Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
أقول هذا لتخلصوا أنتم، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي أعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي أرسل، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من أجلي، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني، وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم، من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد، لا تظنوا أني أشكوكم، إن لكم من يشكوكم: موسى الذي عليه تتوكلون، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم بي، لأن ذلك كتب من أجلي، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيراً على إثباته هنا، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك.
ولما أتاهم من أمر عيسى ﵊ بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد، فبين أولاً ما تفضل
стр. 1787
فيه عيسى ﵊ من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ثم فضح بتمثيله بآدم ﵊ شبهتَهم، ألزمهم عل تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال : ﴿فمن﴾ أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك: من ﴿حآجك فيه﴾ أي خاصمك بإيراد حجة، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد.
ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال: ﴿من﴾ أي مبتدئاً المحاجة من، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة ﴿بعدما جآءك من العلم﴾ أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك في أمره ﴿فقل تعالوا﴾ أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمر نعرف فيه علو المحق وسفول المبطل ﴿ندع أبنآءنا وأبناءكم﴾ أي الذي هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه ﴿ونساءنا ونساءكم﴾ أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه
стр. 1788
أولو الهمم العوالي ﴿وأنفسنا وأنفسكم﴾ فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم بالمدافع، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق. ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال: ﴿ثم نبتهل﴾ أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره. وقال الحرالي: الابتهال طلب البهل، والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم مقصود - انتهى. ﴿فنجعل لعنت الله﴾ أي الملك الذي له العظمة كلها فهو يجبر ولا يجار عليه، أي إبعاد وطرده ﴿على الكاذبين *﴾ وقال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه: ثم لما أتبعت قصة آدم ﵊ يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما
стр. 1789
لم تكن العرب تعرفه، وأنذروا وحذروا؛ أتبعت قصة عيسى ﵊ يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى.
ولما كان العلم الأزلي حاصلاً بأن المجادلين في أمر عيسى ﵊ يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفاً من الاستئصال في العاجلة مع الخزي الدائم في الآجلة، وكان كفهم عن ذلك موجباً للقطع بإبطالهم في دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم، حسن كل الحسن تعقيب ذلك بقوله: - تنبيهاً على ما فيه من العظمة - ﴿إن هذا﴾ أي الذي تقدم ذكره من أمر عيسى ﵇ وغيره ﴿لهو﴾ أي خاصة دون غيره مما يضاده ﴿القصص الحق﴾ والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئاً بعد شيء على ترتيبها، في معنى قص الأثر، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى.
ولما بدأ القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلاً على ذلك بأنه الحي القيوم صريحاً ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحاً فقال - عاطفاً على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى ﷺ عبد الله ورسوله معمماً للحكم معرقاً بزيادة الجار في النفي: ﴿وما من إله﴾ أي معبود بحق، لأن له صفات الكمال، فهو بحيث
стр. 1790
يضر وينفع ﴿إلا الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال، لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح به، فاندرج في ذلك عيسى ﵊ وغيره، وقد علم من هذا السياق أنهم لما علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه علماً منهم بأنهم له عاصون ولحقّه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده من الدفع عنهم ولا من النفع لهم، فلا برهان أقطع من هذا.
ولما كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على طريق الحصر فقال - عاطفاً على ما قدّرته مام أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله من نفي: ﴿وإن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لهو﴾ أي وحده ﴿العزيز الحكيم *﴾ وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما، وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا هو.
ولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبهاً بالتعبير بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالماً بأن مبطل، ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة،
стр. 1791
فمن حق ذكره أن يكون من قبيل فرض المحالات: ﴿فإن تولوا﴾ أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه ﴿فإن الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عليهم﴾ بهم، هكذا كان الأصل، فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيراً من مثل حالهم فقال: ﴿بالمفسدين *﴾ أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاماً يتقنه بحكمته فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر.
