Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب، وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات المقترحة، وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم يفصل بينهم، وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا يكشفون لهم بما يقذف إليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع، فيزيدونه كذباً كثيراً، ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون فيه - كما ابتلينا به في هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من المجانين والمتشبهين بهم، وكانت الآيات التي فرغ منها
стр. 3117
قد أثبتت أن اتخاذهم غرور، سبب عن ذلك وجوب نفي اتخاذهم غير الله لما اتصف به من إيحاء ما خالف إيحاءهم، ففات القوى في إخباره عن حقائق الأمور مفصلة أحسن تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار، وكعّت عنها نوافذ الأفهام، فثبتت به نبوته ووضحت رسالته، فكان اقتراحهم ظاهراً في كونه تعنتاً لأنهم كذبوا بأعظم الآيات: القرآن، ولم يؤمنوا به، وطعنوا فيه بما زادهم فضائح، فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم، فكان الجواب - عما اقتضاه لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله: ﴿أفغير الله﴾ أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك، والفاء فيه للسبب، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر ﴿أبتغي﴾ أي أطلب حال كون ذلك الغير ﴿حكماً﴾ أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا؛ ثم استدل على هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه لا غيره ﴿الذي أنزل إليكم﴾ أي خاصة نعمة علي بالقصد الأول وعليكم بالقصد الثاني ﴿الكتاب﴾ أي الأكمل المعجز، وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء
стр. 3118
﴿مفصلاً﴾ أي مميزاً فيه الحلال والحرام، وغير ذلك من جميع الأحكام، مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات والنهايات، ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه على التفصيل لوقوع العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا يحسن التفصيل لا يتقن التركيب.
ولما كان التقدير: فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله، عطف عليه قوله: ﴿والذين﴾ ويجوز أن يكون جملة حالية ﴿آتيناهم﴾ أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل ﴿الكتاب﴾ أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور ﴿يعلمون﴾ أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية ﴿أنه منزل﴾ .
ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع التفرد بالكمال، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان، لم يضمر بل قال: ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع الفضائل ﴿بالحق﴾ أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ولما له من موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب
стр. 3119
وتفيض الدموع وتصدع الصدور، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية.
ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم، ويقولون للمشركين: إنهم أهدى سبيلاً، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه، أو أن الأمر ملبس عليهم، سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب: ﴿فلا تكونن﴾ أي انف نفياً مؤكداً جداً أن تكون في وقت ما ﴿من الممترين *﴾ أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها؛ وقال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت.
ولما دل على كونه حقاً من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحاً وأهل اللسان تلويحاً، دل عليه بوجه آخر شهودي، وهو أنه ما قال شيئاً إلا كان على وفق ما قال، وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما أخبر به ولا تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر
стр. 3120
بقوله تعالى مظهراً في موضع الإضمار، لتذكيره ﷺ بما له سبحانه من الإحسان، والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام: ﴿وتمت﴾ أي نفذت وتحققت ﴿كلمة ربك﴾ أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها ﴿صدقاً﴾ أي لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها حديثاً بتخلف ما عن مطابقة الواقع.
ولما كان الصدق غير مناف للجور، قال: ﴿وعدلاً﴾ ولما كان الصدق العدل قد لا يتم معه مراد القائل، ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى منه، أخبر أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، تصريحاً بما أفهم مطلع الآية من التمام، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتبركاً وتلذيذاً فقال: ﴿لا مبدل لكلماته﴾ أي من حيث إنها كلماته مطلقاً من غير تخصيص بنوع ما، بل كل ما أخبرت به فهو كائن لا محالة، رضي من رضي وسخط من سخط.
ولما كان المغير لشيء إنما يتم له ما يريد من التغيير بكون المغير عليه لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ليحكمها، والموانع العائقة ليبطلها، قال عاطفاً على ما تقديره: فهو العزيز الحكيم: ﴿وهو﴾ أي لا غيره ﴿السميع﴾ أي البالغ السمع لجميع ما يمكن سمعه من الأقوال والأفعال ﴿العليم *﴾ أي البالغ العلم لجميع ذلك، فهو إذن الكامل القدرة النافذ الأمر في جميع الأسباب والموانع، فلا يدع أحداً يغير شيئاً منها وإن
стр. 3121
دلس أو شبه.
ولما أجاب عن شبهات الكفار، وبين صحة نبوته ﵇، شرع في الحث على الإعراض عن جهل الجهال، والإقبال على ذي الجلال، فكان التقدير: فإن أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما وعدك به، عطف عليه قوله: ﴿وإن تطع﴾ ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة بالأكثر، أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال: ﴿أكثر من في الأرض﴾ أي توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى، وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون ﴿يضلوك عن سبيل الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن﴾ أي لأنهم ما ﴿يتبعون﴾ في أمورهم ﴿إلا الظن﴾ أي كما يظن هؤلاء جهلاً أن آباءهم كانوا على الحق.
ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذباً، وكان الخارص يقال على الكاذب والمخمن الحازر، قال: ﴿وإن هم﴾ أي بصميم ضمائرهم ﴿إلا يخرصون *﴾ أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون، فيكشف الأمر عن أنها كذب، فيعرف الفرق بينك وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام، أو تخلفه عن التمام ونكوصه
стр. 3122
كالسيف الكهام، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل.
стр. 3123
ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب، قال معللاً لهذا الإخبار: ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب ﴿هو﴾ أي وحده ﴿أعلم﴾ ولكون الحال شديد الاقتضاء للعلم، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقاً ثم قال: ﴿من﴾ أي يعلم من ﴿يضل﴾ أي يقع منه ضلال يوماً ما ﴿عن سبيله﴾ أي الذي بينه بعلمه ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿أعلم بالمهتدين *﴾ كما أنه أعلم بالضالين، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه، فمن ضل أرداه، ومن اهتدى أنجاه، فاستمسكوا بأسبابه حذراً من وبيل عقابه يوم حسابه.
ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا، وأتبع ذلك ما لاءمه، وانتظم في سلكه ولاحمه، حتى ظهر أي ظهور أن الكل مِلكه ومُلكه، وأنه لا شريك له، فوجب شكره وحده، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً،
стр. 3124
فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضراً ولا نفعاً، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية. ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع، ثم يعجب ممن أشرك به، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيراً بالنعمة، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره، كما قال تعالى في البقرة عقب ﴿وإلهكم إله واحد﴾ ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ [البقرة: ١٦٤] ثم قال ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً﴾ [البقرة: ١٦٥] ثم قال ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ [البقرة: ١٦٨] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضاً، فقال: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥] بعد ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر﴾ [الأنعام: ٧٩] ثم ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ [الأنعام: ١٠٠] ودل على أنه لا شريك له في مِلكه ولا مُلكه، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطاً لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله: ﴿فكلوا مما ذكر﴾ أي وقت الذبح ﴿اسم الله﴾ أي الملك الذي له
стр. 3125
الإحاطة الكاملة فله كل شيء ﴿عليه﴾ أي كأن قائلاً لذلك سواء ذكر بالفعل أولا، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة، فكأنه قيل: اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال، والله أعلم بالفريقين، فكونوا من المهتدين، فكلوا مما خلق الله لكم حلالاً شاكرين لنعمته، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل الكلام تقريراً لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجاً على جميع ذلك لأنها سورة التفصيل، وأتى بالذكر والمراد قبول المأكول له، أي كلوا مما يقبل أن يسمى عليه على مقتضى ما شرعه، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان مما جعلوه لأوثانهم أولا، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه، أو ذكر عليه اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله، فإنه لا يقبل التحليل بالتسمية، فالتسمية في غير موضعها، لورود النصوص بالتحريم، ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها، ويكون ذلك حثاً على التسمية على جميع المأكول الحلال، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة.
ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من قبله؛ قال: ﴿إن كنتم﴾ أي بما لكم من الجِِبِلَّة الصالحة ﴿بآياته﴾
стр. 3126
أي عامة التي منها آيات التحليل والتحريم ﴿مؤمنين *﴾ أي عريقين في وصف الإيمان، وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله: ﴿وما لكم﴾ أي أيّ شيء يكون لكم في ﴿ألا تأكلوا مما ذكر﴾ أي يقبل أن يذكر ﴿اسم الله﴾ أي الذي له كل شيء ﴿عليه﴾ فإن التسمية قائمة مقام إذنه ﴿وقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿فصل لكم﴾ أي من قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره ﴿ما حرم عليكم﴾ أي مما لم يحرم تفصيلاً واضح البيان ظاهر البرهان ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ أي فإن الضرورة تزيل التفصيل عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل؛ فيصير الكل حلالاً لا تفصيل فيه، والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين، فأما من خوطب بها وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي آتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت جملة، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة، وكذا ما أخبر به ﷺ في وحي متلو إذ ذاك، ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه، أو وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة، وأما من خوطب بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام.
ولما كان التقدير: من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم قليل، عطف عليه قوله: ﴿وإن كثيراً﴾ أي من الناس ﴿ليضلون﴾
стр. 3127
أي يقع منهم الضلال فيوقعون غيرهم فيه بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه بيانه، فيكونون بمعرض العطب ﴿بأهوائهم﴾ أي بسبب اتباعهم للهوى؛ ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقاً لما أدى إليه العم بصحيح الفكر وصريح العقل قال: ﴿بغير علم﴾ أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من شريعة ماضية ممن له الأمر.
