← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [لقمان: ٢٧] ، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين، وكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدماً، وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحاً فأجيب بالمنع منها بوصف العزة تلويحاً، وموسى ﵊ لما سأل تصريحاً أجيب تصريحاً، وسؤال الخليل ﵊ ليس على وجه الشك، وقول النبي ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» يرشد إلى ذلك، لأنه ﷺ لم يشك، وإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه ﷺ تصريحاً بقوله «بلى» وتلويحاً بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت، نقل

стр. 1402

أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؟ فقال: الإبراهيمي لقوله تعالى ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤] .

стр. 1403

ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له﴾ [الحديد: ١١] نظراً إلى أول السورة تذكيراً بوصف المتقين حثاً عليه، فضرب لذلك مثلاً صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء، فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو من جليل العزة، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء

стр. 1404

لما قبله من نشر الأموات، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس، وذلك من دقيق الحكمة، فكأنه يقول: إن خليلي ﵊ لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهّلته لامتطاء درجة أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت نمطاً من ذلك لعامة الخلق مطوياً في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال : ﴿مثل﴾ فكان كأنه قيل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [الحديد: ١١] ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا﴾ [البقرة: ٢٥٤] فإنه مثل ﴿الذين ينفقون﴾ أي يبذلون ﴿أموالهم﴾ بطيب نفس ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون ﴿كمثل حبة﴾ مما زرعه. قال الحرالي: من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاماً للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة إدامية ﴿أنبتت﴾ أي بما جعل الله لها من قوة الإنبات بطيب

стр. 1405

أرضها واعتدال ريها ﴿سبع سنابل﴾ بأن تشعب منها سبع شعب في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل. قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته ﴿في كل سنبلة مائة حبة﴾ فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلاً ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى. فالآية من الاحتباك وتقديرها: مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها، فذكر المنفق أولاً دليل على حذف الزارع ثانياً، وذكر الحبة ثانياً دليل على حذف النفقة أولاً.

стр. 1406

ولما كان التقدير: فكما ضاعف للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق نفقته، عطف عليه قوله: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ بما له من السعة في القدرة وكل صفة حسنى ﴿والله﴾ أي بما له من الكمال في كل صفة ﴿واسع﴾ لا يحد في صفة من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله ﴿عليم *﴾ فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما علمه من نياتهم؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين، وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملاً. ولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال: - وقال الحرالي: ولما كان للخلافة وخصوصاً بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل؛ انتهى. فقال : ﴿الذين ينفقون﴾ ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها إليهم فقال: ﴿أموالهم﴾ وحث على الإخلاص في قوله: ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الأسماء الحسنى.

стр. 1407

ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من المستبعد جداً تركها له نبه عليه بأداة البعد إعلاماً بعظيم فضله فقال: ﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا﴾ بما يجاهدون به أنفسهم ﴿مناً﴾ قال الحرالي: وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعاً لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المنّ القطع ﴿ولا أذى﴾ وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى. وكذا أن يقول لمن شاركه في فعل خير: لو لم أحضر ما تم، وتكرير ﴿لا﴾ تنبيه على أن انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر ﴿لهم﴾ ولم يقرنه بالفاء إعلاماً بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيماً لمقداره وتعظيماً لشأنه حيث لم يجعله مسبباً عن إنفاقهم ﴿أجرهم﴾ أي الذي ذكره في التضعيف فأشعر ذلك أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم، ثم زادهم رغبة بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ والتنمية حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف ﴿ولا خوف عليهم﴾ من هضيمة تلحقهم ﴿ولا هم يحزنون *﴾ على فائت، لأن ربهم لم يترك شيئاً من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم. ولما أفهم هذا وهي ما لا يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت

стр. 1408

النفس إلى الوقوف على الحقيقة من أمره صرح به في قوله: ﴿قول معروف﴾ قال الحرالي: وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل. ولما كان السائل قد يلح ويغضب من الرد وإن كان بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال: ﴿ومغفرة﴾ للسائل إذا أغضب من رده ﴿خير من صدقة﴾ وهي الفعلة التي يبدو بها صدق الإيمان بالغيب من حيث إن الرزق غيب فالواثق منفق تصديقاً بالخلف إعلاماً بعظم فضله ﴿يتبعها أذى﴾ بمن أو غيره، لأنه حينئذ يكون جامعاً بين نفع وضر وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الذي لا أعظم منه ﴿غني﴾ فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه. ولما رهب المتصدق بصفة الغني رغبة في الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة في القول عند الرد بالجميل فقال: ﴿حليم *﴾ أي لا يعاجل من عصاه بل يرزقه وينصره وهو يعصيه ويكفره. ولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى

