← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولاً، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريراً فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم، وأسقط الفوقية هنا إكراماً للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معيناً

стр. 1332

بعض ما اقتضاه التفضيل: ﴿درجات﴾ أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة، من غير تبديل ولا تحريف، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع، وبكونه رحمة العالمين، وأمته خير أمة أخرجت للناس، وكونه خاتماً للنبيين الذين أرسلهم عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، فلا نبي بعده ينسخ شريعته، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى ﵊ مقرراً لشريعته مجدداً لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك، فكان فيه إظهار الفضل لنبينا ﷺ ، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن

стр. 1333

إبهامه في الظهور والجلاء كذكره، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه. ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى ﷺ من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه ﵊ قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة تهديداً لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر: ﴿وءاتينا﴾ بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك ﴿عيسى﴾ ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال: ﴿ابن مريم﴾ أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكرٍ أصلاً ﴿البينات﴾ من إحياء الموتى وغيره. قال الحرالي: والبينة ما ظهر

стр. 1334

برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه ﴿وأيدناه﴾ أي بعظمتنا البالغة ﴿بروح القدس﴾ في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى ﵊ في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال : ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ [مريم: ١٧] كذلك كان فعله مع تأييده؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى ﵊ من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته قال متى: أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح! لا يصلح لشيء لكن يطرح خارجاً وتدوسه الناس. وقال لوقا: جيد هو الملح فإن

стр. 1335

فسد بماذا يملح! لا يصلح للأرض ولا المزبلة لكن خارجاً، من كان له أذنان سامعتان فليسمع. وقال متى: أنتم نور العالم، لا تستطيع مدينة تخفي وهي موضوعة على رأس جبل، ولا يوقد سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة ويضيء لكل من في البيت، هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، لا تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو الأنبياء، لم آت لأخل بل لأكمل الحق، أقول لكم إن السماء والأرض تزولان، وخطة واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون هذا كله؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيراً، والذي يعمل ويعلم هذا يدعى عظيماً في ملكوت السماء؛ ثم قال: وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين، لأنهم يحبون القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق، أقول لكم: لقد أخذوا أجرهم، وإذا صليت فادخل

стр. 1336

إلى مخدعك وأغلق بابك عليك، وصل لأبيك سراً وأبوك يرى السر فيعطيك علانية، وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين، لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة كلامهم، فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه، وهكذا تصلون أنتم: أبانا الذي في السماوات! قدوس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا في اليوم، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير، لأن لك المجد والقوة إلى الأبد - آمين. وقال مرقس: وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما أبوكم الذي في السماوات يترك لكم هفواتكم. وقال متى: فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم لم يغفر لكم خطاياكم. وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب! علمنا نصلي كما علم

стр. 1337

يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات! يتقدس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون إرادتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير؛ ثم قال لهم: من منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل فيقول له: يا صديقي! هبني ثلاث خبزات فإن صديقاً لي جاء إلي من طريق وليس لي ما أقدم إليه، فيجيبه ذلك من داخل ويقول: لا تتعبني قد أغلقت بابي، وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك، أقول لكم: إن لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه، وأنا أيضاً أقول لكم: سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، كل من سأل أعطي، ومن طلب وجد، ومن يقرع يفتح له. وقال متى: وإذا صمتم فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم، الحق أقول لكم، لقد أخذوا أجرهم، وأنت إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك. وقال لوقا: من منكم له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت: اصعد

стр. 1338

واجلس، أو ليس يقول له: أعد لي ما آكله وشد حقويك، واخدمني حتى آكل وأشرب، ومن بعد ذلك تأكل وتشرب أنت، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر به! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا: إنا عبيد بطالون، إنما عملنا ما يجب علينا؛ وقال أيضاً: فقال له واحد من الجمع: يا معلم! قل لأخي: يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان! من أقامني عليكم حاكماً أو مقسماً! وقال لهم: انظروا وتحفظوا من كل الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله، وقال لهم مثلاً: إنسان غني أخصبت له كورة ففكر وقال: ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع غلاتي، أهدم أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي: يا نفس! لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكلي واشربي وافرحي، فقال له الله : يا جاهل! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن يكون هكذا، من يدخر ذخائر وليس هو غنياً بالله. وقال متى: لا تكنزوا لكم كنوزاً في الأرض حيث

