Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
والهجر في موضع المبيت من البيت، أو الضرب ﴿فلا تبغوا﴾ أي تطلبوا ﴿عليهن سبيلاً﴾ أي طريقاً إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه، بما لكم عليهن من العلو، بل اغفروا لهن ما سلف، ولا يحملنكم ما منحكم الله من العلو على المناقشة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي وقد علمتم ما له من الكمال ﴿كان﴾ ولم يزل ﴿علياً كبيراً *﴾ أي له العلو والكبر على الاطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة فهو لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه، بل يبدل سيئاته حسنات، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل هباته، وخافوا سطواته، واحذروا عقوبته، بما له من العلو والكبر.
ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال: ﴿وإن خفتم﴾ أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم ﴿شقاق بينهما﴾ أي الزوجين المفهومين من السياق، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر،
стр. 2137
ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص، وهو أن يكون البين المضاف إليهما - وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر - لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئاً واحداً كما كانا لا بين لهما، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما ﴿فابعثوا﴾ أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم ﴿حكماً من أهله﴾ أي الزوج ﴿وحكماً من أهلها﴾ أي الزوجة، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبة ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح.
ثم أجاب من كأنه قال: وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله: ﴿إن يريدا﴾ أي الحكمان ﴿إصلاحاً﴾ أي بينهما، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل ﴿يوفق الله﴾ الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة ﴿بينهما﴾ أي الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين
стр. 2138
على بلوغ المقاصد، وهذا دالعلى أنه لا يكون شيء إلا بالله، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على الله دونها، ويشقى بها من يجعلها محط قصده، فيعتمد عليها.
ولما كان المصلح قد يظن مفسداً لصدعه بمر الحق من غير مداراة، والمفسد قد يعد مصلحاً لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر، فيظن من يخلق الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر؛ قال تعالى مزيلاً لهذا الوهم مرغباً ومرهباً: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿كان عليماً﴾ أي مطلقاً على ما يمكن الاطلاع عليه وإن غاب عن غيره ﴿خبيراً *﴾ أي لا يخفى عليه من ذلك خفي، ولا يغيب عنه خبيء، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب أحوال النكاح، ولم يذكر الطلاق عندما ذكر الشقاق لتقدمه في البقرة، ولأن مبنى هذه السورة على التواصل والتوادّ دون التفاصل والترادّ كما قال ابن الزبير، ولهذا - أي لبناء السورة على التواصل والائتلاف دون التفاصل والاختلاف - خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدالة إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق
стр. 2139
ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء إلا قوله: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته﴾ [النساء: ١٣٠]- انتهى.
стр. 2140
ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى: العدل والفضل، والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها، فكان التقدير حتماً: فاتقوه؛ عطف عليه، أو على نحو ﴿وسئلوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢] أو على ﴿اتقوا ربكم﴾ الخُلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال: ﴿واعبدوا الله﴾ أي أطيعوا - الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل والانكسار، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر.
ولما كان سبحانه غنياً لم يقبل إلا الخالص، فقال مؤكداً لما أفهمه
стр. 2141
ما قبله: ﴿ولا تشركوا به شيئاً﴾ .
ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له، وكان لذلك درجتان: أولاهما الإيمان، وأعلاهما الإحسان، فصار المأمور بذلك مخلصاً في عبادته؛ أمره بالإحسان في خلافته، وبدأ بأولى الناس بذلك، وهو من جعله سبباً لإيجاده فقال - مشيراً إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه، فلا يزال منعماً على من عداه -: ﴿وبالوالدين﴾ أي وأحسنوا بهما ﴿إحساناً﴾ وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه.
ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي الرحم، قال مفصلاً لما ذكر أول السورة تأكيداً له: ﴿وبذي القربى﴾ لتأكد حقهم بمزيد قربهم، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين، وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه غيره فقال: ﴿واليتامى والمساكين﴾ أي وإن لم تكن رحمهم معروفة، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره ﴿والجار ذي القربى﴾ أي لأن له حقين ﴿والجار الجنب﴾
стр. 2142
أي الذي لا قرابة له، للبلوى بعشرته خوفاً من بالغ مضرته «اللهم! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول» ﴿والصاحب الجنب﴾ أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة ﴿وابن السبيل﴾ أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ أي من العبيد والإماء كذلك، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة «آخر ما تكلم به النبي ﷺ الصلاة وما ملكت أيمانكم» .
ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم، ختم الآية ترغيباً فيه وتحذيراً من منعه معللاً للأمر به بقوله: ﴿إن الله﴾ أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿لا يحب﴾ أي لا يفعل فعل المحب مع ﴿من كان مختالاً﴾ أي متكبراً معجباً بنفسه متزيناً بحليته مرائياً بما آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء، ويقذر جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن إليهم لئلا يلمّوا به فيعيَّر بهم.