ولما كانوا ينكرون هذا، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال دليلاً على صحة ما أخبر به: ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب شاهداً لك بإعجازه بالتصديق ﴿هو﴾ أي وحده ﴿أعلم﴾ وكان الموضع للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال: ﴿بالمعتدين *﴾ أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك.
стр. 3128
>ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم لكونه ملكاً للغير أو فيه شبهة، نهى عنه على وجه يعم غيره، فقال عطفاً على «فكلوا» ﴿وذروا﴾ أي اتركوا على أيّ حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة ﴿ظاهر الإثم﴾ أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره ﴿وباطنه﴾ من كل ما فيه شبهة من الأقوال والأفعال والعقائد، فإن الله جعل له في القلب علامة، وهو أن يضطرب عنده
стр. 3129
ولا يسكن كما قال ﷺ : «والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر» - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان ﵁؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الذين يكسبون الإثم﴾ أي ولو بأخفى أنواع الكسب، بما دل عليه تجريد الفعل، وهو الاعتقاد للاسم الشريف.
ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله ﴿سيجزون﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا﴾ بفاسد جبلاتهم ﴿يقترفون *﴾ أي يكتسبون اكتساباً يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق، وصيغة الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة.
ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذراً من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم، أتبعه نهيهم نهياً جازماً خاصاً عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر﴾ أي مما لا يقبل أن يذكر ﴿اسم الله﴾ أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه، لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال: ﴿عليه﴾ أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى، فصار مخبثاً للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه
стр. 3130
بما دل عليه من تسميته فسقاً، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراماً بغير ذلك، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال، فإن ذكر عليه كان ملاعباً فلم يطهره، وأما ما كان حلالاً ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواماً حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا! قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» قال البغوي: ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى.
ولما كان التقدير: فإنه خبيث في نفسه مخبث، عطف عليه قوله: ﴿وإنه﴾ أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب ﴿لفسق﴾ فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جداً في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من شره، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق، والذي تركت التسمية عليه نسياناً ليس بفسق، والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة ﵂ أن قوماً قالوا
стр. 3131
للنبي ﷺ : إن قوماً يأتونّا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا! فقال:
«سموا عليه أنتم وكلوه» ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر - انتهى. فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل.
ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد، قال محذراً منها: ﴿وإن الشياطين﴾ أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس ﴿ليوحون﴾ أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة ﴿إلى أوليائهم﴾ أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم ﴿ليجادلوكم﴾ أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم: ما قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالاً أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها.
стр. 3132
ولما كان التقدير: فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك، عطف على هذا قوله: ﴿وإن أطعتموهم﴾ أي المشركين تديناً بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أو في شيء مما جادلوكم فيه ﴿إنكم لمشركون *﴾ أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال ﷺ في حديث عدي بن حاتم ﵁ في قوله تعالى ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ [التوبة: ٣١] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا، فنبه ﷺ بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة: حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى ﵉ أو للصليب حرمت ذبيحته، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله ﷺ فينبغي أن يقال: تحرم، لأنه ذبح لغير الله تعالى، قال:
стр. 3133
وخرّج أبو الحسن وجهاً آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله ﷺ ما يعتقده النصراني في عيسى ﵇.
قال: وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله، واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له. وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفراً كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيماً لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله ﷺ فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب الكفر، وكذا السجود لغير الله تذللاً وخضوعاً، فعلى هذا إذا قال الذابح: بسم الله واسم محمد، وأراد: أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد، فينبغي أن لا يحرم، وقول من قال: لا يجوز ذلك، يمكن أن يحمل على أن اللفظ مكروه، لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه، وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة بين أهل قزوين أفضت إلى فتنة في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر
стр. 3134
بذلك! قال: والصواب ما بينا؛ قال الشيخ محيي الدين: ومما يؤيد ما قاله - أي الرافعي - ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي في تعليقه: قال: حكى صاحب التقريب عن الشافعي ﵀ أن النصراني إذا سمى غير الله كالمسيح لم تحل ذبيحته، قال صاحب التقريب: معناه أن يذبحها له. فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله ﷺ فجائز، قال: وقال الحليمي: تحل مطلقاً وإن سمى المسيح - والله أعلم، ثم قال في المسائل المنثورة: الثالثة: قال ابن كج: من ذبح شاة وقال: أذبح لرضى فلان، حلت الذبيحة، لأنه لا ينصرف إليه بخلاف من تقرب بالذبح إلى الصنم؛ وقال الروياني: إن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال، وإن قصد الذبح لهم فحرام؛ ومما يوضح لك سر هذا الانتظام ويزيده حسناً أن هذه الآيات كلها من قوله تعالى
﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام: ١٠٠] إلى آخر السورة تفصيل لقوله تعالى في أول السورة ﴿قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤] ، فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥] ونحوه، وأنكر اتخاذ من دونه بقوله ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ [الأنعام: ١٠٠] وما نحا نحوه، قال ﴿فكلوا﴾ [الأنعام: ١١٨] إشارة إلى ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾ [الأنعام: ١٤] وقوله ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقوله ﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾ [الأنعام: ١٢٥] ونحوهما إشارة إلى قوله ﴿قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ [الأنعام: ١٤] ، وقوله ﴿ويوم نحشرهم جميعاً﴾ [الأنعام: ٢٢] ونحوه مشير إلى ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ [الأنعام: ١٥] .
