← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب. ولما كان التقدير: كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار، عطف عليه قوله: ﴿أم﴾ أي ليس ﴿لهم نصيب﴾ أي واحد من الأنصباء ﴿من الملك فإذاً﴾ أي فيتسبب عن ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه ﴿لا يؤتون الناس﴾ أي الذين آمنوا ﴿نقيراً *﴾ أي شيئاً من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من غيره، والنقير: النقرة في ظهر النواة، قيل: غاية في القلة؛ فهو كناية عن العدم، فهو بيان لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل فكيف بدرجة الملك لأن الملك والبخل لا يجتمعان ﴿أم﴾ أي ليس لهم نصيب ما من الملك، بل ذلهم لازم وصغارهم أبداً كائن دائم، فهم ﴿يحسدون الناس﴾ أي محمداً ﷺ الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله، أو العرب الذي لا ناس

стр. 2172

الآن غيرهم، لأنَّا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم، ودل على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله: ﴿على ما آتاهم الله﴾ أي بما له من صفات الكمال ﴿من فضله﴾ حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى والبأس: إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حساداً وقد آتاهم الله جميع أنواع الملك، فإنه على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر والبواطن معاً، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي كل منها سبب للانقياد، وذلك مع ما لهم بالله من تمام الوصلة؛ وملك على الظواهر فقط، وهو ملك الملوك؛ وملك على البواطن فقط، وهو ملك العلماء. ولما ذمهم أولاً بالجهل ومدح النفس تشبعاً بما لم يعطوا، وذلك سبب لجميع النقائص، وثانياً بأعظم منه: منع الحق من أهله بخلاً، وثالثاً بأعظم منهما: تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا تنقصهم، فحازوا بذلك أعلى خلال الذم، وكانت

стр. 2173

المساوي تضع والمحاسن ترفع، تسبب عن هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال: ﴿فقد﴾ أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنَّا آتيناهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في استحقاق الفضائل فقال: ﴿آتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿آل إبراهيم﴾ أي الذي أعلمناكم في كتابكم أنا أقسمنا له أنَّا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالاً على جميع حدود إخوته، ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد كل به ﴿الكتاب﴾ أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل ﴿والحكمة﴾ أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم ﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿ملكاً عظيماً *﴾ أي ضخماً واسعاً باقياً إلى أن تقوم الساعة ﴿فمنهم﴾ أي من آل إبراهيم ﴿من آمن به﴾ وهم أغلب العرب ﴿ومنهم من صد عنه﴾ أي أعرض بنفسه، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب. ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر دنيوي، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة: فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد الذل في هذه الدار والهوان والصغار، عطف

стр. 2174

عليه قوله: ﴿وكفى بجهنم سعيراً *﴾ أي توقداً والتهاباً في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى الأذى، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية، وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني، وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك بالحسد لمن آتاه الله ما لا ينقصهم.

стр. 2175

ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا﴾ أي ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها ﴿سوف نصليهم﴾ أي بوعيد ثابت وإن طال معه الإمهال ﴿ناراً﴾ ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة، استأنف قوله رداً لذلك: ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ أي صارت بحرّها إلى حالة اللحم النضيج الذي أدرك أن يؤكل، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح، فلا يحس بالألم ﴿بدَّلناهم﴾ أي جعلنا لهم ﴿جلوداً غيرها﴾ أي غير النضيجة بدلاً منها بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها،

стр. 2176

كما إذا صُغتَ من خاتم خاتماً على غير هيئته، فإنه هو الأول لأن الفضة واحدة، وهو غيره لأن الهيئة متغايرة، وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في الهيئة ﴿ليذوقوا﴾ أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب ﴿العذاب﴾ أي ليدوم لهم تجدد ذوقه، فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت، كما كانوا يجددون التكذيب بذلك كل وقت، ليكون الجزاء من جنس العمل، فإنه لو لم يُعِدْ منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم. ولما كان هذا أمراً لم يعهد مثله، دل على قدرته عليه بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿كان﴾ ولم يزل ﴿عزيزاً﴾ أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿حكيماً *﴾ ي يتقن صنعه، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم، لأن عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا. ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال: ﴿والذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ بياناً لصدقهم فيه ﴿الصالحات سندخلهم﴾ أي بوعد لا خلف فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم

