خفية كانت أو ظاهرة، سراً كانت أو علانية، خيراً كانت أو شراً، ومن المعلوم أن فيها الظلم وغيره، ومنهم المحسن وغيره، فلأجل علمه سبحانه بذلك غاية العلم يحاسبهم لئلا يقع ما ينافي الحكمة وهو أن تستوي الحسنة والسيئة، فالقصد بالقيد وتقديم الظرف الإبلاغ في التعريف بأنه محيط العلم بذلك كما إذا قيل لك: تعرف فلاناً؟ فقلت: ولا أعرف إلا هو، فإن قصدك بذلك أن معرفتك به في غاية الإتقان، لا نفي معرفة غيره، وفيه إشعار بأن كل أحد يعرف غاية المعرفة في ذلك اليوم أنه عالم بأحواله لا ذهول له عن شيء من ذلك كما يقع في هذه الدار من أن الإنسان يعمل أشياء كثيرة وهو غافل عن أن ربه سبحانه مطلع عليه فيها، ولو نبه لعلم، فلإحاطته بجميع أحوالهم كان عالماً بأن الإنسان لربه لكنود، وقد رجع آخرها إلى أولها، وتكفل مفصلها بشرح مجملها - والله الهادي للصواب.

стр. 11522

سورة القارعة مقصودها إيضاح يوم الدين بتصوير ثواني أحواله في مبدئه ومآله، وتقسيم الناس فيه إلى ناج وهالك، واسمها القارعة واضح في ذلك) بسم الله (الملك الأعلى) الرحم، (الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه جميع الورى) الرحيم (الذي خص أهل حزبه بالتوفيق لما يجب ويرضى.

стр. 11523

لما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته فقال: ﴿القارعة *﴾ أي الصيحة أو القيامة، سميت بها لأنها تقرع أسماع الناس وتدقها دقاً شديداً عظيماً مزعجاً بالأفزاع، والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار، والأشياء الثابتة بالانتثار. ولما كانت تفوق الوصف في عظم شأنها وجليل سلطانها، عبر عن ذلك وزاده عظماً بالإلهام والإظهار في موضع الإضمار مشيراً بالاستفهام إلى أنها مما يستحق السؤال عنه على وجه التعجيب والاستعظام فقال: ﴿ما القارعة﴾ وأكد تعظيمها إعلاماً -

стр. 11524

بأنه مهما خطر ببالك من عظمها فهي أعظم منه فقال: ﴿وما أدراك﴾ أي وأيّ شيء أعلمك وإن بالغت في التعرف، وأظهر موضع الإضمار لذلك فقال: ﴿ما القارعة *﴾ أي أنك لا تعرفها لأنك لم تعهد مثله. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله : «أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور» كان ذلك مظنة لأن يسأل: متى ذلك؟ فقيل: يوم القيامة الهائل الأمر، الفظيع الحال، الشديد البأس، والقيامة هي القارعة، وكررت تعظيماً لأمرها كما ورد في قوله تعالى ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ - ٢] وفي قوله سبحانه: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ [طه: ٧٨] ثم زاد عظيم هوله إيضاحاً بقوله تعالى ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾ والفراش ما تهافت في النار من البعوض، والمبثوث: المنتشر ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ والعهن: الصوف المصبوغ، وخص لإعداده للغزل إذ لا يصبغ لغيره بخلاف الأبيض فإنه - لا يلزم فيه ذلك، ثم ذكر حال الخلق في وزن الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر - انتهى. ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحوالها، قال ما تقديره: تكون ﴿يوم يكون﴾ أي كوناً كأنه جبلة ﴿الناس﴾ أي الذين حالهم

стр. 11525

النوس على كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم بعد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور ﴿كالفراش﴾ أي صغار الجراد لأنها تتفرش وتتهافت على النار، أو هو طير غير ذلك لا دم له، يتساقط في النار وليس ببعوض ولا ذباب، وقال حمزة الكرماني: شبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج، وقال غيره: وجه الشبه الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما تتطاير الفراش، وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضاً - وموج بعضهم في بعض من شدة الهول كما قال تعالى ﴿كأنهم جراد منتشر﴾ [القمر: ٧] ﴿المبثوث *﴾ أي المنتشر المتفرق. ولما كانت الجبال أشد ما تكون، عظم الرهبة بالإخبار بما يفعل بها فقال تعالى: ﴿وتكون الجبال﴾ على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور راسخة ﴿كالعهن﴾ أي الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى: ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر﴾ [فاطر: ٢٧] أي وغير ذلك ﴿المنفوش *﴾ أي المندوف المفرق الأجزاء الذي ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره،

