← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

أي وقعتم فيه، وما أعظم موقع قولُه: ﴿ثم أنتم﴾ مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ومع التزام الشكر ﴿تشركون *﴾ مشيراً إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي مع ما فيه من الجِناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون. ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء، فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال: ﴿قل هو﴾ أي وحده ﴿القادر﴾ ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص، على أن التعريف يفيد به المبالغة ﴿على أن يبعث﴾ أي في أيّ وقت يريده ﴿عليكم﴾ أي في كل حالة ﴿عذاباً من فوقكم﴾ بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم

стр. 3012

﴿أو من تحت أرجلكم﴾ أي بالخسف أو إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع لبعض من سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم ﴿أو يلبسكم﴾ أي يخلط بينكم حال كونكم ﴿شيعاً﴾ أي متفرقين، كل شيعة على هوى، فيكون ذلك سبباً للسيف ﴿ويذيق بعضكم﴾ أي بعض تلك الشيع ﴿بأس بعض﴾ فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه، فكيف بملك الملوك علام الغيوب! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. وقال: حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك﴾ [الفرقان: ١٠] . ولما كان هذا بياناً عظيماً، أشار إلى عظمه بقوله: ﴿انظر﴾ وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال ﴿كيف نصرف الآيات﴾ أي أي نكررها موجهة في جميع الوجوه البديعة النافعة البليغة ﴿لعلهم يفقهون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به، كان هذا ﴿و﴾ الحال أنه ﴿كذب به﴾ أي هذا العذاب

стр. 3013

أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب المبينة للخلق جميع ما ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه ﴿قومك﴾ أي الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسروا بسيادتك، فإن القبيلة إذا ساد أحدها عزت به، فإن عزه عزها وشرفه شرفها، ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة، وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها فإن عاره لاحق بها، فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع، وزاد ذلك بقوله: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿الحق﴾ أي الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله. ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه كان ﷺ في هذا المقام بمعرض أن يخاف عاقبة ذلك ويقول: فماذا أصنع بهم؟ فقال تعالى معلماً أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم: ﴿قل لست﴾ وقدم الجار والمجرور للاهتمام به معبراً بالأداة الدالة على القهر والغلبة فقال: ﴿عليكم بوكيل *﴾ أي حفيظ ورقيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه.

стр. 3014

ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكماً: كن كذلك، فلا علينا منك! قال مهدداً: ﴿لكل﴾ وأشار إلى جلالة خبره بقوله: ﴿نبإٍ﴾ أي خبر أخبرتكم به من هذه الأخبار العظيمة، ومعنى ﴿مستقر﴾

стр. 3015

موضع ووقت قرار من صدق أو كذب، أي لا بد أن يحط الخبر على واحد منهما، لا ينفك خبر من الأخبار عن ذلك ﴿وسوف تعلمون*﴾ أي محط خبره العظيم بوعد صادق لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه. ولما أمره بما يقول جواباً لتكذيبهم، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في التكذيب فقال: ﴿وإذا رأيت﴾ خاطب النبي ﷺ والمراد غيره ليكون أردع ﴿الذين يخوضون﴾ أي يتكلمون ﴿في آياتنا﴾ أي بغير تأمل ولا بصيرة بل طوع الهوى، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة لستر مواضع الخُطا وبغير تمام الاختيار لغلبة الماء ﴿فأعرض عنهم﴾ بترك المجالسة أو ما يقوم مقامها؛ ولما كان الخوض في الآيات دالاً على قلة العقل قال: ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك أيضاً بالخوض، لأن فيه الغث والسمين، لأنه غير مقيد بنظام الشرع. ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة، قال مؤكداً: ﴿وإما ينسينك الشيطان﴾ أي إنساء عظيماً إشارة إلى أن مثل هذا الأمر جدير بأن لا ينسى ﴿فلا تقعد بعد الذكرى﴾ أي