стр. 2177

مدة، أو أنهم أقصرهم أعماراً إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف ﴿جنات﴾ أي بساتين، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي إن أرضها في غاية الريّ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر. ولما ذكر قيامها وما به دوامها، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال: ﴿خالدين فيها أبداً﴾ ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال: ﴿لهم فيها أزواج﴾ والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل: ﴿مطهرة﴾ أي متكرر طهرها، لا توجد وقتاً ما على غير ذلك. ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر، وربما آذى حرها، أمّن من ذلك فيها بقوله: ﴿وندخلهم﴾ أي فيها ﴿ظلاً﴾ أي عظيماً، وأكده بقوله ﴿ظليلاً *﴾

стр. 2178

أي متصلاً لا فرج فيه، منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما، ولا حر فيه ولا برد، بل هو في غاية الاعتدال. ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في الإرث وغيره، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال، وذكر خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث «سبعة يظلمهم الله في ظله» فقال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يأمركم﴾ أي أيتها الأمة ﴿أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ أي من غير خيانة ما، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره، والأمانة: كل ما وجب لغيرك عليك. ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه، أمر بما يحق له في معاملة غيره،

стр. 2179

وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفاً شيئين على شيئين: ﴿إذا حكمتم﴾ وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله: ﴿بين الناس﴾ وبين المأمور به بقوله: ﴿أن تحكموا بالعدل﴾ أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل» الحديث. ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: ﴿إن الله﴾ معبراً أيضاً بالاسم الأعظم ﴿نعمَّا﴾ أي نعم شيئاً عظيماً ﴿يعظكم به﴾ وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله: ﴿إن الله﴾ مكرراً لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم. ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال: ﴿كان﴾ أي ولم يزل ولا يزال

стр. 2180

﴿سميعاً﴾ أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جواباً لأمره وغيره ذلك ﴿بصيراً *﴾ أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره. ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه، ورهب من تركه؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: ﴿أطيعوا﴾ أي بموافقة الأمر تصديقاً لدعواكم الإيمان ﴿الله﴾ أي فيما أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى، وعظم رتبة نبيه ﷺ بإعادة العامل فقال: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ فيما حده لكم في سنته عن الله وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة مقتضٍ لذلك، ولهذا عبر به دون النبي ﴿وأولي الأمر منكم﴾ أي الحكام، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية - كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل - من طاعة رسول الله ﷺ ، وطاعته من طاعة الله ؛ والعلماء من أولي الأمر أيضاً، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله ﷺ .

стр. 2181

ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس، فسبب عما تقديره: هذا في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها، قوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾ أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم ﴿فردوه إلى الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه ﴿والرسول﴾ أي الكامل الرسالة بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس، ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي ﷺ مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ذكره، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله: ﴿إن كنتم تؤمنون﴾ أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان ﴿بالله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ﴿واليوم الآخر﴾ الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية، ثم دل على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصاً رسوله ﷺ : ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي الرتبة ﴿خير﴾ أي وغيره شر ﴿وأحسن تأويلاً *﴾ أي عاقبة أو

стр. 2182

ترجيعاً ورداً من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة من الكتاب والسنة، فإن في الأحكام ما لا يستقل عنهما قال: «نزلت هذه الآية ﴿أطيعوا الله﴾ في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ﷺ في سرية» يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار.

стр. 2183

ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد أن جمع الخلق على طاعته بالطريق الذي ذكره: فمن أبى ذلك فليس بمؤمن، دل عليه بقوله معجباً مخاطباً لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول: ﴿ألم تر﴾ وأشار إلى بعدهم عن على حضرته بقوله: ﴿إلى الذين﴾ وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله: ﴿يزعمون أنهم آمنوا﴾ أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم ﴿بما أنزل إليك﴾ ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله: ﴿وما﴾ أي ويزعمون أنهم آمنوا بما ﴿أنزل من قبلك﴾ أي من التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر

