← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

لمن لم يكن له عمل، ولذا أضاف الأجور إليهم، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس وإن طال المدى ﴿أجورهم﴾ أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم. ولما كان الإنسان محل النقصان قال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي لا يبلغ الواصفون كنه ما له من صفات الكمال ﴿غفوراً﴾ لما يريد من الزلات ﴿رحيماً *﴾ أي بمن يريد إسعادة بالجنات. ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا من اليهود قالا كذباً: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى ﵊ بكتابه كذلك، فأنزل الله تعالى موبخاً لهم على هذا الكذب مشيراً إلى كذبهم فيه موهياً لسؤالهم محذراً من غوائله مبيناً لكفرهم بالله ورسله: ﴿يسألك﴾ . ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه على وجه يمكن قبوله، فوجهوا مكايدهم نحوه

стр. 2347

بهذه الشبهة ونحوها، زيفها أتم تزييف، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله: ﴿أهل الكتاب﴾ إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح ﴿أن تنزل عليهم﴾ أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم ﴿كتاباً من السماء﴾ ؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى ﵊ أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد الله تعالى من أهل الإسلام، ظناً منهم أن الله ﵎ أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ - الآية كما سيأتي بيانه، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل جملة، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة. ولما كان هذا مما يستعظمه النبي ﷺ أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له ﷺ أن عادتهم التعنت، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن، وأنهم على شريعته، وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه من القوارع والعفو

стр. 2348

فقال: ﴿فقد﴾ أي إن تستعظم ذلك فقد ﴿سألوا﴾ أي آباؤهم، أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم ﴿موسى﴾ لغير داع سوى التعنت ﴿أكبر﴾ أي أعظم ﴿من ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك والتأديب معك، ثم بينه بقوله: ﴿فقالوا أرنا الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا شبيه له وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته ﴿جهرة﴾ أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب وبنائها عليها، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها، وأعظم تثبيتاً للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله: ﴿فأخذتهم﴾ أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة ﴿الصاعقة﴾ أي نار نزلت من

стр. 2349

السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب إليه - صاعقة، فأهلكتهم ﴿بظلمهم﴾ أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره، لكونه تعنتاً من غير مقتض له أصلاً، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة ﴿ثم﴾ بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة ﴿اتخذوا العجل﴾ أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه. ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال: ﴿من بعد﴾ وأدخل الجار إعلاماً بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد، بل تابوا عنه ﴿ما جاءتهم البينات﴾ أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات ﴿فعفونا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿عن ذلك﴾ أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم ﴿وآتينا﴾ أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة ﴿موسى سلطاناً﴾ أي تسلطاًَ واستيلاء قاهراً ﴿مبيناً *﴾ أي ظاهراً فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال، وفي رمز ظاهر إلى أنه يسلط محمداً ﷺ على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط.

стр. 2350

ولما بيَّن هذا من عظمته أتبعه أمراً آخر أعظم منه فقال: ﴿ورفعنا﴾ أي بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: ﴿فوقهم الطور﴾ أي الجبل العظيم، ثم ذكر سبب رفعه فقال: ﴿بميثاقهم﴾

стр. 2351

أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه. ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته دليلاً على سوء طباعهم فقال: ﴿وقلنا لهم﴾ أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا ﴿ادخلوا الباب﴾ أي الذي لبيت المقدس ﴿سجداً﴾ أي فنقضوا ذلك العهد الوثيق وبدلوا ﴿وقلنا لهم﴾ أي على لسان موسى ﵊ في كثير من التوراة ﴿لا تعدوا﴾ أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم ﴿في السبت﴾ أي لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال - تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً لأن العالم للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو ﴿وأخذنا منهم﴾ أي في جميع ذلك ﴿ميثاقاً غليظاً *﴾ وإنما جزمت بأن المراد بهذا - والله تعالى أعلم - على لسان موسى ﵊، لأنه تعالى كرر التأكيد عليهم في التوراة في حفظ السبت، وأوصاهم به، وعهد إليهم فيه ما قل أن عهده في شيء من الفروع غيره، قال بعض المترجمين للتوراة في السفر الثاني في العشر الآيات التي أولها «أنا إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا يكون لك إله غيري» ما

стр. 2352

نصه: اذكر حفظ يوم السبت وطهره ستة أيام، كد فيها واصنع جميع ما ينبغي لك أن تصنعه، واليوم السابع سبت الله ربك، لا تعملن فيه شيئاً من الأعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ودوابك والساكن في قراك، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وجميع ما فيها، واستراح في اليوم السابع، ولذلك بارك الله اليوم السابع وقدسه، أكرم أباك - إلى آخر ما مر في سورة البقرة؛ ثم عاد العشر الآيات في أوائل السفر الخامس وقال في السبت: احفظوا يوم السبت وظهوره كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام، فاصنعوا ما أردتم أن تصنعوا فيها، فأما يوم السبت فأسبوع ربكم، لا تعملوا فيه عملاً أنتم وبنوكم وعبيدكم وإماؤكم وثيرانكم وحميركم وكل بهائمكم والساكن الذي في قراكم ليستريح عبيدكم - إلى آخر ما في أوائل هذه السورة عند ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾ وقال في الثاني بعد ذلك: وقال الرب لموسى: وأنت فأمر بني إسرائيل أن تحفظوا السبوت، لأنها أمارة العهد وعلامة فيما بيني وبينكم لأحقابكم، فتعلموا أني أنا الرب إلهكم مقدسكم، احفظوا يوم السبت