стр. 3016

التذكر لهذا النهي ﴿مع القوم الظالمين *﴾ أظهر موضع الإضمار تعميماً ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض، وهو الكون في الظلام. ولما كانت هذه الآية مكية، وكانوا إذ ذاك عاجزين عن الإنكار بغير القلب، قال: ﴿وما على الذين يتقون﴾ أي يخافون الله فلا يكذبون بآياته في مجالسة الكفرة ﴿من حسابهم﴾ أي الخائضين إذا كانوا أقوى منهم ﴿من شيء﴾ وما نهينا عن المجالسة لأن عليهم فيها - والحالة هذه - إثماً ﴿ولكن﴾ نهينا لتكون المفارقة إظهاراً للكراهة ﴿ذكرى﴾ للخائضين لاستحيائهم من أذى الجليس ﴿لعلهم يتقون *﴾ أي ليكون حالهم بذلك حال من يرجى منه التقوى، فيجتنب الخوض في الآيات إكراماً للجليس. ولما أبرز هذا الأمر في صيغة النهي، أعاده بصيغة الأمر اهتماماً به وتأكيداً له، وأظهر لهم وصفاً آخر هو غاية الوصف الأول مع ما ضم إليه من الإرشاد إلى الإنقاذ من المعاطب فقال: ﴿وذر﴾ أي اترك أي ترك كان ولو كان على أدنى الوجوه ﴿الذين اتخذوا﴾ أي كلفوا أنفسهم في اتباع الهوى بمخالفة العقل المستقيم والطبع الفطري السليم بأن أخذوا ﴿دينهم﴾ على نمط الأسخف من دنياهم؛ ولما كان

стр. 3017

الدين ملكة راسخة في النفس، ولا شيء من كيفيات النفس أرسخ منها ولا أثبت، وهو أشرف ما عند الإنسان، وكان اللعب ضده لا شيء أسرع من انقضائه ولا أوهى من بنائه، قال ذامّاً لهم بأنهم بدلوا مقصود هذه السورة - الذي هو من الاستدلال على التوحيد الذي لا أشرف منه مطلقاً ولا أعلى ولا أنفس بوجه ولا أحلى - بما لا أدنى منه ولا أوهى ولا أمحق للمروءة ولا أدهى: ﴿لعباً﴾ ولما كان ربما قيل: إنهم إذا انقضى اللعب عادوا إلى الاشتغال بالدين، أتبعه الباعث عليه إشارة إلى أنه كلما ملوا اللعب بعثوا النفوس إليه باللهو كما ترى الراقص كلما فتر في رقصة بعثوه عليه بتقوية اللهو أو الانتقال من فن إلى آخر من فنونه وشأن بديع من شؤونه فقال: ﴿ولهواً﴾ أي في الاستهزاء بالدين الحق بالمكاء والتصدية وبالبحائر والسوائب وغير ذلك، فلا تبال بهم ولا يشغل قلبك بهم ﴿وغرتهم﴾ أي خدعتهم ﴿الحياة الدنيا﴾ التي هم من أعرف الناس بزوالها، وأن كل من بها هالك، فمنَتْهم النعم التي منَّ عليهم سبحانه بها فيما لا ينالونه من السعادة إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه. ولما كان ربما أفهم ذلك تركهم في كل حالة، نفاه بقوله: ﴿وذكر به﴾ أي تحديث الآيات، وهي القرآن المتجدد إنزاله،

стр. 3018

والضمير في الحقيقة للآيات، أي دعهم يفعلوا ما أرادوا، لا تبال بشيء من ذلك، ولا تترك وعظّهم بهذا القرآن، أي ما عليك إلا البلاغ، لم نكلفك في هذه الحالة أكثر منه ﴿أن تبسل﴾ قال في المجمل: البسل: النخل، وأبسلته: أسلمته للهلكة، فالمعنى: كراهة أن تخلي وتسلم ﴿نفس بما﴾ أي بسبب ما ﴿كسبت﴾ في دنياها كائنة ﴿ليس لها من دون الله﴾ أي المنفرد بالعظمة ﴿ولي﴾ أي يتولى نصرها ﴿ولا شفيع﴾ ينقذها بشفاعته. ولما كان الفداء من اسباب الخلاص قال: ﴿وإن تعدل﴾ أي تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك ﴿كل عدل﴾ أي كل شيء يظن أنه يعدلها ولو كان أنفس شيء؛ «ولما» كان الضار عدم الأخذ، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: ﴿لا يؤخذ منها﴾ ولما أنتج ذلك قطعاً أن من هذا حاله هالك، قال: ﴿أولئك﴾ أي الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير ﴿الذين أبسلوا﴾ أي أسلموا ﴿بما كسبوا﴾ ثم استأنف قوله: ﴿لهم شراب من حميم﴾ أي هو غاية الحر يصهر به

стр. 3019

ما في بطونهم بما اعتقدوا في الآيات ما ظهر على ألسنتهم ﴿وعذاب أليم﴾ أي يعم دائماً ظواهرهم وبواطنهم بما ظهر عليهم من ذلك بعد ما بطن ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا يكفرون *﴾ أي يجددون من تغطية الآيات.

