Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
لإحسانهم ﴿والله﴾ المحيط بصفات الكمال ﴿يحب المحسنين *﴾ كلهم، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضاً، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال: ﴿نؤته منها﴾ [آل عمران: ١٤٥] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة ﵃ على طريقة اللف والنشر المشوش، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ [آل عمران: ١٤٣] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم ﴿ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ [آل عمران: ١٣٥] وثبات الإقدام إشارة إلى ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلاً لهم عن الالتفات إلى غيره، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ [آل عمران: ١٤٥] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، لأن علمه محيط، وكرمه لا يحد، وخزائنه لا تنفد، بل
стр. 1927
لا تنقص، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة، ولا ريب أن في مدح من سواهم تهييجاً زائداً لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عوداً واثبت عموداً وأربط جأشاً وأذكر لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم.
ولما أمر بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته للمحسنين، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا صرتهم فقال تعالى واصلاً بالنداء في آية الربا: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿إن تطيعوا﴾ بخضوع واستئمان أو غيره ﴿الذين كفروا﴾ أي هذا الفريق منهم أو غيره ﴿يردوكم على أعاقبكم﴾ بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين
стр. 1928
﴿فتنقلبوا خاسرين *﴾ في جميع أموركم في الدارين، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب﴾ [آل عمران: ١٠٠] ، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - والله الموفق.
ولما كان التقدير: فلا تطيعوهم، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقاً ما دمتم مؤمنين، عطف عليه قوله: ﴿بل الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿مولاكم﴾ مخبراً بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله: ﴿وهو خير الناصرين *﴾ أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان فمنع غيره - كائناً من كان - من إذلاله ثم قرر ذلك بقوله محققاً للوعد: ﴿سنلقي﴾ أي بعظمتنا ﴿في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين، ثم بين سبب ذلك فقال: ﴿بما أشركوا بالله﴾ أي ليعلموا
стр. 1929
قطعاً أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له، وبين بقوله: ﴿ما لم ينزل﴾ أي في وقت من الأوقات ﴿به سلطاناً﴾ أنه لا حجة لهم في الإشراك، وما لم ينزل به سلطاناً فلا سلطان له، ومادة سلط ترجع إلى القوة، ولما كان التقدير: فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به، عطف عليه: ﴿ومأواهم النار﴾ ثم هوّل أمرها بقوله: ﴿وبئس مثوى الظالمين *﴾ أي هي، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف.
ولما كانت السين في ﴿سنلقي﴾ مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] ، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ [آل عمران: ١٢٣] كما مضى -: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ أي في قوله ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذ تحسونهم﴾ أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم ﴿بإذنه﴾ فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال - قاله في القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون
стр. 1930
رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحسن: ﴿حتى إذا فشلتم﴾ أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
طوراً يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرموم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
وقال يفاخر بقومه كلهم:
إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال
ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: ﴿وتنازعتم﴾ أي بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئاً من
стр. 1931
يد بعض ﴿في الأمر﴾ أي أمر الثغر المأمور بحفظه ﴿وعصيتم﴾ أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر. وأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء، وتبشيراً بزوالها فقال: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم.
ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها. ولما كان حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال: ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ وهم الثابتون في مراكزهم، لما يعرجوا على الدنيا.
ولما كان التقدير جواباً لإذا: سلطهم عليكم، عطف عليه قوله: ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة ﴿ليبتليكم﴾ أي يفعل في ذلك فعل من يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء. ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج
стр. 1932
للقلوب عطف على قوله ﴿صرفكم﴾ ﴿ولقد عفا عنكم﴾ أي تفضلاً عليكم لإيمانكم ﴿والله﴾ الذي له الكمال كله ﴿ذو فضل على المؤمنين *﴾ أي كافة، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف.
стр. 1933
ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوّره فقال: ﴿إذ﴾ أي صرفكم وعفا عنكم حين ﴿تصعدون﴾ أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة، أو تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفاً من القتل ﴿ولا تلوون﴾ أي تعطفون ﴿على أحد﴾ أي من قريب ولا بعيد ﴿والرسول﴾ أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية ﴿يدعوكم في أخراكم﴾ أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بوعد الله ومراقبة له يقول كلما مرت عليه جماعة منهزمة: «إليّ عباد الله! أنا رسول الله! إليّ إليّ عباد الله» كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي
стр. 1934
وعدو عدماً؛ وإنما قلت: إن معنى ذلك الانهزام، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، ولم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلاً.
ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى: ﴿فأثابكم﴾ أي جعل لكم ربكم ثواباً ﴿غماً﴾ أي باعتقادكم قتل الرسول ﷺ . وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً ﴿بغم﴾ أي كان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور حين تبين أنه خبر كاذب، وأن النبي ﷺ سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة، فهو من الدواء بالداء، ثم علله بقوله: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ أي من النصر والغنيمة ﴿ولا ما أصابكم﴾ أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك
стр. 1935
بالسرور بحياة الرسول ﷺ .
ولما قص عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره: فالله خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم -: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿خبير بما تعملون *﴾ أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها، وبما يصلح من جزائه ودوائه، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالدواء، لأنه الفاعل القادر المختار.
ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيداً، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله: ﴿ثم أنزل عليكم﴾ ولما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن، وكان متصلاً بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال: ﴿من بعد الغم﴾ أي المذكور وأنتم في نحر العدو ﴿أمنة﴾ أي أمناً عظيماً، ثم ابدل منها تنبيهاً على ما فيها من الغرابة قوله: ﴿نعاساً﴾ دليلاً قطعياً فإنه لا يكون إلا من أمن؛ روي البخاري في التفسير عن أنس ﵁ أن أبا طلحة رضي الله عنه
стр. 1936
قال:
«غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه» ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله: ﴿يغشى طائفة منكم﴾ وهم المؤمنون، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله: ﴿وطائفة﴾ أي أخرى من المنافقين ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون خلاصها، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلاً لاتصال رعبهم وشدة جزعهم، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور، ثم فسر همهم فقال: ﴿يظنون بالله﴾ المحيط بصفات الكمال ﴿غير الحق﴾ أي من أن نصره بعده هذا لا يمكن، أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد، ونحو ذلك من سفساف الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام ﴿ظن الجاهلية﴾ أي الذين لا يعلمون - من عظمة الله بأن ما أراده كان ولا يكون غيره - ما يعلم أتباع الرسل. ثم فسر الظن بقوله: ﴿يقولون﴾ أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشباً وتاسفاً على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبيّ بعد أن خرجوا ﴿هل لنا من الأمر﴾ أي المسموع، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله: ﴿من شيء﴾ فكأنه قيل: فماذا يقال لهم؟ فقيل: ﴿قل﴾ أي لهم رداً عليهم احتقاراً
стр. 1937
بهم ﴿إن الأمر﴾ أي الحكم الذي لا يكون سواه ﴿كله لله﴾ أي الذي لا كفوء له، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء، شئتم أو أبيتم، غزوتم أو قعدتم، ثبتم أو فررتم.
ولما قص عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله: ﴿إن يمسسكم قرح﴾ [آل عمران: ١٤٠] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله، حتى وصل إلى هنا، وكان قولهم هذا غير صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر بتدليسهم بقوله: ﴿يخفون﴾ أي يقولون ذلك مخفين ﴿في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر﴾ أي المسموع ﴿شيء ما قتلنا ههنا﴾ لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو.
ولما أخبر عنهم بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من القدر أمره بالرد عليهم بقوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ أي بعد أن أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم
стр. 1938
أحد ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل﴾ أي في هذه الغزوة ﴿إلى مضاجعهم﴾ أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها، لأن ما قدرناه لا يمكن أحداً دفعه بوجه من الوجوه، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله: ﴿ليبتلي﴾ أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر: إن فاديتم الأسارة ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم ﴿وليبتلي الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري ﴿ما في صدوركم﴾ أي من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها. وختم بقوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليم بذات الصدور *﴾ مرغباً ومرهباً ودافعاً لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا.
ولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم، لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك، عفا عنهم سبحانه
стр. 1939
وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من التأمين صريحاً، وبما فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحاً إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه الآية. لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء الله .
