Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
لأن أخذناهم بعظمتنا، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه الرسل ﴿بالبأساء﴾ من تسليط القتل عليهم ﴿والضراء﴾ بتسليط الفقر والأوجاع ﴿لعلهم يتضرعون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ، بما يرشد إليه - مع صيغة التفعيل - الإظهار، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة، بخلاف ما يأتي في الأعراف.
ولما لم يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه، تسبب عنه الإنكار عليهم، فقال معبراً بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع: ﴿فلولا﴾ أي فهلا ﴿إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ ولما كان معنى الإنكار أنهم ما تضرعوا قال: ﴿ولكن قست قلوبهم﴾ أي فلم يذكروا ربهم أصلاً ﴿وزين لهم الشيطان﴾ أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات ﴿ما كانوا يعملون *﴾ من العظائم والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين ﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾ أي فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع والتسكن، كما هو اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا ﴿فتحنا﴾ أي بما يليق بعظمتنا ﴿عليهم أبواب كل شيء﴾ أي من الخيرات والأرزاق والملاّد التي كانت مغلقة عنهم ونقلناهم من
стр. 2977
الشدة إلى الرخاء، وذلك استدراجاً لهم، ومددنا زمانه وطوّلنا أيامه ﴿حتى إذا فرحوا﴾ أي تناهى بهم الفرح ﴿بما أوتوا﴾ أي معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء بعد أن كان ابتلاهم بذلك، فعلم أنهم في غاية من الغباوة، لا يرتدعون بالتأديب بسياط البلاء، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء، بل ظنوا أن البلاء عادة الزمان، والرخاء باستحقاقهم الامتنان، فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس ﴿أخذناهم﴾ بعظمتنا، وإنما أخذناهم في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم ﴿بغتة﴾ فلم نمكنهم من التضرع عند خفوق الأمر، ولا أمهلناهم أصلاً بل نزل عليهم من أثقال العذاب، وأباح بهم من أحمال الشدائد وصروف البلايا ما أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا ﴿فإذا هم مبلسون *﴾ أي تسبب عن ذلك البغت أن فاجؤوا السكوتَ على ما في أنفسهم واليأس تحسراً وتحيراً، واستمروا بعد أن سكتوا إلى أن همدوا وخفتوا، ففي نفي التضرع عن المتقدمين بعد أن أثبته لمشركي هذه الأمة استعطاف لطيف، وفي ذكر استدراج أولئك بالنعم عند نسيان ما ذكروا به إلى ما أخذهم بغتة من قواصم النقم غاية التحذير.
стр. 2978
ولما كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشُذّابهم لملل أصحابه من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب، أخبر تعالى أن أخذه على غير ذلك، وأن نيله للآخر كنيله للأول على حد سواء، فقال مسبباً عن الأخذ الموصوف مشيراً بالبناء للمفعول إلى تمام القدرة، وبالدابر إلى الاستئصال: ﴿فقطع دابر﴾ أي آخر ﴿القوم الذين ظلموا﴾ أي بوضع الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام، وضعوا لقسوة موضع الرقة التي تدعو إليها الشدة، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى الشدة، كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع دعاء من أفاض تلك النعم، ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من عبدتموه وقت الرخاء، لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به.
وإن تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من الرسل ﵈ وأتباعهم ﵃، نبه على ذلك بالجملة مع ما يشير
стр. 2979
إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال: ﴿والحمد﴾ أي قطع أمرهم كله والحال أن الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ المتفرد بنعوت الجلال والجمال ﴿رب العالمين *﴾ الموجد لهم أجمعين، أي له ذلك كله بعد فناء الخلق على أيّ صفة كانوا من إيمان أو كفر، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة، فكأنه قيل: الكمال لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فقطع دابرهم، والكمال له لم يتغير، لأنه لا يزيده وجود موجود، ولا ينقصه فقد مفقود، فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان محموداً حال الإيجاد والخلق، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنه لا يخرج شيء عن إيمانهم ولا كفرانهم عن إرادته سبحانه، فلا عليك منهم اقترحوا الآيات أولا، فإنه ليس عليك إلا البلاغ.
