← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

﴿وما أنزل على إبراهيم﴾ أي أبينا ﴿وإسماعيل وإسحاق﴾ أي ابنيه ﴿ويعقوب﴾ ابن إسحاق ﴿والأسباط﴾ أي أولاد يعقوب. ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: ﴿وما أوتي موسى﴾ من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة ﴿وعيسى﴾ من ذرية داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام. ولما كان النظر هنا إلى الرسول ﷺ أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة، ونظر إلى الكل لمحاً واحداً فقال: ﴿والنبيون﴾ أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه ﴿من ربهم﴾ أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى ﴿ونحن له﴾ أي لله وما أنزل من عنده ﴿مسلمون *﴾ أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى.

стр. 1822

ولما أمر بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذراً من الردة عنه عاطفاً على ﴿آمنا﴾ ومظهراً لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيراً بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى -: ﴿ومن يبتغ﴾ أي يتطلب ﴿غير﴾ دين ﴿الإسلام﴾ الذي هو ما ذكر من الانقياد لله المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له ﴿ديناً﴾ وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: ﴿فلن يقبل منه﴾ أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم، وقوله: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين *﴾ معناه: ولا يقبل منهم في الآخرة، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم

стр. 1823

وتوقعهم له، عالمين قطعاً بصدقه لما في كتبهم من البشارة به. ولما أخبر بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله: ﴿كيف يهدي الله﴾ مع ما له من كمال العظمة ﴿قوماً﴾ أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه ﴿كفروا﴾ أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: ﴿بعد إيمانهم﴾ بذلك كله ﴿وشهدوا﴾ أي وبعد أن شهدوا ﴿أن الرسول حق﴾ بما عندهم من العلم به ﴿وجاءهم البينات﴾ أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعاً، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء. ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لا يهدي

стр. 1824

القوم الظالمين *﴾ أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيراً من مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ أي الملك الأعظم، وهي غضبه وطرده ﴿والملائكة والناس أجمعين *﴾ حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، وحذراً من فعل مثل ذلك معه ﴿خالدين فيها﴾ أي اللعنة دائماً. ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة. ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: ﴿ولا هم ينظرون *﴾ أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه، لم يترك شيء نمها

стр. 1825

لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان. ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: ﴿من بعد ذلك﴾ الارتدار حيث تقبل التوبة ﴿وأصلحوا﴾ أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله ﴿غفور﴾ يمحو الزلات ﴿رحيم *﴾ بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه. ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي بالله وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله ﴿من بعد إيمانهم﴾ بذلك. ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا

стр. 1826

بالتوبة ﴿لن تقبل توبتهم﴾ أي إن تابوا، لأن الله يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحاً يدومون عليها ويصلحون ما فسد، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاماً بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة، فلا يتوبون أبداً توبة صحيحة، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب ﴿وأولئك هم﴾ أي خاصة ﴿الضالون *﴾ أي الغريقون في الضلال وإليه أشار ﴿ولو أسمعهم لتولوا﴾ [الأنفال: ٢٣] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه، فأنى لهم بالرجوع منه والتقصي عنه! ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائناً لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبيناً لهم

стр. 1827

أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي هذا الكفر أو غيره، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام: التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا، والتائبون توبة فاسدة، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة، ولذا قال: ﴿وماتوا وهم كفار﴾ ولما كان الموت كذلك سبباً للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه، صرح بنفي قبول الفداء كائناً من كان، وربطه بالفاء فقال: ﴿فلن يقبل﴾ أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه ﴿من أحدهم﴾ أي كائناً من كان ﴿ملء الأرض ذهباً﴾ أي من الذهب لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ذلك ﴿ولو افتدى به﴾ لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله ﷺ «أعطوا السائل ولو جاء على فرس» فكونه

стр. 1828

جاء على فرس يؤذن بغناه، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجباً عند أهل الكتاب - كما مر في قوله ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم﴾ [البقرة: ٨٥] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله، فنص عليه؛ وأيضاً فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان. فالمعنى: لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء، والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة، أي لا يقبل منه شيء؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله أعلم. ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من الرحمة ﴿لهم عذاب أليم﴾ ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال: ﴿وما لهم من ناصرين *﴾ أي ينصرونهم بوجه من الوجوه، فانتفى عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ.