стр. 1940
ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار، خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفاً لبيان ما هو من ثمرات العلم: ﴿إن الذين تولوا منكم﴾ أي عن القتال ومقارعة الأبطال ﴿يوم التقى الجمعان﴾ أي من المؤمنين والكفار ﴿إنما استزلّهم﴾ أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي ﴿الشيطان﴾ أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة ﴿ببعض ما كسبوا﴾ أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك، فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال،
стр. 1941
فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر.
ولما كان ذلك مفهماً أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله: ﴿ولقد عفا الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿عنهم﴾ لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيداً للاسم الأعظم تنبيهاً على أن الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال: ﴿إن الله غفور﴾ أي محاء للذنوب عيناً وأثراً. ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله: ﴿حليم *﴾ أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا.
ولما كان قولهم: إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما «كان رأي رسول الله ﷺ والأكابر من أصحابه» لسلمنا، إلى غير ذلك مما أشار إليه قولاً موجباً لغيظ رسول الله ﷺ . لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيراً من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم
стр. 1942
وتعاظم أسفهم عليهم. كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر، ولما كان الرسول ﷺ مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾ أي بقلوبهم على وجه الستر ﴿وقالوا﴾ أي ما فضحهم ﴿لإخوانهم﴾ أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسباً أو مذهباً ﴿إذا ضربوا﴾ أي سافروا مطلق سفر ﴿في الأرض﴾ أي لمتجر أو غيره ﴿أو كانوا غزّى﴾ أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره جمع غازٍ، فماتوا أو قتلوا ﴿لو كانوا عندنا﴾ أي لم يفارقونا ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ وهذا في غاية التهكم بهم، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا يقوله عاقل
ولما كان هذا القول محزناً اعتقاده وكتمانه علق بقوله: «قالوا» وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله: ﴿ليجعل الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿ذلك﴾ أي القول أو الانفراد به عن مشارك
стр. 1943
﴿حسرة في قلوبهم﴾ أي باعتقاده وعدم المواسي فيه وعلى تقدير التعليق ب «قالوا» يكون من باب التهكم بهم لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلاً وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء ﴿والله﴾ أي لا تكونوا مثلهم والحال.
أو قالوا ذلك والحال. أن الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يحيي﴾ أي من أراد في الوقت الذي يريد ﴿ويميت﴾ أي من أراد إذا أراد لا يغني حذره من قدره ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء قدره وعلماً ﴿بما تعملون﴾ أي بعملكم وبكل شيء منه ﴿بصير *﴾ وعلى كل شيء منه قدير لا يكون شيء منه بغير إذنه ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه.
ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء وكراهة الموت بيّن لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ذلك مبعداً لهم مما قال المنافقون موجباً لتسليم الأمر للخالق بل محبباً فيه وداعياً إليه فقال: ﴿ولئن﴾ وهو حال أخرى من لا «تكونوا» ﴿قتلتم﴾ أي من أية قاتل كان ﴿في سبيل الله﴾
стр. 1944
أي الملك الأعظم قتلاً ﴿او متم﴾ أي فيه موتاً على أية حالة كانت. ولما كان للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال: ﴿لمغفرة﴾ أي لذنوبكم تنالكم فهذا تعبد بالخوف من العقاب ﴿من الله﴾ أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من طاعة ﴿ورحمة﴾ أي لأجل ذلك وهو تعبد لطلب الثواب ﴿خير مما يجمعون *﴾ أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء مع أنه ما فاتكم شيء من أعماركم.