стр. 2980
ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال، وكان الإتيان بالكاف ثَمَّ مشيراً مع إفادة التأكيد إلى أن ثَمَّ نوع مهلة، وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصورُ شناعته يهذأ الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان، فإنه لا أشنع حالاً من أصم أعمى مجنون، فقال مشيراً - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أيّ
стр. 2981
الأخذ: ﴿قل أرءيتم﴾ فكانت حقيقة المقترن بالكاف: هل رأيتم أنفسكم، وهذا هل رأيتم مطلق رؤية، لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين: أخبروني ﴿إن أخذ الله﴾ أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء ﴿سمعكم﴾ وأفرده لقلة المفاوتة فيه، لأنه أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة، ليكون ذلك أدل على الفعل بالاختيار ﴿وأبصاركم﴾ أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمماً ظاهرين وباطنين بسلب المنفعة ﴿وختم على قلوبكم﴾ فجعلها لا تعي أصلاً أو لا ينتفع بالوعي ﴿من إله﴾ أي معبود بحق، لأن له إحاطة العلم والقدرة؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله: ﴿غير الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿يأتيكم به﴾ أي بذلك الذي هو أشرف معاني أشرف أعضائكم، أو بشيء منه.
ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في وحدانيته وبطلان كل معبود سواه - أعلى المقامات، نبه على أنه على ذلك، بالأمر بالنظر فيها وفي حالهم بعدها، دالاً على ما تقدم من أن المقترحات لا تنفع من أراد سبحانه شقاوته فقال: ﴿انظر كيف نصرف﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿الآيات﴾ أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه
стр. 2982
من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد عبر بأداة التراخي فقال: ﴿ثم هم﴾ أي بعد هذا البيان بصميم ضمائرهم ﴿يصدفون *﴾ أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة.
ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحاً وتارة بإسقاط الكاف؛ كان ربما وقع في وهم السؤالُ عن حالة الجهر، أتبع ذلك ذكره مفصلاً لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال: ﴿قل أرءيتكم﴾ ولما كان المعنى: أخبروني، وكان كأنه قيل: عما ذا؟ قيل: ﴿إن أتاكم عذاب الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء ﴿بغتة﴾ أي بحيث لا يرى إلا ملتبساً بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته، ﴿أو جهرة﴾ أي بحيث ترونه مقبلاً إليكم مقدماً عليكم ﴿هل﴾ .
ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل، بني للمفعول قوله: ﴿يهلك﴾ أي في واحدة من الحالتين هلاكاً هو الهلاك، وهو هلاك السخط ﴿إلا القوم﴾ أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم والمقاومة ﴿الظالمون *﴾ أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له، وأما المصلح فإنه ناج إما في الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى
стр. 2983
عليه؛ وذكر أبو حيان أنه لما كان مطلق العذاب صالحاً لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم، كان التوعد به أهول، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب.
ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر، وطلبه منهم ما لا يقدر عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات؛ بين لهم حقيقة الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله، فقال عاطفاً على ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك﴾ [الأنعام: ٤٢] ﴿وما نرسل﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿المرسلين﴾ أي نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من الماضي وغيره ﴿إلا مبشرين﴾ لمن أطاع ﴿ومنذرين﴾ لمن عصى، عريقين في كل من الوصفين، لا مجيبين إلى ما يقترح الأمم، ولا معذبين لمن يعاندهم؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من النفع والضر فقال: ﴿فمن آمن وأصلح﴾ أي تصديقاً لإيمانه ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا
стр. 2984
الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية، فهو إلى فناء ثم إلى سرور دائم، فهو عدم ﴿ولا هم يحزنون*﴾ أي حزناً يضر بحياتهم الأبدية.
ولما بين حال المصلحين، أتبعه حال المفسدين فقال: ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة ﴿يمسهم العذاب﴾ أي الدائم المتجدد، وكني عن قربه بأن جعل له قوة المس، كأنه حي مريد فقال: ﴿بما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يفسقون *﴾ أي يديمون الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من الإيمان وما يقتضيه، وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر التوبة منه فيعفى عنه.
ولما بين وظيفة الرسل، وقسم المرسل إليهم، أمره بنفي ما يتسبب عنه قولهم من أن البشر لا يكون رسولاً، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد، أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم، أو إلزامه بذلك، منها لهم على وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال: ﴿قل﴾ أي في جواب قولهم
﴿لولا أنزل عليه آية﴾ [يونس: ٢٠] ونحوه.
ولما لم يكن لهم عهد بأن بشراً يكون عنده الخزائن، يتصرف فيها بما يريد، وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر
стр. 2985
ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاماً له بذلك لقصد التكذيب. نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال: ﴿لا أقول لكم﴾ أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض، فأباها تواضعاً لله سبحانه، قيد بقوله «لكم» إفهاماً لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له ﴿عندي خزائن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة، فلا كفوء له أي فآتيكم ما تقترحون من الآيات وما تشتهونه من الكنوز وما تستهزئون به من العذاب، وإنما الخزائن بيده، يفعل فيها ما يشاء.
ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات، وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب، وكان النبي ﷺ يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائماً لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب، ولكنهم
стр. 2986
يظنونه من آيات الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره، لعلهم يظفرون عليه بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون، فيعدونه عليه؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره، فقال نافياً له من أصله، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه، عاطفاً على ﴿لا أقول﴾ لا على ﴿عندي﴾ ﴿ولا أعلم الغيب﴾ أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو قيام الساعة، فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا إلا لمرتبة الألوهية، وإنما لم أدّع الأول كما ألزمتموني به، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم.
ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان، قال: ﴿ولا أقول﴾ أي بدعوى الرسالة؛ ولما كان ﷺ أعلى الأنبياء صفاء وأنورهم قلباً وأشدهم في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر، وكان هذا أمراً من الله له. قيد بقوله: ﴿لكم﴾ إفهاماً لأنه لا يمتنع عليه أن يقول ذلك، بل لو قاله كان صادقاً،
стр. 2987
ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم في محاوراتهم، وأما إسقاط «لكم» في قصة نوح من سورة هود ﵉ فتواضعاً منه لكونه من قوله، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى ﴿إني ملك﴾ فأقوى على الأفعال التي تقوى عليها الملائكة من التحرز عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة.
فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلهاً أو ملكاً، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله، فقال على وجه النتيجة: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أتبع﴾ أي بغاية جهدي ﴿إلا ما يوحى إلي﴾ أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئاً مما تقدم نفيه، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصاً، وأنذر به كل من بلغه عموماً، وذلك غير منكر في العقل ولا مستبعد بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر، وقد قام على ثبوته لي واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين، فإن كان فيه الإذن لي بإبراز خارق أبرزته، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته، وإلا اقتصرت على الإبلاغ
стр. 2988
مع التحدي، وهو مخبر بأن الله - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة.
ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر، لا يهتدون إلى ما ينفعهم، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم، بل هم كالسالك بين المهالك، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء، وأنه ﷺ أبصر البصراء وأحكم الحكماء لأتباعه علام الغيوب، وكان موضع أن يقال: ما يوحى إليك في هذا المقام؟ قال على وجه التبكيت لهم: ﴿قل﴾ أي لكل من يسمع قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان ﴿هل يستوي﴾ أي يكون سواء من غير مرية ﴿الأعمى والبصير﴾ فإن قالوا: نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير، ومن أعرض عنها فهو العمى، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله: ﴿أفلا تتفكرون *﴾ أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات.
стр. 2989
ولما أمره بتوبيخهم، أمره - عاطفاً على قوله «قل» - بالإنذار على وجه مخز لهم أيضاً فقال: ﴿وأنذر به﴾ أي بما يوحى إليك، وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم
стр. 2990
وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد بقوله: ﴿الذين يخافون﴾ أي تجويزاً للجائز عقلاً وعادة.
ولما كان المرهوب الحشر نفسه، لا بقيد كونه من معين؛ بني للمفعول قوله ﴿أن يحشروا﴾ أي يجمعوا وهم كارهون ﴿إلى ربهم﴾ أي المحسن إليهم بالإيجاد والتربية مع التقصير في الشكر، حال كونهم ﴿ليس لهم﴾ وأشار إلى تحقير ما سواه وسفوله بالجار فقال: ﴿من دونه﴾ أي من المنزلة التي هي تحت منزلته، ومن المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته، ليس لهم ذلك، أي على وجه الانفراد أو التوسل ﴿ولي﴾ يتولى أمورهم فينقذهم قهراً مما يخافون ﴿ولا شفيع﴾ ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه ﴿لعلهم يتقون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية.
ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته، فقال: ﴿ولا تطرد الذين يدعون﴾ وهم الفقراء من المسلمين ﴿ربهم﴾ أي المحسن إليه عكس ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؛ ثم بين من حالهم من الملازمة ما يقتضي الإخلاص فقال: ﴿بالغداة والعشي﴾ أي في طرفي النهار مطلقاً
стр. 2991
أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام؛ ثم أتبع ذلك نتيجته فقال معبراً عن الذات بالوجه، لأنه أشرف - على ما نتعارفه - وتذكّره يوجب التعظيم ويورث الخجل من التقصير: ﴿يريدون وجهه﴾ أي لأنه لو كان رياء لاضمحل على طول الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن.
ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه ﷺ الاتباع إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير مخلصين في اتباعه، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة؛ بين له تعالى أنه لا حظ له في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث للتنفير عنها، فقال معللاً لما مضى أو مستأنفاً: ﴿ما عليك﴾ قدم الأهم عنده وهو تحمله ﴿من حسابهم﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿من شيء﴾ أي ليس لك إلا ظاهرهم، وليس عليك شيء من حسابهم، حتى تعاملهم بما يستحقون في الباطن من الطرد إن كانوا غير مخلصين ﴿وما من حسابك﴾ قدم أهم ما إليه أيضاً ﴿عليهم من شيء﴾ أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك فيه على تقدير غشهم، أو ليس عليك من رزقهم
стр. 2992
شيء فيثقلوا به عليك، وما من رزقك عليهم من شيء فيضعفوا عنه لفقرهم، بل الرازق لك ولهم الله؛ ثم أجاب النفي مسبباً عنه فقال: ﴿فتطردهم﴾ أي فتسبب عن أحد الشيئين طردك لهم ليقبل عليك الأغنياء فلا يكلفوك ما كان أولئك يكلفونك، وإن كلفتهم ما كان أولئك عاجزين عنه أطاقوه؛ والحاصل أنه يجوز أن يكون معنى جملتي ﴿ما عليك من حسابهم﴾ - إلى آخرهما راجعاً إلى آية الكهف
﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٢٨] فيكون المعنى ناظراً إلى الرزق، يعني أن دعاءك إلى الله إنما مداره الأمر الأخروي، فليس شيء من رزق هؤلاء عليك حتى تستنفر بهم وترغب في الآغنياء، ولا شيء من رزقك عليهم فيعجزوا عنه، وفي اللفظ من كلام أهل اللغة ما يقبل هذا المعنى؛ قال صاحب القاموس وغيره: الحساب: الكافي ومنه ﴿عطاء حساباً﴾ [النبأ: ٣٦] وحسّب فلان فلاناً: أطعمه وسقاه حتى شبع وروي. وقال أبو عبيد الهروي: يقال: أعطيته فأحسبته، أي أعطيته الكفاية حتى قال: حسبي، وقوله ﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [البقرة: ٢١٢] أي بغير تقتير وتضييق، وفي حديث سماك: ما حسبوا ضيفهم،
стр. 2993
أي ما أكرموه، وقال ابن فارس في المجمل: وأحسبته: أعطيته ما يرضيه، وحسّبته أيضاً، وأحسبني الشيء: كفاني.
ولما نهاه عن طردهم مبيناً أنه ضرر لغير فائدة، سبب عن هذا النهي قوله ﴿فتكون من الظالمين *﴾ أي بوضعك الشيء في غير محله، فإن طردك هؤلاء ليس سبباً لإيمان أولئك، وليس هدايتهم إلا إلينا، وقد طلبوا منا فيك لما فتناهم بتخصيصك بالرسالة ما لم يخف عليك من قولهم ﴿لولا أنزل عليه ملك﴾ [الأنعام: ٨] ونحوه مما أرادوا به الصرف عنك، فكما لم تقبلهم فيك فلا تقبلهم أنت في أوليائنا، فإنا فتناهم بك حتى سألوا فيك ما سألوا وتمنوا ما تمنوا ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما فتناهم بإرسالك ﴿فتنا﴾ أي فعلنا فعل المختبر قسراً بما لنا من العظمة ﴿بعضهم ببعض﴾ بالتخصيص بالإيمان والغنى والفقر ونحو ذلك ﴿ليقولوا﴾ أي إنكاراً لأن تفضل غيرهم عليهم احتقاراً لهم واستصغاراً ﴿أهؤلاء﴾ أي الذين لا يساووننا بل لا يقاربوننا في خصلة من خصال الدنيا ﴿منَّ الله﴾ أي على جلاله وعظمه ﴿عليهم﴾ أي وفقهم لإصابة الحق وما يسعدهم عنده وهم فيما نرى من الحقارة ﴿من بيننا﴾ فالآية ناظرة إلى ما يأتي في هذه السورة من قوله تعالى ﴿حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
стр. 2994
ولما كان الإنكار لا يسوغ إلاّ مع نهاية العلم بمراتب المفضلين، وأن المفضل لا يستحق التفضيل من الوجه المفضل به، أنكر إنكارهم بقوله: ﴿أليس الله﴾ أي الذي له جميع الأمر، فلا اعتراض عليه ﴿بأعلم بالشاكرين *﴾ أي الذين يستحقون أن يفضلوا لشكرهم على غيرهم لكفرهم.