стр. 3020

ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموا أنها شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواء لا ينفع شيئاً ولا يضر، فكان في غاية التبكيت لهم قوله: ﴿قل﴾ أي بعد ما أقمت من الأدلة على أنه ليس لأحد مع الله أمر، منكراً عليهم موبخاً لهم ﴿أندعوا﴾ أي دعاء عبادة، وبين حقارة معبوداتهم فقال: ﴿من دون الله﴾ أي المنفرد بجميع الأمر. ولما كان السياق لتعداد النعم ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٣] ﴿خلقكم من طين﴾ [الأنعام: ٢] ﴿يطعم ولا يطعم﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿ويرسل عليكم حفظة﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ [الأنعام: ٦٤] قدم النفع في قوله: ﴿ما لا ينفعنا ولا يضرنا﴾ أي لا يقدر على شيء من ذلك، ليكونوا على غاية اليأس من اتباع حزب الله لهم، وهذا كالتعليل لقوله ﴿إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله﴾ [الأنعام: ٥٦] . ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم، أشار إلى وجود الخسارة في

стр. 3021

رجائهم فقال: ﴿ونرد﴾ أي برجوعنا إلى الشرك، وبناه للمفعول لأن المنكر الرد نفسه من أيّ راد كان ﴿على أعقابنا﴾ أي فنأخذ في الوجه المخالف لقصدنا فنصير كل وقت في خسارة بالبعد عن المقصود ﴿بعد إذ هدانا الله﴾ أي الذي لا خير إلا وهو عنده ولا ضر إلا وهو قادر عليه، إلى التوجه نحو المقصد، ووفقنا له وأنقذنا من الشرك. ولما صور حالهم، مثَّلَه فقال: ﴿كالذي﴾ أي نرد من علو القرب إلى المقصود إلى سفول البعد عنه رداً كرد الذي ﴿استهوته﴾ أي طلبت مزوله عن درجته ﴿الشياطين﴾ فأنزلته عن أفق مقصده إلى حضيض معطبه، شبه حاله بحال من سقط من عال في مهواة مظلمة فهو في حال هويه في غاية الاضطراب وتحقق التلف والعمى عن الخلاص ﴿في الأرض﴾ حال كونه ﴿حيران﴾ تائهاً ضالاً لا يهتدي لوجهه ولا يدري كيف يسلك ثم استأنف قوله: ﴿له﴾ أي هذا الذي هوى ﴿أصحاب﴾ أي عدة، ولكنه لتمكن الحيرة منه لا يقبل ﴿يدعونه إلى الهدى﴾ وبين دعاءهم بقوله: ﴿ائتنا﴾ وهو قد اعتسف المهمة تابعاً للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين العبر والنزوان.

стр. 3022

ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مراراً، وكانوا عالمين بأن دعاء أصحابه له في غاية النصيحة والخير، وأنه إن تبعهم نجا، وإلا هلك هلاكاً لا تدارك له، فكان جوابهم: إن دعاء أصحابه به لهدى، بين أنه مضمحل تافه جداً بحيث إنه يجوز أن يقال: ليس هدى بالنسبة إلى هذا الذي يدعوهم إليه، بقوله: ﴿قل إن هدى الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال ﴿هو﴾ أي خاصة ﴿الهدى﴾ أي لا غيره كدعاء أصحاب المستهوي، بل ذاك الهدى مع إنقاذه من الهلاك إلى جنب هذا الهدى كلا شيء، لأن الشيء هو الموصل إلى سعادة الأبد. ولما كان التقدير: فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل ما عداه، عطف عليه أمراً عاماً فقال: ﴿وأمرنا لنسلم﴾ أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر لغيره بكل ما يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى عن كل هوى، وأن نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة فنتحلى بفعلها أشرف حلى ﴿لرب العالمين *﴾ أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء خلقه؛ ثم فسر المأمور به، فكأنه قال: أن أسلموا ﴿وأن أقيموا الصلاة﴾ لوجهه ﴿واتقوه﴾ مع ذلك، أي افعلوها لا على وجه الهزء واللعب، بل على وجه التقوى والمراقبة ليدل ما ظهر منها على ما بطن من الإسلام للمحسن. ولما كان التقدير: فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر مصورون، وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون، عطف

стр. 3023

عليه قوله: ﴿وهو الذي إليه﴾ أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت ﴿تحشرون *﴾ فأتى بالبعث الذي هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة في سياق دال على أنه مما لا مجال للخلاف فيه، وأن النظر إنما هو فيما وراء ذلك، وهو أن عملهم للباطل سوَّغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره سبحانه ممن لا قدرة له على جزائهم، فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره، لأنه لا كلام هناك لسواه، فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا، والجملة مع ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى، وقد بان أن الآية من الاحتباك، فإنه حذف الصلاة أولاً لدلالة ذكرها ثانياً، والإسلام ثانياً لدلالة ذكره أولاً.

