Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
تطلّب الكهنة كيف يهلكونه، وكانوا يخافون من الشعب، فدخل الشيطان في يهودا الذي يدعى الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة، فمضى وكلم رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم، ففرحوا ووعدوه، وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم مفرداً عن الجمع، فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح، فأرسل بطرس ويوحنا وقال: امضيا وأعدا لنا الفسح، ثم قال: فانطلقا وأعدا الفسح، ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر تليمذاً، قال: فقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل معكم الفسح، فإني أقول لكم: إني أيضاً لا آكل منه حتى يتم في ملكوت الله؛ وقال متى: وفيما هم يأكلوا قال: الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فحزنوا جداً وشرع كل واحد منهم يقول: لعلي أنا هو؛ وقال يوحنا: وقال: الحق الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فنظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، وكان واحداً من تلاميذه متكئاً في حضن يسوع، وهو الذي كان يسوع يحبه، فأومأ شمعون الصفا إليه أن يعلمه مَن الذي قال لأجله؛ فوقع ذلك التلميذ على صدر يسوع وقال له: يا سيدي! من هذا؟ فقال يسوع: هو الذي أبلّ خبزاً وأناوله، فبلّ خبزاً ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي، وقال متى: فقال: الذي يجعل يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ وابن الإنسان ماضٍ كما كتب
стр. 2382
من أجله، الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان، حبذا له لو لم يولد، أجابه يهودا مسلمه وقال: لعلي أنا هو يا معلم! قال: أنت، قال: فسبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون؛ وقال لوقا: فقال لهم: إن ملوك الأمم هم ساداتهم، والمسلطون عليهم يدعون المحسنين إليهم، فأما أنتم فليس كذلك، لكن الكبير منكم يكون كالصغير والمقدم كالخادم، من أكبر؟ المتكىء أم الذي يخدم؟ أليس المتكىء فأما أنا في وسطكم فمثل الخادم، وأنتم الذي صبرتم معي في تجاربي، وأنا أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت، لتأكلوا وتشروبوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كرسيّ، وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى أن قال: ثم خرج كالعادة ومضى إلى جب الزيتون، ومعه أيضاً تلاميذه، فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا التجربة، وانفرد عنهم كرمية حجر وخرَّ على ركبتيه فصلى؛ وقال متى: حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أضرب الراعي، تفرق خراف الرعية، فأجاب بطرس وقال له: لو شك جميعهم لم أشك أنا، قال له يسوع: الحق أقول لك! في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات؛ وقال يوحنا: الحق الحق أقول لكم! لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاثاً، لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي؛
стр. 2383
وقال متى: قال له بطرس: لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت؛ وقال مرقس: فتمادى بطرس وقال: يا أبت! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس أنكرك، وهكذا قال جميع التلاميذ، حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية، فقال للتلاميذ: اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك، امكثوا واسهروا معي، وبعد ذلك خرَّ على وجهه يصلي، وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً، قال مرقس: فقال البطرس: يا شمعون! أنت نائم؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا التجارب، أما الروح فمستبشرة، وقال مرقس: فمستعدة، وأما الجسد فضعيف، ومضى أيضاً وصلى، وجاء أيضاً فوجدهم نياماً، لأن عيونهم كانت ثقيلة، فتركهم؛ ومضى أيضاً يصلي، قال لوقا: وظهر له ملاك من السماء ليقويه، وكان يصلي تواتراً، وكان عرفه كعبيط الدم نازلاً على الأرض! وقال متى: حينئذ جاء إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا! قد اقتربت الساعة، وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا الإسخريوطي أحد الاثني عشر، معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة وقال: الذي أقبّله هو هو فأمسكوه، وجاء إلى يسوع وقال له: السلام يا معلم!