стр. 1409

ما عري منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله والنص على محقه لها وإبطاله وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن ﴿لا تبطلوا﴾ قال الحرالي: فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى ﴿صدقاتكم بالمن والأذى﴾ فربما وازى عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب. قال الحرالي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بني على أصل الرياء - انتهى. فقال: ﴿كالذي ينفق ماله﴾ لغير الله، إنما ينفقه ﴿رئاء الناس﴾ أي لقصد أن يروه. قال الحرالي: هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه. ولما شبه المانّ والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء نفرة منه وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه

стр. 1410

بأشدهما فقال: ﴿ولا يؤمن بالله﴾ أي الذي له صفة الكمال ﴿واليوم الآخر﴾ الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد الأعمال جيدها من رديئها. قال الحرالي: ولما ضرب مثلاً لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال: ﴿فمثله﴾ في إنفاقه مقارناً لما يفسده، ومثل نفقته ﴿كمثل صفوان﴾ وما زرع عليه، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل انصداعها بالنبات - انتهى. ﴿عليه تراب﴾ فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه. ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل: ﴿فأصابه﴾ أي عقب كون التراب عليه من غير مهمة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها ﴿وابل﴾ أي مطر كثير فأزال التراب عنه ﴿فتركه صلداً﴾ أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من

стр. 1411

يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور، فجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف. ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله: ﴿لا يقدرون﴾ أي الممثل لهم والممثل بهم ﴿على شيء مما كسبوا﴾ فالآية من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير: فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين، عطف عليه معلماً أنه يعمي البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله: ﴿والله﴾ الذي له الحكمة كلها ﴿لا يهدي﴾ أي لوجه مصلحة. ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال: ﴿القوم الكافرين﴾ وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه. ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من

стр. 1412

الإنفاق مثلاً منبهاً فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال: ﴿ومثل﴾ قال الحرالي: عطفاً على ﴿الذي ينفق ماله رئاء الناس﴾ ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ عطف مقابلة وعلى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٦١] عطف مناسبة - انتهى. ﴿الذين ينفقون أموالهم﴾ أي مثل نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي: والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى. ﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾ بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق

стр. 1413

الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعاً في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم: لين من عطفه وحرك من نشاطه ﴿كمثل جنة﴾ أي بستان ومثل صاحبها. قال الحرالي: ولما كان حرث الدنيا حباً وثمراً جعل نفقات الأخرى كذلك حباً وتمراً. فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل الجنة الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع

стр. 1414

سبل الخير - انتهى. ﴿بربوة﴾ أي مكان عال ليس بجبل. قال الحرالي: في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها، لأن الرياح هي حياة النبات «الريح من نفس الرحمن» انتهى. ثم وصفها بقوله: ﴿أصابها وابل﴾ أي مطر كثير ﴿فأتت أكلها﴾ أي أخرجته بإذن الله حتى صار في قوة المعطي ﴿ضعفين﴾ أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل - كذا قالوا: مثلين، والظاهر أن المراد أربعة أمثاله، لأن المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله أعلم؛ والآية من الاحتباك، ذكر المنفق أولاً دال على حذف صاحب الجنة ثانياً، وذكر الجنة ثانياً دال على حذف النفقة أولاً. ولما كان الوابل قد لا يوجد قال: ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ أي فيصيبها لعلوها طل، وهو الندى الذي ينزل في الضباب. وقال الحرالي: الطل سن من أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، فإن المطر ينزل خفياً عن الحس وهو الطل، ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقوى وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم سكبه وهو الجود؛ فله

стр. 1415

أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى. والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق إلى أعمالهم فساد، غايتها أن يطرقها النقص باعتبار ضعف النيات، ولذلك كان التقدير تسبيباً عن ذلك: فالله بما تستحقون على نياتكم عليم، فعطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿بما تعملون﴾ أي بما ظهر منه ﴿بصير *﴾ كما هو كذلك بما بطن، فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن. وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ولما قدم أن المن مبطل للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما مثلاً ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح للترهيب من المن والرياء رجع إليهما دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما مثلاً أوضح من السالف وأشد في التنفير عنهما والبعد منهما فقال - وقال الحرالي: ولما تراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ينفق مقابلاً لمن يبتغي مرضاة الله تعالى مثلاً بالجنة المخلفة، انتهى. فقال - منكراً على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال بضرب هذه الأمثال: ﴿أيود أحدكم﴾ أي يحب حباً شديداً

