Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨]- انتهى. وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله: وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه، وبهذه الأسرار اتضح قول
стр. 1367
السيد المختار ﷺ : «إن هذه الآية سيدة آي القرآن» وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال، ونفي النقص وإثبات الكمال، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم، وقد احتوت على الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحاً، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة، وعلى السمع والبصر من لازم ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ ومن لازم ﴿الحي﴾ لأن المراد الحياة الكاملة؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولاً في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخراً، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم
стр. 1368
كان مقداره خمسين ألف سنة، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله الموفق.
ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾ وقال الحرالي: لما نقل رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له، وهو اطلاعه عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها.
стр. 1369
فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلواً، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى.
ثم علل انتفاء الإكراه عنه بقوله: ﴿قد تبين الرشد﴾ قال الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم ﴿من الغي﴾ وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى. أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره،
стр. 1370
لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية ﴿فمن﴾ أي فكان ذلك سبباً لأنه من ﴿يكفر بالطاغوت﴾ وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. ﴿ويؤمن بالله﴾ أي الملك الأعلى ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن ﴿فقد استمسك﴾ على بصيرة منه ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه
﴿ومن يسلم وجهه إلى الله﴾ [الحج: ٣١] ، والعروة ما تشد به العياب ونحوها
стр. 1371
بتداخلها بعضها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه، ثم بين وثاقتها بقوله: ﴿لا انفصام لها﴾ أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب. قال ابن القطاع: فصمت الشيء صدعته، والعقدة حللتها، والشيء عنه ذهب. وقال الحرالي: من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ويجل اغتباطه به، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر، فمن سبقت له السعادة قيض الله له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة.
ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما: ﴿والله﴾ الذي له صفات
стр. 1372
الكمال ﴿سميع﴾ أي لما يقال مما يدل على الإيمان ﴿عليم *﴾ أي بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين، ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشاداً إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم، كأنه قيل: فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان؟ فقال مستأنفاً: ﴿الله﴾ أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى
стр. 1373
﴿ولي الذين آمنوا﴾ أي يتولى مصالحهم، ولذلك بين ولايته بقوله: ﴿يخرجهم من الظلمات﴾ أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حساً أو معنى، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع ﴿إلى النور﴾ أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حساً أو معنىً - قاله الحرالي، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها، فصار البصر عرياً عن الاعتبار، والسمع خالياً عن الفهم والاستبصار، والقلب معرضاً عن التدبر والافتكار، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف.
стр. 1374
ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عُبّاد الشهوات فقال: ﴿والذين كفروا﴾ أي ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولاً والنقول ثانياً بشهوات النفوس ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله: ﴿يخرجونهم﴾ وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر ﴿من النور﴾ أي الفطرى ﴿إلى الظلمات﴾ قال الحرالي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية «كل مولود يولد على الفطرة» انتهى.
стр. 1375
ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي الحالون في محل البعد والبغض ﴿أصحاب النار﴾ قال الحرالي: الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى. ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيداً بقوله مبيناً اختصاصهم بها: ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿فيها خالدون *﴾ إلى ما لا آخر له. قال الحرالي: وجعل الخلود وصفاً لهم إشعاراً بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى.
ولما ذكر ما له من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي: ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي ﷺ لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه، انتهى - فقال تعالى: ﴿ألم تر﴾ أي تعلم بما نخبرك
стр. 1376
به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة. ولما كان هذا المحاج بعيداً من الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال: ﴿إلى الذي حآج إبراهيم﴾ أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به ﴿في ربه﴾ الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات،
стр. 1377
ولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر الذي أشقى إبليس فقال: ﴿أن﴾ أي لأجل أن ﴿آتاه الله﴾ أي الملك الأعلى بفيض فضله ﴿الملك﴾ الفاني في الدنيا الدنيئة، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على جميع الأرض.
قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى. فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكّن الله له من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له.
ولما أخبر بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية ﴿فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال: ﴿إذ﴾ أي حاجه حين ﴿قال إبراهيم ربي﴾ أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي
стр. 1378
﴿الذي يحيي ويميت﴾ أي وحده، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة.
ولما كان كأنه قيل: هذا أمر ظاهر مجمع عليه فماذا الذي يحاج المحاج فيه؟ أجيب بقوله: ﴿قال﴾ أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته ﴿أنا﴾ أي أيضاً ﴿أحيي وأميت﴾ بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل من لا يستحق القتل.
فلما رأى إبراهيم ﵊ أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن
стр. 1379
﴿قال إبراهيم﴾ وقال الحرالي: ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى ﴿فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً﴾ [الكهف: ٥٣] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ [فصلت: ٥٣] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى: ﴿فإن﴾ بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى. أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك: إن ﴿الله﴾ بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال ﴿يأتي بالشمس﴾ أي وهو الذي أوجدها ﴿من المشرق﴾ أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور ﴿فأت بها﴾ أنت ﴿من المغرب﴾ ولو يوماً واحداً.