стр. 1945
ولما ذكر أشرف الموت بادئاً بأشرفه ذكر ما دونه بادئاً بأدناه فقال: ﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل ﴿لإلى الله﴾ أي الذي هو متوفيكم لا غيره، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد لذاته. ودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال: ﴿تحشرون *﴾ فإن كان ذلك الموت أو القتل على طاعته أثابكم وإلا عاقبكم، والحاصل أنه لا حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات: قتل أو غيره، ولا في الحشر إليه ، وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ففيه حيلة بالطاعة. والله الموفق. وما أحسن ما قال عنترة في نحوه وهو
стр. 1946
جاهلي، فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
ولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي ﷺ فيما فعل بهم من الرفق والللين مع ما سبب الغضب الموجب للعنف والسطوة من اعتراض من اعترض على ما أشار به، ثم مخالفتهم لأمره في حفظ المركز والصبر والتقوى، ثم خذلانهم له وتقديم أنفسهم على نفسه الشريفة، ثم عدم العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر بإقبالهم عليه، ثم اتهام من اتهمه. إلى غير ذلك من الأمور التي توجب لرؤساء الجيوش وقادة الجنود اتهام أتباعهم وسوء الظن بهم الموجب للغضب والإيقاع ببعضهم ليكون ذلك زاجراً لهم عن العود إلى مثله فقال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لنت لهم﴾ أي ما لنت لهم هذا اللين الخارق للعادة ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك إلا بسبب رحمة عظيمة من
стр. 1947
الله الحائز لجميع الكمال، فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم بانهزامهم عنك بعد إذ خالفوا رأيك، وهم كانوا سبباً لاستخراجك؛ والذي اقتضى هذا الحصر هو ما لأنها نافية في سياق الإثبات فلم يمكن أن توجه إلا إلى ضد ما أثبته السياق، ودلت زيادتها على أن تنوين «رحمة» للتعظيم، أي فبالرحمة العظيمة لا بغيرها لنت.
ولما بين سبب هذا اللين المتين بين ثمرته ببيان ما في ضده من الضرر فقال: ﴿ولو كنت فظّاً﴾ أي سيىء الخلق جافياً في القول ﴿غليظ القلب﴾ أي قاسية لا تتأثر بشيء، تعاملهم بالعنف والجفاء ﴿لانفضّوا﴾ أي تفرقوا تفرقاً قبيحاً لا اجتماع معه ﴿من حولك﴾ أي ففات المقصود من البعثة.
ولما أخبره أنه هو عفا عنهم ما فرطوا في حقه أمره بالعفو عنهم فيما يتعلق به ﷺ ، وبالاستمرار على مشاورتهم عند النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولاً في الخروج من المدينة.
وثانياً في تضييع المركز، وثالثاً في إعراضهم عن الإثخان في العدو بعد الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم عن النهب، ورابعاً
стр. 1948
في وهنهم عند كر العدو إلى غير ذلك - موجباً لترك مشاورتهم، فيفوت ما فيها من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف والتسنن وغير ذلك فقال : ﴿فاعف عنهم﴾ أي ما فرطوا في هذه الكره في حقك ﴿واستغفر لهم﴾ أي الله لما فرطوا في حقه ﴿وشاورهم﴾ أي استخرج آراءهم ﴿في الأمر﴾ أي الذي تريده من أمور الحرب تألفاً لهم وتطييباً لنفوسهم ليستن بك من بعدك ﴿فإذا عزمت﴾ أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه، وقراءة من ضم التاء للمتكلم بمعناها، أي فإذا فعلت أنت أمراً بعد المشاورة لأني فعلت فيه - بأن أردته - فعل العازم.
ولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال: ﴿فتوكل﴾ أي فيه ﴿على الله﴾ أي الذي له الأمر كله، ولا يردك عنه خوف عاقبة - كما فعلت بتوفيق الله في هذه الغزوة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿يحب المتوكلين *﴾ أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم
стр. 1949
وإن رُئي غير ذلك.
ولما كان التقدير؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مُناهم مما عزموا عليه لأجله؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه، بأن من نصره هو المنصور، ومن خذله هو المخذول، فقال تعالى: ﴿إن ينصركم الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿فلا غالب لكم﴾ أي إن كان نبيكم ﷺ بينكم أو لا، فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمداً قد قتل! وهلا فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضير رضي الله تعالى عنه حين قال: «موتوا على ما مات عليه نبيكم ﷺ ! فهو أعذر لكم عند ربكم» ﴿وإن يخذلكم﴾ أي بإمكان العدو منكم ﴿فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾ أي من نبي أو غيره، ولما كان التقدير: فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، عطف عليه قوله: ﴿وعلى الله﴾ أي الملك الأعظم وحده، لا على نبي ولا على قوة بعد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها ﴿فليتوكل المؤمنون *﴾ أي كلهم فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم.