стр. 2353

فإنه مطهر مخصوص لكم، ومن نقصه وأخذ العمل فيه فليقتل، ومن عمل عملاً فليهلك ذلك الإنسان من شعبه، اعملوا أعمالكم ستة أيام، واليوم السابع فهو يوم سبت قدس للرب، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وما فيها، وهذا في اليوم السابع ودفع إلى موسى ﵊ لما فرغ كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة، وأبلغ في تأكيد حفظه عليهم في غير ذلك من المواضع، حتى أنه شرع لهم أسباب الأرض ونحوها، فقال في السفر الثاني أيضاً: ازرع أرضك ست سنين واحمل أثقالها وفي السنة السابعة ابذرها ودعها فيأكل مسكين شعبك، وما يبقى بعد ذلك يأكله حيوان البر وكذلك فافعل بكرومك وزيتونك، اعمل عملك في ستة أيام وفي اليوم السابع تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك، وتستريح أمتك وابن أمتك والساكن في قراك، ثم ذكر الأعياد في السفر الثالث، وحرم العمل فيها؛ وقال في بعضها: وكل نفس يعمل عملاً في هذا اليوم تهلك تلك النفس من شعبها، فلا تعملوا فيه عملاً، لأنه سنة جارية لكم إلى الأبد في جميع مساكنكم، فليكن هذا اليوم سبت السبوت؛ ثم أمرهم بعيد المظال سبعة أيام وقال: ليعلم أحقابكم أنني

стр. 2354

أجلست بني إسرائيل في المظال حيث أخرجتهم من أرض مصر، ثم ذكر بعض القرابين وقال: ويصف هارون الخبز صفين في اليوم السادس وهو يوم الجمعة، ويكون ذلك من عيد بني إسرائيل؛ وكلم الرب موسى وقال له في طور سيناء كلم بني إسرائيل وقل لهم: إذا دخلتم الأرض التي أعطيكم ميراثاً تسبت الأرض سبتاً للرب، ازرعوا مزارعكم ست سنين واكسحوا كرومكم ست سنين، واستغلوا غلاتكم ست سنين، فأما السنة السابعة فلتكن سبت الراحة للأرض، لا تزرعوا مزارعكم، ولا تكسحوا كرومكم، ول تحصدوا ما ينبت في أرضكم في تلك السنة من غير أن يزرع، ولا تقطعوا عنب كرومكم، بل يكون سبت الراحة للأرض لكم ولبنيكم ولإمائكم ولإخوانكم وللسكان الذين يسكنون معكم، وأحصوا سبع مرات سبعاً سبعاً: تسعاً وأربعين سنة، وقدسوا سنة خمسين، وليكن رد الأشياء إلى أربابها، ولا تزرعوا أرضكم في تلك السنة، ولا تحصدوا ما نبت فيها، ولا تقطعوا عشبها لأنها سنة الرد، واتقوا الله لأني أنا الله ربكم، احفظوا وصاياي واعملوا بها، واحفظوا أحكامي واعملوا بها، واسكنوا أرضكم بالسكون والطمأنينة لتغل لكم الأرض غلاتها، وتأكلوا وتشبعوا وتسكنوها مطمئنين، وإن قلتم: من أين نأكل في السنة السابعة التي لا نزرع فيها

стр. 2355

فلا تهتموا! أنا منزل لكم بركاتي في السادسة، وتغل لكم أرضكم في تلك السنة غلة ثلاث سنين، حتى إذا زرعتم في السنة الثامنة لم تحتاجوا إلى غلتها، لأنكم تأكلون من السنة السادسة إلى التاسعة، وأما الأرض فلا تباع بيعاً صحيحاً أبداً، لن الأرض لي، وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا نسبة الاستراحة إليه سبحانه هذا مع أنه أكد سبحانه العهود عليهم في التوحيد وحفظ الأحكام في جميع التوراة على نحو ما تراه فيما أنقله منها في هذا الكتاب. فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق، وأكثر من التقدم في حفظ العهد؛ بين أنهم نقضوا، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال: ﴿فبما﴾ مؤكداً بإدخال «ما» ﴿نقضهم ميثاقهم﴾ أي فعلنا بهم بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي، وقد تقدم كثير منه في القرآن، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي «حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا» ويكون من الطيبات العز ورغد العيش، وذلك جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به العناية من إفراده عطف الخاص على العام فقال: ﴿وكفرهم بآيات الله﴾ مما جاءهم على لسان محمد ﷺ واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه

стр. 2356

الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء، فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على موسى ﵊ لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض ﴿وقتلهم الأنبياء﴾ وهو أعظم من مطلق كفرهم، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب. ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة، ومبرئين من كل دنية، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه؛ قال: ﴿بغير حق﴾ أي كبير ولا صغير أصلاً. وهذا الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه، لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقاً وصفة راسخة، بخلاف ما مضى، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال: ﴿وقولهم قلوبنا غلف﴾ أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدةً عن فهم مثل ما يقول الأنبياء، لكونها في أغشية، فهي شديدة الصلابة، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفون

стр. 2357

بأشهر صفاته، ويترقبون إتبانه، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفاً على ما تقديره: وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان، فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفاً: ﴿بل طبع الله﴾ أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة ﴿عليها﴾ طبعاً عارضاً ﴿بكفرهم﴾ بل إنه خلقها أولاً على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وترك ما تدعو إليه عقولهم، طبع عليها. فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته، ولذا سبب عنه قوله: ﴿فلا يؤمنون﴾ أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم: طبع الله عليها فهي لا تعي، وتكون «بل» استدراكاً للطبع بالكفر وحده، لأنه ربما انضم إليه، وأن يكون أضرب عن قولهم: إنها في غلف، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام ﴿إلا قليلاً *﴾ من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام

стр. 2358

من الآيات، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران.