стр. 2184

إلا في القول الذي لا يتحقق، يقال: زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه، والمراد أن هؤلاء قالوا قولاً هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم ﴿يريدون أن يتحاكموا﴾ أي هم وغرماؤكم ﴿إلى الطاغوت﴾ أي إلى الباطل المعرق في البطلان ﴿وقد﴾ أي والحال أنهم قد ﴿أمروا﴾ ممن له الأمر ﴿أن يكفروا به﴾ في كل ما أنزل من كتابك وما قبله، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به كافرين بالله وهو معنى قوله: ﴿ويريد الشيطان﴾ بإرادتهم ذلك التحاكم ﴿أن يضلهم﴾ أي بالتحاكم إليه ﴿ضلالاً بعيداً *﴾ بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى. وهذه الآية سبب تسمية عمر ﵁ بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله ﷺ في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت، ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله ﷺ فقال: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي من أي قائل كان ﴿تعالوا﴾ أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم ﴿إلى ما أنزل الله﴾

стр. 2185

أي الذي عنده كل شيء ﴿وإلى الرسول﴾ أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة، رأيتهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال: ﴿رأيت المنافقين يصدون﴾ أي يعرضون ﴿عنك﴾ وأكد ذلك بقوله: ﴿صدوداً﴾ أي هو في أعلى طبقات الصدود. ولما تسبب عن هذا تهديدهم، قال - مهولاً لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه بالاستفهام، معلماً بأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار -: ﴿فكيف﴾ أي يكون حالهم ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ أي عقوبة هائلة ﴿بما قدمت أيديهم﴾ مما ذكرنا ومن غيره. ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيداً لأن الكذب عند العرب كان شديداً؛ قال: ﴿ثم جاءوك﴾ أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال كونهم ﴿يحلفون بالله﴾ أي الحاوي لصفات الكمال من الجلال والجمال غير مستحضرين لصفة من صفاته ﴿إن﴾ أي ما ﴿أردنا﴾ أي في جميع أحوالنا وبسائر أفعالنا ﴿إلا إحساناً وتوفيقاً *﴾ أي أن تكون الأمور على الوجه الأحسن والأوفق لما رأينا في ذلك مما خفي على غيرنا - وقد كذبوا في جميع ذلك.

стр. 2186

ولما ذكر بعض ما يصدر منهم من التناقضات وهم غير محتشمين ولا هائبين، قال معلماً بشأنهم معلماً لما يصنع بهم: ﴿أولئك﴾ أي البعداء عن الخير ﴿الذين يعلم الله﴾ أي الحاوي لنعوت العظمة ﴿ما في قلوبهم﴾ أي من شدة البغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه عنه، ثم سبب تعليماً لما يصنع بهم وإعلاماً بأنهم لا يضرون إلا أنفسهم قوله: ﴿فأعرض عنهم﴾ أي عن عقابهم وعن الخشية منهم وعن عتابهم، لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب ﴿وعظهم﴾ أي وإن ظننت أن ذلك لا يؤثر، لأن القلوب بيد الله يصطنعها لما أراد متى أراد ﴿وقل لهم في أنفسهم﴾ أي بسببها وما يشرح أحوالها ويبين نقائصها من نفائسها، أو خالياً معهم، فإن ذلك أقرب إلى ترقيقهم ﴿قولاً بليغاً *﴾ أي يكون في غاية البلاغة في حد ذاته.

стр. 2187

ولما أمر بطاعة الرسول ﷺ ، وذم من حاكم إلى غيره وهدده، وختم تهديده بأمر النبي ﷺ بالإعراض عنه والوعظ له، فكان التقدير: فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا الرفق بالأمة والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة، عطف عليه قوله: ﴿وما أرسلنا﴾ أي بما لنا من العظمة، ودل على الإعراق في الاستغراق بقوله: ﴿من رسول﴾ ولما كان ما يؤتيهم