ولما كان المختال ربما أحسن رياء، قال معلماً أنه لا يقبل إلا الخالص: ﴿فخوراً *﴾ مبالغاً في التمدح بالخصال، يأنف من عشرة الفقراء
стр. 2143
وفي ذلك أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان، وهو الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم، فإنه لا مقتضى لذلك لأن الكل من نفس واحدة، والفضل نعمة منه سبحانه، يجب شكرها بالتواضع لتدوم، ويحذر كفرها بالفخار خوفاً من أن تزول.
ولما كان الاختيال والفخر على الفرح بالأعراض الفانية والركون إليها والاعتماد عليها، فكانا حاملين على البخل خوفاً من زوالها؛ قال واصفاً لهم بجملة من الأخلاق الرديئة الجلية، ذلك منشأها: ﴿الذين يبخلون﴾ أي يوقعون البخل بما حملهم من المتاع الفاني على الفخار، وقصره ليعم كتم العلم ونحوه؛ ثم تلا ذلك بأسوأ منه فقال ﴿ويأمرون الناس بالبخل﴾ مقتاً للسخاء، وفي التعبير بما هو من النوس إشارة إلى أنهم لا يعلقون أطماعهم بذلك إلا بذوي الهمم السافلة والرتب القاصرة، ويحتمل أن يكون الأمر كناية عن حملهم غيرهم على البخل بما يرى من اختيالهم وافتخارهم عليهم؛ ثم أتبع ذلك أخبث منه، وهو الشح بالكلام الذي لا يخشى نقصه وجحد النعمة وإظهار الافتقار فقال: ﴿ويكتمون ما أتاهم الله﴾ أي الذي له الجلال
стр. 2144
والإكرام ﴿من فضله﴾ أي من العلم جاحدين أن يكون لهم شيء يجودون به. قال الأصبهاني: ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية لله ولا يرضى بالقضاء. ثم عطف على ﴿إن الله لا يحب﴾ ملتفتاً إلى مقام التكلم، دلالة على تناهي الغضب وتعييناً للمتوعد، مصرحاً بمظهر العظمة الذي دل عليه هناك بالاسم الأعظم قوله: ﴿وأعتدنا﴾ أي أحضرنا وهيأنا، وكان الأصل: لهم، ولكنه قال - تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، وإعلاماً بأن ذلك حامل على الكفر -: ﴿للكافرين﴾ أي بفعل هذه الخصال كفراً حقيقياً بما أوصلهم إليه لزوم الأخلاق الدنية، أو مجازياً بكتمان النعمة ﴿عذاباً مهيناً *﴾ أي بما اغتروا بالمال الحامل على الفخر والكبر والاختيال «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» .
ولما ذم المقترين، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفاً على ﴿الكافرين﴾ أو ﴿الذين يبخلون﴾ معرفاً أن الذين لا يحسنون على الوجه المأمور به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان: فرقة يمنعون النفقة أصلاً، وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها رياء، فيعدمون بذلك روحها -: ﴿والذين ينفقون﴾ وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم
стр. 2145
بقوله: ﴿أموالهم﴾ ودل على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله: ﴿رئاء الناس﴾ أي لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات المشاهدات.
ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل، ذكر الحامل عليه مشيراً إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد، وتكبروا على خالقهم العزيز المجيد فقال: ﴿ولا يؤمنون بالله﴾ وهو الملك الأعظم. ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن أشير إليهم في البقرة، أكد بزيادة النافي فقال: ﴿ولا باليوم الآخر﴾ الحامل على كل خير، والنازع عن كل شر.
ولما كان التقدير: فكان الشيطان قرينهم، لكفره بإعجابه وكبره؛ عطف عليه قوله: ﴿ومن يكن الشيطان﴾ أي وهو عدوه البعيد من كل خير، المحترق بكل ضير ﴿له قريناً﴾ فإنه يحمله على كل شر، ويبعده عن كل خير؛ وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿فساء قريناً *﴾
ولما كان التقدير: فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر
стр. 2146
ولا نفع بيده؟ عطف عليه قوله تعنيفاً لهم وإنكاراً عليهم: ﴿وماذا عليهم﴾ أي من حقير الأشياء وجليلها ﴿لو آمنوا بالله﴾ أي الذي له كل كمال، وبيده كل شيء ﴿واليوم الآخر﴾ الحامل على كل صلاح ﴿وأنفقوا﴾ .