стр. 2359

ولما بين كفرانهم بقتل الأنبياء بين كفرهم بالبهتان الذي هو سبب القتل، والفتنة أكبر من القتل، فقال معظماً له باعادة العامل: ﴿وبكفرهم﴾ أي المطلق الذي هو سبب اجترائهم على الكفر بنبي معين كموسى ﵊، وعلى القذف، ليكون بعض كفرهم معطوفاً على بعض آخر، ولذلك قال: ﴿وقولهم على مريم﴾ أي بعد علمهم بما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وأنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات ﴿بهتاناً عظيماً *﴾ ثم علمهم بما لم ينالوا من قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام، ثم بادعائهم لقتله وصلبه افتخاراً به مع شكهم فيه فقال: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح﴾ ثم بينه بقوله: ﴿عيسى ابن مريم﴾ ثم تهكموا به بقولهم ﴿رسول الله﴾

стр. 2360

أي الذي له أنهى العظمة، فجمعوا بين أنواع من القبائح، منها التشيع بما لم يعطوا، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقاً، وهو الكفر بقتل النبي لكونه نبياً، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل، ولم يكفهم ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن أرسله عزَّ اسمه وجلت عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره لكونه لم يمنعه منهم على زعمهم ﴿وما﴾ أي والحالة أنهم ما ﴿قتلوه وما صلبوه﴾ وإن كثر قائلو ذلك منهم، وسلمه لهم النصارى ﴿ولكن﴾ لما كان المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم، لا لكونه من معين قال: ﴿شبه لهم﴾ أي فكانوا في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا. ولما أفهم التشبيه الاختلاف، فكان التقدير: فاختلفوا بسبب التشبيه في قتله، فمنهم من قال: قتلناه جازماً، ومنهم من قال: ليس هو المقتول، ومنهم من قال: الظاهر أنه هو، عطف عليه قوله دالاً على شكهم باختلافهم: ﴿وإن الذين اختلفوا فيه﴾ أي في قتله ﴿لفي شك منه﴾ أي تردد مستوى الطرفين، كلهم وإن جزم بعضهم، ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ما لهم به﴾ وأغرق في النفي بقوله: ﴿من علم﴾ .

стр. 2361

ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته، فربما قويت عندهم شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم - لشغفهم بآمالها - ظناً ثم اضمحلت في الحال لكونها لا حقيقة لها، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير؛ قال: ﴿إلا﴾ أي لكن ﴿اتباع الظن﴾ أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك الشك إلى رتبة الظن، وعبر بأداة الاستثناء دون «لكن» الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه من قتله مع كونه في الحقيقة شكاً يكلفون أنفسهم جعله ظناً، ثم يجزمون به، ثم صار عندهم متواتراً قطعياً، فلا أجهل منهم. ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال: ﴿وما قتلوه﴾ أي انتفى قتلهم له انتفاء ﴿يقيناً *﴾ أي انتفاؤه على سبيل القطع، ويجوز أن يكون حالاً من «قتلوه» أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى ﵊، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه، والوجه الأول أولى لقوله: ﴿بل رفعه الله﴾ بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة، رفع عيسى ﵊ ﴿إليه﴾ أي

стр. 2362

إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب أنه أوحى إليه ابن ثلاثين، ورفع ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثاً وثلاثين سنة ﴿وكان الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال في كل حال عند قصدهم له وقبله وبعده ﴿عزيزاً﴾ أي يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً *﴾ أي إذا فعل شيئاً أتقنه بحيث لا يطمع أحد في نقض شيء منه، وختمُ الآية بما بين الصفتين يدل على أن المراد ما قررته من استهزائهم، وأنه قصد الرد عليهم، أي إنه قد فعل ما يمنع من استهزائكم، فرفعه إليه بعزته وحفظه بحكمته، وسوف ينزله ببالغ قدرته، فيردكم عن أهوائكم، ويسفك دماءكم، ويبيد خضراءكم، وله في رفعه وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار أمثالكم. قصة رفعه ﵊ من الإنجيل الموجود اليوم بين أظهر النصارى، وهي تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد، والبشارة بنبينا محمد ﷺ الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون، وأن إخبارهم بقتله وصلبه ليس مستنداً إلا إلى شك - كما قال الله تعالى، وأحسن ما رد على الإنسان بما يعتقده، قال مترجمهم في إنجيل متى: إنه ﵊ دخل إلى الهيكل في يروشليم -

стр. 2363

وهي القدس - وجرت بينه وبين الأحبار محاورات كان آخرها أن قال لهم: إني أقول لكم: إنكم لا تروني الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج من الهيكل، فجاء إليه تلاميذه كي يُروه بناء الهيكل، فأجاب وقال لهم: انظروا هذا كله، الحق أقول لكم: إنه لا يترك هنا حجر على حجر إلا نقض، ثم جلس على جبل الزيتون - قال مرقس: قدام الهيكل - فجاء إليه تلاميذه قائلين: قل لنا: متى هذا وما علامة مجيئك وانقضاء الزمان؟ فقال لهم: انظروا لا يضلنكم أحد - قال مرقس ولوقا: فإن كثيراً يأتون باسمي قائلين: إنما هو المسيح، ويضلون كثيراً - فإذا سمعتم بالحروب وأخبار الحروب انظروا لا تقلقوا، فلا بد أن يكون هذا كله، تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويكون خوف عظيم واضطراب وجوع ووباء - قال لوقا: وعلامات عظيمة من السماء - وزلازل في أماكن، وكل هذا أول المخاض - وقال مرقس: وهذه بداية الطلق، انظروا أنتم! إنهم يسلمونكم إلى المجامع والمحافل وتضربون - وقال لوقا: وقبل هذا كله يضعون أيديهم عليكم، ويطردونكم إلى المجامع والسجون وتقامون أمام الملوك والقواد