стр. 3024

ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما، أو شاركاً فيهما. فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته، قال تعالى منبهاً لهم من غفلتهم وموقظاً من رقدتهم معيداً الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي خلق﴾ أي أوجد واخترع وقدر ﴿السماوات والأرض﴾ أي على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر ﴿بالحق﴾ أي بسبب إقامة الحق، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام، فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم

стр. 3025

خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم، فيبطل كل باطل ويحق كل حق، ويظهر الحكم لجميع الخلق. ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد، قرر قدرته عليها بقوله: ﴿ويوم يقول﴾ أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار ﴿كن فيكون *﴾ أي فهو يكون لا يتخلف أصلاً. ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره، علله فقال: ﴿قوله الحق﴾ أي لا قول غيره، لأن أكثر قول غيره باطل، لأنه يقول شيئاً فلا يكون ما أراد؛ ولما كان في مقام الترهيب من سطوته، قال مكرراً لقوله «وهو الذي إليه تحشرون» : ﴿وله﴾ أي وحده بحسب الظاهر والباطن ﴿الملك يوم﴾ ولما كان المقصود تعظيم النفخة، بني للمفعول قوله: ﴿ينفخ في الصور﴾ لانقطاع العلائق بين الخلائق، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب، وقولُه-: ﴿عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه ﴿والشهادة﴾ وهو ما صار بحيث يطلع عليه الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه من تمام الترهيب، أي أنه لا يخفى عليه شيء

стр. 3026

من أحوالكم، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب، ويذهب التعاضد والتعاون، وهو على عادته سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلاّ قرر فيه أصلين: القدرة على جميع الممكنات، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات، لأنه لا يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الحكيم﴾ أي التام الحكمة، فلا يضع شيئاً في غير محله ولا على غير أحكام، فلا معقب لأمره، فلا بد من البعث ﴿الخبير *﴾ بجميع الموارد والمصادر، فلا خفاء لشيء من أفعال أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب. ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة الهادمة لمذهب الثنوية، وهم أهل فارس قوم إبراهيم ﵇، وكان إبراهيم ﵇ يعرف بفضله جميع الطوائف، لأن أكثرهم من نسله كاليهود والنصارى والمشركين من العرب، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه، تلاها بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال: ﴿وإذ﴾ أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة، ما أعظمه وما أجله وأضخمه! وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا الله، واذكر إذ ﴿قال إبراهيم﴾ أي اذكر قوله، وحكمة

стр. 3027

التذكير بوقته التنبيهُ على أن هذا لم يزل ثابتاً مقرراً على ألسنة جميع الأنبياء في جميع الدهور، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول هذه السورة من إبطال هذا المذهب، وانعطف هذا على ذاك أيّ انعطاف! وصار كأنه قيل: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة، فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا، اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض، فإن تنبهوا فهو حظهم، وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم ﵇ إذ قال ﴿لأبيه﴾ ثم بينه في قراءة الجر بقوله: ﴿آزر﴾ وناداه في قراءة يعقوب بالضم؛ قال البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة: تارح - انتهى. وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة، فلعل أحدها لقب، وكان أهل تلك البلاد وهم الكلدانيون، ويقال لهم أيضاً الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم صنماً، إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما زعموا - إلى النجم، فقال ﵇ لأبيه منكراً عليه منبهاً له على ظهور فساد ما هو مرتكبه: ﴿أتتخذ﴾ أي أتكلف نفسك

стр. 3028

إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل ﴿أصناماً آلهة﴾ أي تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر، فنبهه بهذا الإنكار على أن معرفة بطلان ما هو متدين به لا يحتاج إلى كثير تأمل، بل هو أمر بديهي أو قريب منه، فإنهم يباشرون أمرها بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست بصانعة، وكثرتها تدل على بطلان إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه، عم بقية أقاربه فقال: ﴿إني أراك وقومك﴾ أي في اتفاقكم على هذا ﴿في ضلال﴾ أي بُعد عن الطريق المستقيم ﴿مبين *﴾ أي ظاهر جداً ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نبأه الله تعالى من آدم ﵇ فمن بعده، فهو مع ظهوره في نفسه مظهر للحق من أن الإله لا يكون إلا كافياً لمن يعبده، وإلا كان فقيراً إلى تأله من يكفيه. ولما كان كأنه قيل: بصرنا إبراهيم ﵇ هذا التبصير في هذا الأمر الجريء من بطلان الأصنام، قال عاطفاً عليه: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل هذا التبصير العظيم الشأن، وحكى الحال الماضية بقوله: ﴿نري﴾ أي بالبصر والبصيرة على مر الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا

стр. 3029

آخر له بنفسه والصلحاء من أولاده ﴿إبراهيم ملكوت﴾ أي باكن ملك التوحيد فيعلم أن كل من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال، كما علم ذلك في قومه في الأصنام ﴿وليكون من الموقنين *﴾ أي الراسخين في وصف الإيقان في أمر التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته، فتأمل فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين. ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق: دانيهم وقاصيهم، وهي أشرف من الأرضية، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى؛ نصب لهم الحجاج في أمرها، فقال مسبباً عن الإراءة المذكورة: ﴿فلما جن﴾ أي ستر وأظلم، وقصره - وإن كان متعدياً - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليه الّيل﴾ أي وقع الستر عليه، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء ﴿رأى كوكباً﴾ أي قد بزغ، فكأنه قيل: فماذا

стр. 3030

فعل؟ فقيل: ﴿قال هذا ربي﴾ فكأنه مِنْ بَصْرِه أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبراً واستفهاماً، ليوهمهم أنه مخبر، فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من الشعب، فيكون أشد استجلاباً لهم إلى إنعام النظر وتنبيهاً على موضع الغلط وقبول الحجة، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله: ﴿فلما أفل﴾ أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان ﴿قال لا أحب الآفلين *﴾ لأن الأفول حركة، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً عن اعتقاد ربوبية الكواكب، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه اتم، ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الأستناد إلى قديم،

стр. 3031

والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير، فإذا كان نازلاً إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من لا يتغير، وهذا الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد.

стр. 3032

ولما بصرهم قصور صغير الكواكب، رقي النظر إلى أكبر منه، فسبب عن الإعراض عن الكواكب لقصوره قولَه: ﴿فلما رأى القمر بازغاً﴾ أي طالعاً أول طلوعه؛ قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق، كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً ﴿قال هذا ربي﴾ دأبَه في الأولى. ولما كان تأمل أن الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج صدورهم، قال: ﴿فلما أفل قال﴾ مؤكداً غاية التأكيد ﴿لئن لم يهدني ربي﴾ أي الذي قدر على الإحسان إليّ بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك له بخلق الهداية في قلبي، فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره، ولا تحمل على نصب الأدلة، لأنها منصوبة قبل ذلك، ولا على معرفة الاستدلال فإنه عارف به

стр. 3033

﴿لأكونن﴾ أي بعبادة غيره ﴿من القوم الضالين *﴾ فكانت هذه أشد من الأولى وأقرب إلى التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن الرب غيرها، مع الملاطفة وإبعاد الخصم عما يوجب عناده. ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ربما يضل به الخصم قال: ﴿فلما رأى﴾ أي بعينه ﴿الشمس بازغة﴾ أي عند طلوع النهار وإشراق النور الذي ادعوا فيه ما ادعوا ﴿قال﴾ مبيناً لقصور ما هو أكبر من النور وهو ما عنه النور ﴿هذا﴾ مذكراً إشارتَه لوجود المسوغ، وهو تذكير الخبر إظهاراً لتعظيمها إبعاداً عن التهمة، وتنبيهاً من أول الأمر على أن المؤنث لا يصلح للربوبية ﴿ربي﴾ كما قال فيما مضى؛ ثم علل ذلك بياناً للوجه الذي فارق فيه ما مضى فأورث شبهة، فقال: ﴿هذا أكبر﴾ أي مما تقدم ﴿فلما أفلت﴾ أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها وهزمه جيش الظلام بقدرة الملك العلام ﴿قال يا قوم﴾ فصرح بأن الكلام لهم أجمعين، ونادى على رؤوس الأشهاد. ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة، وتهيأت لقبول الحق، ختم الآية بقوله: ﴿إني بريء مما تشركون *﴾ أي من هذا وغيره من باب الأولى، فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم العلوي كوكب أكبر من الشمس ولا أنور، فلما أبطل

стр. 3034

بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه إلى الإله الحق، وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر، والمراد هم، ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه، فقال مستنتجاً عما دل عليه الدليل العقلي في الملكوت: ﴿إني وجهت وجهي﴾ أي أخلصت قصدي غير معرج على شيء أصلاً، فعبر بذلك عن الانقياد التام، لأن من انقاد لشيء أقبل عليه بوجهه، ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاتُه، وعبر باللام دون إلى لئلا يوهم الحيز، فقال: ﴿للذي فطر﴾ أي لأجل عبودية من شق وأخرج ﴿السماوات والأرض﴾ فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله «الذي خلق السماوات والأرض» وأدل دليل على ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه الميل مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها - قولُه بعد نصب هذا الدليل: ﴿حنيفاً﴾ أي سهلاً هيناً ليناً لطيفاً ميالاً مع الدليل غير كزّ جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد، وأكد البراءة منهم بقوله: ﴿وما أنا من المشركين﴾ أي منكم، ولكنه أظهر الوصف المقتضي للبراءة والتعميم، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به.