ولما وصفهم بإنفاق جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو لله العلي الكبير بشيء يسير يحصل لهم به خير كثير، فقال: ﴿مما رزقهم الله﴾ الذي له الغنى المطلق والجود الباهر، ولما كان التقدير: فقد كان الله عليهم لما بذروا أموالهم قديراً، عطف عليه قوله: ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿بهم﴾ أي في كلتا الحالتين ﴿عليماً *﴾ أي بليغ العلم، وللإعلام بعظمة العلم بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع.
стр. 2147
ولما فرغ من توبيخهم قال معللاً: ﴿إن الله﴾ أي الذي له كل كمال، فهو الغني المطلق ﴿لا يظلم﴾ أي لا يتصور أن يقع منه ظلم ما ﴿مثقال ذرة﴾ أي فما دونها، وإنما ذكرها لأنها كناية عن العدم، لأنها مثل في الصغر، أي فلا ينقص أحداً شيئاً مما عمله، ولا يثيب عليه شيئاً لم يعمله، فماذا على من آمن به وهو
стр. 2148
بهذه الصفة العظمى.
ولما ذكر التخلي من الظلم، أتبعه التحلي بالفضل فقال عاطفاً على ما تقديره: فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها، ولا يجزي بها إلا مثلها: ﴿وإن﴾ ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيماً، حذف منه النون بعد حذف المعطوف عليه تقريباً لمرامه فقال: ﴿تك﴾ أي مثقال الذرة، وأنثه لإضافته إلى مؤنث، وتحقيراً له، ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى، وهذا يطرد في قراءة الحرميين برفع ﴿حسنة﴾ أي وإن صغرت ﴿يضاعفها﴾ أي من جنسها بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما يعلم من حسن العمل بحسن النية ﴿ويؤت من لدنه﴾ أي من غريب ما عنده فضلاً من غير عمل لمن يريد. قال الإمام: وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إلى السعادات الروحانية ﴿أجراً عظيماً *﴾ وسماه أجراً - وهو من غير جنس تلك الحسنة - لابتنائه على الإيمان، أي فمن كان هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة إلا إليه، ولا الاعتماد أصلاً بإنفاق وغيره إلا عليه.
ولما تم تحذيره من اليوم الآخر وما ذكره من إظهار العدل
стр. 2149
واستقصائه فيه كان سبباً للسؤال عن حال المبكتين في هذه الآيات إذ ذاك، فقال: ﴿فكيف﴾ أي يكون حالهم وقد حملوا أمثال الجبال من مساوي الأعمال! ﴿إذا جئنا﴾ على عظمتنا ﴿من كل أمة بشهيد﴾ أي يشهد عليهم ﴿وجئنا بك﴾ وأنت أشرف خلقنا ﴿على هؤلاء﴾ أي الذين أرسلناك إليهم وجعلناك شهيداً عليهم ﴿شهيداً *﴾ وفي التفسير من البخاري عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «قال لي رسول الله ﷺ » اقرأ عليّ «قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال» إني أحب أن أسمعه من غيري «فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ قال» أمسك «فإذا عيناه تذرفان» ثم استأنف الجواب عن ذلك بقوله: ﴿يومئذ﴾ أي تقوم الإشهاد ﴿يود الذين كفروا﴾ أي ستروا ما تهدي إليه العقول من آياته وبين أنهم مخاطبون بالفروع في قوله: ﴿وعصوا الرسول﴾ بعد ستر ما أظهر من بيناته ﴿لو تسوى بهم الأرض﴾ أي تكون مستوية معتدلة بهم، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم،
стр. 2150
ولم يبق فيها شيء من عوج ولا نتوّ بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم؛ وإنما ودوا ذلك خوفاً مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم.
ولما كان التقدير: فلا تسوى بهم، عطف عليه قوله: ﴿ولا يكتمون الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿حديثاً *﴾ أي شيئاً أحدثوه بل يفتضحون بسيىء أخبارهم، ويحملون جميع أوزارهم، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من بيناته.
ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني العدم، ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم حديثاً، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله ﷺ ؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا﴾ أي أقروا بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن الله، وأوله وأولاه
стр. 2151
أن لا تشركوا به شيئاً من الإشراك ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلاً عن أن تفعلوها ﴿وأنتم﴾ أي والحال أنكم ﴿سكارى﴾ أي غائبو العقل من الخمر أو نحوها، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل - إلى شيء من الإشراك، فيكون شركاً لسانياً وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان، فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف الأكبر، فإن من أنتم بين يديه لا يكتم حديثاً، فيود من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم! وأصل السكر في اللغة: سد الطريق؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري: رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه «أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] فنزلت» هكذا رواه، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري، فبينوا المراد، وهو أن الذي صلى بهم قرأ: أعبد ما تعبدون، وفي رواية الترمذي: ونحن نعبد ما تعبدون.