стр. 1380
قال الحرالي: إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه إشعار بأن الله لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى. ﴿فبهت﴾ قال الحرالي: من البهت وهو بقاء الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت ﴿الذي كفر﴾ أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة، فبين له الخليل ﵊ بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله ووضعها في جهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة! وسيأتي لهذا الشأن في سورة الشعراء مزيد بيان، فيالله ما أعلى مقامات الأنبياء! وما أصفى بصائرهم! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى
стр. 1381
التحية والإكرام. وقال الحرالي: فعرفه أي في قوله: ﴿كفر﴾ بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى. أي لأنه ستر ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه، فكشف بلسان خليله ﷺ الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً.
ولما كان التقدير: لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء، قال : ﴿والله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿لا يهدي القوم﴾ أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور ﴿الظالمين *﴾ عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجهاً ثابتاً يستمسكون به، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم، قال الإمام: فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى وهو من اللطائف القرآنية.
стр. 1382
ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة، وتارة
стр. 1383
بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله، فعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب ﷺ ، وفي المتعجب بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان معنى ﴿ألم تر﴾ هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها ﴿إلا﴾ قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣] كان كأنه قيل: هل رأيت الذي حاج إبراهيم ﴿أو﴾ هل رأيت ﴿كالذي﴾ ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا: أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون: إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت،
стр. 1384
أو هم كالذي ﴿مر﴾ قال الحرالي: من المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله ﴿على قرية﴾ وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس ﴿وهي خاوية﴾ أي متهدمة ساقطة جدرانها ﴿على عروشها﴾ أي سقوفها، أو خالية على بقاء سقوفها. قال الحرالي: من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً، والعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى.
ولما كان كأنه قيل: ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه؟ قيل: ﴿قال أنى يحيي هذه﴾ أي القرية ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿بعد موتها﴾ أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة. قال الحرالي: وفي لفظة «أنى» لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس
стр. 1385
من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى.
ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل ﵊ في التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفاً في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال: ﴿فأماته﴾ أي فتسبب عن ذلك أن أماته ﴿الله﴾ أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به ﴿مائة﴾ ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال: ﴿عام﴾ حتى بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني.
قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث ﴿ثم بعثه﴾ في بيانه إشعار
стр. 1386
بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله أعلم كما قال ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ [عبس: ٢٢]- انتهى.
ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق: ﴿قال﴾ أي له الله أو من شاء ممن خطابه ناشىء عنه ﴿كم لبثت﴾ أي في رقدتك هذه ﴿قال﴾ لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه ﴿لبثت يوماً﴾ ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال: ﴿أو بعض يوم﴾ وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره ﴿قال﴾ أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر ﴿بل لبثت مائة عام﴾ معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك﴾ أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين وعصير ﴿لم يتسنه﴾ من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلاً ﴿وانظر إلى﴾ ﴿حمارك﴾ بالياً رميماً، فجمع الله له سبحانه
стр. 1387
وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه.
ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا، عطف عليه قوله: ﴿ولنجعلك﴾ أي في مجموع خبرك ﴿آية للناس﴾ أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي.
ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: ﴿وانظر إلى العظام﴾ أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته ﴿كيف ننشزها﴾ قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى.
وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله ﴿ثم نكسوها لحماً﴾ قال الحرالي: جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر، واللحم الذي لحم بين العظام حتى
стр. 1388
صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد ﴿فلما تبين له﴾ أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف به نفسه المقدسة في آية الكرسي. قال الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره ﴿قال أعلم﴾ بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى. ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه ﴿أن الله﴾ أي لما أعلم من عظمته ﴿على كل شيء﴾ أي من هذا وغيره ﴿قدير *﴾ قال الحرالي: في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك
стр. 1389
بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى. وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل.
ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولاً بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة، وقد قرر أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير، فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر، فكرر
стр. 1390
سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله
﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤] ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ [البقرة: ٥٦] ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالباً بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله ﵊ والتحية والإكرام، فكان كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم ﷺ التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى: ﴿وإذ﴾ عطفاً على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ. وقال الحرالي: ولما
стр. 1391
كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره فرتب ذكر المعاد في ثلاثة أحوال: حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان، وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى، فقال : واذ ﴿قال إبراهيم﴾ ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن، فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيساً بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه وطرده، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميماً للرد على ذلك مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت، ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح
стр. 1392
لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة، فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به، ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾ قال الحرالي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى
﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] فمن ملكوت الأرض الإحياء، فقرره على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفاً: ﴿قال﴾ ولما كان التقدير: ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله: ﴿أو لم تؤمن﴾ فإن الإيمان يجمع ذلك كله ﴿قال بلى﴾ فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في
стр. 1393
الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلاً، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره لخليله ﷺ على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] وذكر عن الخليل ﵊ أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان ﴿ولكن﴾ أريد المعاينة ﴿ليطمئن﴾ من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق ﴿قلبي﴾ من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، فلما كان إبراهيم ﵊ متهيئاً
стр. 1394
لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب له مثلاً أراه إياه، جعله جري العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد، فأول العد الاثنان ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلاًّ وجزءاً فيكون زوجاً من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله أصلاً لمخلوقاته فكانت جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع
﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ [فصلت: ١٠] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعاً، وجعل الأقطار أربعاً، وجعل الأعمار أربعاً، وقال ﵊: «خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف» والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً﴾ [الجمعة: ٢]
стр. 1395
ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ [غافر: ٦٤] ثم أظهر قهره بإماتته وإفناء صوره، «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذَّنَبِ، منه خلق وفيه يركب» فكان بددها في أربعة أقطار شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، أرى خليله ﵊ كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها، يقال إن علياً رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ [ق: ٤] فأرى تعالى خليله ﵊ مثلاً من جملة ذلك ﴿قال فخذ﴾ بالفاء تحقيقاً لمقاله وتصديقاً فيما تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه ﴿أربعة من الطير﴾ هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء، جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلاً
стр. 1396
فيها لا طبعاً واجباً منها، فإن الله هو الحكيم الذي جعل الحكمة، فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها، فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه جعل من الله، من جهله ألحد ومن تحققه وحد. كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من أمر الله، من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع، وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظاً وحداً ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لا تتعداه، فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى. وقوله ، ﴿فصرهن﴾ أي اضممهن ﴿إليك﴾ أي لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها. قال الحرالي: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها، وإشعاره ينبىء والله أعلم أن إبراهيم ﵊ رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلاً لما لله
стр. 1397
سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل ﵇ بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى: ﴿ثم اجعل﴾ عطفاً بكلمة المهلة تجاوزاً بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة، كما تصير المواليد تراباً عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية ﴿على كل جبل﴾ من الجبال القريبة إليك ﴿منهن جزءاً﴾ والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه
﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣] ﴿فإنما هي زجرة واحدة
стр. 1398
فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءاً حيث كان يشبه بعضه بعضاً ﴿ثم ادعهن يأتينك سعياً﴾ والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس، والمعنى في إتيان الطائر طائراً حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعياً حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعياً بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقاً للمثول وغايته مرأى عين، فصار موقناً مطمئناً وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى ﷺ ، «وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها» في أشياء من أمثال ذلك، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عدداً كثيراً، وإنما لم يكثر ذلك على يده ﷺ لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث، ومحط الإيمان التصديق بالغيب، فلو كثر وقوع ذلك له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1399
لكشف الغطاء، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة ﷺ ، وأما عيسى ﵊ فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله الموفق.
ولما أراه ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علماً على عزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال: ﴿واعلم أن الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿عزيز﴾ ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال: ﴿حكيم *﴾ فكان فيه إشعار بأنه جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض معادة ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله
стр. 1400
حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم، إنما الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضاً وأفلاكاً ونجوماً وآفاقاً وموالد وتوالداً، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عوداً على بدء وبدءاً على عود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر: ١١] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن﴾ [التغابن: ٩] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة، ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله العزّة في خلقه وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمها ﴿قل لو كان البحر مداداً﴾ [الكهف: ١٠٩] وكلماته لا تحد ولا تعد
стр. 1401
﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [لقمان: ٢٧] ، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين، وكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدماً، وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحاً فأجيب بالمنع منها بوصف العزة تلويحاً، وموسى ﵊ لما سأل تصريحاً أجيب تصريحاً، وسؤال الخليل ﵊ ليس على وجه الشك، وقول النبي ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» يرشد إلى ذلك، لأنه ﷺ لم يشك، وإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه ﷺ تصريحاً بقوله «بلى» وتلويحاً بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت، نقل
стр. 1402
أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؟ فقال: الإبراهيمي لقوله تعالى ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤] .
стр. 1403
ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له﴾ [الحديد: ١١] نظراً إلى أول السورة تذكيراً بوصف المتقين حثاً عليه، فضرب لذلك مثلاً صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء، فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو من جليل العزة، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء
стр. 1404
لما قبله من نشر الأموات، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس، وذلك من دقيق الحكمة، فكأنه يقول: إن خليلي ﵊ لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهّلته لامتطاء درجة أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت نمطاً من ذلك لعامة الخلق مطوياً في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال : ﴿مثل﴾ فكان كأنه قيل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [الحديد: ١١] ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا﴾ [البقرة: ٢٥٤] فإنه مثل ﴿الذين ينفقون﴾ أي يبذلون ﴿أموالهم﴾ بطيب نفس ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون ﴿كمثل حبة﴾ مما زرعه. قال الحرالي: من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاماً للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة إدامية ﴿أنبتت﴾ أي بما جعل الله لها من قوة الإنبات بطيب
стр. 1405
أرضها واعتدال ريها ﴿سبع سنابل﴾ بأن تشعب منها سبع شعب في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل. قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته ﴿في كل سنبلة مائة حبة﴾ فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلاً ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى.
فالآية من الاحتباك وتقديرها: مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها، فذكر المنفق أولاً دليل على حذف الزارع ثانياً، وذكر الحبة ثانياً دليل على حذف النفقة أولاً.
следующие страницы →