стр. 1416

﴿أن تكون له جنة﴾ أي حديقة تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال: ﴿من نخيل﴾ جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه الشجر بالآدمي، ثابت ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمي بخلاف سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله ﴿وأعناب﴾ جمع عنب وهو شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة بل يتفرع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة، مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله الحرالي. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي لكرم أرضها. وقال الحرالي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى. ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال: ﴿له فيها من كل الثمرات﴾ أي مع النخل والعنب. ولما ذكر كرمها ذكر شدة

стр. 1417

الحاجة إليها فقال: ﴿وأصابه﴾ أي والحال أنه أصابه ﴿الكبر﴾ فصار لا يقدر على اكتساب ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ بالصغر كما ضعف هو بالكبر ﴿فأصابها﴾ أي الجنة مرة من المرات ﴿إعصار﴾ أي ريح شديدة جداً. قال الحرالي: صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير، وهو أحد قسمي النار، نظيره من السعير السموم. وقال الأصفهاني: ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿فيه نار، فاحترقت﴾ تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال. قال الحرالي: من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهاباً وحياً بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه؛ فجعل المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته. وجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى. فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة

стр. 1418

آماله، وروى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي الله تعالى عنه لأصحاب النبي ﷺ : «فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أيود أحدكم﴾ إلى أن قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: أيّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» . ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه لتبجيله وتكريمه بقوله مستأنفاً: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان ﴿يبين الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لكم الآيات﴾ أي كلها ﴿لعلكم تتفكرون *﴾ أي ليكون حالكم حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر، ومن يكون كذلك ينتفع بفكره. وقال الحرالي: فتبنون الأمور على تثبيت، لا خير في عبادة إلا بتفكر، كما أن الباني لا بد أن يفكر في بنائه، كما قال الحكيم: أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة، كذلك من حق أعمال الدين أن لا تقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به ﴿لعلكم﴾ مطابقين للمثل متفكر مضاعف

стр. 1419

حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى. ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿أنفقوا﴾ أي تصديقاً لإيمانكم ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعاً، ولما ذكر ما أباحه من أرباح التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبهاً بذلك على أن كل ما يتقلب العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيباً في الجود به وفي جعله خياراً حلالاً وترهيباً من الشح به وجعله ديناً أو حراماً فقال: ﴿ومما أخرجنا﴾ أي بعظمتنا ﴿لكم﴾ نعمة منا عليكم ﴿من الأرض﴾ قال الحرالي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى. ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال: ﴿ولا تيمموا﴾ أي لا تتكلفوا أن تقصدوا ﴿الخبيث منه﴾ أي خاصة

стр. 1420

﴿تنفقون﴾ قال الحرالي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس: ظاهره وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهراً وباطناً، وقال: ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى. ثم أوضح قباحة ذلك بقوله: ﴿ولستم بآخذيه﴾ أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه ﴿إلا أن تغمضوا﴾ أي تسامحوا ﴿فيه﴾ بالحياء مع الكراهة. قال الحرالي: من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل، أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع، وقال: ولما كان الآخذ هو الله ختم بقوله: ﴿واعلموا﴾ انتهى. وعبر بالاسم الأعظم فقال: ﴿أن الله﴾ المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال ﴿غني﴾ يفضل على من أسلف خيراً رغبة فيما عنده وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم

стр. 1421

وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب ﴿حميد *﴾ يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب. قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها. ولما رغب في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك فقال محذراً من البخل - في جواب من كأنه قال: هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالباً إلا شحيحة بالإنفاق-: ﴿الشيطان﴾ أي الذي اسمه أسوأ الأسماء، فإنه يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا! ﴿يعدكم الفقر﴾ المانع من الإنفاق. قال الحرالي: الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا. وكل ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا، وكل مقتنع غني، ومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى. ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب

стр. 1422

الأرواح. وقال الحرالي: وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء، لمناسبة ذكر الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى وفيه تصرف. ولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه بما له من الخير فقال مصرحاً بما تقدم التلويح به: ﴿والله﴾ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى الرحيم الودود ﴿يعدكم مغفرة منه﴾ لما وقع منكم من تقصير، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص ﴿وفضلاً﴾ بالزيادة في الدارين، وكل نعمة من فضل؛ ثم أكد ذلك بقوله: ﴿والله﴾ أي المحيط بكل كمال ﴿واسع﴾ لتضمنه معنى حليم غني، وأتبعه بقوله: ﴿عليم *﴾ إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دق. قال الحرالي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما

стр. 1423

علمه من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى. فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ترغيباً وترهيباً.