стр. 2152
ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه، صرح به في قوله: ﴿حتى﴾ أي ولا يزال هذا النهي قائماً حتى ﴿تعلموا﴾ بزوال السكر ﴿ما تقولون﴾ فلا يقع منكم حينئذ تبديل؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في حقيقته ومجازه؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم، أي يصحو، ونهى كل واحد أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفاً على محل ﴿وأنتم سكارى﴾ : ﴿ولا﴾ أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلاً عنها ﴿جنباً﴾ أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين، لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة ﴿إلا عابري سبيل﴾ أي مارين مروراً من غير مكث ولا صلاة؛ ولما غيَّى منع الجنابة بقوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾ أي تغسلوا البدن عمداً، ولما كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال الماء؛ ذكرها فقال مرتباً لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي بجراحة أو غيرها مرضاً يمنع من طلب الماء أو استعماله ﴿أو على سفر﴾ كذلك سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً ﴿أو جاء أحد منكم﴾ أي
стр. 2153
أيها المؤمنون! ولو كان حاضراً صحيحاً ﴿من الغائط﴾ أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي، أي: أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا بد له منها، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده.
ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون بجماع أو غيره، ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال: ﴿أو لامستم النساء﴾ أي بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا، وأخر هذا لأنه مما منه بد، ولا يتكرر تكرر قضاء الحاجة ﴿فلم تجدوا ماء﴾ أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله ﴿فتيمموا﴾ أي اقصدوا قصداً صادقاً بأن تلابسوا ناوين ﴿صعيداً﴾ أي تراباً ﴿طيباً﴾ أي طهوراً خالصاً فهو بحيث ينبت ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾ [الأعراف: ٥٨] ﴿فامسحوا﴾ وهذه عبادة خاصة بنا.
ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصراً للفعل في قوله: ﴿بوجوهكم﴾ أي أوقعوا المسح بها سواء عم التراب منبت الشعر أم لا ﴿وأيديكم﴾ أي منه
стр. 2154
كما صرح به في المائدة، لا فيه ولا عليه مثلاً، ليفهم التمعك أو أن الحجر مثلاً يكفي، والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب عن المس، أو هو مماسة خاصة، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ.
ولما نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به ، وخفف ما كان شديداً بالتيمم؛ ختم الآية بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي اختص بالكمال ﴿كان عفوّاً﴾ أي بترك العقاب على الذنب، وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر ﴿غفوراً *﴾ أي بترك العقاب وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلاً، وكأن هذا راجع إلى التيمم، فإن الصلاة معه حسنة، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقباً عليها، إما على تركها لمشقة استعمال الماء عند التساهل، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه التنطع، وذلك معنى قوله في المائدة ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ [المائدة: ٦] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسراً غير معسر.
стр. 2155
ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سبباً للإجرام، فيكون سبباً في الانتقام؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت
стр. 2156
لهم الآصار عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغباً في تقبل ما مر من التكاليف ليسره ولرجاء الثواب، مرهباً من تركها خوفاً من العقاب، وليصير الكلام حلواً رائقاً بهجاً بتفصيل نظمه تارة بأحكام، وتارة بأقاصيص عظام، فينشط الخاطر وتقوى القريحة -: ﴿ألم تر﴾ أو يقال: إنه لما حذر فيما مضى من أهل الكتاب بقوله ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً﴾ [النساء: ٢٧] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في الصلاة لسانه فقط لا عن عمد الكلم عن واضعه؛ أتبعها التصريح بالتعجيب من حال المحرفين بالقلب واللسان عمداً وعدواناً اجتراء على الله ، الملوح إليهم بالآية السابقة أنهم يريدون لنا الضلال عما هدينا إليه من سننهم فقال: ﴿ألم تر﴾ .
ولما كانوا بمحل البعد - بما لهم من اللعن - عن حضرته الشريفة، عبر بأداة الانتهاء، بصرية كانت الرؤية أو قلبية، فقال: ﴿إلى الذين أوتوا﴾ وحقر أمرهم بالبناء للمفعول وبقوله: ﴿نصيباً من الكتاب﴾ أي كشاس بن قيس الذي أراد الخلف بين الأنصار، وفي ذلك أن أقل شيء من الكتاب يكفي في ذم الضلال، لأنه كاف في الهداية
стр. 2157
﴿يشترون﴾ أي يتكلفون ويلحون - بما هم فيه من رئاسة الدنيا من المال والجاه - أن يأخذوا ﴿الضلالة﴾ معرضين عن الهدى غير ذاكريه بوجه، وسبب كثير من ذلك ما في دينهم من الآصال والأثقال، كما أشار إليه قوله ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة﴾ [مريم: ٥٩] أي بسبب ما شدد عليهم فيها بأنها لا تفعل إلا في الموضع المبني لها، وبغير ذلك من أنواع الشدة، وكذا غيرها المشار إليه بقوله ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [النساء: ١٥٥] وغير ذلك، ومن أعظمه ما يخفون من صفة النبي ﷺ ، ليتقربوا بذلك إلى أهل دينهم، ويأخذوا منهم الرشى على ذلك، ويجعلوهم عليهم رؤساء.