стр. 2188

سبحانه وتعالى من الآيات ويمنحهم به من المعجزات حاملاً في ذاته على الطاعة شبهه بالحامل على إرساله فقال: ﴿إلا ليطاع﴾ أي لأن منصبه الشريف مقتض لذلك آمر به داعٍ إليه ﴿بإذن الله﴾ أي بعلم الملك الأعظم الذي له الإحاطة بكل شيء في تمكينه من أن يطاع، لما جعلنا له من المزية بالصفات العظيمة والمناصب الجليلة والأخلاق الشريفة كما قال ﷺ «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁. ولما كان التقدير: فلو أطاعوك لكان خيراً لهم، عطف عليه قوله: ﴿ولو أنهم إذ﴾ أي حين ﴿ظلموا أنفسهم﴾ أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره ﴿جاءوك﴾ أي مبادرين ﴿فاستغفروا الله﴾ أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من الملك الأكرم لما استحضروه له من الجلال ﴿واستغفر لهم الرسول﴾ أي ما فرطوا بعصيانه فيما استحقه عليهم من الطاعة ﴿لوجدوا الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿تواباً رحيماً *﴾ أي بليغ التوبة على عبيده والرحمة، لإحاطته بجميع صفات الكمال، فقبل توتبهم ومحا ذنوبهم وأكرمهم.

стр. 2189

ولما أفهم ذلك أن إباءهم لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم من الإيمان، قال - مؤكداً للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات مضمونه و «لا» النافية لنقيضه: ﴿فلا وربك﴾ أي المحسن إليك ﴿لا يؤمنون﴾ أي يوجدون هذا الوصف ويجددونه ﴿حتى يحكموك﴾ أي يجعلوك حكماً ﴿فيما شجر﴾ أي اختلط واختلف ﴿بينهم﴾ من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجر في التداخل والتضايق. ولما كان الإذعان للحكم بما يخالف الهوى في غاية الشدة على النفس أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم لا يجدوا في نفسهم حرجاً﴾ أي نوعاً من الضيق ﴿مما قضيت﴾ أي عليهم به، وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل فقال: ﴿ويسلموا﴾ أي يوقعوا التسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم وغيرها لله ورسوله ﷺ خالصاً عن شوب كره؛ ثم زاده تأكيداً بقوله: ﴿تسليماً *﴾ وفي الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار، فلا التفات إلى من قال: إنه حاطب ﵁. ولما كان التقدير: فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها، عطف عليه قوله: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه

стр. 2190

وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة ﴿إن اقتلوا أنفسكم﴾ أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة، هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها ﴿أو اخرجوا﴾ كما فعل المهاجرون - رضي الله تعالى عنهم - الذين الزبير من رؤوسهم ﴿من دياركم﴾ أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم - توبة لربكم ﴿ما فعلوه﴾ أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا، فاستحقوا القتل. ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه، قال: ﴿إلا قليل منهم﴾ أي وهم العالمون بأن الله خير لهم من أنفسهم، وأن حياتهم إنما هي في طاعته؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه، قال: أما والله! إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر ﵄، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك. ولا ريب في أن التقدير: ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا

стр. 2191

بهذه الحنيفية السمحة. ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف، قال مرغباً: ﴿ولو أنهم﴾ أي هؤلاء المنافقين ﴿فعلوا ما يوعظون﴾ أي يجدد لهم الوعظ في كل حين ﴿به لكان﴾ أي فعلهم ذلك ﴿خيراً لهم﴾ أي مما اختاروه لأنفسهم ﴿وأشد تثبيتاً *﴾ أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة ﴿وإذاً لآتيناهم﴾ أي وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم بما لنا من العظمة إيتاء مؤكداً لا مرية فيه. وأشار بقوله: ﴿من لدنا﴾ إلى أنه من غرائب ما عنده من خوارق خوارق العادات ونواقض نواقض المطردات ﴿أجراً عظيماً * ولهديناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿صراطاً مستقيماً *﴾ أي يوصلهم إلى مرادهم، وقد عظم هذا الأجر ترغيباً في الطاعة أنواعاً من العظمة منها التنبيه ب «إذا» ، والإتيان بصيغة العظمة و «لدن» مع العظمة والوصف بالعظيم.