стр. 1829

ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]- وما بعد ذلك إنما جرّه - ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول، رجوعاً إلى ما قرره قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله: ﴿لن تنالوا البر﴾ وهو كمال الخير ﴿حتى تنفقوا﴾ أي في وجوه الخير ﴿مما تحبون﴾ أي من كل ما تقتضون، كما ترك إسرائيل ﵊ أحب الطعام إليه لله .

стр. 1830

ولما كان التقدير: فإن أنفقتم منه علمه الله فأنالكم به البر، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا، وكان كل من المحبة والكراهة أمراً خفياً، قال مرغماً مرهباً: ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ أي من المحبوب وغيره ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة. وقدم الجار اهتماماً به إظهاراً لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سألك - هل تعلم كذا: لا أعلم إلا هو، فقال: ﴿به عليم *﴾ فهذا كما ترى احتباك. ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى: ﴿كل الطعام﴾ أي من الشحوم مطلقاً وغيرها ﴿كان حلاًّ لبني إسرائيل﴾ أي أكله - كما كان حلاًّ لمن قبلهم على أصل الإباحة ﴿إلا ما حرم إسرائيل﴾ تبرراً وتطوعاً ﴿على نفسه﴾ وخصه بالذكر استجلاباً لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا: إنما حرم ذلك اتباعاً لحكم التوراة قال:

стр. 1831

﴿من قبل﴾ وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقاً له. وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: ﴿أن تنزل التوراة﴾ وكان قد ترك لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثاراً لعباده - كما تقدم ذلك في البقرة عند ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] . ولما كانت هذه الآية إلزاماً لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذراً لهم في التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم وما ذكر معها حراماً على من قبلنا كما كانت حراماً علينا، فأمر بجوابهم بأن قال: ﴿قل﴾ أي لليهود ﴿فأتوا بالتوارة فاتلوها﴾ أي لتدل لكم ﴿إن كنتم صادقين *﴾ فيما ادعيتموه، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا ﴿فمن﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه من ﴿افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿الكذب﴾ أي في أمر المطاعم أو غيرها. ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان، لا عن إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال: ﴿من بعد ذلك﴾ أي البيان العظيم الظاهر جداً ﴿فأولئك﴾ أي الأباعد الأباغض ﴿هم﴾ خاصة

стр. 1832

لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية ﴿الظالمون *﴾ أي المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام، فهو لا يضع شيئاً في موضعه، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل القدرة. ولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم يأتوا به صار ظاهراً كالشمس، لا شك فيه ولا لبس، ولم يزدهم ذلك إلا تمادياً في الكذب - أمر نبيه ﷺ بقوله: ﴿قل﴾ أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم ﴿صدق الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر، وتخبر به عن ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم، وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ممن قبل موسى ﵊، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة، نافياً بذلك أن يكون تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك، وإذ قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن. ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم قطعاً أنه ما كان يهودياً

стр. 1833

ولا نصرانياً ولا مشركاً، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه، فتسبب عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله به فبان كالشمس صدقه، لا فيما افتروه هم من الكذب، فقال : ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وهي الإسلام أي الانقياد للدليل، وهو معنى قوله: ﴿حنيفاً﴾ أي تابعاً للحجة إذا تحررت، غير متقيد بمألوف. ولما كان ﷺ مفطوراً. على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال: ﴿وما كان من المشركين﴾ أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه . ولما ألزمهم بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم ﵊، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد ﷺ وأتباعه، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم ﵊ التي كفروا بتركها، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال : ﴿إن أول بيت﴾

стр. 1834

أي من البيوت الجامعة للعبادة ﴿وضع للناس﴾ أي على العموم متعبداً واجباً عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى ﵊، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد ﷺ في ذلك، ولعل بناء وضع، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم ﵊ ﴿للذي ببكة﴾ أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة، ويزدحم الناس فيها إزدحاماً لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاماً لم يعهد مثله فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم؛ حال كونه ﴿مباركاً﴾ أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا ﴿وهدى للعالمين *﴾ أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم، فعاب عليهم في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم. وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفاً منهم مثالاً لما قدم من الإخبار به عن كذبهم، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين

стр. 1835

المؤالفة، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم ﵊ كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي ﷺ حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفاً من بني إسرائيل، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلاً ورأساً، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم ﵊ مع انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله: ﴿فيه آيات بينات﴾ وقوله: ﴿مقام إبراهيم *﴾ أي أثر قدمه ﵊ في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلاً أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر ﴿إن﴾ في قوله: ﴿للذي ببكة﴾ فكأنه قيل: إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم، وأعربه غيره بدل بعض من قوله ﴿آيات﴾ وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم، وحفظه

стр. 1836

إلى هذا الزمان مع كونه منقولاً، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام. ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال : ﴿ومن دخله﴾ أي فضلاً عن أهله ﴿كان آمناً﴾ أي عريقاً في الأمن، أو فأمنوه بأمان الله، وتحويل العبارة عن «وأمن داخله» لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن، وفيه بشارة بدخول الجنة. ولما أوضح براءتهم من إبراهيم ﵊ لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتاناً أنه على دينهم، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال : ﴿ولله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله ﴿على الناس﴾ أي عامة، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في ﴿استطعما أهلها﴾ [الكهف: ٧٧] في الكهف،

стр. 1837

وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم ﴿حج البيت﴾ أي زيارته زيارة عظيمة، وأظهر أيضاً تنصيصاً عليه وتنويهاً بذكره تفخيماً لقدره، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج، ثم مَن بالتخفيف بقوله مبدلاً من الناس، تأكيداً بالإيضاح بعد الإبهام وحملاً على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة: ﴿من استطاع﴾ أي منهم ﴿إليه سبيلاً﴾ فمن حجه كان مؤمناً. ولما كان من الواضح أن التقدير: ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفاً بالوجوب، وبالمروق من الدين إن جحد، عطف عليه قوله: ﴿ومن كفر﴾ أي بالنعمة أو بالدين ﴿فإن الله﴾ اي الملك الأعلى ﴿غني﴾ ولما كان غناه مطلقاً دل عليه بقوله موضع عنه: ﴿عن العالمين *﴾ أي طائعهم وعاصيهم، صامتهم وناطقهم، رطبهم ويابسهم، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم، فثبتت بذلك براءته منهم،

стр. 1838

والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولاً يدل على كفر من أباه، وإثبات ﴿ومن كفر﴾ ثانياً يدل على إيمان من حجه. ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلاً وسمعاً، ولم يبق لمتعنت شبهة، ولم يبادروا الإذعان، بل زادوا في الطغيان، وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان، أعرض عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال مخاطباً لرسوله الذي يكون قتلهم على يده: ﴿قل﴾ وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقال: ﴿يا أهل الكتاب﴾ أي من الفريقين ﴿لم تكفرون﴾ أي توقعون الكفر ﴿بآيات الله﴾ أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات نقلاً وعقلاً الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم ﵊. ولما كان كفرهم ظاهراً ذكر شهادته تعالى فقال مهدداً ﴿والله﴾ أي والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً فلا إله غيره وقد أشركتم به ﴿شهيد على﴾ كل ﴿ما تعملون *﴾ أي لكونه يعلم

стр. 1839

سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم. ثم استأنف إيذاناً بالاستقلال تقريعاً آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال: ﴿قل يا آهل الكتاب﴾ أي المدعين للعلم واتباع الوحي، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم ﴿لم تصدون﴾ أي بعد كفركم ﴿عن سبيل الله﴾ أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد ﷺ ، وقدمه اهتماماً به. ثم ذكر المفعول فقال: ﴿من أمن﴾ حال كونكم ﴿تبغونها﴾ أي السبيل ﴿عوجاً﴾ أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله، ولم يفعل إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون﴾ [آل عمران: ٧٠] والآية التي بعدها بغير واسطة. وقال أبو البقاء في إعرابه: إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من الضمير في تصدون أو من السبيل،