стр. 1339

الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون يتحيلون فيسرقون، اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون فيسرقون. وقال لوقا: بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنوزاً في السماوات لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس. وقال متى: لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم، سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام ما هو! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، فلهذا أقول لكم: لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، ألبس النفس؛ وقال قوقا: لأن النفس أفضل من المآكل، والجسد من اللباس، انظروا إلى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السمائي يقوتها،

стр. 1340

أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها؛ وقال لوقا فيكم: أنتم أفضل من الطيور، من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحداً! فلماذا تهتمون باللباس! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب؛ وقال لوقا: تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى. أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها، فإذا كان زهر الحقل يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا: ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس؟ هذا كله يطلبه الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه، اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله تزادونه، لا تهتموا بالغد، فالغد يهتم بشأنه، ويكفي كل يوم شره؛ وقال لوقا: تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة، كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له، طوبى لأولئك

стр. 1341

العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك، فطوبى لأولئك العبيد! ثم قال: فقال له بطرس: يا رب! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فقال: من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه: إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين، فأما العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيراً، والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيراً، لأن من أعطى كثيراً يطلب كثيراً والذي استودع كثيراً يطلب بكثير؛ وقال في موضع آخر: الأمين في القليل يكون أميناً في الكثير، والظالم في القليل ظالم في لكثير، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم! جئت لألقي ناراً في الأرض وما أريد إلا

стр. 1342

اضطرامها، ولي صبغة أصطبغها، وأنا مُجدّ لتكمل، هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض! أقول لكم: يكون افتراق من الآن، يكون خمسة في بيت، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثةً، يخالف الأب ابنه، والابن أباه، والأم ابنتها، والابنة أمها، والحمأة كنتها، والكنة حمأتها. وقال متى: لا تدينوا لئلا تدانوا، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم. وقال لوقا: لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم، اغفروا يغفر لكم، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم، هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى! أليس يقعان كلاهما في حفرة! وقال متى: لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك، وكيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك. وفي عينك خشبة يا مرائي! أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج القذى من عين أخيك، لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تلقوا جواهركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم،

стр. 1343

سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يطلب يجد، ومن سأل يعط ومن يقرع يفتح له، أيّ إنسان منكم يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً! أو يسأله سمكة فيعطيه حية! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن يسأله! وكل ما تريدون أن يفعل الناس افعلوه أنتم بهم؛ فهذا هو الناموس والأنبياء. قال لوقا: وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد؛ وقال أيضاً وقال لهم مثلاً: لكي يصلوا كل حين ولا يملوا؛ قال: كان قاض في مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك المدينة أرملة وكانت تأتي إليه وتقول: أنصفني من خصمي، ولم يكن يشاء إلى زمان، وبعد ذلك قال في نفسه: إن كنت لا أخاف الله ولا أستحيي من الناس لكن من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إليّ في كل حين لتتعبني! قال الرب : اسمعوا ما قال قاضي الظلم،

стр. 1344

أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل! نعم أقول لكم إنه ينتقم لهم سريعاً. وقال متى: ادخلوا من الباب الضيق، فإن المسلك واسع، والطريق المؤدية إلى الهلاك رحبة، والداخلين فيها كثيرهم، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي إلى الحياة! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة، ومن ثمارهم فاعرفوهم، هل يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين! هكذا كل شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة، والشجرة الرديئة تخرج ثمرة شريرة، لا تقدر شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة، ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة. وقال لوقا: وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين، ولا يقطف من العليق عنب، الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات، والشرير من ذخائره الشريرة يخرج الشر، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم.