ولما ذكر ضلالهم المتضمن لإضلالهم، أتبعه ما يدل على إعراقهم فيه، فقال مخاطباً لمن يمكن توجيه هممهم بإضلال إليه: ﴿ويريدون أن تضلوا﴾ أي يا أيها الذين آمنوا ﴿السبيل *﴾ حتى تساووهم، فلذلك يذكرونكم بالأحقاد والأضغان والأنكاد - كما فعل شاس - لا محبة فيكم، ويلقون إليكم الشبهة، فالله أعلم بهم حيث
стр. 2158
حذركم منه بقوله ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] وما بعده إلى هنا ﴿والله﴾ أي المحيط علمه وقدرته ﴿أعلم﴾ أي من كل أحد ﴿بأعدائكم﴾ أي كلهم هؤلاء وغيرهم، بما يعلم من البواطن، فمن حذركم منه كائناً من كان فاحذره.
ولما كان كل من قبيلتي الأنصار قد والوا ناساً من اليهود ليعتزوا بهم وليستنصروهم، قال تعالى فاطماً لهم عن موالاتهم: ﴿وكفى﴾ أي والحال أنه كفى به هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الاسم الأعظم لتستحضر عظمته، فيستهان أمر الأعداء فقال: ﴿بالله ولياً﴾ أي قريباً بعمل جميع ما يفعله القريب الشفيق.
ولما كان الولي قد تكون فيه قوة النصرة، والنصير قد لا يكون له شفقة الولي، وكانت النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه؛ أفردها بالذكر إعلاماً باجتماع الوصفين مكرراً الفعل والاسم الأعظم اهتماماً بأمرها فقال: ﴿وكفى بالله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿نصيراً *﴾ أي لمن والاه فلا يضره عداوة أحد، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بأحد منهم ولا من غيرهم، فهو يكفيكم الجميع.
стр. 2159
ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين هؤلاء الذين يريدون الإضلال، قال بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من الجمل لمزيد الاهتمام به: ﴿من الذين هادوا﴾ ثم بين ما يضلون به ويضلون بقوله - ويجوز أن يكون استئنافاً بمعنى: بعضهم، أو منهم من -: ﴿يحرفون الكلم﴾ أي الذي أتى به شرعهم من صفة النبي الأمي ﷺ وصفه دينه وأمته وغير ذلك مما يريدون تحريفه لغرض، فيتألفون في إمالته وتغييره عن حده وطرفه إلى حد آخر مجاوزين به ﴿عن﴾ ولما كانت الكلمة إذا غيرت تبعها الكلام وهو المقصود بالذات، نبه على ذلك بتذكير الضمير فقال: ﴿مواضعه﴾ أي التي هي به أليق، فيتم ضلالهم وإضلالهم، وهو يشمل ما إذا كان المعنى المغير إليه بعيداً عن المغير أو قريباً، فالذي في المائدة أخص.
ولما كان عالماً بجميع تحريفهم، أشار إليه بالعطف على ما تقديره: فيقولون كذا ويقولون كذا: ﴿ويقولون سمعنا﴾ أي ما تقول ﴿وعصينا﴾ موهمين أنهم يريدون أن ذلك حكاية ما وقع لأسلافهم قديماً، وإنما يريدون أنهم هم سمعوا ما تقول وخالفوه عمداً ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في المخالفة بسبب ما عندهم
стр. 2160
من العلم الرباني ليورثه ذلك شكاً في أمره وحيرة في شأنه ﴿واسمع﴾ حال كونك ﴿غير مسمع﴾ موهمين عدم إسماعه ما يكره من قولهم: فلان أسمع فلاناً الكلام، وإنما يريدون الدعاء، كما يقال: اسمع لا سمعت! ﴿وراعنا﴾ موهمين إرادة المراعاة والإقبال عليهم، وإنما يريدون الشتم بالرعونة؛ وقال الأصفهاني: ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها وهي: راعينا، فكانوا - سخرية بالدين وهزءاً برسول الله ﷺ يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والإكرام، ولذلك قال: ﴿ليّاً بألسنتهم﴾ أي صرفاً لها عن مخارج الحروف التي تحق لها في العربية إلى ما يفعله العبرانيون من تغليظ بعض الحروف وشوب بعضها بغيره، لإرادة معانٍ عندهم قبيحة مع احتمالها لإرادة معانٍ غير تلك يقصدها العرب مليحة ﴿وطعناً في الدين﴾ أي بما يفسرونه به لمن يطمعون فيه من تلك المعاني الخبيثة.
ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة، بين ما كان عليهم لو وقفوا
стр. 2161
فقال قاطعاً جدالهم: ﴿ولو أنهم قالوا﴾ أي في الجواب له ﷺ ﴿سمعنا وأطعنا﴾ أي بدل الكلمة الأولى ﴿واسمع وانظرنا﴾ بدل ما بعدها ﴿لكان﴾ أي هذا القول ﴿خيراً لهم﴾ أي من ذلك، لعدم استيجابهم الإثم ﴿وأقوم﴾ أي لعدم الاحتمال الذم ﴿ولكن لعنهم الله﴾ أي طردهم الذي له جميع صفات العظمة والكمال، وأبعدهم عن الخير ﴿بكفرهم﴾ أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ودلائل الخير، فلم يقولوا ذلك.
ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال: ﴿فلا يؤمنون﴾ أي يتجدد لهم إيمان ﴿إلا قليلاً *﴾ أي منهم؛ استثناء من الواو، فإنهم يؤمنون، أو هو استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها لكفرهم بغيره.
стр. 2162
ولما بكتهم على فعلهم وقولهم وصرح بلعنهم، خوَّفهم إظهار ذلك في الصور المحسوسة فقال مقبلاً عليهم إقبال الغضب: ﴿يا أيها الذين﴾ منادياً لهم من محل البعد ﴿أوتوا الكتاب﴾ ولم يسند الإيتاء إليه تحقيراً لهم، ولم يكتف بنصيب منه لأنه لا يكفي في العلم
стр. 2163
بالمصادقة إلا الجميع ﴿آمنوا بما نزلنا﴾ أي تدريجاً كما نزلنا التوراة كذلك، على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله: ﴿مصدقاً لما معكم﴾ من حيث أنهم له مستحضرون، وبه في حد ذاته مُقِرّون.
ولما أمرهم وقطع حجتهم، حذرهم فقال - مخففاً عنهم بالإشارة بحرف الجر إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم -: ﴿من قبل أن نطمس﴾ أي نمحو ﴿وجوهاً﴾ فإن الطمس في اللغة: المحو؛ وهو يصدق بتغيير بعض الكيفيات، ثم سبب عن ذلك قوله: ﴿فنردها﴾ فالتقدير: من قبل أن نمحو أثر وجوه بأن نردها ﴿على أدبارها﴾ أي بأن نجعل ما إلى جهة القبل من الرأس إلى جهة الدبر، وما إلى الدبر النقل من حال إلى ما دونها من ضدها بجعلها على حال القفا، ليس فيها معلم من فم ولا غيره، ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني؛ قال ابن هشام: نطمس: نمسحها فنسويها، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه، وكذلك ﴿فطمسنا أعينهم﴾ [القمر: ٣٧] المطموس العين: الذي
стр. 2164
ليس بين جفنيه شق، ويقال: طمست الكتاب والأثر فلا يرى منه شيء. ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته؛ ثم خوفهم نوعاً آخر من الطمس فقال عاطفاً على (نردها) : ﴿أو نلعنهم﴾ أي نبعدهم جداً عن صورة البشر أن نقلب وجوههم أو جميع ذواتهم على صورة القردة ﴿كما لعنا أصحاب السبت﴾ إذ قلنا لهم ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن الجملة، فهو إذن مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويجوز أن يكون واحد الوجهاء، فيكون عود الضمير إليه استخداماً، ويكون المراد بالرد على الأدبار جعلهم أدنياء صغرة من الأسافل - والله أعلم.
ولما كان ذلك أمراً غريباً ومقدوراً عجيباً، وكان التقدير: فقد كان أمر الله فيهم بذلك - كما علمتم - نافذاً؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة، وأن وجوه مقدوراته لا تنحصر فقال عاطفاً على ما قدرته: ﴿وكان أمر الله﴾ أي حكمه وقضاؤه ومراده في كل شيء شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره، لأن له العظمة التي لا حد لها والكبرياء التي تعيي الأوصاف دونها ﴿مفعولاً *﴾ أي كائناً حتماً، لا تخلف
стр. 2165
له أصلاً، فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا، وقد آمن بعضهم فلم يصح أنهم لم يؤمنوا، لأنه قد وقع منهم إيمان.
ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم يقولون: سيغفر لنا، وكان امتثالهم لتحريف أحبارهم ورهبانهم شركاً بالله - كما قال ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ [التوبة: ٣١] قال - معللاً لتحقيق وعيدهم، معلماً أن ما أشير إليه من تحريفهم أداهم إلى الشرك -: ﴿إن الله﴾ أي الجامع لصفات العظمة ﴿لا يغفر أن يشرك به﴾ أي على سبيل التجديد المستمر إلى الموت سواء كان المشرك من أهل الكتاب أم لا، وزاد ذلك حسناً انه في سياق ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ [النساء: ٣٦] .
ولما أخبر بعدله أخبر بفضله فقال: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ الأمر الكبير العظيم من كل معصيته سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سواء تاب فاعلها أو لا، ورهب بقوله - إعلاماً بأنه مختار، لا يجب عليه شيء -: ﴿لمن يشاء﴾ .
ولما كان التقدير: فإن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً، عطف عليه قوله: ﴿ومن يشرك﴾ أي يوجد منه شرك في الحال أو المآل، وأما الماضي فجبته التوبة ﴿بالله﴾ أي الذي كل شيء
стр. 2166
دونه ﴿فقد افترى﴾ أي تعمد كذباً ﴿إثماً عظيماً *﴾ أي ظاهراً في نفسه من جهة عظمه أنه قد ملأ أقطار نفسه وقلبه وروحه وبدنه مظهراً للغير أنه إثم، فهو في نفسه منادٍ بأنه باطل مصر، فلم يدع للصلح موضعاً، فلم تقتض الحكمة العفو عنه، لأنه قادح في الملك، وإنما طوى مقدمة الضلال وذكر مقدمة الافتراء - لكون السياق لأهل الكتاب الذين ضلالهم على علم منهم وتعمد وعناد، بخلاف ما يأتي عن العرب، وفي التعبير بالمضارع استكفاف مع استعطاف واستجلاب في استرهاب.
стр. 2167
ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين بهذه الآيات من أهل الكتاب أضل الناس، وكانوا يقولون: إنهم أهدى الناس؛ عجب منهم منكراً عليهم بعد افترائهم تزكية أنفسهم فقال: ﴿ألم تر﴾ وأبعدهم بقوله: ﴿إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ أي بما ليس لهم من قولهم ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ [البقرة: ٨٠] وقولهم ﴿لن يدخل الجنة لا من كان هوداً أو نصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقوله: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً﴾ [النساء: ٢٧] فإن إبعاد غيرهم
стр. 2168
في الميل مصحح لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ونحو ذلك مما تقدم وغيره.
ولما كان معنى الإنكار: ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا، أشار إليه بقوله: ﴿بل الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يزكي من يشاء﴾ أي بما له من العلم التام والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء عليه وبخلق معاني الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها الأعمال الصالحة، فإذا زكي أحداً من أصفيائه بشيء كالنبوة، كان له أن يزكي نفسه بذلك حملاً على ما ينفع الناس به عن الله ﴿ولا﴾ أي والحال أن الذين يزكيهم أو يدسيهم لا ﴿يظلمون فتيلاً *﴾ أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول، أي قليلاً ولا كثيراً، لأنه عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن الظلم، لأن له صفات الكمال.
ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة والعلم الشامل، وكان ذلك أمراً لا نزاع فيه، وشهد عليهم بالضلال، وثبت أن ذلك كلامه بما له من الإعجاز في حالتي الإطناب والإيجاز؛ ثبت كذبهم فزاد في توبيخهم فقال - معجباً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2169
من وقاحتهم واجترائهم على من يعلم كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب، مبيناً أنه ﷺ في الحضرة بعد بيان بعدهم -: ﴿انظر كيف يفترون﴾ أي يتعمدون ﴿على الله﴾ أي الذي لا يخفي عليه شيء ولا يعجزه شيء ﴿الكذب﴾ أي من غير خوف منهم لذلك عاقبة ﴿وكفى﴾ أي والحال أنه كفي ﴿به﴾ أي بهذا الكذب ﴿إثماً مبيناً *﴾ أي واضحاً في نفسه ومنادياً عليها بالبطلان.
ولما عجب من كذبهم دلَّ عليه بقوله: ﴿ألم تر﴾ وكان الأصل: إليهم، ولكنه قال - لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن علم -: ﴿إلى الذين﴾ وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة ﴿أوتوا نصيباً من الكتاب﴾ أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من الله ﴿يؤمنون بالجبت﴾ وهو الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله ﴿والطاغوت﴾ وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا، وهي مما نهي عنه في كتابهم - وأصله ومداره مجاوزة الحد عدواناً، وهو واحد وقد يكون جمعاً، قال
﴿أوليائهم الطاغوت يخرجونهم﴾ [البقرة: ٢٥٧] والحال أن أقل نصيب من الكتاب كافٍ في النهي عن ذلك وتكفير فاعله.