стр. 2384
وقبّله فقال له يسوع: يا هذا! ألهذا جئت؟ حينئذ جاؤوا فوضعوا أيديهم على يسوع وقبضوا عليه، ثم قال: في تلك الساعة قال يسوع للجموع: كأنكم قد خرجتم إلى لص بالسيوف والعصيّ لتأخذوني، في كل يوم كنت أجلس عندكم أعلِّم في الهيكل فما قبضتم عليّ، وهذا كله كان لتكميل كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقال يوحنا: إن يهودا أخذ جنداً من عند عظماء الكهنة والفريسيين وشرطاً، وجاء إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح، ويسوع كان عارفاً بكل شيء يأتي عليه، فخرج وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري، قال: أنا هون وكان يهودا واقفاً معهم، فلما قال: أنا هو، رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض، فقال يسوع: إن كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبوا، لتتم الكلمة التي قالها: إن الذي أعطيتني لن يهلك منهم أحد؛ وقال متى: حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، والذين أخذوا يسوع اقتادوه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، وأما بطرس فأتبعه على بُعُد منه إلى دار رئيس الكهنة، ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام، وقال مرقس: وجلس مع الخدام عند النار
стр. 2385
يصطلي؛ وقال يوحنا: وإن شمعون الصفا والتلميذ الآخر - يعني الذي تقدم أن عيسى كان يحبه - تبعا يسوع، وكان عظيم الكهنة يعرف ذلك التلميذ، فدخل يسوع إلى دار عظيم الكهنة، فأما شمعون فكان واقفاً خارج الباب، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معارف رئيس الكهنة، فقال للبوابة وأدخل شمعون بطرس، فقالت الجارية البوابة لشمعون: أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال لها: لا! وكان العبيد والشرط قياماً يوقدون ناراً ليصطلوا، لأنها كانت ليلة باردة، وقام شمعون معهم أيضاً يصطلي: قال متى: فقال رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن كنت أنت هو المسيح! قال له يسوع: أنت قلت؛ ثم ذكر أنهم أفتوا بقتله وقال: عند ذلك بصقوا في وجهه وستروا وجهه بثوب ولطموا وجهه فوقه قائلين: أيها المسيح! بين لنا مَنْ هو الذي ضربك؟ قال مرقس: وبينما بطرس في أسفل الدار جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له: وأنت أيضاً قد كنت مع يسوع الناصري؛ وقال متى: مع يسوع الجليلي، وقال لوقا: فلما رأته جارية جالساً عند الضوء ميزته فقالت: هذا أيضاً كان معه، فأنكر وقال: ما أعرفه؛ وقال متى: فجحد بين أيديهم أجمعين، وعند خروجه إلى الباب أبصرته جارية أخرى فقالت: وهذا أيضاً كان مع
стр. 2386
يسوع الناصري، فجحد أيضاً بيمين: إني لست أعرف الرجل، وبعد قليل تقدم الوقوف فقالوا لبطرس: بالحقيقة إنك منهم أنت! لأن كلامك يدل عليك؛ وقال مرقس: وأنت جليلي وكلامك يشبه كلامهم، وقال: حينئذ أقبل بطرس يلعن ويحلف: إني لست أعرف الإنسان، وفي الحال صاح الديك، فذكر بطرس كلمة يسوع: قبل أن يصيح الديك، تجحدني ثلاثاً، فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مُرّا.
ولما كان الصبح عملوا كلهم مؤامرة على يسوع حتى يميتوه فربطوه وساقوه إلى بيلاطيس النبطي، ولما أبصر يودس - يعني يهودا الإسخريوطي - أنه قد حكم عليه تندم ورد الثلاثين الفضة على رؤساء الكهنة قائلاً: قد أخطأت إذ أسلمت دماً زكياً، فقالوا: ما علينا! فطرح الفضة في الهيكل ومضى فخنق نفسه، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لن يجوز لنا أن نلقيها في داخل الزكاة، لأنها ثمن دم، فتشاوروا وابتاعوا حقل الفاخوري لدفن الغرباء، لذلك دعي ذلك الحقل حقل الدم إلى اليوم، حينئذ تم قول إرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الدم الذي ثمنه بنوا إسرائيل، وجعلوها في حقل الفاخوري على ما رسم لي؛ وأما يسوع فوقف أمام الوالي،
стр. 2387
ثم ذكر أن الوالي كان كارهاً لقتله، وأن امرأته أرسلت إليه تقول: إياك ودم ذاك الصديق، فإني توجعت في هذا اليوم كثيراً من أجله في الحلم، وأنه اجتهد بهم ليطلقوه فأبوا إلا صلبه، وصاحوا عليه، وأنه قال لهم: أي شر عمل؟ فازدادوا صياحاً وقالوا: يصلب؛ فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع وقال: إنني بريء من دم هذا الصديق، فقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا، وقال لوقا: وإن بيلاطس قال لرؤساء الكهنة: أنا لم أجد على هذا الإنسان علة - حتى قال: فلما علم أنه من سلطان هيرودس - يعني من الجليل - أرسله إلى هيرودس، لأنه كان في تلك الأيام بيروشليم، وأن هيرودس لما رأى يسوع فرح جداً، لأنه كان يشتهي أن يراه من زمان طويل لما كان يسمع عنه من الأمور الكثيرة، وكان يرجو أن يعاين آية يعملها، وسأله عن كلام كثير ذكره، وذكر أنه لم يجبه، فاحتقره هيرودس وجنده واستهزؤوا به وألبسه ثياباً حمراء، وأرسله إلى بيلاطس وصار بيلاطس وهيرودس صديقين في ذلك اليوم، لأنه كان بينهما عداوة، ثم ذكر أن بيلاطس قال لهم: لم أجد عليه علة آخذة بها، ولا هيرودس أيضاً، وأنهم لم يقبلوا منه ذلك وصاروا يصيحون: اصلبه اصلبه، وقال يوحنا: ثم جلس -
стр. 2388
يعني بيلاطس - على كرسي في موضع يعرف برصيف الحجارة، وبالعبرانية يسمى جاحلة؛ ثم ذكر جميع نقلة أناجيلهم أنهم صلبوه بين لصّين، وأنهم كانوا يستهزئون به حتى اللصان المصلوبان؛ قال مرقس: فلما كانت الساعة السادسة تفشّت الأرض كلها ظلمة إلى الساعة التاسعة، وأنه صاح بصوت عظيم منه: إلهي! إلهي! لِمَ تركتني! فانشق ستر حجاب الهيكل باثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وكثير من أجساد القدسين النيام قاموا من قبورهم، ودخلوا المدينة فظهروا لكثير، وكان هناك نسوة كثير ينظرن من بعيد، ومن اللاتي تبعن عيسى من الجليل منهم مريم المجدلانية، ومريم أم يعقوب الصغير، وأم يوسا، وأم ابن يزبدي، وقال يوحنا: وكان واقفاً عند صلبه أمه وأخت أمه مريم ابنة إكلاوبا ومريم المجدلية، ثم ذكروا أنه دفن؛ وذكر مرقس أنه كان يوم جمعة؛ وقال يوحنا: وأما اليهود - فلأنه يوم الجمعة - قالوا: هذه الأجساد لا تثبت على صلبها، لأن السبت كان عظيماً، ثم ذكر أنهم أنزلوهم، وأن عيسى دفن؛ وقال متى: إن الملك جاء