стр. 2364

شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولاً أن يكرز بالإنجيل، فإذا قدّموكم وأسلموكم فلا تهتموا بما تقولون ولا ماذا تجيبون، فإنكم تعطون في تلك الساعة الذي تتكلمون به ولستم المتكلمين، لكن روح القدس؛ قال لوقا: فإني معطيكم فماً وحكمة لا يقدر الذين يناصبونكم يقاومونها ولا الجواب عنها، ويسلم الأخ أخاه للموت، والأب ابنه، ويثب الأبناء على آبائهم؛ قال متى: حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغوضين من كل الأمم، وحينئذ يشك كثير، ويسلم بعضكم بعضاً، ويبغض بعضكم بعضاً، ويقوم كثير من المنتهى يخلص، ويكرز بهذه البشارة في الملكوت في جميع المسكونة بشهادة لكل الأمم؛ قال مرقس: فإذا رأيتم فساد الحراب المذكور في دانيال النبي قائماً حيث لا ينبغي - فليفهم القارىء - حينئذ الذين تهودوا يهربون إلى

стр. 2365

الجليل، والذي فوق السطح لا يقدر أن ينزل إلى بيته ليأخذ شيئاً، والويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام؛ وقال لوقا: وحينئذ الذين في اليهودية يهربون إلى الجبال، والذين في وسطها يفرون خارجاً، والذين في الكورة لا يدخلونها، لأن هذه في أيام الانتقام لكي يتم كل ما هو مكتوب، يكون على الأرض ضر وشدة عظيمة، وسخط على هذا الشعب، ويقعون في فم السيف، ويسبون في كل الأمم. ويكون يروشليم موطىء الأمم حتى يكمل الزمان، وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وتخرج نفوس أناس من الخوف؛ وقال متى: وحينئذ يأتي الانفصال، ثم قال: سيكون ضيق عظيم - قال مرقس: تلك الأيام - لم يكن مثله في أول العالم حتى الآن ولا يكون، ولولا أن تلك الأيام قصرت لم يخلص ذو جسد - وقال مرقس: فلولا أن الرب أقصر تلك الأيام لم يحيى ذو جسد - لكن لأجل المتحببين قصرت تلك الأيام، فإن قال لكم أحد: إن المسيح ها هنا فلا تصدقوا، فسيقوم مسيحو كذب وأنبياء كذبة، ويعطون علامات عظاماً وآيات، ويضلون المختارين إن قدروا، هو ذا قد تقدمت وأخبرتكم، فإن قالوا لكم: إنه في البرية، فلا تخرجوا، أو فيّ المخادع، فلا تصدقوا، وكما أن البرق يخرج من المشرق فيظهر في المغرب، كذلك يكون حضور ابن البشر، لأنه حيث تكون الجثة

стр. 2366

تجتمع النسور وتلوف بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات ترتج، وحينئذ تظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وتنوح كل قبائل الأرض، وترون ابن الإنسان آتياً في سحاب السماء مع قوات ومجد كثير، ويرسل الملائكة مع صوت الناقور العظيم، ويجمع مختاريه من الأربعة الأزياج من أقصى السماوات - وقال مرقس: من أطراف الأرض إلى أطراف السماء - فمن شجرة التينة - وقال لوقا: ومن كل الأشجار - تعلمون المثل، إذا لانت أغصانها وفرعت أوراقها علمتم أن الصيف قد دنا. كذلك أنتم إذا رأيتم هذا كله علمتم أنه قد قرب على الأبواب، الحق أقول لكم! إن هذا الجيل لا يزول حتى يتم هذا كله، والأرض والسماء تزولان وكلامي لا يزول، لأجل ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد ولا ملائكة السماوات - وقال مرقس: ولا الابن - إلا الأب وحده، وقال لوقا: سأله الفريسيون: متى يأتي ملكوت الله؟ فقال: ليس يأتي ملكوت الله برصد ولا يقولون: هوذا هاهنا

стр. 2367

أو هناك! ها هو ذا ملكوت الله؛ ثم قال لتلاميذه: ستأتي أيام تشتهون أن تروا يوماً واحداً من أيام ابن الإنسان ولا ترون، فإن قالوا لكم: هوذا هاهنا أو هناك، فلا تذهبوا ولا تسرعوا، لأنه كمثل البرق الذي يضيء في السماء فيضيء تحت السماء، كذلك تكون أيام ابن البشر - انتهى. وكما كان في أيام نوح ﵊ كذلك يكون استعلاء ابن الإنسان، لأنه كما كنوا قبل أيام الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح إلى السفينة، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان فأدرك جميعهم، كذلك يكون حضور ابن الإنسان؛ وقال لوقا: ومثل ما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون ويغرسون ويبنون إلى اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم، وأمطر من السماء ناراً وكبريتاً، وأهلك جميعهم، كذلك في اليوم الذي يظهر فيه ابن الإنسان، وفي ذلك اليوم من كان في السطح وآلته في البيت لا ينزل كي يأخذها، ومن كان في الحقل أيضاً لا يرجع هكذا إلى ورائه. انظروا إلى امرأة لوط، من أراد أن يحيي نفسها فليهلكها، ومن أهلكها أحياها، أقول لكم: إن في هذه الليلة - وقال متى: حينئذ - يكون اثنان في الحقل، يؤخذ واحد، ويترك الآخر، واثنتان تطحنان على رحى واحدة، تؤخذ الواحدة، وتترك

стр. 2368

الأخرى، وقال مرقس: فانظروا واسهروا وصلّوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الزمان! اسهروا فإنكم لا تعملون متى يأتي رب البيت ليلاً! يأتي بغتة فيجدكم نياماً، والذي أقول لكم أقوله للجميع، اسهروا! قال لوقا: في كل حين وتضرعوا لكي تقووا على الهرب في هذه الأمور الكائنة كلها، وتقفوا قدام ابن الإنسان، وقال متى: فاسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم، واعلموا أنه لو علم رب البيت في أي هجعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب، كذلك كونوا مستعدين لأن ابن الإنسان يأتي ساعة لا تظنونها، من ترى هو العبد الأمين الحليم الذي يقيمه سيده على بيته ليعطيهم الطعام في حينه! طوبى لذلك العبد، يأتي سيده فيجده يعمل هكذا، الحق أقول لكم! إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الرديء في قلبه: إن سيدي يبطىء، فيبدأ يأكل ويشرب مع المسكرين فيأتي سيده في يوم لا يظنه وساعة لا يعرفها، فيجعل نصيبه مع المرائين، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. يشبه ملكوت السماوات عشرة عذاراى أخذن