ولما كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها. والنزاهة عن من أعظم موجبات النصر، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية
стр. 1950
بآية الغلول بياناً، لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة، فإنه لا يخذل إلا بالذنوب، ومن أعظم الذنوب الموجبة للخذلان الغلول فيكون المراد بتنزيهه ﷺ عنه - والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد أن يغلو بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه، وإما أن يكون للخوف من أن يغل رئيسهم وحاشاه! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه ﷺ بينهم على السواء، وحاشاه من كل من ذلك! وأما المبادرة إلى النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث، لا يصوب عاقل إليه؛ إذا تقرر هذا فيمكن أن يكون التقدير: فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم، فلا يقبلوا على ذلك إقبالاً يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل، وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان، وما نهى ﷺ قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن يفتحوا طريقاً إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفاً على
﴿وكأين من نبي﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وما كان﴾ أي ما تأتى وما صح في وقت من الأوقات
стр. 1951
ولا على حالة من الحالات ﴿لنبي﴾ أي أي نبي كان فضلاً عن سيد الأنبياء وإمام الرسل ﴿أن يغل﴾ تبشيعاً لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجراً من معاودة مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر، وعلى قراءة الجماعة غير ابن كثير وأبي عمرو - بضم الياء وفتح العين مجهولاً من: أغل - المعنى: وما كان له وما صح أن يوجد غالاً، أو ينسب إلى الغلول، أو يظن به ما يؤدي إلأى ذلك؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله وحده: فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما يدانيه فتخذلوا، فإنه ما كان لكم أن تغلوا، وما كان أي ما حل لنبي أي من الأنبياء قط أن يغل، أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط إباحة الغلول، فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب، فإن ذلك يسلب كمال التوكل، فإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، فيوجب له الخذلان، روى الطبراني في الكبير- قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «بعث النبي ﷺ جيشاً فردت رايته. ثم بعث فردت، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ » .
стр. 1952
ولما كان فعلهم ذلك محتملاً لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في التهديد بقوله: ﴿ومن يغلل﴾ أي يقع منه ذلك كائناً من كان ﴿يأت بما غل يوم القيامة﴾ ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي: إنه لمطلق الخيانة، وإنه يجوز أن يكون التقدير: وما كان لأحد أن يفعل ما يؤدي - ولو وعلى بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول، قال صاحب القاموس: أغل فلاناً: نسبه إلى الغلول والخيانة، وغل غلولاً: خان - كأغل، أو خاص بالفيء، وقال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: أغل الرجل أغلالاً - إذا خان، فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولاً، وقرىء: أن يَغُل، وأن يُغَل، فمن قرأ: يَغُل - أراد: يخون، ومن قرأ: يُغَل - أراد: يخان، ويجوز أن يريد: لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئاً في خفاء فقد غل يغل غلولاً، ويسمى الخائن غالاً، وفي الحديث
«لا إغلال ولا إسلال» الإغلال: الخيانة في كل شيء، وغللت الشيء أغله غلاًّ - إذا سترته، قالوا: ومنه الغلول في المغنم، إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئاً ستره في متاعه، فقيل للخائن: غال ومغل، ويقال: غللت الشيء في الشيء - إذا أدخلته فيه، وقد انغل - إذا دخل في الشيء، وقد انغل في الشجر.
стр. 1953
دخل - انتهى. فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أواخره القصة، كما أن آية الربا نهي عنه على طريق الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أوائل القصة، فقد اكتنف التنفير من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة له وفي الغزو مطلقاً - طرفي الوعظ فيها، ليكون من أوائل ما يقرع السمع وأواخره.
ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيهاً على أن ذلك اليوم يوم الدين، فلا بد من الجزاء فيه وتصويراً له تبشيعاً للفضيحة فيه بحضرة الخلق أجمعين، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي وتضعيف الفعل فقال معمماً الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى: ﴿ثم توفى﴾ أي في ذلك اليوم العظيم، وبناه للمجهول إظهاراًَ لعظمته على طريق كلام القادرين ﴿كل نفس﴾ أي غالة وغير غالة ﴿ما كسبت﴾ أي ما لها فيه فعل ما من خير أو شر وافياً مبالغاً في تحريز وفائه ﴿وهم لا يظلمون *﴾ أي لا يقع عليهم ظلم في شيء منه بزيادة ولا نقص.