стр. 1345

وقال متى: وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار، فمن ثمارهم تعرفونهم، ليس كل من يقول: يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السماوات، لكن الذي يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم: يا رب! يا رب! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات كثيرة! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم. وقال لوقا: فقال له واحد: يا رب! قليل هم الذين ينجون! فقال: احرصوا على الدخول من الباب الضيق، فإني أقول لكم إن كثيراً يريدون الدخول منه فلا يستطيعون، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجاً ويقرعون الباب ويقولون: يا رب! يا رب! افتح لنا، فيجيب: لا أعرفكم، من أين أنتم؟ فيقولون: أكلنا قدامك وشربنا، فيقول: ما أعرفكم، من أين أنتم؟ تباعدوا عني بأعمال الظلم، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. قال متى: كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً بنى بيته على الصخرة. وقال لوقا: بنى بيتاً وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه ثابت على الصخرة، وكل من يسمع كلماتي هذه

стр. 1346

ولا يعمل بها يشبه رجلاً جاهلاً بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً. وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كُتابهم. وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته. وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذباً. ولما تقدم أن الله أرسل رسلاً وأنزل معهم كتباً، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم، فبين أنه مشيئته لا غير إعلاماً بأنه الفاعل المختار فكان التقدير: ولو شاء الله لساوى بين الرسل في الفضيلة، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات، وعطف عليه قوله تسلية لنبيه ﷺ لافتاً القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف

стр. 1347

مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال والجمال ﴿ولو شاء الله﴾ أي الذي له جميع الأمر. قال الحرالي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى. ﴿ما اقتتل﴾ أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس ﴿الذين من بعدهم﴾ لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال الحرالي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى ﴿من بعد ما جآءتهم البينات﴾ أي على أيدي رسلهم. قال الحرالي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى. ﴿ولكن اختلفوا﴾ لأنه لم يشأ اتفاقهم على الهدى ﴿فمنهم﴾ أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم ﴿من آمن﴾ أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب ﴿ومنهم من كفر﴾ ضلالاً عنها أو عناداً. ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين

стр. 1348

من الخلق إليهم استقلالاً قال تعالى معلماً أن الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك معيداً ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال: ﴿ولو شاء الله﴾ الذي لا كفوء له ﴿ما اقتتلوا﴾ بعد اختلافهم بالإيمان والكفر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام ﴿ولكن الله﴾ أي بجلاله وعزّ كماله شاء اقتتالهم فإنه ﴿يفعل ما يريد *﴾ فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة. ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بألسنتهم

стр. 1349

بالإيمان ﴿أنفقوا﴾ تصديقاً لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩] ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال: ﴿مما﴾ أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثاً على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحاً بحال من أبطأ عنه فقال: ﴿رزقناكم﴾

стр. 1350

بما لنا من العظمة، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لكونه مأموراً به، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها في هذه الدار فقال: ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ موصوف بأنه ﴿لا بيع فيه﴾ موجود ﴿ولا خلة﴾ قال الحرالي: هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى. ﴿ولا شفاعة﴾ والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال، ولا يراعى لصداقة من مساوٍ ولا شفاعة من كبير، لعدم إرادة الله

стр. 1351

سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧١] وغيرها وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣] إلى قوله ﴿المفلحون﴾ [البقرة: ٥] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاماً معنوياً برأس ﴿الم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ ٢] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد. فكان أوله حمداً وآخره حمداً ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال «حمدني عبدي، أثنى عليّ عبدي» فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى. ولما حث على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم

стр. 1352

بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر: ﴿والكافرون﴾ أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير: فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون، والكافرون ﴿هم﴾ المختصون بأنهم ﴿الظالمون *﴾ أي الكاملون في الظلم لا غيرهم، ومن المعلوم أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها، ومن كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائماً على شفا جرف هار، ولأجل ذلك يختم كثيراً من آياته بقوله ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ [البقرة: ٢٧٠] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة.