стр. 2192

ولما رغب في العمل بمواعظه، وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ، وكان ما قدمه في وعظه أمراً مجملاً؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ في مطلق الطاعة التي المقام كله لها، مفصلاً إجمال ما وعد

стр. 2193

عليها فقال: ﴿ومن يطع الله﴾ أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره مستحضراً عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد والاستمرار ﴿والرسول﴾ أي في كل ما أراده، فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك، لا سيما من بلغ نهايتها ﴿فأولئك﴾ أي العالو الرتبة العظيمو الشرف ﴿مع الذين أنعم﴾ أي بما له من صفات الجلال والجمال ﴿عليهم﴾ أي معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة، لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة. ثم بينهم بقوله: ﴿من النبيين﴾ أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم، وأنبؤوا الناس بحلائل الكلم، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم ﴿والصديقين﴾ أي الذين صدقوا أول الناس ما أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم، فكانوا قدوة لمن بعدهم ﴿والشهداء﴾ أي الذين لم يغيبوا أصلاً عن حضرات القدس ومواطن الأنس طرفة عين، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين الله بالحق، ولسواه بالبطلان بالحجة أو بالسيف، ثم قتلوا في سبيل الله ﴿والصالحين﴾ أي الذين لا يعتريهم في ظاهر ولا باطن بحول الله فساد أصلاً، وإلى

стр. 2194

هذا يشير كلام العارف الشيخ رسلان حيث قال: ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه، وقد تجتمع الصفات الأربع في شخص وقد لا تجتمع، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية وإن قلنا: إن علياً وزيداً رضي الله تعالى عنهما أسلما قبله، لأنه - لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعاً للنبي ﷺ كان قدوة لغيره، ولذلك كان سبباً لإسلام ناس كثير وأولئك كانوا سبباً لإسلام غيرهم، فكان له مثل أجر الكل، وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في الله بالمدافعة عن النبي ﷺ وغير ذلك من الأفعال الدالة على صدقه، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة النبوة، ولرفع الواسطة بينهما وفق الله هذه الأمة التي اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم ﷺ ودفنه إلى جانبه، ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي ﷺ في آخر عمره بهم فقال: «مع الرفيق الأعلى» روى البخاري في التفسير عن عائشة ﵄ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول «ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا

стр. 2195

والآخرة» ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ فعلمت أنه خيّر. ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء، لم يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال من معهم، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله: ﴿وحسن﴾ أي وما أحسن ﴿أولئك﴾ أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق ﴿رفيقاً *﴾ من الرفق، وهو لغة: لين الجانب ولطافة الفعل وهو مما يستوي واحده وجمعه. ثم أشار إلى تعظيم ما منحهم به مرغباً في العمل بما يؤدي إليه بأداة البعد فقال: ﴿ذلك الفضل﴾ وزاد في الترغيب فيه بالإخبار عن هذا الابتداء بالاسم الأعظم فقال: ﴿من الله﴾ . ولما كان مدار التفضيل على العلم، قال - بانياً على تقديره: لما يعلم من صحة بواطنهم اللازم منها شرف ظواهرهم -: ﴿وكفى بالله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿عليماً *﴾ يعلم من الظواهر والضمائر ما يستحق به التفضيل من فضله على غيره. ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب من قبل موعظته

стр. 2196

ولو في قتل نفسه، وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين المخادعين، فتوفرت دواعي الراغبين في المكارم على ارتقابها؛ التفت إلى المؤمنين ملذذاً لهم بحسن خطابه نادباً إلى الجهاد مع الإرشاد إلى الاستعداد له مما يروع الأضداد، فقال منبهاً بأداة البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى تنبيه على مثل هذا -: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان. ولما كان قد خلق للإنسان عقلاً يحمله على التيقظ والتحرز من الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - مهملاً له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه؛ قال : ﴿خذوا حذركم﴾ أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم: المشاققين منهم والمنافقين ﴿فانفروا﴾ أي اخرجوا تصديقاً لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين ﴿ثبات﴾ أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية. لا تملوا ذلك أصلاً ﴿أو انفروا جميعاً *﴾ أي عسكراً واحداً، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه قال: خففت

