Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
والله لا ينساه.
стр. 1962
ولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال مبيناً للذين نافقوا: ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾ أي لأجل إخوانهم والحال أنهم قد أسلموهم ﴿وقعدوا﴾ أي عنهم خذلاناً لهم ﴿لو أطاعونا﴾ أي في الرجوع ﴿ما قتلوا﴾ ولما كان هذا موجباً للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت ﴿فادرءوا﴾ أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا ﴿عن أنفسكم الموت﴾ أي حتى لا يصل إليكم أصلاً ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في أن الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه.
ولما أزاح العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر، فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام
стр. 1963
من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه، كما أشار إليه قوله في البقرة ﴿ولكن لا تشعرون﴾ [البقرة: ١٥٣] فقال تعالى عاطفاً على قل محبباً في الجهاد، إزالة لما بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا﴾ أي وقع لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها ﴿في سبيل الله﴾ أي الملك الأعظم، والله أعلم بمن يقتل في سبيله ﴿أمواتاً﴾ أي الآن ﴿بل﴾ هم ﴿أحياء﴾ وبين زيادة شرفهم معبراً عن تقربهم بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي المحسن إليهم في كل حال، فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله ﴿يرزقون *﴾ أي رزقاً يليق بحياتهم ﴿فرحين بما آتاهم الله﴾ أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير ﴿من فضله﴾ لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه، فأعلمنا بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى، وبقيت لهم
стр. 1964
حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره، فلا غفلة لهم، فكان ذلك مذهباً لحزن من خلفوه ومرغباً لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم، وهذا - والله أعلم - معنى الشهادة، أي أنهم ليست لهم حال غيبة، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلاً كذلك.
ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال: ﴿ويستبشرون﴾ أي توجد لهم البشرى وجوداً عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا ﴿بالذين لم يلحقوا بهم﴾ أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم بين ذلك بقوله: ﴿من خلفهم﴾ أي في الدنيا. ثم يبن المبشر به فقال: ﴿ألاّ خوف عليهم﴾ أي على إخوانهم في آخرتهم ﴿ولا هم يحزنون *﴾ أي أصلاً، لأنه لا يفقد منه شيء، بل هم كل لحظة في زيادة، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك، لأن السبب واحد، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة.
ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد مَنّ فقال: ﴿يستبشرون بنعمة من الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام، كبيرة
стр. 1965
﴿وفضل﴾ أي منه عظيم ﴿وأن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره ﴿لا يضيع أجر المؤمنين *﴾ أي منهم ومن غيرهم، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء.
ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه ﷺ إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال: ﴿الذين استجابوا﴾ أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان ﴿لله والرسول﴾ أي لا لغرض مغنم ولا غيره، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان -: ﴿من بعد ما أصابهم القرح﴾ .
ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملاً على التحلي بها عند المدح قال : ﴿للذين أحسنوا﴾ وعبر بما يصلح للبيان
стр. 1966
والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال: ﴿منهم واتقوا أجر عظيم *﴾ وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا: إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، أو غزوة بدر الموعد، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري: إن النبي ﷺ خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله، وإلا فليس كذلك، وأما في حمراء الأسد فإن النبي ﷺ بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أُحد - بطلب العدو وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس، فأجابوا بالسمع والطاعة، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم، ولم يتخلف منهم أحد، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله ﷺ في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
стр. 1967
فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة.