стр. 2995
ولما نهاه ﷺ عن طردهم، علمه كيف يلاطفهم فقال عاطفاً على ما تقديره: وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من عبادي فلا تحفل بهم: ﴿وإذا جاءك﴾ وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف الموجب لإكرامهم وتعميماً لغيرهم فقال: ﴿الذين يؤمنون﴾ أي هم أو غيرهم أغنياء كانوا أو فقراء، وأشار بمظهر العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير بالإيمان به فقال: ﴿بآياتنا﴾ على ما لها من العظمة بالنسبة إلينا ﴿فقل﴾ أي لهم بادئاً بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لخواطرهم ﴿سلام عليكم﴾ أي سلامة مني ومن الله، ونكره لما يلحقهم في الدنيا من المصائب؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿كتب ربكم﴾ أي المحسن إليكم ﴿على نفسه الرحمة﴾ ثم علل ذلك بقوله واستأنف بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان، لأنه طبعه على طبائع الخسران إلا من جعله موضع الامتنان فقال: ﴿أنه من عمل منكم سوءاً﴾ أي أيّ سوء كان
стр. 2996
ملتبساً ﴿بجهالة﴾ أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم حتى كان كأنه لا يعلم شيئاً ﴿ثم تاب﴾ أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال الزمان، ولذا أدخل الجار فقال: ﴿من بعده﴾ أي بعد ذلك العمل ﴿وأصلح﴾ بالاستمرار على الخير ﴿فإنه﴾ أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه دائماً ﴿غفور﴾ أي بالغ الستر والمحو لما كان من ذلك ﴿رحيم *﴾ يكرم من تاب هذه التوبة بأن يجعله كمن أحسن بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب، ومن أصر وأفسد فإنه يعاقبه، لأنه عزيز حكيم، وربما كانت الآية ناظرة إلى ما قذفهم به المشركون من عدم الإخلاص، ويكون حينئذ مرشحاً لأن المراد بالحساب المحاسبة على الذنوب.
ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات، قال عاطفاً على ﴿وكذلك فتنا﴾ عطفاً للضد على ضده، فإن في الاختبار نوع خفاء: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء، فيتميز الضال من المهتدي ﴿نفصل الآيات﴾ التي نريد بيانها ليتضح سبيل المصلحين فيتبع ﴿ولتستبين﴾ أي تظهر ظهوراً بيناً ﴿سبيل المجرمين *﴾ فتجتنب، وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول، لأن دفع المفاسد أهم.
стр. 2997
ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم، أمره تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان الواضح من سوء عاقبة سبيلهم - مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم، وهي المباينة في الدين فقال: ﴿قل إني نهيت﴾ أي ممن له الأمر كله ﴿أن أعبد الذين تدعون﴾ أي تعبدون بناء منكم على محض الهوى والتقليد في أعظم أصول الدين، وحقر أمرهم وبين سفول رتبتهم بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي لا أعظم منه، فقد وقعتم في ترك الأعظم ولزوم الدون الذي هو دونكم في أعظم الجهل المؤذن بعمى القلب مع الكفر بالمحسن، فمباينتي مبناها على المقاطعة، فكيف تطمع في متابعة! ثم أكد ذلك بأمر آخر دال على أنه لا شبهة لهم في عبادتهم فقال: ﴿قل لا أتبع أهواءكم﴾ أي عوضاً عما أنا عليه من الحكمة البالغة المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة.
ولما كان من المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى، بل إلى غاية الردى، حقق ما أفهمته هذه الجملة بقوله: ﴿قد ضللت إذاً﴾ أي إذا اتبعت أهواءكم؛ ولما كان الضال قد يرجع، بين أن هذا ليس كذلك، لعراقتهم في الضلال، فقال معبراً بالجملة الاسمية الدالة على الثبات:
стр. 2998
﴿وما أنا﴾ أي إذ ذاك على شيء من الهداية لأعد ﴿من المهتدين *﴾ .
стр. 2999
ولما كان طلبهم للآيات - أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في إنزال الأنهار والكنوز وإراحة الحياة، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله، وأمره هنا أن يصرح لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة، أمره بأن يخبرهم بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله: ﴿قل إني﴾ وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء فقال: ﴿على بينة﴾ أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة عليه وتعذيبه بعداوته، وإما العدم وثوقه بأنه على الحق، وأما أنا فواثق بكلا الأمرين ﴿من ربي﴾ أي المحسن إليّ بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر الملك والملكوت ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿كذبتم به﴾ أي ربي حيث رددتم رسالته فهو منتقم منكم لا محالة.