стр. 2389
بعد ثلاث وأقامه، وقال للنسوة: إنه قد قام فأسرعن فقلن لتلاميذه: هوذا سبقكم إلى الجليل، وإن رؤساء اليهود رشوا الجند الذين كانوا يحرسون قبره ليقولوا: إن تلاميذه سرقوه من القبر، فقالوا وشاع ذلك عند اليهود إلى اليوم، فأما الأحد عشر تلميذاً فمضوا إلى الجليل الذي أمروا به، فلما رأوه سجدوا له، وبعضهم شك؛ وقال لوقا: وفيما هم يتكلمون وقف عيسى إلى وسطهم، وقال لهم: السلام عليكم يا هؤلاء! لا تخافوا! فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم ينظرون روحاً، فقال لهم: ما بالكم تضطربون؟ وِلمَ يأتي الإنكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو، جسّوني وانظروا إليّ! الروح ليس له لحم ولا عظم، كما ترون أنه لي، ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين من الفرح والتعجب، وقال لهم: أعندكم هاهنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءاً من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، ثم قال: ثم أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم، وصعد إلى السماء؛ وقال يوحنا: إنه قال لمريم: امضي إلى إخوتي وقولي لهم: إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والهكم؛ وقال متى: فجاء
стр. 2390
يسوع فكلمتهم فقال: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم.
انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة، فقد بان لك أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد، وهو الإسخريوطي، وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه، وأنه إنما وضع يده عليه، ولم يقل بلسانه: إنه هو، وأن الوقت كان ليلاً، وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون في هذه الليلة، وأن تلاميذه كلهم هربوا، فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في أمره، وأن بطرس إنما تبعه من بعيد، وأن الذي دل عليه خنق نفسه، وأن الناقل لأن الملك قال: إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد، وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن بالجهد، وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها لا يضرنا التصديقُ بها، وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه: أعطيت كل سلطان، فأثبت أن المعطي غيره، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه، ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه، كما
стр. 2391
قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه، فجزموه به - والله أعلم، وقوله: إنك يا رباه فيّ وأنا فيك، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا، ونحوه مما يوهم حلولاً المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحداً منهم لا يريد إلا ما يريد الآخر، ولا يرضى إلا ما يرضاه، فهو من وادي ما في الحديث القدسي
«كنت سمعه الذي يسمع به» - إلى آخره، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة، فالمراد الغاية، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصاً لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق.
стр. 2392
ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى ﵊ على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتله ﵊، فخاب قصدهم، واصلد زندُهم،
стр. 2393
وقال رأيهم، ورد عليهم بغيهم، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب؛ قال محققاً لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم، مثبتاً أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه التصديق بمحمد ﷺ ، ومؤكداً له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له: ﴿وإن﴾ أي والحال أنه ما ﴿من أهل الكتاب﴾ أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان ﴿إلا﴾ وعزتي ﴿ليؤمنن به﴾ أي بعيسى ﵊ ﴿قبل موته﴾ أي موت عيسى ﵊، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان، يؤيد الله دين الإسلام، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل، إشارة إلى أن موسى ﵊ إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زماناً طويلاً، فالنبي الذي نسخ شريعة موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا النبي العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره والذب عن دينه، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع مستكثرة، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه، فأطيلوا أيها اليهود أو أقصروا! فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى ﵊ على شك إلا وهو يوقن بعيسى ﵊ قبل موته بعد نزوله
стр. 2394
من السماء أنه ما قتل وما صلب، ويؤمن به عند زوال الشبهة - والله أعلم؛ روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً وإماماً عادلاً، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها» ؛ وفي رواية: وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين؛ وفي رواية: حتى يهلك الله الملل كلها غير الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ الآية: موت عيسى ﵊ ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات - ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد؛ وفي رواية: ويفيض المال حتى لا يقبله أحد؛ ولمسلم عنه ﵁: كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؛ وفي رواية: فأمكم منكم، قال الوليد بن مسلم - أحد رواة الحديث: قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت تخبرني! قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ ؛
стр. 2395
ولمسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم ﵊ فيقول أميرهم: تعال صل لنا! فيقول: لا! إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية ﵃ أن المعنى: ألا ليؤمنن بعيسى ﵊ قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان، ليكون ذلك زيادة في حسرته، قال الأصبهاني: وتدل على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ: ليؤمنن قبل موتهم - بضم النون.
ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال: ﴿ويوم القيامة﴾ أي الذي يقطع ذكره القلوب، ويحمل التفكر فيه على كل خير ويقطع عن كل شر ﴿يكون﴾ وأذن بشقائهم بقوله: ﴿عليهم شهيداً﴾ أي بما عملوا؛ ولما أذن حرف الاستعلاء في الشهادة بأنه لا خير لهم في واحد من الدارين، وبأن التقدير: فبظلمهم، سبب عنه قوله دلالة على أن التوراة نزلت منجمة: ﴿فبظلم﴾ أي عظيم جداً راسخ ثابت، وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق وما عطف
стр. 2396
عليه مما استحلوه بعد أن حرمته التوارة، وقال مشيراً إلى زيادة تبكيتهم: ﴿من الذين هادوا﴾ أي تلبسوا باليهودية في الماضي ادعاء أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق، ولم يضمر تعييناً لهم زيادة في تقريعهم ﴿حرمنا عليهم طيبات أحلت﴾ أي كان وقع إحلالها في التوراة ﴿لهم﴾ كالشحوم التي ذكرها الله تعالى في الأنعام.
ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته، وبدأها بإعراضهم عن الدين الحق، فقال معيداً للعامل تأكيداً له: ﴿وبصدهم عن سبيل الله﴾ أي الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا أعظم، لكون الذي نهجه له من العظمة والحكمة ما لا يدرك، و «صد» يجوز أن يكون قاصراً فيكون ﴿كثيراً *﴾ صفة مصدر محذوف، وأن يكون متعدياً فيكون مفعولاً به، أي وصدهم كثيراً من الناس بالإضلال عن الطريق، فمُنِعوا مستلذات تلك المآكل بما مَنَعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان.
ولما ذكر امتناعهم ومنعهم من المحاسن التي لا أطيب منها ولا أشرف، أتبعه إقدامهم على قبائح دنية فيها ظلمهم للخلق فقال: ﴿وأخذهم الربا﴾ أي وهو قبيح في نفسه مُزرٍ بصاحبه ﴿وقد﴾ أي الحال أنهم قد ﴿نهوا عنه﴾ فضموا إلى مخالفة الطبع السليم الاجتراء على انتهاك حرمة الله العظيم.
стр. 2397
ولما ذكر الربا أتبعه ما هو أعم منه فقال: ﴿وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ أي سواء كانت رباً أو رشوة أو غيرهما؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في الدنيا أتبعه جزاءهم في الآخرة، فقال عاطفاً على قوله «حرمنا» : ﴿وأعتدنا للكافرين﴾ أي الذين صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه؛ ولما علم أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة فقال: ﴿منهم﴾ ولما كان الجزاء من جنس العمل قال: ﴿عذاباً أليماً *﴾ أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم على حقوقهم من الفضائل والفواضل.
ذكرُ تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة، قال في السفر الثاني بعد ما قدمتهُ في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس والنهي عن أذاهم: وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا تأخذن منه رباً؛ وقال في الثالث: وإن افتقر أخوك واستعان بك فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك، بل وسع عليه، وإياك أن تأخذ منه رباً أو عينة، لا تقرضه بالعينة؛ وقال في الخامس: ولا تطعموا بيت الله ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب، ولا تأخذوا من إخوتكم رباً في فضة ولا في طعام ولا في شيء مما تعانونه،
стр. 2398
وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم؛ فقد ثبت من توراتهم النهيُ عن الربا، وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب، بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ [البقرة: ٦٢] من النهي عن غدر العدو، وعند قوله تعالى: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ [البقرة: ٨٣] من الإحسان إلى عامة الناس لا سيما الغريب - والله الموفق.
стр. 2399
ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب، بين ما لنّيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾ أي الذي هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم فأبعد عنها الطبع، وجلت الحكمة، ورسخت بالرحمة، فامتلأت من نور العلم، وتمكنت بأنس الإيمان.
ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأ عنه فقال: ﴿والمؤمنون﴾ أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه، فصار لهم خلقاً لازماً، منهم ومن غيرهم ﴿يؤمنون﴾ أي يجددون الإيمان في كل لحظة ﴿بما أنزل إليك﴾ لأنهم أعرف الناس بأنه حق ﴿وما أنزل من
стр. 2400
قبلك﴾ أي على موسى ﵊، وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما أنزل على عيسى ﵊، ثم بما أنزل إليك.
ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها فقال تعالى: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ أي بفعلها بجميع حدودها، ويجوز على بُعد أن يكون المقتضي لنصبها جعل «لكن» بالنسبة إليها بمعنى «إلا» وتضمينها لفظها، لما بينهما من التآخي، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن أعد لهم العذاب الأليم على معنى أن الله وهو الفاعل المختار - سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع حدودها لا يموت كما يموت كافر بل تناله بركتها فيسلم وهذا أعظم مدح لها والحاصل أن (لكن) استعيرت لمعنى (إلا) بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في الحكم لما قبله كما استعيرت «إلا» لمعنى «لكن» في الاستثناء المنقطع.
ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال: ﴿والمؤتون الزكاة﴾ ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق
стр. 2401
الإحسان إلى الخلائق ذكر الإيمان بانياً على عظمته مفصلاً له بعض التفصيل ومشيراً غلأآ أن نفعه كما يشترط أن يكون فاتحاً يشترط أن يكون خاتماً فقال: ﴿والمؤمنون بالله﴾ أي مستحضرين ما له من صفات الكمال، وضم إليه الحامل على كل خير والمقعد عن كل شر ترغيباً وترهيباً فقال: ﴿واليوم الآخر﴾ فصار الإيمان مذكوراً خمس مرات، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو تفخيماً لها وإشارة إلى أن وصف الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من كل وصف منها والاتصافُ بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين، فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء منها عرياً عن الإيمان به، لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة البعد فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة والهمم، ولكون السياق في الراسخين العاملين أنهى في التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل منه في الأولى، ولم يعرف الأجر، ووصفه بالعظم فقال: ﴿سنؤتيهم﴾ أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً﴾ .
ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان من أحوالهم الوحي، قال تعالى إبطالاً لشبهتهم القائلة:
стр. 2402
لو كان نبياً أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى ﵊ بالتوارة كذلك، بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء ﵈ مع كونهم ليس لهم تلك الصفة، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة أحد منهم ولا رسالته: ﴿إنا﴾ ويصح أن يكون هذا تعليلاً ليؤمنون، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا ﴿أوحينا إليك كما﴾ أي مثل ما ﴿أوحينا إلى نوح﴾ وقد آمنوا بما به لما أتى به من المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره، لأن إثبات المدلول إنما يتوقف على ثبوت الدليل، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل آخر طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قِبَل الله تعالى قال: ﴿والنبيِّين من بعده﴾ أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة، مع أن هذا الكتاب أبلغ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع، فهم إليه أميل، وله أقبل، وأما المطبوع على قلوبهم، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب، حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان، فأسرعوا إلى الكفر، وبادروا بالذل والصغار، وفي الآخرة بالسخط والنار.
стр. 2403
ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصّل فقال منبهاً على شرف من ذكرهم وشهرتهم: ﴿وأوحينا إلى إبراهيم﴾ أي أبيكم وأبيهم كذلك ﴿وإسماعيل﴾ أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم ﴿وإسحاق﴾ وهو ابنه الثاني وأبوهم ﴿ويعقوب﴾ أي ابن إسحاق ﴿والأسباط﴾ أي أولاد يعقوب.
ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل مَنْ قبلهم فصّل من بعدهم فقال: ﴿وعيسى﴾ أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب ﴿وأيوب﴾ وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ذكروا ﴿ويونس وهارون وسليمان﴾ ولما كان المقام للتعظيم بالوحي، وكان داود ﵊ من أهل الكتاب قال: ﴿وآتينا داود زبوراً *﴾ أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوباً من السماء.
ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة، وكان فيهم رسل، وكان ربما قال متعنت: إن شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي، قال عاطفاً على ما تقديره من معنى «أوحينا» : أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا من الناس: ﴿ورسلاً﴾ أي غير هؤلاء ﴿قد قصصناهم﴾ أي تلونا ذكرهم ﴿عليك﴾ ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال: ﴿من قبل﴾ أي من قبل إنزال هذه الآية ﴿ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ أي إلى الآن.