стр. 1840

لأن فيها ضميرين راجعين إليها، فلذلك يصح أن يجعل حالاً من كل واحد منهما، وعوجاً حال - انتهى. وقال صاحب القاموس في بنات الواو: بغا الشيء بغواً: نظر إليه كيف هو، وقال في بنات الياء: بغيته أبغيه: طلبته، فالظاهر أن جعل عوجاً حالاً - كما قال أبو البقاء - أصوب من جعله مفعولاً - كما قال في الكشاف. ويكون تبغون إما يائياً فيكون معناه: تريدونها معوجة أو ذات عوج، فإن طلب بمعنى: أراد؛ وإما أن يكون واوياً بمعنى: ترونها ذات عوج، أي تجعلونها في نظركم يعني: تتكلفون وصفها بالعوج مع علمكم باستقامتها، لكن قوله ﷺ في الصحيح «ابغني أحجاراً أستنفض بهن» يؤيد قول صاحب الكشاف. ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخاً: ﴿وأنتم شهداء﴾ أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به

стр. 1841

لانقيادهم للأدلة. ولما كان الشهيد قد يغفل، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم، هددهم بإحاطة علمه فقال: ﴿وما الله﴾ أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها ﴿بغافل﴾ أي أصلاً ﴿عما تعملون *﴾ ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم، أقبل بالبشر على أحبائه، مواجهاً لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه، محذراً لهم الاغترار بالمضلين، ومنبهاً ومرشداً ومذكراً ودالاً على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود، فقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي بنبينا محمد ﷺ ﴿إن تطيعوا فريقاً﴾ أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه ﴿يردوكم﴾ وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله مشيراً بإسقاط الجار إلى الاستغراق زمان البعد: ﴿بعد إيمانكم كافرين *﴾

стр. 1842

أي غريقين في صفة الكفر، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها! . ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم عليه بعد اتباع الرسول ﷺ من الأحوال الشريفة فقال - عاطفاً على ما تقديره: فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم: ﴿وكيف تكفرون﴾ أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال ﴿وأنتم تتلى﴾ أي تواصل بالقراءة ﴿عليكم آيات الله﴾ أي علامات الملك الأعظم البينات ﴿وفيكم رسوله﴾ الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه ﴿ومن﴾ أي والحال أنه من ﴿يعتصم﴾ أي يجهد نفسه في ربط أموره ﴿بالله﴾ المحيط بكل شيء علماً وقدرةً في جميع أحواله كائناً من كان. ولما

стр. 1843

كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال: ﴿فقد هدى﴾ وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين ﴿إلى صراط مستقيم *﴾ . ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اتقوا الله﴾ أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام ﴿حق تقاته﴾ فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمراً دونه ﴿ولا تموتن﴾ على حالة من الحالات ﴿إلا وأنتم مسلمون *﴾ أي منقادون أتم الانقياد، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو التوحيد، وقوله : ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] في فروعه. ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله قاصراً، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال: ﴿واعتصموا﴾ أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم ﴿بحبل الله﴾ أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به

стр. 1844

إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح وهذا الدين مثاله فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله. ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله: ﴿جميعاً﴾ لا تدعوا أحداً منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلوا عنه فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطاً شديداً حزمة نبل بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث

стр. 1845

على إدامة الاعتصام والتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال: ﴿واذكروا نعمة الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿عليكم﴾ يا من اعتصم بعصام الدين! ﴿إذا كنتم أعداء﴾ متنافرين أشد تنافر ﴿فألف بين قلوبكم﴾ بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم ﴿فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ قد نزع ما في قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن. ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال: ﴿وكنتم على شفا﴾ أي حرف وطرف ﴿حفرة من النار﴾ بما كنتم فيه من الجاهلية ﴿فأنقذكم منها﴾ . ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول: لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان البعيد المنال البديع المثال ﴿يبين الله﴾ المحيط علمه الشاملة قدرته بعظمته ﴿لكم آياته﴾ وعظم الأمر

стр. 1846

بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه. ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله: ﴿لعلكم تهتدون *﴾ أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ومن أراد أرداه.