стр. 2369

مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس منهن جاهلات، وخمس حليمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن زيتاً، وأما الحليمات فأخذن زيتاً في إناء مع مصابيحهن، فلما أبطأ العريس نعسن كلهن ونمن، وانتصف الليل فُصرِخ: هذا العريس قد أقبل، اخرجن للقائه! حينئذ قام جميع العذارى وزين مصابيحهن، فقال الجاهلات للحليمات: أعطيننا من زيتكن، فإن مصابيحنا قد طفئت! فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن، فاذهبن إلى الباعة وابتعن لكنّ، فلما ذهبن ليبتعن جاء العريس، فالمستعدات ذهبن معه وأُغلِقَ، فجاء بقية العذارا قائلات: يا رب! افتح لنا، فأجاب وقال: الحق أقول لكنّ! إني لا أعرفكن؛ اسهروا الآن فإنكم لا تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة، كمثل إنسان أراد السفر، فدعا عبيداً له فأعطاهم ماله، فأعطى خمس وزنات لواحد، ووزنتين للآخر، وواحداً وزنة، كل منهم على قدر قوته، وسافر للوقت، فمضى الذي أخذ الخمس فاتجر فيها، فربح خمس وزنات أخرى وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح فيهما وزنتين أخريين، وأما الذي أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض ودفن حصة سيده، وبعد زمان كثير جاء سيد هؤلاء فحاسبهم، فجاء الذي أخذ الخمس وزنات فأعطى خمس وزنات أخرى قائلاً: يا رب! خمس وزنات أعطيتني، وهذه خمس وزنات أخرى ربحتها، قال له سيده - قال لوقا-:

стр. 2370

حبذا أيها العبد الصالح! ألفيت أميناً على القليل، وقال متى: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير أميناً، ادخل إلى فرح سيدك، وجاء الذي أخذ الوزنتين فقال: يا سيد! وزنتين دفعت إليّ وهذان وزنتان أخريان ربحتهما فقال له سيده: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك، فجاء الغير مصيب الذي أخذ الوزنة فقال: يا سيد! عرفت أنك إنسان شديد، تحصد ما لم تزرع، وتجمع من حيث لا تبذر، فخفت ومضيت فدفنت مالك في الأرض، هذا مالك، فأجاب سيده وقال: أيها العبد الشرير الكسلان! علمت أنني أحصد من حيث لا أزرع، وأجمع من حيث لا أبذر، كان ينبغي لك أن تجعل حصتي على مائدة، فأنا آتي وآخذه إليّ مع أرباحه، خذوا منه الوزنة، وأعطوها للذي له عشر وزنات، لأن من له يعطي ويزاد، والذي ليس له يؤخذ منه ما معه، والعبد الشرير الغير نافع ألقوه في الظلمة القصياء، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان؛ إذا جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة المقدسين معه، حينئذ يجلس على

стр. 2371

كرسي مجده،، ويجمع إليه كل الأمم، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله، حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رِثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم، جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وغريباً كنت فآويتموني، وعرياناً فكسوتموني، ومريضاً فعدتموني، ومحبوساً فأتيتم إليّ، حينئذ يجيب الصديقون ويقولون: يا رب! متى رأيناك جائعاً فأطعمناك؟ أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك؟ أو عرياناً فكسوناك؟ أو مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟ فيجيب الملك ويقول: الحق أقول لكم! الذي فعلتموه بأحد هؤلاء الحقيرين فبي فعلتم، حينئذ يقول للذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة المعدّة لإبليس وجنوده، جعت فلم تطعموني - إلى آخره، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم، والصديقون إلى الحياة الأبدية. ولما أكمل يسوع هذا الكلام كله قال لتلاميذه: علمتم أن بعد يومين يكون الفسح - وقال مرقس: وكان الفسح والفطير بعد يومين - واجتمع رؤساء الكيسر والكهنة ومشايخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يقال له قيافاً، فتشاوروا على يسوع ليمسكوه - قال

стр. 2372

مرقس: بمكر - ويقتلوه، وقالوا: ليس في العيد لئلا يكون شجن؛ وقال مرقس: شغب في الشعب؛ وقال يوحنا: فجمع عظماء الكهنة والفريسيين محفلاً وقالوا: ماذا نصنع إذا كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة، وإن تركناه هكذا فسيؤمن به جميع الناس، وتأتي الروم فتتغلب على أمتنا، وإن واحداً منهم اسمه قيافا كان رئيس الكهنة فقال: إنه خير لنا أن يموت رجل واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة كلها، لأن يسوع كان مزمعاً أن يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد؛ وفي تلك الساعة تشاوروا على قتله، فأما يسوع فلم يكن يمشي بين اليهود علانية، ولكنه انطلق من هناك إلى البرية إلى كورة تسمى مدينة أفريم، وكان يتردد هناك مع تلاميذه، وكان عيد فسح اليهود قد قرب فصعد كثير من القرى إلى يروشليم قبل الفسح ليطهروا أنفسهم، فطلب اليهود يسوع، وكانوا أمروا إن علم إنسان مكانه أن يدلهم عليه، وإن يسوع قبل ستة أيام من الفسح قصد إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه يسوع، فصنعوا له هناك وليمة، وجعلت