стр. 11526

فتراها لذلك متطايرة في الجو كالهباء المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتاً. ولما كان اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه، سبب عن ذلك قوله مفصلاً لهم: ﴿فأما من ثقلت﴾ أي بالرجحان. ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جداً، جمع الميزان باعتبارها فقال: ﴿موازينه *﴾ أي مقادير أنواع حسناته باتباع الحق لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل، والموزون الأعمال أنفسها تجسداً وصحائفها ﴿فهو﴾ بسبب رجحان حسناته ﴿في عيشة﴾ أي حياة تتقلب فيها، ولعله ألحقها الهاء الدالة على الوحدة - والمراد العيش - ليفهم أنها على حالة واحدة - في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا ﴿راضية *﴾ أي ذات رضى أو مرضية لأن أمه - جنة عالية ﴿وأما من خفت﴾ أي طاشت ﴿موازينه *﴾ أي بأن غلبت سيئاته أو لم تكن له حسنة لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا ﴿فأمه﴾ أي التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض: أم - لأنها تقصد لذلك، ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم، وكذا المسكن، وهو يفهم أنه مخلوق منها غلب عليه طبع الشيطان لكون العنصر الناري أكثر أجزائه، وعظمها بالتنكير والتعبير بالوصف المعلم بأنه لا قرار لها فقال: ﴿هاوية *﴾ أي نار نازلة سافلة جداً فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلاً وهو في عيشة ساخطة، فالآية من الاحتباك، ذكر العيشة أولاً دليلاً على حذفها ثانياً، وذكر

стр. 11527

الأم ثانياً دليلاً على حذفها أولاً. ولما كانت مما يفوت الوصف بعظيم أهوالها وشديد زلزالها، جمع الأمر فيها فقال منكراً أن يكون مخلوق يعرف وصفها: ﴿وما أدراك﴾ أي وأيّ شيء أعلمك وإن اشتد تكلفك ﴿ما هيه *﴾ أي الهاوية لأنه لم يعهد أحد مثلها ليقيسها عليه، وهاء السكت إشارة إلى إن ذكرها مما يكرب القلب حتى لا يقدر على الاسترسال في الكلام أو إلى - أنها مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا الاستفهام عنها سمعه فيسكت لسماع الجواب وفهمه غاية السكوت ويصغي غاية الإصغاء. ولما هوّلها بما ذكر، أتبعها ما يمكن البشر معرفته من وصفها فقال ﴿نار حامية *﴾ أي قد انتهى حرها، هذا ما تتعارفونه بينكم، وأما التفاصيل فأمر لا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا نهاية القارعة، فتلاؤم الأول للآخر واضح جداً وظاهر - والله أعلم.

стр. 11528

سورة التكاثر مقصودها التصريح بما أشارت إليه العاديات من أن سبب الهلاك يوم الجمع. الذي صورته القارعة. الجمع للمال، والإخلاد إلى دار الزوال، واسمها واضح الدلالة على ذلك) بسم الله (ذي الجلال والإكرام) الرحمن (الذي عم بالإنعام، بالبيان - بعد الاتهام، والإيجاد بعد الإعدام) الرحيم (الذي خص أهل وده بدوةام نعمتهم بالإتمام.

стр. 11529

ولما أثبت في القارعة أمر الساعة، وقسم الناس فيها إلى شقي وسعيد، وختم بالشقي، افتتح هذه بعلة الشقاوة ومبدأ الحشر لينزجر السامع عن هذا السبب ليكون من القسم الأول، فقال ما حاصله: انقسمتم فكان قسم منكم هالكاً لأنه ﴿ألهكم﴾ أي أغفلكم إلا النادر منكم غفلة عظيمة عن الموت الذي هو وحده كاف في البعث على الزهد فكيف بما بعده ﴿التكاثر *﴾ وهو المباهاة والمفاخرة بكثرة الأعراض الفانية من متاع الدنيا: المال والجاه والبنين ونحوها مما هو شاغل عن الله، فكان ذلك موجباً لصرف الهمة كلها إلى الجمع، فصرفكم ذلك إلى اللهو، فأغفلكم