стр. 2197

عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم آمركم إلا بما تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد القتال الذي هو مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدرجة التي ما بعدها إلا درجة النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت. ولما كان التقدير: فإن منكم الخارج إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر، عطف عليه قوله - مبيناً لما هو من أجلّ مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقين للتحذير منهم، ووصفهم ببعض ما يخفون، مؤكداً لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر أن يكون كذلك -: ﴿وإن منكم﴾ أي يا أيها الذين آمنوا وعزتنا ﴿لمن ليبطئن﴾ أي يتثاقل في نفسه عن الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه، ويأمر غيره بذلك أمراً مؤكداً إظهاراً للشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر الضعف المؤدي إلى جرأة العدو المفضي إلى التلاشي. ولما كان لمن يتثاقل عنهم حالتا نصر وكسر، وسبب عن تثاقله

стр. 2198

مقسماً لقوله فيهما: ﴿فإن أصابتكم مصيبة﴾ أي في وجهكم الذي قعدوا عنه ﴿قال﴾ ذلك القاعد جهلاً منه وغلظة ﴿قد أنعم الله﴾ أي الملك الأعظم، ذاكراً لهذا الاسم غير عارف بمعناه ﴿عليّ إذ﴾ أي حين، أو لأني ﴿لم أكن معهم شهيداً *﴾ أي حاضراً، ويجوز أن يريد الشهيد الشرعي، ويكون إطلاقه من باب التنزل، فكأنه يقول: هذا الذي هو أعلى ما عندهم أعدُّ فواته مني نعمة عظيمة ﴿ولئن أصابكم فضل﴾ أي فتح وظفر وغنيمة ﴿من الله﴾ أي الملك الأعلى الذي كل شيء بيده. ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد قوله: ﴿ليقولن﴾ أي في غيبتكم، واعترض بين القول ومقوله تأكيداً لذمهم بقوله: ﴿كأن﴾ أي كأنه ﴿لم﴾ أي مشبهاً حاله حال من لم ﴿يكن بينكم وبينه مودة﴾ أي بسبب قوله: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز﴾ أي بمشاركتهم في ذلك ﴿فوزاً عظيماً *﴾ وذلك لأنه لو كان ذا مودة لقال حال المصيبة: يا ليتها لم تصبهم! ولو كنت معهم لدافعت عنهم! وحال الظفر: لقد سرني عزهم، ولكنه لم يجعل

стр. 2199

محط همه في كلتا الحالتين غير المطلوب الدنيوي، ولعله خص الحالة الثانية بالتشبيه لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب، وأما الحالة الأولى فربما اقتصر المحب فيها على ذلك قصداً للبقاء لأخذ الثأر ونكال الكفار، وذكر المودة لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة والنصيحة للمؤمنين.

стр. 2200

ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا، علم أن قصد المجاهد الآخرة، فسبب عن ذلك قوله: ﴿فليقاتل في سبيل الله﴾ أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه ﴿الذين يشرون﴾ أي يبيعون برغبة ولجاجة وهم المؤمنون، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالاً للمشترك في مدلوليه ﴿الحياة الدنيا﴾ فيتركونها ﴿بالآخرة﴾ ولما كان التقدير: فإنه من قعد عن الجهاد فقد رضي في الآخرة بالدنيا، عطف عليه قوله: ﴿ومن يقاتل في سبيل الله﴾ أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال ﴿فيقتل﴾ أي في ذلك الوجه وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه ﴿أو يغلب﴾ أي الكفار فيسلم ﴿فسوف نؤتيه﴾ أي بوعد لا خلف فيه بما لنا من العظمة المحيطة بالخير والشر، والآية من الاحتباك:

стр. 2201

ذكرُ القتل أولاً دليل على السلامة ثانياً، وذكر الغالبية ثانياً دليل على المغلوبية أولاً؛ وربما دل التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالباً خلافاً لما يتوهمه كثير من الناس - إعلاماً بأن المدار على فعل الفاعل المختار، لا على الأسباب ﴿أجراً عظيماً *﴾ أي في الدارين على اجتهاده في إعزاز دين الله ، واقتصاره على هذين القسمين حث على الثبات ولو كان العدو أكثر من الضعف ﴿فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء﴾ [آل عمران: ١٣] والله مع الصابرين. ولما كان التقدير: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ممن لا يخلف الميعاد، وكانوا يقولون: إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي الذمار، ويذب عن الجار، ويمنع الحوزة؛ قال عاطفاً على هذا المقدر ملهباً لهم ومهيجاً، ومبكتاً للقاعدين وموبخاً: ﴿وما﴾ أي وأي شيء ﴿لكم﴾ من دنيا آو آخره حال كونكم ﴿لا تقاتلون﴾ أي تجددون القتال في كل وقت، لا تملونه ﴿في سبيل الله﴾ أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة الكاملة والغنى المطلق وبسبب خلاص ﴿والمستضعفين﴾ أي المطلوب من الكفار ضعفهم حتى صار موجوداً، ويجوز - وهو أقعد - أي يكون منصوباً