стр. 2373

مرتا تخدم، وعلم جمع كثير من اليهود فجاؤوا إليه، ولينظروا إلى لعازر الذي أقامه من بين الأموات، وتشاور عظماء الكهنة أن يقتلوا لعازر، لأن كثيراً من اليهود من أجله كانوا يؤمنون بيسوع، وكان الجمع الذي معه يشهد له أنه دعا لعازر من القبر وأقامه، ومن الغد سمعوا أن يسوع يأتي إلى يروشليم، فخرجوا للقائه يصرخون: مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل! ووجد يسوع حماراً فركبه - كما هو مكتوب: لا تخافي يا بنت صيون! هوذا ملكك يأتيك راكباً على جحش - ابن أتان - ثم قال: وقال يسوع: قد قربت الساعة التي يمجد فيها ابن البشر، الحق الحق أقول لكم! إنه حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتَمُتْ بقيت وحدها، وإن هي ماتت أتت بثمار كثيرة، من أحب نفسه فليهلكها، ومن أبغض نفسه في هذا العالم فإنه يحفظها لحياة الأبد، وقال: يا رباه! مجد اسمك، فجاء صوت من السماء: قد مجدتُ وأيضاً أمجد، فسمع الجمع الذي كان واقفاً فقال بعضهم: إنما كان رعداً، وقال آخرون: إن ملاكاً كلمه، قال يسوع: ليس من أجلي كان هذا الصوت، ولكن من أجلكم،

стр. 2374

وقد حضر الآن دينونة هذا العالم، الآن يلقى رئيس هذا العالم إلى خارج، وأنا إذا ارتفعت من الأرض جبيت إليّ كل واحد، فأجاب الجمع: نحن سمعنا في الناموس أن المسيح يدوم إلى الأبد، فكيف تقول أنت: يرتفع ابن البشر، فقال لهم يسوع: إن النور معكم زماناً يسيراً، فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام، إن الذي يمشي في الظلام ليس يدري أين يتوجه، فما دام لكم النور آمنوا بالنور لتكونوا أبناء النور؛ تكلم يسوع بهذا ثم مضى وتوارى عنهم، وقال: يا بني! أنا معكم زماناً قليلاً، وتطلبوني فلا تجدوني، وكما قلت لليهود: إن الموضع الذي امضي إليه أنا، لستم تقدرون على المضي إليه، قال يوحنا في محاورته ليهود في الهيكل: قال يسوع: أنا أمضى وتطلبوني وتموتون بخطاياكم، وحيث أنا أذهب لستم تقدرون على إتيانه، فقال اليهود: لعله يريد أن يقتل نفسه، فقال لهم: أنتم من أسفل، وأنا من فوق، أنتم من هذا العالم، وأما أنا فلست من هذا العالم، قد أخبرتكم أنكم تموتون بخطاياكم، فقالوا له: أنت من أنت؟ ثم قال: وقالوا له: إن أبانا هو إبراهيم، قال: لو كنتم بني إبراهيم كنتم تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم تريدون قتل إنسان كلمكم بالحق الذي سمعه من الله تعالى، ولم يفعل إبراهيم هذا، أنتم تعملون أعمال أبيكم؟ فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى،

стр. 2375

فقال لهم: أنتم من أبيكم إبليس، وشهوة أبيكم تهوون إن لم تعملوا ذلك، الذي هو من البدء قتّال الناس ولم يلبث على الحق لأنه ليس فيه حق، وإذا ما تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما هو له، وأما أنا فأتكلم بالحق ولستم تؤمنون بي، من منكم يوبخني على خطيئة - انتهى، وأقول لكم الآن أن يحب بعضكم بعضاً كما أحببتكم، فبهذا يعرف كل أحد أنكم تلاميذي، وقال يسوع: من يؤمن بي ليس من يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني، ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني، أنا جئت نور العالم لكي ينجو كل من يؤمن بي من الظلام، ومن يسمع كلامي ولا يؤمن بي أنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم، بل لأحيي العالم، من جحدني ولم يقبل كلامي فإن له من يدينه، الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الآخر، لأني لم أتكلم من نفسي، لأن الرب الذي أرسلني هو أعطاني الوصية، ثم قال: الحق الحق أقول لكم! من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أعملها، وأفضل منها يصنع، إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد - روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه، لأنهم لم يروه ولم يعرفوه، وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم وهو فيكم، لست أدعكم يتامى لأني سوف أجيئكم عن قليل، من يحبّني يحفظ كلمتي، ومن لا يحبني ليس يحفظ كلامي، الكلمة التي تسمعونها

стр. 2376

ليست لي، بل للرب الذي أرسلني، كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلت لكم، السلام استودعتكم، سلامي خاصة أعطيكم، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، قد سمعتم أني قلت لكم: إني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني لكنتم تفرحون بمضيّي إلى الرب، لأن الرب أعظم مني، وها قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون، ولست أكلمكم كثيراً لأن أركون العالم يأتي وليس له فيّ شيء، ولكن ليعلم العالم أني أحب الرب، وكما أوصاني الرب كذلك أفعل، أنا هو الكرمة الحقيقية وربي الغارس، كل غصن لا يأتي بثمار ينزعه، والذي يأتي بثمار ينقيه ليأتي بثمار كثيرة، أنتم لتيامن هذا الكلام الذي كلمتكم به اثبتوا فيّ وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يطيق أن يأتي بالثمار من عنده إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم إن لم تثبتوا فيّ، أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان، من ثبت فيّ وأنا فيه يأتي بثمار كثيرة، وبغيري لستم تقدرون تعملون شيئاً، فإن لم يثبت أحد فيّ طرح خارجاً مثل الغصن الذي يجني فيأخذونه ويطرحونه في النار فيحترق، وإن أنتم ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدونه، وبهذا يمجد ربي بأن تأتوا