ولما قيل ذلك، فرض أن لسان حالهم قال: فائتنا بهذه البينة! فقال: إن ربي تام القدرة، فلا يخاف الفوت فلا يعجل، وأما أنا فعبد ﴿ما عندي﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ما تستعجلون به﴾ أي في قولكم «امطر علنيا حجارة من السماء» ونحوه حتى أحكم فيكم بما يقتضيه
стр. 3000
طبع البشر من العجلة ﴿إن﴾ أي ما ﴿الحكم﴾ في شيء من الأشياء هذا وغيره ﴿إلا الله﴾ أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له، ثم استأنف قوله مبيناً أنه سبحانه يأتي بالأمر في الوقت الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد غيره على تقديم ولا تأخير فقال: ﴿يقضُّ﴾ أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير، وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم «يقص» أي يقطع القضاء أو القصص ﴿لحق﴾ ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه، ليتبعه من قضى بسعادته، ويتنكب عنه من حكم بشقاوته ﴿وهو خير الفاصلين *﴾ لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبساً لمن يريد هدايته، وجعل في ذلك الظاهر سبباً لمن يريد ضلالته؛ ثم أكد ذلك لمن زاد قلبه في الجلافة مبيناً ما في غيره من وخيم العاقبة فقال: ﴿قل لو أن عندي﴾ أي على سبيل الفرض ﴿ما تستعجلون به﴾ أي من العذاب ﴿لقضي﴾ وبناه للمفعول لأن المخوف إنما هو الإهلاك، لا كونه من معين ﴿الأمر بيني وبينكم﴾ أي فكنت أهلك من خالفني غضباً لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه، وقد يكون فيهم مَنْ كُتِبَ في ديوان السعداء، لكنه لم يكن الأمر
стр. 3001
إليّ لأني لا أعلم الظالم عند الله من غيره، فليس الأمر إلا إلى الله، لأنه أعلم بالمنصفين فينجيهم ﴿والله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿أعلم بالظالمين *﴾ أي المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم.
ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها، فقال عاطفاً على معنى ما سبق، وهو: فعنده خاصة جميع ذلك: ﴿وعنده﴾ أي وحده ﴿مفاتح الغيب﴾ أي التي لا يدرك الغيب إلا من علمها.
ولما كان معنى ذلك الاختصاص، صرح به في قوله: ﴿لا يعلمها إلا هو﴾ وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها ب «لكم» يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين.
ولما ذكر علم الغيب، أتبعه علم الشهادة، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام
стр. 3002
الذين تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة، والقرآن إنما أنزل لنفع جميع الخلق: الذكي منهم والغبي، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معيناً على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب، فقال مؤكداً لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس، وعطفُه بالواو عطفَ الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال: ﴿ويعلم ما في البر﴾ وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن ﴿والبحر﴾ وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول.
ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل: خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال: ﴿وما تسقط﴾ وأغرق في النفي بقوله: ﴿من ورقة﴾ ونكرها إتماماً للتعميم ﴿إلا يعلمها﴾ ولما كان هذا مع عظمه ظاهراً، ذكر ما هو أدق منه فقال: ﴿ولا﴾ أي
стр. 3003
وما من ﴿حبة﴾ ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله: ﴿في ظلمات الأرض﴾ أي ولو كان في أقصى بطنها، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة.
ولما خص، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال: ﴿ولا رطب ولا يابس﴾ أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد ﴿إلا في كتاب مبين *﴾ أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات قادراً على جميع المقدورات.
стр. 3004
ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه، وكان من أدلته العظمة النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر، وكان فيه مع ذلك تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم، أتبع ذلك قوله: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي يتوفاكم﴾ أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور أصلاً، فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت، وذكر الأصل في ذلك فقال: ﴿بالّيل ويعلم﴾ أي والحال أنه يعلم ﴿ما جرحتم﴾ أي كسبتم ﴿بالنهار﴾ أي الذي
стр. 3005
تعقبه النوم، من الذنوب الموجبة للإهلاك، ويعاملكم فيها بالحلم بعد العلم ولا يعجل عليكم، وهو معنى ﴿ثم يبعثكم﴾ أي يوقظكم بعد ذلك النوم المستغرق، فيصرفكم فيما يشاء ﴿فيه﴾ أي في النهار الذي تعقب ذلك النوم بعد استحقاقكم للانتقام ﴿ليقضى﴾ أي يتم ﴿أجل مسمى﴾ كتبه للموتة الكبرى.
ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ذلك في الموتة الكبرى، وكان فيه تقريب عظيم له قال: ﴿ثم﴾ يبعثكم من تلك الموتة كما بعثكم من هذه، ويكون ﴿إليه﴾ أي وحده ﴿مرجعكم﴾ أي حساً بالحشر إلى دار الجزاء، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا ﴿ثم﴾ بعد تلك المواقف الطوال والزلازل والأهوال، ويمكن أن تشير أداة التراخي إلى عظمة العلم بذلك، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق ﴿ينبئكم﴾ أي يخبركم إخباراً عظيماً جليلاً مستقصى ﴿بما كنتم تعملون *﴾ أي فيجازيكم عليه، ولعلمه عبر بالعمل لأن الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية العلم، فتقرر - مع كمال قدرته سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها - استقلالُه بحفظها في كل حال وتدبيرها على
стр. 3006
أحسن وجه.
ولما أخبر بتمام العلم والقدرة، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها، فلو بالغ أحد في الاجتهاد في أن ينام في غير وقته ما قدر، أو أن يقوم وقت النوم لعجز، أو أن يحيي وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال: ﴿وهو﴾ أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء ﴿القاهر﴾ وصور ذلك بقوله: ﴿فوق عباده﴾ أي في الإحاطة بالعلم والفعل، أما قهره للعدم فبالتكوين والإيجاد، وأما قهره للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى، فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار - إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصروف الممكنات ﴿ويرسل﴾ ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح فقال: ﴿عليكم﴾ من ملائكته ﴿حفظة﴾ أي يحفظون عليكم كل حركة وسكون لتستحيوا منهم وتخافوا عاقبة كتابتهم. ويقوم عليكم بشهادتهم الحجة على مجاري عاداتكم، وإلا فهو سبحانه غني عنهم، لأنه العالم القادر فيحفظونكم على حسب مراده فيكم ﴿حتى إذا جاء﴾ .
стр. 3007
ولما كان تقديم المفعول أخوف قال: ﴿أحدكم الموت﴾ أي الذي لا محيد له عنه ولا محيص ﴿توفته﴾ أي أخذت روحه كاملة ﴿رسلنا﴾ من ملك الموت وأعوانه على ما لهم من العظمة بالإضافة إلينا ﴿وهم لا يفرطون *﴾ في نفس واحد ولا ما دونه ولا ما فوقه بالتواني عنه ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر؛ ولما أشار سبحانه إلى قوته بالجنود التي تفوت الحصر - وإن كان عنهم غنياً بصفة القهر - نبه بصيغة المجهول إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته فقال: ﴿ثم﴾ أي بعد حبسهم في قيد البرزخ ﴿ردوا﴾ أي ردهم راد منه لا يستطيعون دفاعه أصلاً ﴿إلى الله﴾ أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده وخدمته ﴿مولاهم﴾ أي مبدعهم ومدبر أمورهم كلها ﴿الحق﴾ أي الثابت الولاية، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة وغيرهم عدم، لأن الحفظة لا يعلمون إلا ما ظهر لهم، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى.
ولما استحضر المخاطب عزته وقهره، وتصور جبروته وكبره، فتأهل قلبه وسمعه لما يلقى إليه ويتلى عليه، قال: ﴿ألا له﴾ أي وحده حقاً ﴿الحكم﴾ ولما كان الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمراً يحير الفكر، ولا يكاد يدخل تحت الوهم، قال محقراً في جنب قدرته:
стр. 3008
﴿وهو﴾ أيوحده ﴿أسرع الحاسبين *﴾ يفصل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح كما أنه يقسم أرزاقهم في الدنيا في مثل ذلك، لا يقدر أحد أن ينفك عن عقابه بمطاولة في الحساب ولا مغالطة في ثواب ولا عقاب، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى فكر وروية ولا عقد ولا كتابة، فلا يشغله حساب عن حساب ولا شيء عن شيء.
стр. 3009
ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته، ذكرهم أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها، فكانوا كمن طلب من شخص شيئاً وأكد له الميثاق على الشكر، فلما أحسن إليه بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر، وذلك عندهم في غاية من القبائح لا توصف فقال: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال ﴿من ينجيكم﴾ أي كثيراً وعظيماً ﴿من ظلمات البر والبحر﴾ أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا جبل ولا غيرهما، أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن صاحبها يكون كأنه في أشد ظلام، فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة بنوع وسيلة ﴿تدعونه﴾ أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل شرك وشريك لزوال الحظوظ عند إحاطة الرعب
стр. 3010
واستيلائه على مجامع القلب، فلا يبقى إلا الفطرة السليمة؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: ﴿تضرعاً﴾ أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر، وحقيقته الخشوع ﴿و﴾ قوله: ﴿خفية﴾ أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون؛ قال شمر: يقال: ضرع له وهو ضارع بيّن الضراعة، وهؤلاء قوم ضرع، أي أذلاء، وهم ضرعة أي متضرعون، والتضرع إلى الله: التخشع إليه والتذلل، وإذا كان الرجل مختل الجسم قلت: إنه لضارع الجسم بيّن الضروع، وفي الذل بين الضراعة - انتهى.