стр. 1847

ولما عاب الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى في أنفسهم، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع، وكان الأمر بالاجتماع المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل جزئية من جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد؛ أتبعه بقوله - منبهاً على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض الكفايات -: ﴿ولتكن منك أمة﴾ أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها، ويكون بعضها قاصداً بعضاً، حتى تكون أشد شيء ائتلافاً واجتماعاً في

стр. 1848

كل وقت من الأوقات على البدل ﴿يدعون﴾ مجددين لذلك في كل وقت ﴿إلى الخير﴾ أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير. ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأموراً به مرتين دلالة على جليل أمره وعليّ قدره فقال: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ أي من الدين ﴿وينهون عن المنكر﴾ فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول ﷺ ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين. ولما كان هذا السياق مفهماً لأن التقدير: فإنهم ينالون بذلك خيراً كثيراً، ولهم نعيم مقيم؛ عطف عليه مرغباً: ﴿وأولئك﴾ أي العالون الرتبة العظيمو النفع ﴿هم المفلحون *﴾ حق الإفلاح، فبين أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة.

стр. 1849

ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضاً بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتاً لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا﴾ بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة. ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بيَّن أن الأمر ليس كذلك فقال: ﴿واختلفوا﴾ بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى. ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال: ﴿من﴾ أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من ﴿بعد ما جاءهم﴾ وعظمه بإعرائه عن التأنيث ﴿البينات﴾ أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم. ولما كان التقدير: فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون،

стр. 1850

عطف عليه قوله: ﴿وأولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿لهم عذاب عظيم *﴾ أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع، والآية من الاحتباك: إثبات «المفلحون» أولاً يدل على «الخاسرون» ثانياً، والعذاب العظيم ثانياً يدل على النعيم المقيم أولاً. ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في قوله ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ [آل عمران: ٧٧] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئاً بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم -: ﴿يوم تبيض وجوه﴾ أي بما لها من المآثر الحسنة ﴿وتسود وجوه﴾ بما عليها من الجرائر السيئة ﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾

стр. 1851

بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: ﴿أكفرتم﴾ يا سود الوجوه وعبيد الشهوات! ﴿بعد إيمانكم﴾ بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول المستقيمة من النظر في الدلائل، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود ﴿فذوقوا العذاب﴾ أي الأليم العظيم ﴿بما كنتم تكفرون *﴾ وأنتم تعلمون، فإنكم في لعنة الله ماكثون ﴿وأما الذين ابيضت وجوهم﴾ إشراقاً وبهاء لأنهم آمنوا فأمنوا من العذاب ﴿ففي رحمة الله﴾ أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام الذي هو فعل الراحم. لا في غير رحمته. ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال: هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها لهم في الدنيا والآخرة -: ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿فيها خالدون﴾ فلذا كانوا يؤمنون، فالآية من الاحتباك: إثبات الكفر أولاً دل على إرادة الإيمان ثانياً، وإثبات الرحمة ثانياً دل على حذف اللعنة أولاً.

стр. 1852

ولما حازت هذه الآيات من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال: ﴿تلك آيات الله﴾ أي هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول، ثم استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلاً: ﴿نتلوها﴾ أي نلازم قصها، وزاد في تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال: ﴿عليك﴾ ثم أكد ذلك بقوله: ﴿بالحق﴾ أي ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم وهلاكهم من غير أن نظلم أحداً منهم ﴿وما الله﴾ أي الحائز لجميع الكمال ﴿يريد ظلماً﴾ قلَّ أو جلَّ ﴿للعالمين *﴾ أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم، لأنه متعالٍ عن ذلك، لا يتصور منه وهو غني عنه، لأن له كل شيء. ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالاً على أنه غني عن الظلم بقوله: ﴿ولله﴾ الملك الأعلى ﴿ما﴾ أي