стр. 1792
ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا، فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة، اقتضى ذلك عظم تشوفه ﷺ إليها لعظم حرصه ﷺ على هداية الخلق، فأمره بأن يذكرها مكرراً إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها،
стр. 1793
دعاء لا أعدل منه، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال : ﴿قل﴾ ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفاً بهم بما يحبون فقال: ﴿يا أهل الكتاب﴾ إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم ﴿تعالوا﴾ أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به ﴿إلى كلمة﴾ ثم وصفها بقوله: ﴿سواء﴾ أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه ﴿بيننا وبينكم﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ألا نعبد إلا الله﴾ أي لأنه الحائز لصفات الكمال، وأكد ذلك بقوله: ﴿ولا نشرك به شيئاً﴾ أي لا نعتقد له شريكاً وإن لم نعبده.
ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً﴾ أي كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون. ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية نبه على
стр. 1794
أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد، والأجتراء على ما يختص به الله فقال: ﴿من دون الله﴾ الذي اختص بالكمال.
ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسبباً عن ذلك مشيراً بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون: ﴿فإن تولوا﴾ أي عن الإسلام له في التوحيد ﴿فقولوا﴾ أنتم تبعاً لأبيكم إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١] وامتثالاً لوصيته إذ قال: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿اشهدوا بأنا﴾ أي نحن ﴿مسلمون *﴾ أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره، فيوشك أن يأمرنا نبيه ﷺ بقتالكم لنصرته عليكم جرياً على عادة الرسل، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة.
ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم ﵊ وأن محمداً ﷺ أتى بدينة كما تقدم في قوله
﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من
стр. 1795
المشركين﴾ [البقرة: ١٣٥] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي ﷺ ، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصداً لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم ﵊ بأنه ﷺ كان على دينهم، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم، مع أن العقل يرده بأدنى التفات، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم، وكتابهم إنما نزل على نبيهم، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم ﵊ بدهور متطاولة، واليهود ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب ﵇، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى ﵊ في جبل الجليل، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه، وكان دينه ﷺ إنما هو الإسلام، وهو الحنيفية السمحة فقال مبكتاً لهم: ﴿يا أهل الكتاب﴾ كالمعلل لتبكيتهم، لأن الزلة من العالم أشنع ﴿لم تحآجون في إبراهيم﴾ فيدعيه كل من فريقكم ﴿و﴾
стр. 1796
الحال أنه ﴿ما أنزلت التوراة والإنجيل﴾ المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم ﴿إلا﴾ ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال: ﴿من بعده﴾ وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم ﵇، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم ﵇ كما قيل في الدينين المذكورين.
ولما كان الدليل العقلي واضحاً في ذلك ختم الآية بقوله منكراً عليهم ﴿أفلا تعقلون *﴾ أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زوراً وبهتاناً، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال منبهاً لهم مكرراً التنبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ أي الأشخاص الحمقى، ثم بين ذلك بقوله: ﴿حاججتم﴾ أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم ﴿فيما لكم به علم﴾ أي نوع
стр. 1797
من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أحوالهما عناداً أو طغياناً ﴿فلم تحاجون﴾ أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلاً عن أن يكون حجة ﴿فيما ليس لكم به علم﴾ اصلاً، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿يعلم﴾ أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله ، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه ﴿وأنتم﴾ أي وتعلمون أنكم أنتم ﴿لا تعلمون *﴾ أي ليس لكم علم أصلاً إلا ما علمكم الله ، هذا على تقدير كون «ها» في «ها أنتم» للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه «النشر في القراءات العشر» عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال: وإنما هي ﴿أأنتم﴾ ممدودة، فجعلوا الهمزة
стр. 1798
هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى هذا التقدير يكون استفهاماً معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم.
ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى عن إبراهيم ﵊ ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه كل شرك أيضاً، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله : ﴿ما كان إبراهيم يهودياً﴾ أي كما ادعى اليهود ﴿ولا نصرانياً﴾ كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل ﴿ولكن كان حنيفاً مسلماً﴾ وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [البقرة: ١٣٥] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن بموسى ﵊ والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى ﵊ والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى ﵊، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى ﵊، والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلم
стр. 1799
المطيع لأوامر الله في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، وإن شئت قلت: هو المنقاد لله وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله ، قال النبي ﷺ لمن قال له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك «قل: آمنت بالله ثم استقم» انتهى.
ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: ﴿وما كان من المشركين *﴾ وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات.