ولما بين وصفهم وقت الدعاء، بين قولهم إذ ذاك فقال: ﴿لئن أنجانا من هذه﴾ فأكدوا وخصوا وبينوا غاية البيان ﴿لنكونن من الشاكرين *﴾ أي العريقين في الشكر؛ ولما كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله، ولكنهم يكفرون نعمته، عدوا منكرين فأمره بالجواب غير منتظر لجوابهم بقوله: ﴿قل الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿ينجيكم منها﴾ أي من تلك الشدة ﴿ومن كل كرب﴾
стр. 3011
أي وقعتم فيه، وما أعظم موقع قولُه: ﴿ثم أنتم﴾ مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ومع التزام الشكر ﴿تشركون *﴾ مشيراً إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي مع ما فيه من الجِناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون.
ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء، فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال: ﴿قل هو﴾ أي وحده ﴿القادر﴾ ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص، على أن التعريف يفيد به المبالغة ﴿على أن يبعث﴾ أي في أيّ وقت يريده ﴿عليكم﴾ أي في كل حالة ﴿عذاباً من فوقكم﴾ بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم
стр. 3012
﴿أو من تحت أرجلكم﴾ أي بالخسف أو إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع لبعض من سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم ﴿أو يلبسكم﴾ أي يخلط بينكم حال كونكم ﴿شيعاً﴾ أي متفرقين، كل شيعة على هوى، فيكون ذلك سبباً للسيف ﴿ويذيق بعضكم﴾ أي بعض تلك الشيع ﴿بأس بعض﴾ فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه، فكيف بملك الملوك علام الغيوب! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد.
وقال: حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك﴾ [الفرقان: ١٠] .
ولما كان هذا بياناً عظيماً، أشار إلى عظمه بقوله: ﴿انظر﴾ وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال ﴿كيف نصرف الآيات﴾ أي أي نكررها موجهة في جميع الوجوه البديعة النافعة البليغة ﴿لعلهم يفقهون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به، كان هذا ﴿و﴾ الحال أنه ﴿كذب به﴾ أي هذا العذاب
стр. 3013
أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب المبينة للخلق جميع ما ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه ﴿قومك﴾ أي الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسروا بسيادتك، فإن القبيلة إذا ساد أحدها عزت به، فإن عزه عزها وشرفه شرفها، ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة، وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها فإن عاره لاحق بها، فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع، وزاد ذلك بقوله: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿الحق﴾ أي الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله.
ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه كان ﷺ في هذا المقام بمعرض أن يخاف عاقبة ذلك ويقول: فماذا أصنع بهم؟ فقال تعالى معلماً أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم: ﴿قل لست﴾ وقدم الجار والمجرور للاهتمام به معبراً بالأداة الدالة على القهر والغلبة فقال: ﴿عليكم بوكيل *﴾ أي حفيظ ورقيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه.
стр. 3014
ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكماً: كن كذلك، فلا علينا منك! قال مهدداً: ﴿لكل﴾ وأشار إلى جلالة خبره بقوله: ﴿نبإٍ﴾ أي خبر أخبرتكم به من هذه الأخبار العظيمة، ومعنى ﴿مستقر﴾
стр. 3015
موضع ووقت قرار من صدق أو كذب، أي لا بد أن يحط الخبر على واحد منهما، لا ينفك خبر من الأخبار عن ذلك ﴿وسوف تعلمون*﴾ أي محط خبره العظيم بوعد صادق لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه.
ولما أمره بما يقول جواباً لتكذيبهم، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في التكذيب فقال: ﴿وإذا رأيت﴾ خاطب النبي ﷺ والمراد غيره ليكون أردع ﴿الذين يخوضون﴾ أي يتكلمون ﴿في آياتنا﴾ أي بغير تأمل ولا بصيرة بل طوع الهوى، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة لستر مواضع الخُطا وبغير تمام الاختيار لغلبة الماء ﴿فأعرض عنهم﴾ بترك المجالسة أو ما يقوم مقامها؛ ولما كان الخوض في الآيات دالاً على قلة العقل قال: ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك أيضاً بالخوض، لأن فيه الغث والسمين، لأنه غير مقيد بنظام الشرع.
ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة، قال مؤكداً: ﴿وإما ينسينك الشيطان﴾ أي إنساء عظيماً إشارة إلى أن مثل هذا الأمر جدير بأن لا ينسى ﴿فلا تقعد بعد الذكرى﴾ أي
следующие страницы →