стр. 11530

عما أمامكم من الآخرة والدين الحق وعن ذكر ربكم وعن كل ما ينجيكم من سخطه، أو عن المنافسة في الأعمال الموصلة إلى أعلى الدرجات بكثرة الطاعات، وذلك كله لأنكم لا تسلمون بما غلب عليكم من الجهل الذي سببه شهوة النفس وحب الراحة فخفت موازينكم، وحذف هذا الشيء الملهو عنه لتعظيمه والدلالة على أنه ليس غيره مما يؤسف على اللهو عنه. ولما كانوا ينكرون البعث، ويعتقدون دوام - الإقامة في القبور، عبر بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا بد منه ولا مرية فيه، وأن اللبث في البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار النعيم أو غار الجحيم، وأن الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من الأهوال والشدائد والأوجال، فقال: ﴿حتى﴾ أي استمرت مباهاتكم ومفاخرتكم إلى أن ﴿زرتم المقابر *﴾ أي بالموت والدفن، فكنتم فيها عرضة للبعث لا تتمكنون من عمل ما ينجيكم لأن دار العمل فاتت كما أن الزائر ليس بصدد العلم عند المزور، لا يمكثون بها إلا ريثما يتكمل المجموعون بالموت كما أن الزائر معرض للرجوع

стр. 11531

إلى داره وحل قراره، فلو لم يكن لكم وازع عن الإقبال على الدنيا إلا الموت لكان كافياً فكيف والأمر أعظم من ذلك؟ فإن الموت مقدمة من مقدمات العرض، قال أبو حيان: سمع بعض الأعراب الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأها ثم قال: ما أرى المقابر إلا زيارة، ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته، إما إلى الجنة أو إلى النار. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها، أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألهى عن ذكرها، وهو التكاثر بالعدد والقرابات والأهلين فقال: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ وهو في معرض التهديد والتقريع وقد أعقب بما يعضد ذلك وهو قوله ﴿كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون﴾ ثم قال: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين﴾ وحذف جواب «لو» والتقدير: لو تعلمون علم اليقين لما شغلكم التكاثر، قال ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» الحديث، وقوله تعالى «لترون الجحيم» جواب لقسم مقدر أي والله لترون الجحيم، وتأكد بها التهديد وكذا ما بعد

стр. 11532

إلى آخر السورة - انتهى. ولما كان الاشتغال بالتكاثر في غاية الدلالة على السفه لأن من المعلوم قطعاً أن هذا الكون على هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم، وكان العقلاء المنتفعون بالكون في غاية التظالم، وكان الحكيم لا يرضى أصلاً أن يكون عبيده يظلم بعضهم بعضاً ثم لا يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعاً أنه يبعثه ليحكم بينهم لأنه كما قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم، وقد وعد بذلك وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فثبت ذلك ثبوتاً لا مرية فيه ولا مزيد عليه، وكان الحال مقتضياً لأن يردع غاية الردع من أعرض عما يعنيه وأقبل على ما لا يعنيه، فقال سبحانه معبراً بأم الروادع، وجامعة الزواجر والصوادع: ﴿كلا﴾ أي ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما لا يجدي، فإنه ليس الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض الدنيوية ولم تخلقوا لذلك، إنما خلقتم لأمر عظيم، فهو الذي يهمكم فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم - فكنتم لاهين كمن كان يكفيه كل يوم درهم فاشتغل بتحصيل أكثر، وكذا من ترك المهم من التفسير واشتغل بالأقوال الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل بنوادر الفروغ وعلل النحو وغيرها وترك