стр. 3035

ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه، فقال: ﴿وحاجه قومه﴾ بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك، وأنه إن لم يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض، نزه المقام عن ذكرها، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله: ﴿قال﴾ أي بقول منكراً عليهم موبخاً لهم: ﴿أتحاجوني﴾ وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله: ﴿في الله﴾ أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد ﴿وقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿هدان﴾ أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه، أي لأنه قادر، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان، ويخافه من عواقب العصيان، لأن من رُجي خيره خيف ضيره، ومن كان بيده النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه

стр. 3036

المحاجة، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم، فقال عاطفاً على ما تقديره: فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر: ﴿ولا أخاف ما تشركون به﴾ ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف، وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر. وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه. كل ذلك تلويحاً لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلاّ من يأمن ضره، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر، لا يرتكبها عاقل، والآية من الاحتباك. ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبداً في الحال والاستقبال، وكان من الأمر البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلاّ مع الإقرار بخفاء العواقب على العباد وإثبات العلم بها لله تسليماً لمفاتيح الغيب إليه، وقصرها عليه؛ قال مستثنياً من سبب النفي، وهو أنها لا تقدر على شيء: ﴿إلا أن يشاء ربي﴾ المحسن إليّ في حال الضر كما هو محسن في حال النفع ﴿شيئاً﴾ أي من تسليطها بأنفسها أو باتباعها، لأنه قادر على ما يريد، فإن أراد أنطق الجماد وأقدره، وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه، فأنا لا أخاف في الحقيقة غيره.

стр. 3037

ولما كان هذا في صورة التعليق، وكان التعليق وما شابهه من شأنه أن لا يصدر إلاّ من متردد، فيكون موضع إطماع للخصم فيه، علله بما أزال هذا الخيال فقال: ﴿وسع ربي كل شيء علماً﴾ أي فأحاط بكل شيء قدرة، فهو إذا أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة، وأثبت له كل مقتض لها، وذلك ثمرة شمول العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه، فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب إعلاماً بأن تلك رتبة لا تصلح إلاّ لله الذي وسع علمه كل شيء، وأدل دليل على هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدمَ الإبلاغ في التذكر بقوله مظهراً تاء التفعل إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر الصاد عن الشرك: ﴿أفلا تتذكرون﴾ أي يقع منكم تذكر، فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم بأن من غاب عن مربوبه فسد أو كاد، وأن هذه الجمادات لا تنفع ولا تضر، وأنها مصنوعكم، وتعجب منهم في ظنهم خوفه من معبوداتهم بقوله منكراً: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم﴾ أي من دون الله من الأصنام وغيرها مع أنها لا تقدر على شيء

стр. 3038

﴿ولا﴾ أي والحال أنكم أنتم لا ﴿تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ أي المستجمع لصفات العظمة والقدرة على العذاب والنقمة. ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء قال: ﴿ما لم ينزل به﴾ أي بإشراكه؛ ولما كان المقام صعباً لأنه أصل الدين، أثبت الجار والمجرور وقدمه فقال: ﴿عليكم سلطاناً﴾ أي حجة تكون مانعة من إنزاله الغضبَ بكم، والحاصل أنه ﵇ أوقع الأمن في موضعه وهم أوقعوه في موضع الخوف، فعجب منهم لذلك فبان أن هذا وقول شعيب ﵇ في الأعراف ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله ربنا﴾ [الأعراف: ٨٩]- الآية، وقوله تعالى في الكهف ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٤] من مشكاة واحدة؛ ولما كان المحذور المنفي هنا إنما هو خوف الضرر من آلهتهم، وكان حصول الضرر لمخالفها بواسطة أتباعها أو غيرهم من سنن الله الجارية في عباده، اقتصر الخليل ﵇ على صفة الربوبية المقتضية للرأفة والرحمة والكفاية والحماية، وقد وقع في قصته الأمران: إمكانهم من أسباب ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها، ورحمته بجعلها عليه برداً وسلاماً؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب ﵇ العود في ملتهم، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من دنو ساحات الكفر -