стр. 1424

ولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم تصريحاً وتلويحاً وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال المتقنة والأقوال الحسنة تصريحاً وتلويحاً ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحاً فقال تعالى منبهاً على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة: - وقال الحرالي: ولما أبدى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عوداً على بدء أنبأ تعالى أن ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم من علم أمر الدنيا بل من علم

стр. 1425

أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمّها لمن اصطفاه ﴿ذلك مما أوحى إليك ربّك من الحكمة﴾ [النحل: ٣٩] فقال : ﴿يؤتي الحكمة﴾ انتهى. وفي ترتيبها على واسع عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه كما وقع لقابيل إذ قرب رديئاً كما هو مشهور في قصته، ولعله لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم بقوله: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ فصار كأنه قال : واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم ﴿من يشاء﴾ من عباده، ثم مدح من حلاه بها فقال مشيراً ببناء الفعل للمفعول إلى أنها مقصودة في نفسها: ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ أي التي هي صفة من صفاته، وأشار بالتعريف إلى كمالها

стр. 1426

بحسب ما تحتمله قوى العبيد، والحكمة قوة تجمع أمرين: العلم المطابق وفعل العدل وهو العمل على وفق العلم. قال الأصبهاني: والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين ﴿فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ قال الحرالي ما معناه: إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير سمعه وبصره - إلى آخره. ولما كان التقدير: فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لبّ فيتأهل لأن يتذكر بما يلقيه الله من كلمته ما بثّ في الأنفس والآفاق من حكمته وصل به قوله: ﴿وما يذكر﴾ أي بكلام الله حكمه ﴿إلا أولوا الألباب *﴾

стр. 1427

أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته. وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل ظاهراً لظاهر وباطناً لباطن، من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه، من رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه من المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية، كذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ذكرها أعمال

стр. 1428

الخلق وخصوصاً في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظماً وبآية الكرسي مناظرة - انتهى. ولما كان السياق سابقاً ولاحقاً للإنفاق علم أن التقدير: فما جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف عليه حثّاً على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيراً من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه قوله: ﴿وما أنفقتم من نفقة﴾ أي في وجه من الوجوه، فدخل فيه جميع التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي الدعوات للإخوان وغير ذلك. ولما كان الإنسان كثيراً ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه

стр. 1429

قال ﴿أو نذرتم من نذر﴾ وإدخال من لتأكيد الاستغراق. قال الحرالي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال ﷺ : «إنما يستخرج به من البخيل» انتهى. ﴿فإن الله﴾ عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم ﴿يعلمه﴾ ذكر الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيماً للنذر لما قد يتوهم فيه من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه عليه، فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف، ومن فعل منكم شيئاً منه على غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به وما له من ناصر، هكذا كان الأصل ولكنه عم وعلق الحكم بالوصف فقال: ﴿وما للظالمين﴾ أي الواضعين للشيء في

стр. 1430

غير موضعه ﴿من أنصار *﴾ قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيراً ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصراً، وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى. ولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه قال حاثاً على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ أي المتطوع بها، قال الحرالي: وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء، وقال: والهدية أجل حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل ﴿فنعماً هي﴾ فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح: إن نِعْم،، وبِئْس للمبالغة فالمراد بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف، واقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت واستقر، لا يمدح الإنسان بما لم يقع منه -

стр. 1431

انتهى. ﴿وإن تخفوها﴾ حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له. ولما كان المقصود بها سد الخلة قال: ﴿وتؤتوها الفقراء فهو﴾ أي فذلك الإخفاء والقصد للمحتاج ﴿خير لكم﴾ لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات، وفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز على الغني. ولما كان التقدير: فإنا نرفع بها درجاتكم، عطف عليه قوله: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ أي التي بيننا وبينكم. ولما كان التقدير: فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن الله بكل ما فعلتموه منها عليم، عطف عليه تعميماً وترغيباً وترهيباً: ﴿والله﴾ أي الذي له كل كمال ﴿بما تعملون﴾ أي من ذلك وغيره ﴿خبير *﴾ فلم يدع حاجة أصلاً إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عيناً بالجزاء عليه. ولما حث على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه

стр. 1432

من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس، وكان ﷺ شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجداً شديداً، خفض عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال: ﴿ليس عليك﴾ أي عندك ﴿هداهم﴾ حتى تكون قادراً عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه ﴿ولكن الله﴾ الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو ﴿يهدي من يشاء﴾ فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك، لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفاً لما قبلها وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة، معناه: وعندنا ألف شاة، تقول العرب: علينا كذا وكذا، أي مننا - فسره قاسم؛ انتهى. وهو يرجع إلى القدرة كما تقول: عليّ رضى فلان، أي أنا مطيق لذلك قادر على حمله، فالمعنى:

стр. 1433

لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلاً وإنما ذلك إلى الله فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها. قال الحرالي ما معناه: إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه جعل فيهم نصرة دينه. ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموماً القريب والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب صارفاً لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى. فقال : ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» ﴿فلأنفسكم﴾ كما قيل له ﷺ عن شاة ذبحت: ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال: بقيت إلا رقبتها! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون

стр. 1434

ذلك بأنفسكم. ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال: ﴿وما﴾ أي والحال أنكم ما ﴿تنفقون إلا ابتغاء﴾ أي إرادة. ولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل بإحسانه وإخلاصه قال: ﴿وجه الله﴾ أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصاً من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده، هذا هو الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جداً عن الأذى والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي. ولما كان الإيقان بالوفا مرغباً في الإحسان ومبعداً من الإساءة والامتنان خوفاً من جزاء الملك الديان قال ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي على أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق

стр. 1435

والمتصدق عليه ﴿يوف﴾ أي يبالغ في وفائه بالتضعيف واصلاً ﴿إليكم وأنتم لا تظلمون *﴾ أي لا يقع عليكم ظلم في ترك شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم. ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما مضى شاملاً للمؤمن وغيره بيّن أن محط القصد في الحثّ عليها المؤمن قال : ﴿للفقراء﴾ أي هذه الأحكام لهم ﴿الذين أحصروا﴾ أي منعوا عن التكسب، وأشار بقوله: ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره ﴿لا يستطيعون ضرباً في الأرض﴾ بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله بعدم شكايتهم فقال: ﴿يحسبهم الجاهل﴾ أي الذي ليس عنده فطنة الخلص ﴿أغنياء من﴾ أجل ﴿التعفف﴾ عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله مولاهم ورضي عنه

стр. 1436

وشرف نفس، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي. ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: ﴿تعرفهم﴾ أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك ﴿بسيماهم﴾ قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر - انتهى. وتلك العلامة والله أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك ﴿لا يسئلون﴾ لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق ﴿الناس﴾ من ملك ولا غيره ﴿إلحافاً﴾ سؤال إلزام، أخذاً من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي لازمه. وقال الحرالي: هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى. وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض

стр. 1437

والتلويح الخفي، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي ﷺ ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلاً جداً أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما. ولما ذكر أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي في أي وقت أنفقتموه ﴿فإن الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال ﴿به عليم *﴾ وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك. ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتاً كان كأن سائلاً قال: في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم﴾

стр. 1438

أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماماً به دلالة على فضله فقال: ﴿بالليل﴾ إن اقتضى ذلك الحال ﴿والنهار﴾ إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد ﴿سراً وعلانية﴾ كذلك. ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد. ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلاً له منزلة العدم، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك، ترغيباً في الكف عنه، لأنه منظور إليه في الجملة، وربط الجزاء في هذه إعلاماً بأنه مسبب عن هذه الأحوال، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها، حثاً على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك، لأن من سمح بالإنفاق لله استوت عنده فيه الأوقات فقال: ﴿فلهم أجرهم﴾ وسببيته

стр. 1439

كونه علامة لحصول الأجر، لا أنه سبب حقيقي، إنما السبب الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلاً بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما رباهم، ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال: ﴿ولا خوف عليهم﴾ كما فرحوا بها عن غيرهم ﴿ولا هم يحزنون *﴾ لأنه لا ثواب أعظم من ذلك، إذ لا عيشة لحزين ولا خائف؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول الإسلام لما كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد بجملته وبينه هذا البيان الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال: فأفضلهم المنفق ليلاً سراً. وأنزلهم المنفق نهاراً علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى.

стр. 1440

ولما كان قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من الأساليب، وكان الرزق يشمل الحلال
следующие страницы →