стр. 11533

ما هو أهم منه مما لا عيش له إلا به. ولما كان الردع لا يكون إلا عن ضار يجر وبالاً وحسرة، دل على ذلك بقوله استئنافاً: ﴿سوف﴾ أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر ﴿تعلمون *﴾ أي يتجدد لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ما يكشفه الموت ويجر حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله. ولما كان من الأمور ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى الملال، دل على أن شرح هذا الوعيد مهول بقوله مؤكداً مع التعبير بأداة التراخي الدالة على علو الرتبة: ﴿ثم كلا﴾ أي ارتدعوا ارتداعاً أكبر من ذلك لأنه ﴿سوف تعلمون *﴾ أي يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه يسيراً بالبعث. ولما كان هذا أمراً صادعاً، أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة التأكيد بمرة، فقال مردداً للأمر بين تأكيد الردع ثالثاً بالأداة الصالحة له ولأن تكون لمعنى - حقاً كما يقوله ائمة القراءة: ﴿كلا﴾ أي - ليشتد ارتداعهم عن التكاثر فإنه أساس كل بلاء فإنكم ﴿لو تعلمون﴾ أيها المتكاثرون. ولما كان العلم قد يطلق على الظن رفع مجازه بقوله: ﴿علم اليقين *﴾ أي لو يقع لكم علم على - وجه اليقين

стр. 11534

مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم، فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون - فحذف هذا الجواب بعد حذف المفعول للتفخيم فهو إشارة إلى أنه لا يقين غيره، والمعنى أن أعمالكم أعمال من لا يتيقنه، قال الرازي: واليقين مركب الأخذ في هذا الطريق، وهو غاية درجات العامة، وأول خطوة الخاصة، قال ﵊: «خير ما ألقي في القلب اليقين» وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق، والآية من الاحتباك: ذكر الإلهاء أولاً وحذف سببه وهو الجهل لدلالة الثاني عليه، وذكر ثانياً العلم الذي هو الثمرة وحذف ما يتسبب عنه من عدم اللهو الذي هو ضد الأول، وزاد في التفخيم لهذا الوعيد بإيضاح المتوعد به بعد إبهامه مع قسم دل عليه بلامه، فقال: ﴿لترون﴾ أي بالمكاشفة وعزتنا، ولا يصح أن يكون هذا جواباً لما قبله لأنه محقق ﴿الجحيم *﴾ أي النار التي تلقى المعذبين بها بكراهة وتغيظ وعتو وشديد توقد، فالمؤمن يراها وينجو منها سواء خالطها أم لا والكافر يخلد فيها. ولما كان هذا توعداً على التكاثر لأنه يقتضي الإعراض عن الآخرة

стр. 11535

فيوقع في غمرات البلايا الكبار، أكد فقال مفخماً له بحرف التراخي: ﴿ثم لترونها﴾ وعزة الله، ورقي العلم عن رتبة الأول فقط فقال تعالى: ﴿عين اليقين *﴾ أي الرؤية التي هي نفس اليقين، وذلك هو المعاينة بغاية ما يكون من صفاء العلم لكونه لا ريبة فيه فإن المشاهدة أعلى أنواع العلم، قال الرازي: وهو المغني بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرق الشهود حجاب - العلم - انتهى. ويجوز أن يكون هذا الثاني بالملامسة والدخول، فالمؤمن وارد والكافر خالد. ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب، زاد في التخويف بأنه لأجل أن يكون ما يعذب به العاصي عتيداً، فإذا أوجب السؤال النكال كان حاضراً لا مانع من إيقاعه في الحال، ولو لم يكن حاضراً كان لمن استحقه في مدة إحضاره محال، فقال مفخماً بأداة التراخي: ﴿ثم﴾ أي بعد أمور طويله عظيمة مهولة جداً ﴿لتسئلن﴾ وعزتنا ﴿يومئذ﴾ أي إذ ترون الجحيم ﴿عن النعيم *﴾ أي الذي أداكم التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف والحار في

стр. 11536

الشتاء هل كان استمتاعكم به على وجه السرف لإرادة الترف أو كان لإرادة القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف، فالمؤمن المطيع يسأل سؤال تشريف، والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف، ولام النعيم قد تكون لمطلق الجنس وإليه يشير حديث أبي هرير ﵁ عند الترمذي وغيره أن النبي ﷺ ضاف أبا الهيثم بن التيهان مع أبي بكر وعمر ﵄ فأطعمهم بسراً ورطباً وسقاهم ماء بارداً وبسط لهم بساطاً في ظل، فقال النبي ﷺ : «إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد» وقد يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث محمود بن لبيد ﵁ عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله أنهم قالوا عند نزولها: أي نعيم وإنما هما الأسودان: التمر والماء، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر، قال: «إن ذلك سيكون» له شاهد عند الطبراني عن ابن الزبير ﵄، وعند الطبراني أيضاً عن الحسن البصري مرسلاً، فقد التحم آخرها بأولها على وجه هو من ألطف الخطاب، وأدق المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب، لأن العاقل إذا علم أن بين يديه سؤالاً عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه

стр. 11537

ذلك في زمن السؤال عن لذاذات الجنة العوال الغوال، فكان خوفه من مطلق السؤال مانعاً له عن التنعم بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب؟ فكيف إذا جر إلى العذاب؟ فتأمل كلام خالقك ما ألطف إشاراته وأجل عباراته، في نذاراته وبشاراته - والله أرحم.