стр. 3039

والله الموفق. ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم، قال مسبباً عما مضى تقريراً لهم: ﴿فأيّ الفريقين﴾ أي حزب الله وحزب ما أشركتم به، ولم يقل: فأيّنا، تعميماً للمعنى ﴿أحق بالأمن﴾ وألزمهم بالجواب حتماً بقوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه؛ ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلاً ليخبروا عما سئلوا عنه قولَه مستأنفاً: ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا الفعل ﴿ولم﴾ أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم ﴿يلبسوا إيمانهم﴾ أي يخالطوه ويشوبوه ﴿بظلم﴾ . ولما كان المعنى: أحق بالأمن، عدل عنه إلى قوله مشيراً إليهم بأداة البعد تنبيهاً على علو رتبتهم: ﴿أولئك لهم﴾ أي خاصة ﴿الأمن﴾ أي لما تقدم من وصفهم ﴿وهم مهتدون﴾ أي وأنتم ضالون، فأنتم هالكون لإشرافكم على المهالك «وتفسيرُ النبي ﷺ فيما أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ لهذا الظلم المطلق في قوله تعالى ﴿بظلم﴾ بالشرك» الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على أن هذا التنوين للتعظيم، ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه، ولا شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك، وأنه دال على الحث على التبريء

стр. 3040

عن قليل الشرك وكثيره، فآل الأمر إلى أن المراد: ولم يلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك، فالتنوين حينئذٍ للتحقير كما هو للتعظيم، فهو من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معاً - والله أعلم.

стр. 3041

ولما كان إبراهيم ﵇ قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها، وكان التقدير تنبيهاً للسامع على حسن ما مضى ندباً لتدبره: هذه مقاولة إبراهيم ﵇ لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معدداً وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه، دالاً على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: ﴿وتلك﴾ أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج إبراهيم ﵇ به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: ﴿حجتنا﴾ أي التي يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا ﴿آتيناها﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إبراهيم﴾ وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمناً لآتينا وأقمنا، فقال: ﴿على قومه﴾ أي مستعلياً عليهم غالباً لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفاً: ﴿نرفع﴾ أي بعظمتنا ﴿درجات من نشاء﴾ بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا

стр. 3042

درجة إبراهيم ﵇ على جميع أهل ذلك العصر. ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال: ﴿إن ربك﴾ أي خاصاً لنبيه ﷺ بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيهاً على أن حَجبَه الدليل عمن يشاء لِحِكَم أرادها سبحانه، ففيه تسلية له ﷺ ﴿حكيم﴾ أي فلا يفعل بحزبه إلاّ ما ظنه به خليله ﷺ مما يقر أعينهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما ﴿عليم﴾ فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، فيفعل به ما يحل بالحكمة. ولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب، فقال معلماً بأنه جعله عزيزاً في الدنيا لأن

стр. 3043

أشرف الناس الأنبياء والرسل، وهم من نسله وذريته، ورفع ذكره أبداً لأجل قيامه بالذب عن توحيده: ﴿ووهبنا له﴾ أي لخليلنا ﵇ بما لنا من العظمة ﴿إسحاق﴾ ولداً له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته ﴿ويعقوب﴾ أي ولد ولد، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل ﵇، وهو أشد سروراً بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه، وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم ﵇ ومختاره للسكنى بنفسه ونسله، بل مختار الله له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض بعبادته. ولما كانت النعمة لا تتم إلاّ بالهداية، قال مستأنفاً مقدماً للمفعول ليشمل الكلام إياهما: ﴿كلاًّ﴾ أي منهما ومن أبيهما ﴿هدينا﴾ ثم أتبع ذلك المهتدين قديماً وحديثاً تأكيداً لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده، فكأنه يقول: إن كنتم تلزمون دينكم لأنه

стр. 3044

عندكم حق، فقد تبين لكم بطلانه، وأن الحق إنما هو التوحيد، وإن كنتم تلزمونه لِقِدَمِه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى، ثم إلى هذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم، فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم ﵇، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - والله الموفق. ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه، ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح ﵉ لدفع ذلك، ولأن السياق لإنكار الأوثان، وهو أول من نهى عن عبادتها، وهو أجلّ آباء الخليل ﵇ فقال: ﴿ونوحاً هدينا﴾ أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج. ولما كانت لم تتجاوز منه، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم، أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيراً عن زمانه فقال:

стр. 3045

﴿من قبل﴾ أي ولم تكن هدايته إلاّ بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد، وطالما دعاهم إلى الله وربّاهم فلم يرجع منهم كثيراً أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه ﵈ إشارة إلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة، وأنه ما حفظ كلاًّ منهما على سنن الهدى طول المدى إلاّ الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعدُ بمن بنى على يده ويد ابنه مسجداً هو بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل ﵉ فقال: ﴿ومن ذريته﴾ . ولما كان السياق كله لمدح الخليل، وكان المذكورون - إلا لوطاً - من نسله، وكان التغليب مستعملاً شائعاً في لسان العرب، لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم ﵇، وقولُ من قال: إن يونس ﵇ ليس من نسله، غير صحيح، بل هو من بني إسرائيل، وهو أحد من ذكر في سفر الأنبياء، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة ﴿والصافات﴾ إن شاء الله تعالى، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية إبراهيم، واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل، كما اقتضى ذلك

стр. 3046

كلام البغوي في سورة الأنبياء ﵈، وأما أيوب فروى؛ من نسل عيص بن إسحاق ﵈ ﴿داود﴾ أي هديناه ﴿وسليمان﴾ أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر الله: داود بخطه وتأسيسه، وسليمان بإكماله وتشييده. وما كان مع ذلك ملكين، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك فقال: ﴿وأيوب﴾ وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلاًّ منهما ابتلى بأخذ كل ما في يده ثم ردّ الله إليه ﴿ويوسف﴾ وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى فصبر، واغتنى فشكر، وأيوب إن لم يكن ملكاً فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة الملوك، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك، وأيضاً فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد واستنقاذهم من ذل الفلسطين، والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ثم ردوا عليه: أيوب بعد أن ماتوا، ويوسف قبل الموت،

стр. 3047

وأيضاً فداود ﵇ شارك إبراهيم ﵇ في أنه كان سبب سلامته من ملك زمانه الاختفاءُ في غار، وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية وأطمع فيها، وقال له منجموه: يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك على يده، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وحملت أم إبراهيم ﵇ به في تلك السنة، فلما وجدت الطلق خرجت ليلاً إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه، ثم سدت فم الغار ورجعت، ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه، وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما داود ﵇ فإنه لما قتل جالوت وزوَّجَه طالوتُ ابنته، وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال إليه الناس وأحبوه، فحسده فأراد قتله، فطلبه فهرب منه، فدخل غاراً فنسجت عليه العنكبوت، فقال طالوت: لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت، فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم ﵉ في إبطال عبادة الشمس في قصة بلقيس ﵂؛ وقصة يوسف ﵇ في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى ﴿يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩] .

стр. 3048

ولما كان يوسف ﵇ ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما، فكأن بعض قصصهم وفاق، وبعضها تقابل وطباق، فقال: ﴿وموسى وهارون﴾ ولما كان التقدير: هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى، لم يشغل أحداً منهم منحةُ السراء ولا محنة الضراء، عطف عليه قوله: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما جزيناهم ﴿نجزي المحسنين *﴾ أي كلهم، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة، وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا. ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك، أتبعهما من سلط الملوك عليهما بالقتل فقال: ﴿وزكريا ويحيى﴾ ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم يسلطوا عليهما وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال: ﴿وعيسى وإلياس﴾ ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين، قال مادحاً لهم على وجه يعم من قبلهم: ﴿كل﴾ أي من المذكورين ﴿من الصالحين *﴾ ثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك

стр. 3049

أمر، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال: ﴿وإسماعيل واليسع﴾ هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس، كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون ﵇ فرساً من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - عدواً فقتله ونَبأ الله اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل ﵉ أن كلاًّ منهما كان صادق الوعد، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى ﵇ حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً﴾ [المائدة: ١٢] وقوله ﴿وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ [المائدة: ٢٣] وأيضاً فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي

стр. 3050

في سورة يونس إن شاء الله تعالى. ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب، أتبعهما مَن هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال: ﴿ويونس﴾ أي هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم ﵇، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة، ووفاق من حيث إن كلاًّ منهما أرسل إلى غير قومه فقال: ﴿ولوطاً﴾ ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال: ﴿وكلاًّ﴾ أي ممن ذكرنا ﴿فضلنا﴾ أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة ﴿على العالمين *﴾ فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده، وبدأهم تعالى بإبراهيم ﵇ وختمهم بابن أخيه لوط ﵇ على هذه المناسبة الحسنة؛ وقيل: إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس ﵇ طباق. ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضاً أن إسماعيل ﵇ يوازي نوحاً ﵇، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره، كما أن نوحاً ﵇ رابعه إذا عددته من أوله، والمناسبة بينهما أن
следующие страницы →