стр. 2377

بثمار كثيرة، وأنتم أحبابي إن علمتم كل ما وصيتكم به، إنما وصيتكم بهذا لكي يحب بعضكم بعضاً، فإن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم، لو كنتم من العالم كان العالم يحب من هو منه، لكنكم لستم من العالم، بل اخترتكم من العالم، من أجل هذا يبغضكم العالم، لو لم آت وأكلمهم لم يكن لهم خطيئة، والآن ليس لهم حجة في خطيئتهم، لو لم أعمل أعمالاً لم يعملها أحد لم يكن لهم خطيئة، لتتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم أنهم أبغضوني باطلاً، إذا جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم - روح الحق الذي من الرب بسق - هو يشهد وأنتم تشهدون، لأنكم معي صفوة، كلمتكم بهذا لكيلا تشكون، فإنهم سوف يخرجونكم من مجامعهم، ولم أخبركم بهذا من قبل لأني كنت معكم، والآن فإني منطلق إلى من أرسلني، أقول لكم الحق! إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو موبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقول لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن، وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي، وهو

стр. 2378

مجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم، قليلاً ولا ترونني، وقليلاً وترونني، قالوا: ما هذا القليل الذي يقول؟ فقال لهم: أفي هذا يراطن بعضكم بعضاً، الحق أقول لكم! إنكم تبكون وتنوحون والعالم يفرح، وأنتم تحزنون لكن حزنكم يؤول إلى فرح، كالمرأة إذا حضر ولادها تحزن لأن قد جاءت ساعتها، فإذا ولدت ابناً لم تذكر الشدة من أجل الفرح، لأنها ولدت إنساناً في العلم؛ تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء وقال: يا رب! قد حضرت الساعة فمجد عبدك ليمجدك عبدك، كما أعطيته السلطان على كل ذي جسد، ليعطي كل من أعطيته حياة الأبد، وهذه هي حياة الأبد أن يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع المسيح، أنا قد مجدتك على الأرض، ذلك العمل الذي أعطيتني لأصنعه قد أكمت، والآن مجدني أنت يا رباه بالمجد الذي عندك، قد أظهرت اسمك للناس، الآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك، وعلموا حقاً أني من عندك أتيت، وآمنوا أنك أرسلتني، وأنا أجيء إليك أيها الرب القدوس! احفظهم باسمك الذي أعطيتني كي يكونوا واحداً كما نحن، إذ كنت معهم في العالم أنا كنت أحفظهم باسمك، ليس أسأل أن تنزعهم من العالم، بل أن نحفظهم من الشرير، لأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من العالم، قدسهم بحقك فإذا كلمتك خاصة هي الحق، كما أرسلتني إلى العالم

стр. 2379

أرسلتهم أنا أيضاً إلى العالم، ولست أسأل في هؤلاء فقط، بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحداً، كما أنك يا رباه فيّ وأنا فيك ليكونوا أيضاً فيناً واحداً، ليؤمن العالم أنك أرسلتني؛ قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عين عمرة وادي الأرز، وكان هناك بستان، دخله هو وتلاميذه، وكان يهودا الذي أسلمه يعرف ذلك المكان، لأن يسوع كان يجتمع هناك مع تلاميذه كثيراً، وقبل عيد الفسح كان يسوع يعلم أن قد حضرت الساعة التي ينتقل فيها من هذا العالم، فلما حضر العشاء خامر الشيطانُ قلبَ يهودا شمعون الإسخريطي لكي يسلمه، فقام يسوع عن العشاء وترك ثيابه وائتزر وسطه بمنديل، وبدأ يغسل أقدام التلامذة وينشفها بمنديل كان مؤتزراً به، فلما انتهى إلى شمعون الصفا قال له: أنت يا سيدي تغسل لي قدمي؟ فقال يسوع: إن الذي أصنعه لست تعرفه الآن، ولكنك ستعرفه فيما بعده، قال له شمعون الصفا: إنك لست غاسلاً لي قدمي الآن، قال له يسوع: إن أنا لم أغسلهما فليس لك معي نصيب، قال شمعون: يا سيدي! ليس تغسل لي قدمي فقط، بل ويدي ورأسي، قال له يسوع:

стр. 2380

إن الذي يطهر لا يحتاج إلا إلى غسل قدمي؛ فلما غسل أرجلهم تناول ثيابه واتكأ وقال لهم: تعلمون ما صنعت بكم؟ أنتم تدعونني معلماً ورباً، وما أحسن ما تقولون! فإذا كنت أنا معلمكم وربكم قد غسلت أقدامكم فأنتم أحرى أن يغسل بعضكم أرجل بعض، والحق الحق أقول لكم! ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم ممن أرسله وقال: اتلحق والحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني؛ وقال متى: ولما كان يسوع في بيت عنيا في بيت شمعون الأبرص جاءت امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن فأفاضته على رأسه وهو متكىء، حينئذ مضى أحد الاثني عشر - أي الحواريين الذي سيذكرون في المائدة والأنعام بأسمائهم - وهو الذي يقال له يهودا الإسخريطي إلى رؤساء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني حتى أسلمه إليكم؟ فأقاموا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت جعل يطلب فرصة ليسلمه، وفي أول يوم الفطير - قال مرقس: لما ذبحوا الفسح - قال له تلاميذه: أين تريد حتى نستعد لتأكل الفسح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: المعلم يقول: زماني قد اقترب، وعندك أصنع الفسح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفسح، وقال لوقا: وكان في النهار يعلم في الهيكل، ويخرج في الليل ليستريح في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، وكان جميع الشعب يدلجون إليه ليسمعوا منه وكان لما قرب عيد الفطير المسمى بالفسح