стр. 11538

(سورة العصر) قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: إنها سورة لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم، وهو معنى قول غيره: " إنها شملت جميع علوم القرآن، مقصودها تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى أضدادهم، والإعلام بما ينجي من الأعمال والأحوال بترك الفاني والإقبال على الباقي لأنه خلاصة اتلكون ولباب الوجود، واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته، ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم الذي هو خلاصة الخلق وقت العصر، وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات، وبيان اشتمالها على علوم القرآن تنزيل جملتها على ما قال الغزالي: إن القرآن كالبحر الذي فيه جزائر

стр. 11539

بها معادن ستة، منها أربعة مهمة: مهمان منها هما ياقوت أفخر فأحمره للعلم بالله، وأخضره لصفاته، وأزرقه لأفعاله، وزمرد أخضر هو العلم باليوم الآخر وما فيه، ومهمان أولهما در أنضر وهو العلم بالعبادات المقربة إليه ، وثانيهما مسك أذفر، وهو العلم بالعبادات التي بها تهيأ العبادات، ومتمان وهما درياق أكبر وهو العلم بإزاحة الشكوك، والشبه والأوهام لأنها سموم ومهلكة للدين، وعنبر أشهب وهو الاعتبار بمن هلك باجتناب ما كان سبب هلاكه، والاقتفاء بمن نجا باتباع ما كان سبب نجاته، فالجملة الأولى للعنبر لأن فيها شم روائح الهالك وضده الناجي، وبدئ بها لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والجملة الثانية للياقوت بصفاته الثلاث والزمرد، والثالثة للدر والمسك، وهخما عبادات مقصودة، وعادات وسيلة إليها ممدودة، والرابعة للدرياق لأن الشبه والشكوك إنما هي من أوهام عاطلة وخيالات باطلة، والخامسة وسيلة إليها ومتمة لها لأن معرفة ذلك واجتنابه لا يكون إلا ببذل الجهد في الصبر) بسم الله (الذي كل شيء هالك إلا وجهه) الرحمن (الذي عم بالنعمة البر والفاجر فليس شيء شبهه) الرحيم (الذي خص بإتمام النعمة أولياءه، فكانوا للدهر غرة ولأهله جبهة.

стр. 11540

لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع، وكان الإنسان مسؤولاً بما شهد به، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعداً برؤية الجحيم، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر، فكان نعيمه في غاية الكدر، قال دالاًّ على ذلك بأن أكثر الناس هالك، مؤكداً بالقسم والأداة لما للأغلب من التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال: ﴿و العصر *﴾ أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم ﵊ وهو في عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم، أو الصلاة الوسطى أو وقتها الذي هو زمان صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار وقت العصر من النهار أو بعضه، أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة إليه تنبيهاً له على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقاً من الحشر، أو وقت الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال الراحة والحصول على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار، وبما دل عليه من طول الساعة وربح من كان له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار، والدال على البعث، أو جميع الدهر الذي أوجد فيه المخلوقات وقدر فيه المقدورات بما ظهر فيه من العجائب الدالة على ما لله

стр. 11541

تعالى من العز والعظمة الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه: ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا النوع الذي هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن العصر خلاصة الزمان، والعصر يكون لاستخراج خلاصات الأشياء ﴿لفي خسر *﴾ أي نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون الخسر قليلاً أو جليلاً بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس، فمن كان كافراً كان في كفران، ومن كان مؤمناً عاصياً كان في خسران إن كان بالغاً في المعصية وإلا كان في مطلق الخسر، وهو مدلول المصدر المجرد، وفي هذا إشارة إلى العلم بالاحتياج إلى إرسال الرسل لبيان المرضي لله من الاعتقادات والعبادات إيماناً وإسلاماً وإدامة لذلك ليكون فاعله من قبضة اليمين وتاركه من أصحاب الشمال. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه، وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما

стр. 11542

هو إنسان فقال ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ فالقصور شأنه، والظلم طبعه، والجهل جبلته، فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ إلى آخرها، فهؤلاء الذين ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧] انتهى. ولما كان الحكم على الجنس حكماً على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك، وكان فيهم من خلصه الله مما طبع عليه الإنسان بجعله في أحسن تقويم، وحفظه عن الميل مع ما فيه من النقائص، استثناهم لأنهم قليل جداً بالنسبة إلى أهل الخسر فقال دالاًّ بالاستثناء على أن النفوس داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة واللهو، فالمخلص واحد من ألف كما في الحديث الصحيح ﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبي ﷺ به من توحيده والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولعل حكمة التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر.

стр. 11543

ولما كان الإنسان حيواناً ناطقاً، وكان كمال حيوانيته في القوة العملية للحركة بالإرادة لا بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى: ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً بما أقروا به من الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي هذا الجنس، وهو اتباع الأوامر واجتناب النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع فكانوا بهذا مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر. ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر - إلا بتكميل غيره، وحينئذ يكون وارثاً لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا للتكميل، وكان الدين لا يقوم، وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الناشىء عن نور القلب، ولا يتأتى ذلك إلا بالاجتماع، قال مخصصاً لما دخل في الأعمال الصالحة تنبيهاً على عظمه: ﴿وتواصوا﴾ أي أوصى بعضهم بعضاً بلسان الحال أو المقال: ﴿بالحق﴾ أي الأمر الثابت، وهو كل ما حكم الشرع بصحته فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو غيره من فعل أو ترك، فكانوا محسنين، والتكميل في القوة العملية باجتلاب الخيور.

стр. 11544

ولما كان الإنسان ميالاً إلى النقصان، فكان فاعل ذلك الإحسان معرضاً للشنآن من أهل العدوان، وهم الأغلب في كل زمان، قال تعالى: ﴿وتواصوا﴾ لأن الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ ﴿بالصبر﴾ أي الناشىء عن زكاة النفس على العمل بطاعة الله من إحقاق الحق وإبطال الباطل والنفي له والمحق وعلى ما يحصل بسبب ذلك من الأذى باجتناب الشرور إلى الممات الذي هو سبب موصل إلى دار السلام، فكانوا مكملين للقوة العملية حافظين لما قبلها من العلمية، وذلك هو حكمة العبادات فإن حكمة الشيء هي الغاية والفائدة المقصودة منه، وهي هنا أمران: خارج عن العامل وهو الجنة، وداخل قائم به وهو النور المقرب من الحق ، واختير التعبير بالوصية إشارة إلى الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعمال اللين بغاية الجهد، والصبر هو خلاصة الإنسان وسره وصفاوته وزبدته وعصارته، الذي لا يوصل إليه إلا بضغط الإنسان لنفسه وقسرها على أفعال الطاعة وقهرها على لزوم السنة والجماعة حتى يصير الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة، فقد عانق آخرها أولها، وواصل مفصلها موصلها،

стр. 11545

وهي أربع عشرة كلمة تشير إلى أن في السنة الرابعة عشرة من النبوة يكون الإذن في الجهاد الذي هو رأس الأمر بالمعروف بالفعل لإظهار الحق وهي سنة الهجرة التي تم فيها بدره، وعم نوره وقدره، وجم عزه ونصره، فإذا ضممت إليها أربع كلمات البسملة كانت موازية في العدد لسنة خمس من الهجرة، وكان فيها غزوة بدر الموعد وغزوة الأحزاب، وقد وقع فيهما أتم الصبر من النبي ﷺ ثم ممن وافقه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لإظهار الحق والصواب، فإنهم في بدر خذلوا من ركب عبد القيس أو من نعيم بن مسعود وموافقة المنافقين وخوفوا حتى كاد يعمهم الرعب والفشل، فقال النبي ﷺ «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد» وأنزل الله فيها ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآيات، وفي الأحزاب زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأسفرت عاقبة الصبر فيها عما قال النبي ﷺ عند ذهابهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» فإذا ضممت إليها الضمائر الأربعة أشارت إلى سنة تسع، وقد كانت فيها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة لما كان

стр. 11546

فيها من الشدة التي أسفرت عاقبة الصبر فيها عن إقبال الوفود، بفخامة العز والجدود وتواتر السعود، بلطف الرحيم الودود، وبذلك كان نور الوجود، وتواتر الفضل والجود من الإله المعبود - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه خيار الوجود.