ولما نفي عنه ﷺ كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به
стр. 1800
نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلاً، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله مؤكداً رداً عليهم وتكذيباً لمحاجتهم: ﴿إن أولى الناس﴾ أي أقربهم وأحقهم ﴿بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ أي في دينه من أمته وغيرهم، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم، ثم صرح بهذه الأمة فقال: ﴿وهذا النبي﴾ أي هو أولى الناس به ﴿والذين آمنوا﴾ أي من أمته وغيرهم وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان ﴿والله﴾ أي بما له من صفات الكمال - وليهم، هذا الأصل، ولكنه قال: ﴿ولي المؤمنين *﴾ ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيباً لمن لم يبلغه في بلوغه.
ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم ﵊ على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جواباً لمن كأنه قال: فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم
стр. 1801
فيه مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل؟ ﴿ودت طآئفة﴾ أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف التابع المحب مكراً وخداعاً ﴿من أهل الكتاب﴾ حسداً لكم ﴿لو يضلونكم﴾ بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ ﴿وما﴾ أي والحال أنهم ما ﴿يضلون﴾ بذلك التمني أو الإضلال لو وقع ﴿إلا أنفسهم﴾ لأن كلاًّ من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله، فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله ﴿وما يشعرون *﴾ أي وليس يتجدد لهم في وقت من الأوقات نوع شعور، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلاً وعدوا هم بهائم، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف، ثم التصريح ببراءته، ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع.
ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت
стр. 1802
أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون، لا يعملون بعلمهم، بل يعملون بخلافه، فقال مستأنفاً بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب: ﴿يا أهل الكتاب﴾ أي الذين يدعون أنهم أهل العلم ﴿لم تكفرون﴾ أي كفراً تجددونه في كل وقت ﴿بآيات الله﴾ أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزاً وعلماً ﴿وأنتم تشهدون *﴾ أي تعلمون علماً هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته؛ ثم أتبع ذلك استئنافاً آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال: ﴿يا آهل الكتاب لم تلبسون الحق﴾ أي الذي لا مرية فيه ﴿بالباطل﴾ أي بأن تؤولوه بغير تأويله، أو تحملوه على غير محله ﴿وتكتمون الحق﴾ أي الذي لا يقبل تأويلاً، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد ﷺ وتوابعها ﴿وأنتم﴾ أي والحال أنكم ﴿تعلمون *﴾ أي من
стр. 1803
ذوي العلم، فأنتم تعرفون ذلك قطعاً وأن عذاب الضال المضل عظيم جداً.
ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفاً على ﴿ودت طائفة﴾ مبيناً لنوع إضلال آخر: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ أي من يهود المدينة ﴿آمنوا﴾ أي أظهروا الإيمان ﴿بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾ متابعة لهم ﴿وجه﴾ أي أول ﴿النهار﴾ سمي وجهاً لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ولذا عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له، ولفظ لا حقيقة له، في جزء يسير جداً ﴿واكفروا آخره﴾ أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه ﴿لعلهم يرجعون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه ﴿ولا تؤمنوا﴾ أي توقعوا التصديق الحقيقي ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته.
ولما كان هذا عين الضلال أمره أن يعجب
стр. 1804
من حالهم منبهاً على ضلالهم بقوله معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال، أي لا تقدرون على إضلال أحد منا عنه، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه، ثم وصل به تقريعهم فقال: ﴿أن﴾ بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير، وتقديرها في قراءة غيره، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن ﴿يؤتى أحد﴾ أي من طوائف الناس ﴿مثل ما أوتيتم﴾ أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول الأمر ﴿أو﴾ كراهة أن ﴿يحاجوكم﴾ أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم ﴿عند ربكم﴾ الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم.
ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة لها ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك، لكن لما قصد بها
стр. 1805
الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيباً لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من مكرهم ويؤمن من شرهم معرضاً عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذاناً بشديد الغضب: ﴿قل إن الفضل﴾ في التشريف بإنزال الآيات وغيرها ﴿بيد الله﴾ المختص بأنه لا كفوء له، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وأتبعه نتيجته فقال: ﴿يؤتيه من يشاء﴾ فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء، ثم قال مرغباً مرهباً وراداً عليهم في الأمر الثاني: ﴿والله﴾ الذي له من العظمة وسائر صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام ﴿واسع عليم *﴾ أي يوسع على من علم فيه خيراً، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير، ويعلم دقيق أمركم وجليله، فلا يحتاج إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده.
ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها
стр. 1806
من أنه فاعل بالاختيار تام الاقتدار فقال: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ ثم أكد تعظيم ما لديه دفعاً لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال: ﴿والله﴾ الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده ﴿ذو الفضل العظيم *﴾ وكرر الاسم الأعظم هنا تعظيماً لما ذكر من النعم مشيراً بذلك كله إلى التمكن من الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة علمه.
فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقاً منهم فأعلاه، ورذل فريقاً منهم فأرداه، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى الصواب، فقال عاطفاً على ما مضى من مخازيهم مقرراً لكتمانهم للحق مع علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبهاً على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم من حيث ان خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقاً من ربقة الحياء - إلى الله، مادحاً للأمين منهم: ﴿ومن
стр. 1807
أهل الكتاب﴾ أي الموصوفين ﴿من إن تأمنه بقنطار﴾ أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي ﴿يؤده إليك﴾ غير خائن فيه، فلا تسوقوا الكل مساقاً واحداً في الخيانة ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار﴾ أي واحد ﴿لا يؤده إليك﴾ في زمن من الأزمان دناءة وخيانة ﴿إلا ما﴾ أي وقت ما ﴿دمت عليه قائماً﴾ تطالبه به غالباً له بما دلت عليه أداة الاستعلاء، ثم استأنف علة الخيانة بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر البعيد من الكمال ﴿بأنهم قالوا﴾ كذباً على شرعهم ﴿ليس علينا في الأميين﴾ يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم ﴿سبيل﴾ .
ولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل فكيف على الله قال: ﴿وهم
стр. 1808
يعلمون *﴾ أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب.
ولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله: ﴿بلى﴾ أي عليكم في خيانتهم لتحريم العذر عليكم مطلقاً، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في البقرة في آية ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ [البقرة: ٦٢] وآية ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ [البقرة: ٨٣] .
ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن الله يبغض الخائن فقال: ﴿من أوفى بعهده﴾ في الدين والدنيا ﴿واتقى﴾ أي كائناً من كان ﴿فإن الله﴾ ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعاراً بأنه العلة الحاملة له على الأمانة فقال: ﴿يحب المتقين *﴾ .
ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة،
стр. 1809
وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال: ﴿إن الذين يشترون﴾ أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض ﴿بعهد الله﴾ أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿وأيمانهم﴾ أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل ﴿ثمناً قليلاً﴾ في الدنيا ﴿أولئك﴾ أي البعيدو الرتبة في الدناءة ﴿لا خلاق﴾ أي نصيب ﴿لهم في الآخرة﴾ أي لبيعهم له بنصيب الدنيا ﴿ولا يكلمهم الله﴾ أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم بما انتهكوا من حرمته.
ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله: ﴿ولا ينظر إليهم﴾ أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال: ﴿يوم القيامة﴾ الذي من افتضح في جمعه لم يفز ﴿ولا يزكيهم﴾ لأنهم لم يزكوا
стр. 1810
اسمه ﴿ولهم﴾ أي مع ذلك ﴿عذاب أليم *﴾ يعرفون به ما جهلوا من عظمته.
ولما نسبهم إلى الكذب عموماً نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال: ﴿وإن منهم لفريقاً﴾ أي جبلوا على الفرقة، فهم لا يزالون يسعون في التفريق ﴿يلون﴾ أي يفتلون ويحرفون ﴿ألسنتهم بالكتاب﴾ بأن ينقلوا اللسان لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر - مثلاً بأن يقولوا في ﴿اعبدوا الله﴾ [المائدة: ٧٢ وغيرها] اللات، وفي ﴿لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١] بالحد، وفي «من زنى فارجموه» فارحموه بالمهملة، أو فحمموه، أو اجلدوه - ونحو هذا.