قال الواقدي: ودعا رسول الله ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس، فدفعه إلى علي ﵁، ويقال: إلى أبي بكر ﵁، وخرج رسول الله ﷺ ورأسه مشجوج وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد سقطت، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان بأبي هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله ﷺ المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعتين، فدعا بفرسه على باب المسجد، وتلقاه طلحة ﵁ وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير، فإذا رسول الله ﷺ عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال: يا طلحة سلاحك! قال: قلت: قريب، قال: فأخرج، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1968
مني بجراحي، ثم أقبل رسول الله ﷺ على طلحة فقال: «أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسيالة، قال رسول الله ﷺ : ذلك الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا!» ومضى رسول الله ﷺ في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد، قال جابر ﵁: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة ﵁ ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء، وكان رسول الله ﷺ يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل ناراً، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح - قال الواقدي: جاء سعد بن معاذ ﵁ والجراح في الناس فاشية، عامة بني عبد الأشهل جريح، بل كلهم ﵃! فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1969
يأمركم أن تطلبوا عدوكم، قال: يقول أسيد بن حضير ﵁ وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: سمعاً وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه ولحق برسول الله ﷺ ؛ وجاء سعد بن عبادة ﵁ قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير، فلبسوا ولحقوا، وجاء أبو قتادة ﵁ أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال: هذا منادي رسول الله ﷺ يأمركم بطلب العدو، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم ﵃! فخرج من بني سلمة ﵃ أربعون جريحاً، وبالطفيل بن النعمان ﵁ ثلاثة عشر جرحاً، وبقطبه بن عامر بن حديدة ﵁ تسع جراحات حتى وافوا النبي ﷺ ببئر أبي عتبة إلى رأس الثنية عليهم السلاح، قد صفوا لرسول الله ﷺ ، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال:
«اللهم ارحم بني سلمة!» وحدث ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل ﵄ كان بهما جراح كثيرة،
стр. 1970
فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه: والله إن تركنا غزوة مع رسول الله ﷺ لغَبنا والله ما عندنا دابة نركبها وما ندري كيف نصنع! قال عبد الله: انطلق بن، قال رافع: لا والله ما بي مشي! قال أخوه: انطلق بنا نتجارّ، فخرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله ﷺ عند العشاء وهو يوقدون النيران، فأتى بهما رسول الله ﷺ وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال: «ما حبسكما؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخير وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم» وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن طريقه الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال: كان رسول الله ﷺ قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من
стр. 1971
أصحابه ﵃، وكان الخيل عشرة قال الواقدي: وأصحاب رسول الله ﷺ أكثر أهل الموسم: يا محمد! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم! فقال رسول الله ﷺ «ليرفع ذلك إلى عدوه: ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا، فقال الضمري: بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك» .
стр. 1972
ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة ﵃ صدقاً لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ عليه الخلائق، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس، كان التعبير - بصيغة في قوله: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ أي نعيم أو ركب عبد القيس ﴿إن الناس﴾ يعني قريشاً ﴿قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ أمدح للصحابة ﵃ من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه.
стр. 1973
ولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى: ﴿فزادهم﴾ أي هذا القول ﴿إيماناً﴾ لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله ﴿وقالوا﴾ ازدراء بالخلائق اعتماداً على الخالق ﴿حسبنا﴾ أي كافينا ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا. ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال: ﴿ونعم الوكيل *﴾ أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس ﵄ قال: «هذه الكلمة قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم. وقال: كان آخر كلمة قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» . ولما كان اعتمادهم على الله سبباً لفلاحهم قال ﴿فانقلبوا﴾ أي فكان ذلك سبباً لأنهم انقلبوا، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي ﷺ ﴿بنعمة﴾ وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال: ﴿من الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿وفضل﴾
стр. 1974
أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه. عند ربهم حال كونهم ﴿لم يمسسهم سوء﴾ أي من العدو خوفوه ولا غيره ﴿واتبعوا﴾ أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله ﷺ بغاية جهدهم ﴿رضوان الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله ﴿والله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿ذو عظيم *﴾ أي في الدارين على من يرضيه، فستنظرون فوق ما تؤملون، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيراً.
ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم مَن كيده ضعيف وأمره هين خفيف واهٍ سخيف وهو الشيطان، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم
стр. 1975
الشيطان فقال التفاتاً إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم: ﴿إنما ذلكم﴾ أي القائل الذي تقدم أنه الناس ﴿الشيطان﴾ أي الطريد البعيد المحترق.
ولما نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور، كان كأنه قيل: فماذا عساه يصنع؟ فقال: ﴿يخوف﴾ أي يخوفكم ﴿أولياءه﴾ لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت.
ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال: ﴿فلا تخافوهم﴾ أي لأن وليهم الشيطان ﴿وخافون﴾ أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبداً عن رسولي ﴿إن كنتم مؤمنين *﴾ أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان.
ولما مدح المسارعين في طاعته وطاعة رسوله ﷺ وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان،
стр. 1976
أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم.
ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد، ثم المقاتلين القائلين: هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود، ثم من استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين، وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبِين، ويقدح في رجاء قصر مدته، ويوجب الحزن على ذلك، قال تعالى قاصراً الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون﴾ أي يسرعون إسراع من يسابق خصماً ﴿في الكفر﴾ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنهم لن يضروا الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿شيئاً﴾ أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به، وحذف المضاف تفخيماً له وترغيباً فيه حيث جعله هو المضاف إليه.
ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جواباً: ﴿يريد الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿ألاّ يجعل لهم حظاً﴾ أي نصيباً ﴿في الآخرة﴾ ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله: ﴿ولهم عذاب عظيم *﴾ قد عم
стр. 1977
جميع ذواتهم، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم.
ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله: ﴿إن الذين اشتروا الكفر﴾ أي فأخذوه ﴿بالإيمان﴾ أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: ﴿لن يضروا الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿شيئاً﴾ لما يريد من الإعلاء للإسلام وأهله، وختمها بقوله: ﴿ولهم عذاب أليم *﴾ لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد.
ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سبباً للإملاء لهم قال : ﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ أي بالله ورسوله ﴿إنما نملي﴾ أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا ﴿لهم خير لأنفسهم﴾ ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال: ﴿إنما نملي لهم﴾ أي استدراجاً ﴿ليزدادوا إثماً﴾ وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، فإذا بلغ النهاية أوجب
стр. 1978
الأخذ. ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال : ﴿ولهم عذاب مهين *﴾ .
стр. 1979
ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض، وهو أعم مما بالرجوع، جاء نظم الآيات على ذاك؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز المخلص فعلاً أو قولاً من غيره، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيراً بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه ﷺ وعلو درجته لديه وعظيم قربه منه : ﴿ما كان الله﴾ أي مع ما له من صفات الكمال.
ولما كان ترك التمييز غير محمود، عبر بفعل الوذر، وأظهر موضع الإضمار لإظهار شرف الوصف تعظيماً لأهله فقال: ﴿ليذر المؤمنين﴾ أي الثابتين في وصف الإيمان ﴿على ما أنتم عليه﴾ من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من الذين آمنوا على حال الإشكال
стр. 1980
للاقتناع بدعوى اللسان دليلاً على الإيمان ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة وأحوال شيديدة، لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد، المخلصون في الاعتقاد ﴿وما كان الله﴾ لاختصاصه بعلم الغيب ﴿ليطلعكم على الغيب﴾ أي وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم ﴿ولكن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿يجتبي﴾ أي يختار اختياراً بليغاً ﴿من رسله من يشاء﴾ أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال: ﴿فأمنوا بالله﴾ أي في عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى ﴿ورسله﴾ في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه.
ولما كان التقدير: فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم الأليم المهين، عطف عليه قوله: ﴿وإن تؤمنوا﴾ أي بالله
стр. 1981
ورسله ﴿وتتقوا﴾ أي بالمداومة على الإيمان وما يقتضيه من العمل الصالح ﴿فلكم أجر عظيم *﴾ أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئاً كما تقدم وعدكم به.
ولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر: أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك. وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال، وكان الله قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله، ذم الله الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال راداً الخطاب إليه ﷺ لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد: ﴿ولا تحسبن﴾ أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله: ﴿الذين يبخلون﴾ أي عن الحقوق الشرعية ﴿بما آتاهم الله﴾ أي بجلاله وعز كماله ﴿من فضله﴾ أي لا لاستحاقهم له ببخلهم ﴿هو خيراً لهم﴾ أي لتثمير المال بذلك
стр. 1982
﴿بل هو﴾ أي البخل ﴿شر لهم﴾ لأنهم مع جعل الله البخل مَتلفة لأموالهم ﴿سيطوقون﴾ أي يفعل من يأمره بذلك كائناً من كان بغاية السهولة عليه ﴿ما يخلوا به﴾ أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقاً بأن يجعله شجاعاً أي حية عظيمة مهولة، تلزم الإنسان منهم، محيطة بعنقه، تضربه في جانبي وجهه ﴿يوم القيامة﴾ لأن الله يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم فيه، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذاباً عليهم، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك! أنا كنزك! - ثم تلا هذه الآية» . ولما كان هذا طلباً منهم للإنفاق، وكان الطالب منا محتاجاً إلى ما يطلبه، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفاً على ما تقديره: لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم: ﴿ولله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿ميراث السماوات والأرض﴾ أي اللذين هذا مما فيهما، بأن يعيد جميع الأحياء وإن
стр. 1983
أملى لهم، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض، ويكون هو الوارث لذلك كله.
ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى، وكان البخل من الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم بقوله: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم. ولما كان منصب النبي ﷺ الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة في قراءتهما، وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق: ﴿بما تعملون خبير *﴾ .
ولما كان العمل شاملاً لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر الأركان قال - دالاًّ على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهدة البخل إلى حضيض القبح مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياساً على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج -: ﴿لقد سمع الله﴾ أي الذي له جميع الكمال ﴿قول الذين قالوا﴾ أي من اليهود ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿فقير﴾
стр. 1984
أي لطلبه القرض ﴿ونحن أغنياء﴾ لكونه يطلب منا، وهذا رجوع منه إلى إتمام ما نبه عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى الأساليب.
ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة، وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال مهدداً لهم مشيراً إلى أنه على غير ذلك: ﴿سنكتب﴾ أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا ﴿ما قالوا﴾ أي من هذا الكفر وأمثاله، والسين للتأكيد، ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث على التوبة قبل ختم رتب الشهادة، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان.
ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيراً بإضافة المصدر إلى ضميرهم، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد الناس تمرداً تمرناً على ارتكاب العظائم، وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقاً -: ﴿وقتلهم الأنبياء﴾
стр. 1985
أي الذي أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم، ولما لم يكن في قتلهم شبهة أصلاً يقال: ﴿بغير حق﴾ فهو أعظم ذمّاً مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ [آل عمران: ١١٢] . ثم عطف على قوله ﴿سنكتب﴾ قوله: ﴿ونقول﴾ أي بما لنا من الجلال ﴿ذوقوا﴾ أي بما نمسكم به من المصائب في الدنيا والعقاب في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها فلا تؤدون حقوقها ﴿عذاب الحريق *﴾ جزاء على ما أحرقتم به قلوب عبادنا، ثم بين السبب فيه بقوله: ﴿ذلك﴾ أي العذاب العظيم ﴿بما قدمت أيديكم﴾ أي من الكفر بقتلهم وبغيره ﴿وأن﴾ أي وبسبب أن ﴿الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿ليس بظلام﴾ أي بذي ظلم ﴿للعبيد *﴾ ولو لم يعذبكم لكان ترككم على صورة الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم.
ولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن نظم آية القربان هنا بقوله - رادّاً شبة لهم أخرى ومبيناً قتلهم الأنبياء: ﴿الذين قالوا﴾ تقاعداً عما يجب عليهم من المسارعة بالإيمان ﴿إن الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿عهد إلينا﴾ وقد كذبوا في ذلك ﴿ألا نؤمن لرسول﴾ أي كائن من كان
стр. 1986
﴿حتى يأتينا بقربان﴾ أي عظيم نقربه لله تعالى، فيكون متصفاً بأن ﴿تأكله النار﴾ عند تقريبه له وفي ذلك أعظم بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم ﴿إن الله فقير﴾ حيث طلب الصدقة - إلا التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من دينهم لاذي يتقربون إلى الله به، بل وادعوا أنه لا يصح دين بغيره.
ولما افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله: ﴿قل قد جاءكم رسل﴾ فضلاً عن رسول. ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال ﴿من قبلي﴾ كزكريا وابنه يحيى وعيسى ﵇ ﴿بالبينات﴾ أي من المعجزات ﴿وبالذي قلتم﴾ أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما في الصحيح - لأحد كان قبلنا، فلم تحل لعيسى ﵇ فلم تكن مما نسخه من أحكام التوراة، وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع فيها غلول ﴿فلم قتلتموهم﴾ أي
стр. 1987
قتَلَهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك فشاركتموهم فيه ﴿إن كنتم صادقين *﴾ أي في أنكم تؤمنون لمن أتاكم على الوجه الذي ذكرتموه، وفي ذلك رد على الفريقين: اليهود المدعين أنهم قتلوه الزاعمين أنه عهد إليهم في الإيمان بمن أتاهم بذلك، والنصارى المسلمين لما ادعى اليهود من قتله المستلزم لكونه ليس بإله.