стр. 11547

سورة الهمزة مقصودها بيان الحزب الأكبر الخاسر الذي أهاه التكاثر، فبانت خسارته يوم القارعة الخافضة الرافعة، واسمها الهمزة ظاهر الدلالة على ذلك) بسم الله (الذي له تمام العز وهو الحكم العدل) الرحمن (الذي عم ظاهر نعمته أهل البخل وأولي البذل) الرحيم (الذي أتم نعمته على من شاء من عباده فخصهم بالفضل.

стр. 11548

لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر، وختم بالصبر، حصل تمام التشوف إلى أوصاف الهالكين، فقال مبيناً لأضلهم وأشقاهم الذي الصبر على أذاه في غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر: ﴿ويل﴾ أي هلاك عظيم جداً ﴿لكل همزة﴾ أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في جبلته وكذا ﴿لمزة *﴾ والهمز الكسر كالهزم، واللمز الطعن - هذا أصلهما، ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة: الهمزة الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه ويهمز به، واللمزة الذي

стр. 11549

يعيب الناس سراً - انتهى. وقال البغوي: وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء بالعنف، والذي دل على الاعتياد صيغة فعل بضم وفتح كما يقال ضحكة للذي يفعل الضحك كثيراً حتى صار عادة له وضرى به، والفعلة بالسكون للمفعول وهو الذي يهمزه الناس ويلمزونه، وقرىء بها وكأنه إشارة إلى من يتعمد أن يأتي بما يهمز به ويلمز به فيصير مسخرة يضحك منه - والله أعلم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أتبعه بمثال من ذكر نقصه وقصوره واغتراره، وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظناً أنه يخلده وينجيه، وهذا كله هو عين النقص، الذي هو شأن الإنسان، وهو المذكور في السورة قبل، فقال تعالى ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على همزه ولمزه الذي أتم حسده، والهمزة العياب الطعان واللمزة مثله، ثم ذكر تعالى ماله ومستقرة بقوله: ﴿لينبذن في الحطمة﴾ أي ليطرحن في النار جزاء له على اغتراره وطعنه - انتهى. ولما كان الذي يفعل النقيصة من غير حاجة تحوجه إليها أقبح حالاً

стр. 11550

وكان المتمول عندهم هو الرابح، وهم يتفاخرون بالربح ويعدون الفائز به من ذوي المعالي، قال مقيداً ل «كل» بالوصف مبيناً الخاسر كل الخسارة: ﴿الذي جمع﴾ ولما كان مطلق الجمع يدل على الكثرة جاء التشديد في فعله لأبي جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي، وخلت تصريحاً بما علم تلويحاً ودلالة على أن المقصود به من جعل الدنيا أكبر همه، والتخفيف لمن عداهم اكتفاء بأصل مدلوله بخلاف عدد، فإن مجرده يكون لما قل، ولهذا أجمعوا على التضعيف فيه: ﴿مالاً﴾ أي عظيماً، وأكد مراد الكثرة بقوله: ﴿وعدده﴾ أي جعله بحيث إذا أريد عدده طال الزمان فيه وكثر التعداد، أو ادخره وأمسكه إعداداً لما ينوبه في هذه الدنيا المنقضية، وزاده قيداً آخر في بيان حاله فقال: ﴿يحسب﴾ لقلة عقله ﴿أن ماله﴾ أي ذلك الذي عدده ﴿أخلده *﴾ أي أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا، فأحب ذلك المال كما يحب الخلود، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنه عمل - بانهماكه في المعاصي والإعراض عن الله والإقبال على التوسع في الشهوات والأعراض الزائلات - عمل من يظن أنه لا يموت، ويجوز أن يكون استئنافاً، وفيه تعريض بأنه لا يفيد الخلد إلا الأعمال الصالحة المسعدة