стр. 2202

على الاختصاص تنبيهاً على أنه من أجل ما في سبيل الله. ولما كان الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم، ثم ما لمن يكون العار به أقوى وأحكم؛ رتبهم هذا الترتيب فقال: ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وكانوا يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، وكل منهما كافٍ في بعث ذوي الهمم العالية والمكارم على القتال، ثم وصفهم بما يهيج إلى نصرهم ويحث على غياثهم فقال: ﴿الذين يقولون﴾ أي لا يفترون ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا بإخراجنا من الظلمات إلى النور ﴿أخرجنا من هذه القرية﴾ ثم وصفوها بالحامل على هذا الدعاء فقالوا: ﴿الظالم أهلها﴾ أي بما تيسره لنا من الأسباب ﴿واجعل لنا من لدنك﴾ أي من أمورك العجيبة في الأمور الخارقة للعادات ﴿ولياً﴾ يتولى مصالحنا. ولما كان الولي قد لا يكون فيه قوة النصر قالوا: ﴿واجعل لنا﴾ ولما كانوا يريدون أن يأتيهم خوارق كرروا قولهم: ﴿من لدنك نصيراً *﴾ أي بليغ النصر إلى حد تعجب منه المعتادون للخوارق، فكان بهذا الكلام كأنه قال: قد جعلت لكم

стр. 2203

الحظ الأوفر من الميراث، فما لكم لا تقاتلون في سبيلي شكراً لنعمتي وأين ما تدّعون من الحمية والحماية! ما لكم لا تقاتلون في نصر هؤلاء الضعفاء لتحقق حمايتكم للذمار ومنعكم للحوزة وذبكم عن الجار! . ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار، استأنف الإخبار عن الفريقين فقال مؤكداً للترغيب في الجهاد: ﴿الذين آمنوا﴾ أي صدقوا في دعواهم الإيمان ﴿يقاتلون﴾ أي تصديقاً لدعواهم من غير فترة أصلاً ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال قاصدين وجهه بحماية الذمار وغيره، وأما من لم يصدق دعواه بهذا فما آمن ﴿والذين كفروا يقاتلون﴾ أي كذلك ﴿في سبيل الطاغوت﴾ فلا ولي لهم ولا ناصر. ولما كان الطاغوت الشيطان أو من زينه الشيطان، وكان كل من عصى الله منه وممن أغواه حقيراً؛ سبب عن ذلك قوله: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾ ثم علل الجرأة عليهم بقوله: ﴿إن كيد الشيطان﴾ أي الذي هو رأس العصاة ﴿كان﴾ جبلة وطبعاً ﴿ضعيفاً *﴾ . ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية، وختم بما

стр. 2204

ينهض الجبان، ويقوي الجنان، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان؛ عجب من حال من توانى بعد ذلك واستكان، فقال تعالى مقبلاً بالخطاب على أعبد خلقه وأطوعهم لأمره: ﴿ألم تر﴾ وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضاً لهم بقوله: ﴿إلى الذين قيل لهم﴾ أي جواباً لقولهم: إنا نريد أن نبسط ايدينا إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال ﴿كفوا أيديكم﴾ أي ولا تبسطوها إليهم فإنا لم نأمر بهذا ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي صلة بالخالق واستنصاراً على المشاقق ﴿وأتوا الزكاة﴾ منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة للخلائق ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح، كتابة لا تنفك إلى آخر الدهر ﴿إذا فريق منهم﴾ أي ناس تلزم عن فعلهم الفرقة، فأحبوا هذه الكتب بأنهم ﴿يخشون الناس﴾ أي الذين هم مثلهم، أن يضروهم، والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجراً منهم وهم ناس مثلهم ﴿كخشية الله﴾ أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره.