стр. 1853

كل شيء ﴿في السماوات و﴾ كل ﴿ما في الأرض﴾ من جوهر وعرض مِلكاً ومُلكاً. ولما كان المقصود سعة الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال: ﴿وإلى الله﴾ الذي لا أمر لأحد معه ﴿ترجع الأمور﴾ أي كلها، التي فيهما والتي في غيرهما، فلا داعي له إلى الظلم، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء. ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمداً وشكراً ومؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكراً: ﴿كنتم خير أمة﴾ أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً. ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال: ﴿أخرجت للناس﴾ ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله: ﴿تأمرون﴾ أي على سبيل التجدد والاستمرار ﴿بالمعروف﴾ أي كل ما عرفه الشرع وأجازه

стр. 1854

﴿وتنهون عن المنكر﴾ وهو ما خالف ذلك، ولو وصل الأمر إلى القتال، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ إراحة لهم من كلفة النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب، وللترمذي - وقال: حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه يقول في هذه الآية: «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله » وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «أنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام» . ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه

стр. 1855

الذي هو أساس كل خير فقال ﴿وتؤمنون﴾ أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون ﴿بالله﴾ أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته، وارتدت نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً، لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثاً! قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب: روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله ﷺ الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً من هؤلاء - انتهى. ولما كان من المعلوم أن التقدير: وذلك خير لكم، عطف عليه

стр. 1856

قوله: ﴿ولو آمن أهل الكتاب﴾ أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك ﴿لكان﴾ أي الإيمان ﴿خيراً لهم﴾ إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر الثابت. ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً: ﴿منهم المؤمنون﴾ أي الثابتون في الإيمان، ولكنهم قليل ﴿وأكثرهم الفاسقون *﴾ أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم. ولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله: ﴿لن يضروكم﴾ ولما كان الضر- كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس، والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحوال، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام، ثم استثنى منه فقال: ﴿إلا أذى﴾ أي بألسنتهم، وعبر بذلك لتصوير مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة ﴿وإن يقاتلوكم﴾ أي يوماً من الأيام ﴿يولوكم﴾

стр. 1857

صرح بضمير المخاطبين نصاً في المطلوب ﴿الأدبار﴾ أي انهزاماً ذلاً وجبناً. ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلاً عن حكم الجزاء لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيراً بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم -: ﴿ثم لا ينصرون *﴾ أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبداً وإن طال المدى، فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً! لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. ولما أخبر عنهم بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة، وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باقٍ في أعقابهم بأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال مستأنفاً: ﴿ضربت عليهم الذلة﴾ وهي الانقياد كرهاً، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه ﴿أين ما ثقفوا﴾ أي

стр. 1858

وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال ﴿إلا﴾ حال كونهم معتصمين ﴿بحبل﴾ أي عهد وثيق مسبب للأمان، وهو عهد الجزية وما شاكله ﴿من الله﴾ أي الحائز لجميع العظمة ﴿وحبل من الناس﴾ أي قاطبة: الذي آمنوا وغيرهم، موافقٍ لذلك الحبل الذي من الله . ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال: ﴿وبآءو﴾ أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح ﴿بغضب من الله﴾ الملك الأعظم، ملازمٍ لهم، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال: ﴿وضربت﴾ أي مع ذلك ﴿عليهم﴾ أي كما يضرب البيت ﴿المسكنة﴾ أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل، فكأنه قيل: لم استحقوا ذلك؟ فقيل: ﴿ذلك﴾ أي الإلزام لهم بما ذكر ﴿بأنهم﴾ أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم ﴿كانوا يكفرون﴾ أي يجددون الكفر مع الاستمرار ﴿بآيات الله﴾ اي

стр. 1859

الملك الأعظم الذي له الكمال كله، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم ﴿ويقتلون الأنبياء﴾ أي الآتين من عند الله حقاً على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير، فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة الحكمة. ولما كانوا معصومين ديناً ودنيا قال: ﴿بغير حق﴾ أي يبيح قتلهم؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الكفر والقتل العظيمان ﴿بما عصوا وكانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يعتدون *﴾ أي يجددون تكليف أنفسهم الاعتداء، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر، فقال الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر، والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآن، قال في السفر الثاني: وقال الله سبحانه

стр. 1860

وتعالى جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة أخرى، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي.
следующие страницы →