стр. 2404
ولما كان المراد أنه لا فرق بين النبي والرسول في الوحي نبه على ذلك بقوله: ﴿وكلم الله﴾ أي الذي له الكمال كله فهو يفعل ما يريد لا أمر لأحد معه ﴿موسى تكليماً *﴾ أي على التدرج شيئاً فشيئاً بحسب المصالح من غير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة، والمعنى أنكم لو كنتم إنما تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتاً لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى ﵊ من الكرامة، لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم، فإنه خص بالتكليم دونهم، فلِمَ جعلتم الإتيان بمثل ما أتى به موسى ﵊ شرطاً في الإيمان ببعض الأنبياء دون بعض؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره مما جعل له، كان ذلك - على تقدير التسليم تنزلاً - تحكماً وترجيحاً من غير مرجح، على أن التوراة أيضاً - كما تقدم بيانه - كهذا القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله (تكليماً) ولم يكتب منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض سور القرآن جملة كسورة الأنعام، وليس في نزول موسى ﵊ بهما من جبل الطور مكتوبَين دليل
стр. 2405
على نزولهما من السماء ويدل على ذلك كثير من نصوصها أصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر، بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة التيه: ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلاً يحتطب حطباً يوم السبت، فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها، وحبسوه في السجن، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به؟ فقال الرب لموسى: يقتل هذا الرجل، يرجم بالحجارة خارجاً من العسكر، ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ومات - كما أمر الرب موسى؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - بنصب قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها، ويسمع موسى الكلام منها، ثم بعد ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها؛ ومنها أنه كتب له الألواح في الطور: اللوحين اللذين كسرهما غضباً من اتخاذهم العجل، ثم لوحين عوضاً عنهما، ثم لما نصبت قبة الزمان صار يكلمه منها، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو في غاية الوضوح في التوراة؛ ومنها ما قال في أوخر السفر الخامس وهو آخرها: فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها، أمر موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم: خذوا سفر هذه السنن واجعلوه
стр. 2406
في جوف تابوت عهد الله ربكم في جانب من جوانبه، ليكون هناك شاهداً، لأني قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه، وكيف لا يكون ذلك وقد أغضبتم الرب وأنا حي معكم؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك، فليجتمع إليّ أشياخ أسباطكم وكتّابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال، ولأشهد عليهم السماء والأرض، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي، تحيدون عن الطريق الذي آمركم به، شر شديد في آخر الأيام إذا عملتم السيئات بين يدي الرب، وأغضبتموه بأعمال أيديكم، وقال موسى بين يدي جماعة بني إسرائيل: انصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من فيّ - وقال كلاماً كثيراً في ذمهم أذكره إن شاء الله تعالى في المائدة عند
﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾ [المائدة: ٦٠] ثم قال: يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم، وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين - ومضى يتكلم من كلام الله الذي هو من أحسن التوراة إلى أن قال: فلما أكمل موسى هذه الآيات كلها لبني إسرائيل قال لهم: أقبلوا بقلوبكم إلى هذه الأقوال؛ ثم قال: وكلم الرب موسى ذلك اليوم وقال:
стр. 2407
اصعد إلى جبل العبرانيين، هذا جبل نابو الذي في أرض مواب حيال إيريحا، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثاً - وذكر بعد ذلك كلاماً طويلاً فيها كلها لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك، بل صريح، وفي قصة نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ما هو صريح في أن الإيحاء إليهما كان منجماً - كما مضى عنهما في قصة إبراهيم ﵇ في البقرة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة نوح ﵊ في سورة هود - والله الموفق، وقد ابتدأ سبحانه في هذه الآية بنوح ﵊ أول أولي العزم وأصحاب الشرائع وجوداً، وهو من أوائل الأنبياء، وزمانه في القدم بحيث لا يعلم مقداره على الحقيقة إلا الله تعالى، ثم ثنى بثانيهم في الوجود وهو إبراهيم ﵊، ثم ذكر أولاده على ترتيبهم، والأسباط يحتمل أن يراد بهم أولاد يعقوب ﵊ أنفسهم وقبائلهم، ويكون المعنى حينئذ: وأنبياء الأسباط، ويكون مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويكون شاملاً لجميع أنبياء بني إسرائيل، ثم صرح ببعض من دخل منهم في العموم فبدأهم بآخرهم بعثاً
стр. 2408
وهو عيسى ﵊ الذي هو أحد نبي أهل الكتابين، وختم الآية بأحد أصحاب الكتب منهم، وهو جده المشهور بالنسبة إليه، فإن اليهود يقولون لعيسى ﵊: يا ابن داود! لأن أمه في ذريته، وختم الآية بأول نبي أهل الكتابين موسى ﵊ الذي آخر آجرّ تبنى على الإسلام، فانتقله المنتمون إلى أتباعه، ووسّط أخاه هارون ﵊ بين اثنين من أهل البلاء: أيوب ويونس واثنين من أهل الملك - وأحدهم صاحب كتاب - وهما سليمان وداود، وكل ذلك إشارة إلى أنه لا فرق في كيفية الإيحاء بحوما إلى الأنبياء بين متقدمهم ومتأخرهم، سواء كان من بني إسرائيل أو من غيرهم، وسواء منهم من أوتي الملك ومن لم يؤته، ومن أتى بكتاب ومن لم يأت؛ ومن لطائف هذا الترتيب أن المخصوصين بالذكر في الآية الأولى بعد دخولهم في العموم أحد عشر أسماء، الأسباط أحدها، والمشهور بالكتب والصحف منهم ثلاثة: إبراهيم وعيسى وداود، وقد وقع كل منهم سادساً لصاحبه، وهو العد الذي كان فيه الخلق، فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة، فكما أنه لم يعجل في إنشاء الخلق فكذلك
стр. 2409
لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة، بل أنزلها منجمة تبعاً لمصالحهم وتثبيتاً لدعائمهم، ومن لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين، وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلاً منهما أهلك من عانده كنفس واحدة بالإغراء، ترهيباً لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين أنهم أتباع، ووسّط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين، ولعله آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة الرسالة، بمعنى أنها أعم منها.
ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود، إشارة إلى أنه سن به في الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم - والله أعلم.
стр. 2410
ولما كان معظم رسالة نبينا ﷺ بشارة ونذارة، قال مبيناً أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي، لأن المقصود من الإرسال لجميع الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة: ﴿رسلاً﴾ أي جعلناهم رسلاً، ويجوز أن يكون بدلاً من «رسلاً» الماضي، وأن يكون حالاً، حال كونهم ﴿مبشرين ومنذرين﴾ ثم علل ذلك بقوله: ﴿لئلا يكون﴾ أي لينتفي أن يوجد ﴿للناس﴾ أي نوع مَنْ فيه قوة النوس.