стр. 2170
ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبراً بصيغة المضارع دلالة على عدم توبتهم -: ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ ودل بالتعبير بالإشارة دون الخطاب على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم، حيث لا حامل لهم على القول إلا محض الكفر فقال: ﴿هؤلاء﴾ أي الكفرة العابدون للأصنام ﴿أهدى﴾ أي أقوم في الهداية ﴿من الذين آمنوا﴾ أي أوقعوا هذه الحقيقة، فيفهم ذمهم بالتفضيل على الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى ﴿سبيلاً *﴾ مع أن في كتابهم من إبطال الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيداً أكيداً وأمراً عظيماً شديداً.
ولما أنتج ذلك خزيهم قال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء عن الحضرات الربانية ﴿الذين لعنهم الله﴾ أي طردهم بجميع ما له من صفات الكمال طرداً هم جديرون بأن يختصوا به. ولما كان قصدهم بهذا القول مناصرة المشركين لهم وكان التقدير: فنالوا بذلك اللعن الذل والصغار، عطف عليه قوله: ﴿ومن يلعن الله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم ﴿فلن تجد له نصيراً *﴾ أي في وقت من الأوقات أصلاً، وكرر التعبير بالاسم الأعظم لأن المقام يقتضيه إشعاراً لتناهي الكفر
стр. 2171
الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب.
ولما كان التقدير: كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار، عطف عليه قوله: ﴿أم﴾ أي ليس ﴿لهم نصيب﴾ أي واحد من الأنصباء ﴿من الملك فإذاً﴾ أي فيتسبب عن ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه ﴿لا يؤتون الناس﴾ أي الذين آمنوا ﴿نقيراً *﴾ أي شيئاً من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من غيره، والنقير: النقرة في ظهر النواة، قيل: غاية في القلة؛ فهو كناية عن العدم، فهو بيان لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل فكيف بدرجة الملك لأن الملك والبخل لا يجتمعان ﴿أم﴾ أي ليس لهم نصيب ما من الملك، بل ذلهم لازم وصغارهم أبداً كائن دائم، فهم ﴿يحسدون الناس﴾ أي محمداً ﷺ الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله، أو العرب الذي لا ناس
стр. 2172
الآن غيرهم، لأنَّا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم، ودل على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله: ﴿على ما آتاهم الله﴾ أي بما له من صفات الكمال ﴿من فضله﴾ حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى والبأس:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حساداً
وقد آتاهم الله جميع أنواع الملك، فإنه على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر والبواطن معاً، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي كل منها سبب للانقياد، وذلك مع ما لهم بالله من تمام الوصلة؛ وملك على الظواهر فقط، وهو ملك الملوك؛ وملك على البواطن فقط، وهو ملك العلماء.
ولما ذمهم أولاً بالجهل ومدح النفس تشبعاً بما لم يعطوا، وذلك سبب لجميع النقائص، وثانياً بأعظم منه: منع الحق من أهله بخلاً، وثالثاً بأعظم منهما: تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا تنقصهم، فحازوا بذلك أعلى خلال الذم، وكانت
стр. 2173
المساوي تضع والمحاسن ترفع، تسبب عن هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال: ﴿فقد﴾ أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنَّا آتيناهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في استحقاق الفضائل فقال: ﴿آتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿آل إبراهيم﴾ أي الذي أعلمناكم في كتابكم أنا أقسمنا له أنَّا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالاً على جميع حدود إخوته، ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد كل به ﴿الكتاب﴾ أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل ﴿والحكمة﴾ أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم ﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿ملكاً عظيماً *﴾ أي ضخماً واسعاً باقياً إلى أن تقوم الساعة ﴿فمنهم﴾ أي من آل إبراهيم ﴿من آمن به﴾ وهم أغلب العرب ﴿ومنهم من صد عنه﴾ أي أعرض بنفسه، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب.
ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر دنيوي، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة: فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد الذل في هذه الدار والهوان والصغار، عطف
стр. 2174
عليه قوله: ﴿وكفى بجهنم سعيراً *﴾ أي توقداً والتهاباً في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى الأذى، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية، وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني، وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك بالحسد لمن آتاه الله ما لا ينقصهم.
стр. 2175
ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا﴾ أي ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها ﴿سوف نصليهم﴾ أي بوعيد ثابت وإن طال معه الإمهال ﴿ناراً﴾ ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة، استأنف قوله رداً لذلك: ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ أي صارت بحرّها إلى حالة اللحم النضيج الذي أدرك أن يؤكل، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح، فلا يحس بالألم ﴿بدَّلناهم﴾ أي جعلنا لهم ﴿جلوداً غيرها﴾ أي غير النضيجة بدلاً منها بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها،
следующие страницы →