стр. 2381

تطلّب الكهنة كيف يهلكونه، وكانوا يخافون من الشعب، فدخل الشيطان في يهودا الذي يدعى الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة، فمضى وكلم رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم، ففرحوا ووعدوه، وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم مفرداً عن الجمع، فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح، فأرسل بطرس ويوحنا وقال: امضيا وأعدا لنا الفسح، ثم قال: فانطلقا وأعدا الفسح، ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر تليمذاً، قال: فقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل معكم الفسح، فإني أقول لكم: إني أيضاً لا آكل منه حتى يتم في ملكوت الله؛ وقال متى: وفيما هم يأكلوا قال: الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فحزنوا جداً وشرع كل واحد منهم يقول: لعلي أنا هو؛ وقال يوحنا: وقال: الحق الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فنظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، وكان واحداً من تلاميذه متكئاً في حضن يسوع، وهو الذي كان يسوع يحبه، فأومأ شمعون الصفا إليه أن يعلمه مَن الذي قال لأجله؛ فوقع ذلك التلميذ على صدر يسوع وقال له: يا سيدي! من هذا؟ فقال يسوع: هو الذي أبلّ خبزاً وأناوله، فبلّ خبزاً ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي، وقال متى: فقال: الذي يجعل يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ وابن الإنسان ماضٍ كما كتب

стр. 2382

من أجله، الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان، حبذا له لو لم يولد، أجابه يهودا مسلمه وقال: لعلي أنا هو يا معلم! قال: أنت، قال: فسبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون؛ وقال لوقا: فقال لهم: إن ملوك الأمم هم ساداتهم، والمسلطون عليهم يدعون المحسنين إليهم، فأما أنتم فليس كذلك، لكن الكبير منكم يكون كالصغير والمقدم كالخادم، من أكبر؟ المتكىء أم الذي يخدم؟ أليس المتكىء فأما أنا في وسطكم فمثل الخادم، وأنتم الذي صبرتم معي في تجاربي، وأنا أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت، لتأكلوا وتشروبوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كرسيّ، وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى أن قال: ثم خرج كالعادة ومضى إلى جب الزيتون، ومعه أيضاً تلاميذه، فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا التجربة، وانفرد عنهم كرمية حجر وخرَّ على ركبتيه فصلى؛ وقال متى: حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أضرب الراعي، تفرق خراف الرعية، فأجاب بطرس وقال له: لو شك جميعهم لم أشك أنا، قال له يسوع: الحق أقول لك! في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات؛ وقال يوحنا: الحق الحق أقول لكم! لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاثاً، لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي؛

стр. 2383

وقال متى: قال له بطرس: لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت؛ وقال مرقس: فتمادى بطرس وقال: يا أبت! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس أنكرك، وهكذا قال جميع التلاميذ، حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية، فقال للتلاميذ: اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك، امكثوا واسهروا معي، وبعد ذلك خرَّ على وجهه يصلي، وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً، قال مرقس: فقال البطرس: يا شمعون! أنت نائم؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا التجارب، أما الروح فمستبشرة، وقال مرقس: فمستعدة، وأما الجسد فضعيف، ومضى أيضاً وصلى، وجاء أيضاً فوجدهم نياماً، لأن عيونهم كانت ثقيلة، فتركهم؛ ومضى أيضاً يصلي، قال لوقا: وظهر له ملاك من السماء ليقويه، وكان يصلي تواتراً، وكان عرفه كعبيط الدم نازلاً على الأرض! وقال متى: حينئذ جاء إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا! قد اقتربت الساعة، وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا الإسخريوطي أحد الاثني عشر، معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة وقال: الذي أقبّله هو هو فأمسكوه، وجاء إلى يسوع وقال له: السلام يا معلم!

стр. 2384

وقبّله فقال له يسوع: يا هذا! ألهذا جئت؟ حينئذ جاؤوا فوضعوا أيديهم على يسوع وقبضوا عليه، ثم قال: في تلك الساعة قال يسوع للجموع: كأنكم قد خرجتم إلى لص بالسيوف والعصيّ لتأخذوني، في كل يوم كنت أجلس عندكم أعلِّم في الهيكل فما قبضتم عليّ، وهذا كله كان لتكميل كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقال يوحنا: إن يهودا أخذ جنداً من عند عظماء الكهنة والفريسيين وشرطاً، وجاء إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح، ويسوع كان عارفاً بكل شيء يأتي عليه، فخرج وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري، قال: أنا هون وكان يهودا واقفاً معهم، فلما قال: أنا هو، رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض، فقال يسوع: إن كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبوا، لتتم الكلمة التي قالها: إن الذي أعطيتني لن يهلك منهم أحد؛ وقال متى: حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، والذين أخذوا يسوع اقتادوه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، وأما بطرس فأتبعه على بُعُد منه إلى دار رئيس الكهنة، ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام، وقال مرقس: وجلس مع الخدام عند النار

стр. 2385

يصطلي؛ وقال يوحنا: وإن شمعون الصفا والتلميذ الآخر - يعني الذي تقدم أن عيسى كان يحبه - تبعا يسوع، وكان عظيم الكهنة يعرف ذلك التلميذ، فدخل يسوع إلى دار عظيم الكهنة، فأما شمعون فكان واقفاً خارج الباب، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معارف رئيس الكهنة، فقال للبوابة وأدخل شمعون بطرس، فقالت الجارية البوابة لشمعون: أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال لها: لا! وكان العبيد والشرط قياماً يوقدون ناراً ليصطلوا، لأنها كانت ليلة باردة، وقام شمعون معهم أيضاً يصطلي: قال متى: فقال رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن كنت أنت هو المسيح! قال له يسوع: أنت قلت؛ ثم ذكر أنهم أفتوا بقتله وقال: عند ذلك بصقوا في وجهه وستروا وجهه بثوب ولطموا وجهه فوقه قائلين: أيها المسيح! بين لنا مَنْ هو الذي ضربك؟ قال مرقس: وبينما بطرس في أسفل الدار جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له: وأنت أيضاً قد كنت مع يسوع الناصري؛ وقال متى: مع يسوع الجليلي، وقال لوقا: فلما رأته جارية جالساً عند الضوء ميزته فقالت: هذا أيضاً كان معه، فأنكر وقال: ما أعرفه؛ وقال متى: فجحد بين أيديهم أجمعين، وعند خروجه إلى الباب أبصرته جارية أخرى فقالت: وهذا أيضاً كان مع
следующие страницы →