стр. 2411
ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردوداً، عبّر بأداة الاستعلاء فقال: ﴿على الله حجة﴾ أي واجبة القبول على الملك الذي اختص بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم؛ ولما كان المراد استغراق النفي لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال: ﴿بعد﴾ أي انتفى ذلك انتفى مستغرقاً لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال ﴿الرسل﴾ وتبليغهم للناس، وذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع، وأما نفس المعرفة والنظر والتوحيد فطريقها العقل، فالمعرفة متلقاة من العقل، والوجوب متلقى من الشرع والنقل.
ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو غيرها، قال مزيلاً لذلك: ﴿وكان الله﴾ أي المستجمع لصفات العظمة ﴿عزيزاً﴾ أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فهو قادر على ما طلبوه، ولكنه لا يجب عليه شيء، لأنه على سبيل اللجاج وهم غير معجزين ﴿حكيماً *﴾ أي يضع الأشياء في أتقن مواضعها، فلذلك رتب أموراً لا يكون معها لأحد حجة ومن حكمته أنه لا يجيب المتعنت.
стр. 2412
ولما لم يبق سبحانه لهم شبهة، واستمروا على عنادهم، أشار تعالى إلى ما تقديره: إنهم لا يشهدون لك عند اتضاح الأمر، فقال: ﴿لكن﴾ أي ومع ما قام من البراهين على صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك لكن ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له ﴿يشهد﴾ أي لك ﴿بما أنزل إليك﴾ أي من هذا الكتاب المعجز الذي قد أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء، وفيه هذه الأحكام الصادقة لما عندهم وهم يريدون الإضلال عنها، فشهادته ببلاغته وحكمته بصدق الآتي به هي شهادة الله لأنه قائله، ولذلك عللل بقوله: ﴿أنزله بعلمه﴾ أي عالماً بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم يقدر أحد ولا يقدر على إحداث شيء فيه من تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان ولا معارضة ﴿والملائكة﴾ أيضاً ﴿يشهدون﴾ بذلك لأنهم كانوا حضوراً لإنزاله وأمناء على من كان منهم على يده ليبلغه - كما قال تعالى: ﴿فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم﴾ [الجن: ٢٧-٢٨] وهذا خطاب للعباد على حسب ما يعرفون.
стр. 2413
ولما كان ربما أفهم نقصاً نفاه بقوله: ﴿وكفى بالله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿شهيداً﴾ أي وكفى بشهادته في ذلك شهادة عن شهادة غيره، وذلك لأنه أنزله سبحانه شاهداً بشهادته ناطقاً بها لإعجازه بنظمه وبما فيه من علمه من الحِكَم والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب، فشهادته بذلك هي شهادة الله، وهي لعمري لا تحتاج إلى شهادة أحد غيره.
стр. 2414
ولما بين سبحانه أنه أقام الأدلة على صحته بالمعجزات، فصار كأنه شهد بحقيقته كان أنفع الأشياء اتباع ذلك بوصف من جحده في نفسه وصد عنه غيره زجراً عن مثل حاله وتقبيحاً لما أبدى من ضلاله فقال: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي ستروا ما عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع النقل، من اليهود وغيرهم ﴿وصدوا عن سبيل الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه وقولهم كذباً: إن في التوراة أن شريعة موسى ﵊ لا تنسخ، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة والسلام ﴿قد ضلوا﴾ أي عن الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع
стр. 2415
ما يراد من إعلائه ﴿ضلالاً بعيداً *﴾ أي لأن أشد الناس ضلالاً مبطل يعتقد أنه محق، ثم يحمل غيره على مثل باطله، فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع إلى الطريق النافع، لا سيما إن ضم إلى ذلك الحسد، لأن داء الحسد أدوأ داء؛ ثم علل إغراقهم في الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعوا إليه نقيصة النفس من الظلم بقوله وعيداً لهم: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي ستروا ما عندهم من نور العقل ﴿وظلموا﴾ أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام بإعراضهم وإضلالهم غيرهم ﴿لم يكن الله﴾ أي بجلاله ﴿ليغفر لهم﴾ أي لظلمهم ﴿ولا ليهديهم طريقاً *﴾ أي لتضييعهم ما أتاهم من نور العقل ومنابذتهم؛ ثم تهكم بهم بقوله: ﴿إلا طريق جهنم﴾ أي بما تجهموا مَنْ ظلموه.
ولما كان المعنى: فإنه يسكنهم إياها، قال: ﴿خالدين فيها﴾ أي لأن الله لا يغفر الشرك، وأكد ذلك بقوله: ﴿أبداً﴾ ولما كان ذلك مع ما لهم من العقول أمراً عجيباً قال تعالى: ﴿وكان ذلك﴾ أي الأمر العظيم من كفرهم وضلالهم وعذابهم ﴿على الله يسيراً *﴾ أي لأنه قادر على كل شيء.