стр. 2205

ولما كان كفهم عن القتال شديداً يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ما يتردد به في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله، عبر بأداة الشك فقال: ﴿أو أشد خشية﴾ أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من خشيتهم من الله، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله جزماً بل إما مثله أو أشد منه؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى وقتين، فيكون خوفهم منه في وقت متساوياً، وفي آخر أزيد، فهو متردد بين هذين الحالين؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم لتأخيره إلى وقت ما. وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة: ﴿وقالوا﴾ جزعاً من الموت أو المتاعب - إن كانوا مؤمنين، أو اعتراضاً - إن كانوا منافقين، على تقدير صحة ما يقول الرسول ﷺ ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا القريب منا ﴿لم كتبت علينا القتال﴾ أي ونحن الضعفاء ﴿لولا﴾ أي هلا ﴿أخرتنا﴾ أي عن الأمر بالقتال ﴿إلى أجل قريب﴾ أي لنأخذ راحة مما كنا فيه من الجهد من الكفار بمكة، «وسبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون وسعد بن

стр. 2206

أبي وقاص وجماعة ﵃ كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيراً قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله ﷺ : كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم» حكاه البغوي عن الكلبي، وحكاه الواحدي عنه بنحوه، وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا رسول الله! كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال:» إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم «فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿ألم إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ » الآية. وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك، فالمراد من الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم، ليس غير. ولما عجب ﵊ منهم إنكاراً عليهم كان كأنه قال: فما أقول لهم؟ أمره بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل أرائهم

стр. 2207

بقوله: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ أي ولو فرض أنه مدّ في آجالكم إلى أن تملوا الحياة، فإن كل منقطع قليل، مع أن نعيمها غير محقق الحصول، وإن حصل كان منغصاً بالكدورات ﴿والآخرة خير لمن اتقى﴾ أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر فيه، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق، لأن عذابها طويل لا يزول ﴿ولا تظلمون فتيلاً *﴾ أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم، ولا أرزاقكم باشتغالكم، ولا في آخرتكم بأن يضيع شيء من ثوابكم على ما تنالونه من المشقة، لأنه حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه، ولا يفعل شيئاً إلا على قانون الحكمة، فما لكم تقولون قول المتهم: لم فعلت؟ أتخشون الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر؟ أتخشون الظلم في إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء، ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ [الأنبياء: ٢٣] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه أتم الفضل.

стр. 2208

ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء،

стр. 2209

وكانوا كأنهم يرجون بترك القتال الخلود، أو تأخير موت يسببه القتال؛ نبههم على ما يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له وإن امتنع الإنسان منه في الحصون، أو رمى نفسه في المتألف فقال تعالى - مبكتاً من قال ذلك، مؤكداً بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال من ينكر الموت بغير القتال، مجيباً بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب الأول على سبيل التنزل -: ﴿أينما تكونوا﴾ أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم ﴿يدرككم الموت﴾ أي فإنه طالب، لا يفوته هارب ﴿ولو كنتم في بروج﴾ أي حصون برج داخل برج، أو كل واحد منكم في برج. ولما كان ذلك جمعاً ناسب التشديد المراد به الكثرة في ﴿مشيّدة﴾ أي مطولة، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص، فلا خلل فيه أصلاً، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضاً يقتضيه، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره.

стр. 2210

ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: ﴿ربنا لم كتبت﴾ [النساء: ٧٧] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن يقال: إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم مبكتاً به لمن توانى في أمره، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول ﷺ الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: ﴿وإن﴾ أي قالوا ذلك والحال أنه إن ﴿تصبهم﴾ أي بعض المدعوّين من الأمة، وهم من كان في قلبه مرض ﴿حسنة﴾ أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان ﴿يقولوا هذه من عند الله﴾ أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت ﴿يقولوا هذه من عندك﴾ أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك. ولما كان هذا أمراً فادحاً، وللفؤاد محرقاً وقادحاً، سهل عليه بقوله: ﴿قل كل﴾ أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية ﴿من عند الله﴾ أي الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي ﷺ ،
следующие страницы →