стр. 1353

ولما أبتدأ الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها

стр. 1354

في النفوس لا سيما عند العرب، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه

стр. 1355

قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته: ﴿الله﴾ أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال

стр. 1356

منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال: ﴿لا إله إلا هو﴾ مقرراً لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل أي التوحيد بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم. وقال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد

стр. 1357

والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله ﴿وإلهكم إله واحد﴾ [البقرة: ١٦٣] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية ﴿وإلهكم إله واحد﴾ [البقرة: ١٦٣] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه ﴿الله﴾ وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. ولما وحّد نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال:

стр. 1358

﴿الحي﴾ أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر ﴿القيوم﴾ أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة. قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى. ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: ﴿لا تأخذه سنة﴾ قال الحرالي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب ﴿ولا نوم﴾ وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه

стр. 1359

في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: ﴿له﴾ أي بيده وفي تصرفه واختصاصه ﴿ما في السماوات﴾ الذي من جملته الأرض ﴿وما في الأرض﴾ أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه. قال الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته سلباً لقيام ما سواه - انتهى. ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به ﴿من ذا الذي يشفع﴾ أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره ﴿عنده إلا بإذنه﴾ أي بتمكينه لأن

стр. 1360

من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله عند الله ، فهو بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، فلذلك هو خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر «شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلى الحي القيوم» انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه ﴿وما خلفهم﴾ وهو ما لم ينله علمهم، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما

стр. 1361

أفاض عليهم بحلمه فقال: ﴿ولا يحيطون بشيء﴾ أي قليل ولا كثير ﴿من علمه إلا بما شاء﴾ فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده. ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: ﴿وسع كرسيه﴾ ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة

стр. 1362

والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء: كرسي، ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض

стр. 1363

التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته، فكان الوجود مثنياً كما كان القرآن مثاني إجمالاً وتفصيلاً في القرآن ومداداً وصوراً في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه، وجعل وسع الكرسي وسعاً واحداً حيث قال: ﴿السماوات والأرض﴾ ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى. فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: ﴿ولا يؤوده﴾ أي يثقله. قال الحرالي: من الأود أي

стр. 1364

بلوغ المجهود ذوداً، ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة، وأصل معناه والله أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله ﴿حفظهما﴾ في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى. ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله: ﴿وهو﴾ أي مع ذلك كله المتفرد بأنه ﴿العلي﴾ أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته ﴿العظيم *﴾ كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك

стр. 1365

العقول، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم ﴿الله﴾ إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحاً لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار ﴿وله المثل الأعلى﴾ [الروم: ٢٧] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، قال فيما أنبأ عنه نبيه ﷺ «الكبرياء ردائي» لأن الرداء هو ما على الظاهر «والعظمة إزاري» والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي

стр. 1366

ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨]- انتهى. وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله: وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه، وبهذه الأسرار اتضح قول

стр. 1367

السيد المختار ﷺ : «إن هذه الآية سيدة آي القرآن» وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال، ونفي النقص وإثبات الكمال، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم، وقد احتوت على الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحاً، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة، وعلى السمع والبصر من لازم ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ ومن لازم ﴿الحي﴾ لأن المراد الحياة الكاملة؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولاً في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخراً، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم

стр. 1368

كان مقداره خمسين ألف سنة، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله الموفق. ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾ وقال الحرالي: لما نقل رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له، وهو اطلاعه عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها.

стр. 1369

فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلواً، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى. ثم علل انتفاء الإكراه عنه بقوله: ﴿قد تبين الرشد﴾ قال الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم ﴿من الغي﴾ وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى. أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره،

стр. 1370

لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية ﴿فمن﴾ أي فكان ذلك سبباً لأنه من ﴿يكفر بالطاغوت﴾ وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. ﴿ويؤمن بالله﴾ أي الملك الأعلى ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن ﴿فقد استمسك﴾ على بصيرة منه ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله﴾ [الحج: ٣١] ، والعروة ما تشد به العياب ونحوها
следующие страницы →