стр. 2416
ولما وضح بالحجاج معهم الحق، واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة الرشدُ، وأوضح فساد طرقهم، وأبلغ في وعيدهم؛ أنتج
стр. 2417
ذلك صدق الرسول وحقيقة ما يقول: فأذعنت النفوس، فكان أنسب الأشياء أن عمم سبحانه في الخطاب لما وجب من اتباعه على وجه العموم عند بيان السبيل ونهوض الدليل، فقال مرغباً مرهباً ﴿يا أيها الناس﴾ أي كافة ﴿قد جاءكم الرسول﴾ أي الكامل في الرسلية الذي كان ينتظره أهل الكتاب لرفع الارتياب ملتبساً ﴿بالحق﴾ أي الذي يطابقه الواقع، وستنظرون الوقائع فتطبقونها على ما سبق من الأخبار، كائناً ذلك الحق ﴿من ربكم﴾ أي المحسن إليكم، فإن اتبعتم رسوله قبلتم إحسانه، فتمت نعمته عليكم، ولهذا سبب عن ذلك قوله: ﴿فآمنوا﴾ .
ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق توعداً لهم: إن تؤمنوا يكن الإيمان ﴿خيراً لكم﴾ ، عطف عليه قوله: ﴿وإن تكفروا﴾ أي تستمروا على كفرانكم، أو تجددوا كفراً، يكن الكفران شراً لكم، أي خاصاً ذلك الشر بكم، ولا يضره من ذلك شيء، ولا ينقصه من ملكه شيئاً، كما أن الإيمان لم ينفعه شيئاً ولا زاد في ملكه شيئاً لأن له الغنى المطلق، وهذا معنى قوله: ﴿فإن الله﴾ أي الكامل العظمة ﴿ما في السماوات والأرض﴾ فإنه من إقامة العلة مقام المعلول، ولم يؤكد بتكرير «ما» وإن كان الخطاب مع المضطربين، لأن
стр. 2418
قيام الأدلة أوصل إلى حد من الوضوح بشهادة الله ما لا مزيد عليه، فصار المدلول به كالمحسوس.
ولما كان التقدير: فهو غني عنكم، وله عبيد غيركم لا يعصونه، وهو قادر على تعذيبكم بإسقاط ما أراد من السماء، وخسف ما أراد من الأرض وغير ذلك، وكان تنعيم المؤالف وتعذيب المخالف وتلقي النصيحة بالقبول دائراً على العلم وعلى الحكمة التي هي نتيجة العلم والقدرة قال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له الاختصاص التام بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً مع أن له جميع الملك ﴿عليماً﴾ أي فلا يسع ذا لب أن يعدل عما أخبر به من أن أمر هذا الرسول حق إذ هو لم يخبر به إلا عن تمام العلم، ولا يخفى عليه عاص ولا مطيع ﴿حكيماً *﴾ فلا ينبغي لعاقل أن يضيع شيئاً من أوامره لأنه لم يضعها إلا على كمال الأحكام، فهو جدير بأن يحل بمخالفه أي انتقام، ويثيب من أطاعه بكل إنعام.
ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام
стр. 2419
إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم، وكان ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره، وغلا في شأنه اليهود بخفضه، والنصارى برفعه؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه فقال: ﴿يا أهل الكتاب﴾ أي عامة ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ أي لا تفرطوا في أمره، فتجاوزوا بسببه حدود الشرع وقوانين العقل ﴿ولا تقولوا على الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول ﴿إلا الحق﴾ أي الذي يطابقه الواقع، فمن قال عن عيسى ﵊ أنه لغير رشدة، فقد أغرق في الباطل، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات، ولا تكلم هو في المهد، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة، ولا قدر على إحياء الموتى، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه، وذلك منافٍ للحكمة، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه، ومن قال: إن الله أو ابن الله، فهو أبطل وأبطل، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله، فلم يصلح للإلهية، وذلك أبطل الباطل.
ولما ادعى اليهود أنه غير رسول، والنصارى أنه إله، حسن تعقيبه بقوله: ﴿إنما المسيح﴾ أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام
стр. 2420
بدهن القدس، لما فيه من صلاحية الإمامة، وهو أهل أيضاً لأن يمسح الناس ويطهرهم. لما له من الكرامة، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر، وكان قد يوصف به غيره بيّنه بقوله: ﴿عيسى﴾ ثم أخبر عنه بقوله: ﴿ابن مريم﴾ أتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى ﴿رسول الله﴾ لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود.
ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر، جعل نفس الكلمة فقال: ﴿وكلمته﴾ لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل، كوناً خارقاً للعوائد ﴿ألقاها﴾ أي تشريفاً بقوله: ﴿وروح﴾ أي عظيمة نفخها فيما تكّون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة، لا بمادة من ذكر، والروح هو النفخ في لسان العرب، وهو كالريح إلا أنه أقوى، بما له من الواو والحركة المجانسة لها، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد، وأكمل شرفه بقوله: ﴿منه﴾ أي وإن كان جبرئيل هو النافخ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل: روح، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن.
следующие страницы →