стр. 1954
ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلاً تسبب عنه
стр. 1955
الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن وغيره، أو فعل فعلاً وقال قولاً يؤدي إلأى ذلك كالمنافقين وكالمقبلين على الغنيمة فقال تعالى: ﴿أفمن اتبع﴾ أي طلب بجد واجتهاد ﴿رضوان الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق، فصار إلى الجنة ونعم الصبر ﴿كمن بآء﴾ أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح، أو حل وأقام ﴿بسخط من الله﴾ أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار لولا العفو ﴿ومأواه جهنم﴾ أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه ﴿وبئس المصير *﴾ أي هي.
ولما أفهم الإنكار على من سوّى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله: ﴿هم درجات﴾ أي متباينون تباين الدرجات. ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال: ﴿عند الله﴾ أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم، لأن الله خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿بصير﴾ أي بالبصر والعلم ﴿بما يعملون *﴾ أي بعد إيجادهم، لأن ذلك أيضاً خلقه وتقديره، ولس لهم فيه إلا نسبته
стр. 1956
إليهم بالكسب، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية.
ولما أرشدهم إلى هذه المراشد، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه ﷺ بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم، فيألفونه فيعلمهم؛ نبه على ذلك ليستمسكوا بغرزه، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول -: ﴿لقد من الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿على المؤمنين﴾ خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة ﴿إذا بعث فيهم﴾ أي فيما بينهم أو بسببهم ﴿رسولاً﴾ وزادهم رغبة فيه بقوله: ﴿من أنفسهم﴾ أي نوعاً وصنفاً، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه
стр. 1957
وطهارته قبل النبوة وبعدها ﴿يتلوا عليهم آياته﴾ أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه، وما لم نعرفه أكثر ﴿ويزكيهم﴾ أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار بما يفهمه بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك، كما مضى في سورة البقرة ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه ﴿والحكمة﴾ تفسيراً وإبانة وتحريراً ﴿وإن﴾ أي والحال أنهم ﴿كانوا﴾ ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل ﵊ نبه على ذلك بإدخال الجار فقال ﴿من قبل﴾ أي من قبل ذلك ﴿لفي ضلال مبين *﴾ أي ظاهر، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه، وفي ذلك إشارة إلى أنه ﵇ علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار، فلما خالفوه حصل الخذلان.
ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها. وأثبت ما له من أضدادها من معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم: لو كان رسولاً ما انهزم أصحابه عنه،
стр. 1958
فقال تعالى: ﴿أولما﴾ أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم العليم الحكيم ولما ﴿أصابتكم﴾ أي في هذا اليوم ﴿مصيبة﴾ لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده ﴿قد أصبتم مثليها﴾ أي في بدر وأنتم في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه ﴿قلتم أنّى﴾ من أين وكيف أصابنا ﴿هذا﴾ أي بعد وعدنا النصر ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ أي لأن الوعد كان مقيداً بالصبر والتقوى، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال: ٦٨] وأباح لهم الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعدّ الأسرى، فرضوا وقالوا: نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿على كل شيء﴾ أي من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما ﴿قدير *﴾
стр. 1959
وقد وعدكم بذلك في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء، وخالف من خالف منكم الآن، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه ﷺ بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة.
ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال: ﴿وما أصابكم﴾ ولما استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال: ﴿يوم التقى الجمعان﴾ أي حزب الله وحزب الشيطان في أحد ﴿فبإذن الله﴾ أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة الإحياء والإماتة إليه.