стр. 1988
ولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم الذي جعلوه قراطيس، يبدونها ويخفون كثيراً، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ما يقتضي تصديقه ﷺ وكان سبحانه عالماً بأن أكثرهم يعاندون سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله: ﴿فإن كذبوك﴾ فكان كأنه قيل: هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك، فإن لم يفعلوا بل كذبوا ﴿فقد﴾ ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء
стр. 1989
والكفر وعدم الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد، والرسل متفقون عليه، وقد أتى كل منهم فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما دلت على نوع ضعف فقال: ﴿كذب رسل﴾ ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في الزمان أشد أثبث الجار فقال ﴿من قبلك﴾ أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة ﴿جآءو بالبينات﴾ أي من المعجزات ﴿والزبر﴾ أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي ﴿والكتاب المنير﴾ أي الجامع للأحكام وغيرها. الموضح لأنه الصراط المستقيم.
ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ظفر الكافرين، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٥٧] ﴿قل فادرءوا عن أنفسكم الموت﴾ [آل عمران: ١٦٨] ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٦٩] وغير ذلك مما
стр. 1990
بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل، فكان ذلك محققاً لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام، مضموماً إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة؛ صوَّر ذلك الموت بعد أن صار مستحضراً للعيان تصويراً أوجب التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى: ﴿كل نفس﴾ أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار ﴿ذآئقة الموت﴾ أي وهو المعنى الذي يبطل معه تصرف الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيّاَ حساساً، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار، وهو عبد محتاج، فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن، وذلك مناسب أيضاً لختم الآية بالتصريح
стр. 1991
لتوفية الأجور يوم الدين، وأن الزحزحة عن النار ودخول الجنة لهو الفوز، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما كان سبباً لامتداد العمر وسعة المال بقوله: ﴿وإنما توفون﴾ أي تعطون ﴿أجوركم﴾ على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر ﴿يوم القيامة﴾ وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء ﴿فمن زحزح﴾ أي أبعد في ذلك اليوم إبعاداً عظيماً سريعاً ﴿عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي.
والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم، وكذا من أطاعك، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار، وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا، وذلك ترهيباً من الالتفات إلى تعجل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر ﵁ في أول إسلامه: وجدت بضاعة بنسيئة، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها، وهي لا إله إلا الله. فالحاصل أن «كل نفس» أي حذرة من الموت ومستسلمة ﴿ذائقة الموت﴾ أي فعلام الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو! ﴿وإنما توفون أجوركم﴾ أي يا أهل الإسلام التي وعدتموها على الأعمال الصالحة
стр. 1992
﴿يوم القيامة﴾ أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا ﴿فمن﴾ أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله تسبب عن ذلك أنه من ﴿زحزح عن النار﴾ أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته ﴿وأدخل الجنة﴾ أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات الباقية ﴿فقد فاز﴾ أي كل الفوز، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله: ﴿وما الحياة الدنيا﴾ أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء ﴿إلا متاع الغرور *﴾ أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها.
وفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر، وهو أنه لما سلاه بالرسل - الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم. وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه ، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام الهلاك؛ أخبر أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ أي إن الذي فررتم
стр. 1993
منه لا بد منه، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه.
ولما سلى الله نبيه ﷺ عن تكذيبهم لما بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه، فيفوز من كان من أهل حزبه، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء، هذا طبع البشر وإن تطبّع بخلافه، وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء لا كونه من جهة معينة -: ﴿لتبلون﴾ أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق ﴿في أموالكم﴾ أي بأنواع الإنفاق ﴿وأنفسكم﴾ أي بالإصابة في الجهاد وغيره، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل
стр. 1994
الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به من كل ما يأمر به من التكاليف، أو يأذن فيه من المصائب، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده من أفعال المكارم، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال، وكان ذكرها تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار.
ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص، وكان ربما أطمع في العافية بعده، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله، وليس ذلك من أخلاق المشمرين أراد توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار من الأثقال والآصار، فأخبر أن البلاء لم ينقص به، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار، ورغب في شعار المتقين: الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال: ﴿ولتسمعن﴾ أي بعد هذا اليوم ﴿من الذين﴾ ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول
стр. 1995
قوله: ﴿أوتوا الكتاب﴾ ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال: ﴿من قبلكم﴾ أي من اليهود والنصارى ﴿ومن الذين أشركوا﴾ أي من الأميين ﴿أذى كثيراً﴾ أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها ﴿وإن تصبروا﴾ أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره ﴿وتتقوا﴾ أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف ﴿فإن ذلك﴾ أي الأمر العالي الرتبة ﴿من عزم الأمور *﴾ أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها، ولا يتردد فيه، ولا يعوق عنه عائق، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله:
﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ [آل عمران: ١١٨] إلى أن ختم بقوله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور.
ولما قدم في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق، ثم أخبر بقوله: ﴿قد جائكم رسل من قبلي﴾ [آل عمران: ١٨٣] ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك﴾ [آل عمران: ١٨٤] أن النبيين وفوا بالعهد، وأن كثيراً من أتباعهم خان؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على
стр. 1996
مضمون الآية التي قبلها، وكأنه قيل: فاذكروا قولي لكم ﴿لتبلون﴾ واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذ الله﴾ الذي لا عظيم إلا هو ﴿ميثاق الذين﴾ .
ولما كانت الخيانة من العالم أشنع، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم كافياً في ذلك بنى للمجهول قوله: ﴿أوتوا الكتاب﴾ أي في البيان، فخافوا فما آذوا إلا أنفسهم، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع، أو يكون التقدير: واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم، واصبروا لتفوزوا، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار.
هذا ما كان ظهر لي أولاً، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه وخوّف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها
стр. 1997
دليلاً عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه؛ عطف على «إذا» المقدرة لعطف ﴿وإذا غدوت﴾ [آل عمران: ١٢١] عليها - قوله: ﴿وإذا أخذ الله﴾ أي اذكروا ذلك يدلكم على عداوتهم، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ ﴿ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله: ﴿ليبيننه﴾ أي الكتاب ﴿للناس ولا يكتمونه﴾ أي نصيحة منهم لله ولرسوله ﷺ ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به ﴿فنبذوه﴾ أي الميثاق بنبذ الكتاب ﴿ورآء ظهورهم﴾ حسداً لكم وبغضاً، وهو تمثيل لتركهم العمل به، لأن من ترك شيئاً وراءه نسيه ﴿واشتروا به﴾ ولما كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلاً على العكس مما بذلوه على أنه ثمن، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله: ﴿ثمناً﴾ وزاد في بيان سفههم بقوله: ﴿قليلاً﴾ أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم ﴿فبئس ما يشترون *﴾ أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار
стр. 1998
الباقية، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاماً بلجاجهم فيه، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج.
ولما أخبر بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم، فهم أهل الاقتداء بهم؛ قال مخبراً عن مآلهم تحذيراً من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء: ﴿لا تحسبن﴾ على قراءة الجماعة بالغيب ﴿الذين يفرحون بما آتوا﴾ أي مما يخالف ظاهره باطنه. وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك، أي لا يحسبن أنفسهم، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير ﴿ويحبون أن يحمدوا﴾ أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم ﴿بما لم يفعلوا﴾ أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه، قال ابن هشام في السيرة: أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يتحملوهم على هدى ولا حق.
ولما تسبب عن ذلك العلمُ بهلاكهم قال: ﴿فلا تحسبنهم﴾ أي تحسبن أنفسهم، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء
стр. 1999
وعلى قراءة الجماعة المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر ﴿بمفازة من العذاب﴾ بل هم بمهلكة منه ﴿ولهم عذاب أليم *﴾ .
стр. 2000
ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل «يحسب» فقال تعالى: ﴿ولله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال وحده ﴿ملك السماوات والأرض﴾ أي لا يقع في فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إليه، وله ما لا تبلغه قُدَرُهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط ﴿والله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿على كل شيء قدير *﴾ وهو شامل القدرة، فمن كان في ملكه كان في قبضته، ومن كان في قبضته كان عاجزاً عن التفصي عما يريد به، لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة.
ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب، لأن المقصود الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم، وذلك هو اتباع الملة الحنيفية، وهو متوقف على صدق النبي ﷺ ، فبدأ السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه - مع الإعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي -
следующие страницы →