ولما كان كلام الله لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيراً عن السماع منهم وتنبيهاً على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال: ﴿لتحسبوه﴾ أي الذي لوى به اللسان فحرف ﴿من
стр. 1811
الكتاب﴾ أي المنزل من عند الله، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال: ﴿ما هو من الكتاب﴾ أعاده ظاهراً تصريحاً بالتعميم.
ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم أنهم تجاوزوا إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال: ﴿ويقولون﴾ أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا ﴿وهو من عند الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعداً لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق مظهراً في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال: ﴿وما هو﴾ أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته ﴿من عند الله﴾ أي الذي له الإحاطة العامة، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره.
ولما بين بهذا كذبهم على الله تصريحاً بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحاً أخبر بأن ذلك عادة لهم، لا يقفون
стр. 1812
منه عند عد، ولا ينحصرون فيه بحد، فقال: ﴿ويقولون على الله﴾ أي الحائز لجميع العظمة جرأة منهم ﴿الكذب﴾ أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله: ﴿وهم يعلمون *﴾ أي أنه كذب، لا يشكون فيه.
стр. 1813
ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، لأنهم لا علم لهم بقول الله إلا بواسطة الأنبياء ﵈، ومهما كان القول كذباً على الله اقتضى أن يكون تعبداً للمنسوب إليه من دون الله لأنه هو الذي شرعه، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه عبادته من دون الله ، وذلك بعد أن اوضح من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام
стр. 1814
المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى ﵊، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال: ﴿ما كان﴾ أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه ﴿لبشر﴾ أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما ﴿أن يؤتيه الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿الكتاب والحكم﴾ أي الحكمة المهيئة للحكم، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم، لأن أصلها الإحكام، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده ﴿والنبوة﴾ وهي الخبر من الله المقتضي لأتم الرفعة، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد ﴿ثم﴾ يكذب على الله بأن ﴿يقول للناس كونوا عباداً لي﴾ .
ولما كان ذلك قد يكون تجوزاً عن قبول قوله والمبادرة
стр. 1815
لامتثال أمره عن الله احتراز عنه بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى، فلم يبق لهم مستند، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها، فصح قطعاً انتقاؤه عنه.
ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال: ﴿ولكن﴾ أي يقول ﴿كونوا ربانيين﴾ أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله وطاعته، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات: مات رباني هذه الأمة: ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب﴾ أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له ﴿وبما كنتم تدرسون *﴾ فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق.
ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه
стр. 1816
وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى ﵊ فقال: ﴿ولا يأمركم﴾ أي ذلك البشر ﴿أن تتخذوا﴾ أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله من غير كلفة ﴿الملائكة والنبيين﴾ فضلاً عن غيرهم ﴿أرباباً﴾ أي مع الله أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك: ﴿أيأمركم بالكفر﴾ إشارة إلى أن الله غني، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه ﴿بعد إذ أنتم مسلمون *﴾ أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى.
ولما بين فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على ﴿إذ أنتم مسلمون﴾ ﴿وإذ أخذ الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿ميثاق النبيين﴾ أي كافة، والمعنى: ما كان له أن يقول ذلك بعد
стр. 1817
الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه، وهذا معنى قوله: ﴿لما﴾ أي فقال لهم الله: لما ﴿آتيتكم﴾ وقراءة نافع: آتيناكم، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري ﴿من كتاب وحكمة﴾ أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه ﴿ثم جآءكم رسول﴾ أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: ﴿مصدق لما معكم﴾ أي من ذلك الكتاب والحكمة ﴿لتؤمنن به﴾ أي أنتم وأممكم ﴿ولتنصرنه﴾ أي على من يخالفه، فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إنّ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال: ﴿قال ءأقررتم﴾ أي يا معشر النبيين ﴿وأخذتم على ذلكم﴾ أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع ﴿إصري﴾ أي عهدي، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن
стр. 1818
عهد التقيد بنوع من القيود، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا أقررنا﴾ أي بذلك، فقيل: ما قال؟ فقيل ﴿قال فاشهدوا﴾ أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، أو يا ملائكة! عليهم ﴿وأنا معكم من الشاهدين * فمن﴾ أي فتسبب عنه أنه من ﴿تولى﴾ أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر.
ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال: ﴿بعد ذلك﴾ أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة ﴿فأولئك﴾ أي البعداء من خصال الخير ﴿هم الفاسقون *﴾ أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق.
ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله ﴿شهد الله﴾ الآية إلى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق -: ﴿أفغير﴾ أي أتولوا ففسقوا، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن تقديم «
стр. 1819
غير» يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصاً لغير دين الله، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله ﴿دين الله﴾ الذي اختص بصفات الكمال ﴿يبغون﴾ أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على قراءة الخطاب ﴿وله﴾ أي والحال أنه له حاصة ﴿أسلم﴾ أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه ﴿من في السموات والأرض﴾ وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم ﴿طوعاً﴾ بالإيمان أو بما وافق أغراضهم ﴿وكرهاً﴾ بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً ﴿وإليه يرجعون *﴾ بالحشر، لا تعالجون مقراً ولا تلقون
стр. 1820
ملجأ ولا مفراً، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند للرسول ﷺ معاند للمرسل.
ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير الله، ثم هدد من تولى، فكان السامع جديراً بأن يقول: أنا مقبل غير متول فما اقول وما أفعل؟ قال مخاطباً لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم: ﴿قل﴾ أي قبل كل شيء، أي ملفتاً لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل ﴿آمنا﴾ أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتاً لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم ﵊ ومن بعده من خلص أبنائه، وأبوه وجادلوا فيه عدواناً وادعوه؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال: ﴿بالله﴾ الذي لا كفوء له.
ولما كان الإنزال على الشيء مقصوداً به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب أن يقال: ﴿وما أنزل علينا﴾ فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازاً، وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد
стр. 1821
﴿وما أنزل على إبراهيم﴾ أي أبينا ﴿وإسماعيل وإسحاق﴾ أي ابنيه ﴿ويعقوب﴾ ابن إسحاق ﴿والأسباط﴾ أي أولاد يعقوب.
ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: ﴿وما أوتي موسى﴾ من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة ﴿وعيسى﴾ من ذرية داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان النظر هنا إلى الرسول ﷺ أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة، ونظر إلى الكل لمحاً واحداً فقال: ﴿والنبيون﴾ أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه ﴿من ربهم﴾ أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى ﴿ونحن له﴾ أي لله وما أنزل من عنده ﴿مسلمون *﴾ أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى.
стр. 1822
ولما أمر بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذراً من الردة عنه عاطفاً على ﴿آمنا﴾ ومظهراً لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيراً بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى -: ﴿ومن يبتغ﴾ أي يتطلب ﴿غير﴾ دين ﴿الإسلام﴾ الذي هو ما ذكر من الانقياد لله المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له ﴿ديناً﴾ وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: ﴿فلن يقبل منه﴾ أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم، وقوله: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين *﴾ معناه: ولا يقبل منهم في الآخرة، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم
стр. 1823
وتوقعهم له، عالمين قطعاً بصدقه لما في كتبهم من البشارة به.
ولما أخبر بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله: ﴿كيف يهدي الله﴾ مع ما له من كمال العظمة ﴿قوماً﴾ أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه ﴿كفروا﴾ أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: ﴿بعد إيمانهم﴾ بذلك كله ﴿وشهدوا﴾ أي وبعد أن شهدوا ﴿أن الرسول حق﴾ بما عندهم من العلم به ﴿وجاءهم البينات﴾ أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعاً، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء.
ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لا يهدي
стр. 1824
القوم الظالمين *﴾ أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيراً من مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ أي الملك الأعظم، وهي غضبه وطرده ﴿والملائكة والناس أجمعين *﴾ حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، وحذراً من فعل مثل ذلك معه ﴿خالدين فيها﴾ أي اللعنة دائماً.
ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة. ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: ﴿ولا هم ينظرون *﴾ أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه، لم يترك شيء نمها
стр. 1825
لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان.
ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: ﴿من بعد ذلك﴾ الارتدار حيث تقبل التوبة ﴿وأصلحوا﴾ أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله ﴿غفور﴾ يمحو الزلات ﴿رحيم *﴾ بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه.
ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي بالله وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله ﴿من بعد إيمانهم﴾ بذلك. ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا
следующие страницы →