ولما كان التقدير: ليؤدبكم به، عطف عليه قوله: ﴿وليعلم المؤمنين *﴾ أي الصادقين في إيمانهم. ولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من تعليقه به مع غيره أعاد العامل لذلك، وإشعاراً بأن أهل النفاق أسفل رتبة من أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال: ﴿ولعلم الذين نافقوا﴾ أي علماً تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، وهذا مثل قوله هناك ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وعطف
стр. 1960
على قوله ﴿نافقوا﴾ ما أظهر نفاقهم، أو يكون حالاً من فاعل ﴿نافقوا﴾ فقال: ﴿وقيل لهم تعالوا قاتلوا﴾ أي أوجدوا القتال ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب الذي شرعه ﴿أو ادفعوا﴾ أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب ﴿قالوا لو نعلم﴾ أي نتيقن ﴿قتالاً﴾ أي أنه يقع قتال ﴿لاتبعناكم﴾ أي لكنه لا يقع فيما نظن قتال ورجعوا.
ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهراً في نفاقهم ترجمة بقوله: ﴿هم للكفر يومئذ﴾ أي يوم إذ كان هذا حالهم ﴿أقرب منهم للإيمان﴾ عند كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبراً بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين، فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم -: ﴿يقولون بأفواههم﴾ ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم؛ صرح به في قوله ﴿ما ليس في قلوبهم﴾ بل لا شك عندهم في وقوع القتال، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿أعلم﴾ أي منهم ﴿بما يكتمون *﴾ أي كله لأنه يعلمه قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه، وإذا كان نسوه بتطاول الزمان
стр. 1961
والله لا ينساه.
стр. 1962
ولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال مبيناً للذين نافقوا: ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾ أي لأجل إخوانهم والحال أنهم قد أسلموهم ﴿وقعدوا﴾ أي عنهم خذلاناً لهم ﴿لو أطاعونا﴾ أي في الرجوع ﴿ما قتلوا﴾ ولما كان هذا موجباً للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت ﴿فادرءوا﴾ أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا ﴿عن أنفسكم الموت﴾ أي حتى لا يصل إليكم أصلاً ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في أن الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه.
ولما أزاح العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر، فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام
стр. 1963
من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه، كما أشار إليه قوله في البقرة ﴿ولكن لا تشعرون﴾ [البقرة: ١٥٣] فقال تعالى عاطفاً على قل محبباً في الجهاد، إزالة لما بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا﴾ أي وقع لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها ﴿في سبيل الله﴾ أي الملك الأعظم، والله أعلم بمن يقتل في سبيله ﴿أمواتاً﴾ أي الآن ﴿بل﴾ هم ﴿أحياء﴾ وبين زيادة شرفهم معبراً عن تقربهم بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي المحسن إليهم في كل حال، فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله ﴿يرزقون *﴾ أي رزقاً يليق بحياتهم ﴿فرحين بما آتاهم الله﴾ أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير ﴿من فضله﴾ لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه، فأعلمنا بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى، وبقيت لهم
стр. 1964
حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره، فلا غفلة لهم، فكان ذلك مذهباً لحزن من خلفوه ومرغباً لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم، وهذا - والله أعلم - معنى الشهادة، أي أنهم ليست لهم حال غيبة، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلاً كذلك.
ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال: ﴿ويستبشرون﴾ أي توجد لهم البشرى وجوداً عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا ﴿بالذين لم يلحقوا بهم﴾ أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم بين ذلك بقوله: ﴿من خلفهم﴾ أي في الدنيا. ثم يبن المبشر به فقال: ﴿ألاّ خوف عليهم﴾ أي على إخوانهم في آخرتهم ﴿ولا هم يحزنون *﴾ أي أصلاً، لأنه لا يفقد منه شيء، بل هم كل لحظة في زيادة، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك، لأن السبب واحد، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة.
ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد مَنّ فقال: ﴿يستبشرون بنعمة من الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام، كبيرة
стр. 1965
﴿وفضل﴾ أي منه عظيم ﴿وأن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره ﴿لا يضيع أجر المؤمنين *﴾ أي منهم ومن غيرهم، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء.
ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه ﷺ إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال: ﴿الذين استجابوا﴾ أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان ﴿لله والرسول﴾ أي لا لغرض مغنم ولا غيره، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان -: ﴿من بعد ما أصابهم القرح﴾ .
ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملاً على التحلي بها عند المدح قال : ﴿للذين أحسنوا﴾ وعبر بما يصلح للبيان
следующие страницы →