стр. 11551

في الدار الآخرة. ولما كان هذا الحسبان لشدة وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على فساده، اكتفى فيه بأداة الردع الجامعة لكل زجر فقال: ﴿كلا﴾ أي لا يكون ما حسبه لأنه لا يكون له ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل حي مخلوق. ولما كان كأنه قيل: فما الذي يفعل به بعد الموت؟ قال مقسماً دالاًّ باللام الداخلة على الفعل على القسم: ﴿لينبذن﴾ أي ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف هين جداً على كل طارح كما دل عليه التعبير بالنبذ وبالبناء للمفعول ﴿في الحطمة *﴾ أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر وتهشم بشدة وعنف كل ما طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين، وعبر بها في مقابلة الاستعداد بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق، قال الأستاد أبو الحسن الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم فيما يكون مواجهة ومن نحو الحطمة فيما يكون جزاء لقوة قهر واستعداد بعدد، ونحو ذلك في سائر أسمائها، وعظم شأنها بقوله: ﴿وما أدراك﴾ أي وأيّ شيء أعلمك ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع

стр. 11552

كونك أعلم الخلق ﴿ما الحطمة﴾ أي ما الدركة النارية التي سميت هذا الاسم لهذه الخاصية فإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالاً لها، ثم فسرها بقوله: ﴿نار الله﴾ أي الملك الأعظم الذي عدل المشركون عنه إلى شركائهم، فعظمة هذه النار من عظمته، وانتقامه من نقمته ﴿الموقدة *﴾ أي التي وجد وتحتم إيقادها بإيقاده، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقده؟ فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتاً. ولما وصف الهامز الهازم، وصف الحاطم فقال تعالى: ﴿التي﴾ ولما كان لا يطلع على أحوال الشيء إلا من قبله علماً قال: ﴿تطلع﴾ اطلاعاً شديداً ﴿على الأفئدة *﴾ جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه، فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالاً بالغاً، سمي بذلك لشدة توقده، وخص بالذكر لأنه ألطف ما في البدن وأشده تألماً بأدنى شيء من الأذى، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال، وعنه تصدر الأفعال القبيحة.

стр. 11553

ولما كان الاطلاع على الفؤاد مظنة الموت، وفي الموت راحة من العذاب، أشار إلى خلودهم فيها وأنهم لا يموتون ولا ينقطع عنهم العذاب، فقال مؤكداً لأنهم يكذبون بها: ﴿إنها﴾ وأشار إلى قهرهم وغلبتهم فقال: ﴿عليهم﴾ وآذن بسهولة التصرف في تعذيبهم وانقطاع الرجاء من خلاصهم بقوله معبراً باسم المفعول: ﴿مؤصدة *﴾ أي مطبقة بغاية الضيق، من أوصدت الباب - إذا أطبقته. ولما كانت عادتهم في المنع من التصرف أن يضعوا خشبة عظيمة تسمى المقطرة فيها حلق توثق فيها الرجل، فلا يقدر صاحبها بعد ذلك على حراك، قال مصوراً لعذابهم بحال من ضمير «عليهم» : ﴿في﴾ أي حال كونهم موثقين في ﴿عمد﴾ بفتحتين وبضمتين جمع عمود ﴿ممددة *﴾ أي معترضة كأنها موضوعة على الأرض، فهي في غاية المكنة فلا يستطيع الموثق بها على نوع حيلة في أمرها فهو تأكيد ليأسهم من الخروج بالإيثاق بعد الإيصاد، وهذا أعظم الويل وأشد النكال، فقد رجع آخرها إلى أولها، وكان لمفصلها أشد التحام بموصلها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11554

سورة الفيل مقصودها الدلالة على آخر الهمزة من إهلاك المكاثرين في دار التعاضد والتناصر بالأسباب، فعند انقطاعها أولى لأختصاصه بتمام القدرة دون التمكن بالمال والرجال، واسمها الفيل ظاهر الدلالة على ذلك بتأمل سورته، وما حصل في سيرة جيشه وصورته) بسم الله (الذي له الإحاطة فقدرته في كل شيء عاملة) الرحمن (الذي له النعمة الشاملة) الرحيم (الذي يختص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة.

стр. 11555

لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت الوبال، دل عليه في هذه بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر الأخفى، محذراً من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة، مشيراً إلى أنها كلما عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى، ومع كونه شهودياً فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة، فقال مقرراً منكراً على من يخطر له خلاف ذلك:
следующие страницы →