стр. 3135
ولما انقضى التفصيل عند قوله ﴿فسوف يعلمون﴾ شرع في تفصيلها ثانياً بقوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخرها، والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو نفي، وأقيمت الدلائل على إثبات ما ثبت منه ونفي ما نفي، ثم أعيد ذلك في أسلوب آخر، كان أثبت في النفس وألصق بالقلب، لا سيما إن كان في الأسلوب الثاني - كما هي عادة القرآن - زيادة في البيان وتنبيه على ما لم يتقدم أولاً، ولا سيما إن كانت العبارة فائقة والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن هذا كله دأب القرآن في أساليب الافتنان؛ قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام: وقوله ثانياً ﴿الرحمن الرحيم﴾ إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظن أنه مكرر، فلا مكرر في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة، وذكر الرحمة بعد ذكر ﴿العالمين﴾ ، وقبل ذكر ﴿العالمين﴾ ، وقبل ذكر ﴿مالك يوم الدين﴾ ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ما حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه، والثانية ملتفت إلى ما بعده بالإشارة إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد، قال: وشرح ذلك يطول والمقصود
стр. 3136
أنه لا مكرر في القرآن، وإن رأيت شيئاً مكرراً من حيث الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - انتهى. وفي ذلك نكتة أخرى، وهي أن الرحمن مشير إلى ما قال من جهة الربوبية في الإيجادين: الأول والثاني، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة.
ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية، فكان التقدير: أفمن كان هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه، عطف عليه قوله: ﴿أو من كان ميتاً﴾ أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية ﴿فأحييناه﴾ أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله ﴿وجعلنا﴾ أي بعظمتنا على وجه الخصوص ﴿له نوراً﴾ أي بالهداية إلى كل خير ﴿يمشي﴾ مستضيئاً ﴿به في الناس﴾ فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله ﴿كمن مثله﴾ أي الذي يمثل به، وهو ما ينكشف بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال قلبه،
стр. 3137
حال قلبه، أو يكون المعنى: صفته أنه ﴿في الظلمات﴾ أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقاً فيه بطريق الأولى، فلذلك قال: ﴿ليس بخارج﴾ أي ذلك المثل ﴿منها﴾ أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله، وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة، وذلك لأنه زين له عمله، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله﴾ [الأنعام: ٣٦] وقوله: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾ [الأنعام: ٣٩] .
ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلاّ تزييناً للقبائح، فكان حالهم مما يشتد العجب منه، كان كأنه قيل: لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا أن عاقلاً يرضى ما فعلوه بأنفسهم، فهل وقع لأحد قط مثل حالهم؟ فقيل: نعم ﴿كذلك﴾ أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم ﴿زين للكافرين﴾ أي كلهم ﴿ما كانوا﴾ بما جبلناهم عليه ﴿يعملون *﴾ فهم أبداً في الظلمات، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً كونه في الظلمات دليلاً على تقديره
стр. 3138
ثانياً، وثانياً التزيين دليلاً على تقديره أولاً.
стр. 3139
ولما كان معلوماً أن عداوتهم له ﷺ المشار إليها بقوله ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً﴾ الآية، لا يقوم بها إلا أكابر الناس، لما كان عليه ﷺ من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب وأنه لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله، عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله: ﴿وكذلك﴾ أي مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم ﴿جعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن ﴿في كل قرية﴾ أي بلد جامع، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة فقال: ﴿أكبر مجرميها﴾ أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل.
ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعاً فيما عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله
стр. 3140
له؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له، فقال معبراً بالجعل لما فيه من التصيير والتسبيب: ﴿ليمكروا فيها﴾ أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا لهم حزب الله.
ولما كان ذلك موجعاً وغائظاً محزناً، قال تصغيراً لشأنهم وتحقيراً لأمرهم: ﴿وما﴾ أي والحال أنهم ما ﴿يمكرون إلا بأنفسهم﴾ لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر بالله، وذلك غير متأت ولا كائن بوجه من الوجوه، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئاً من الغيب بمن يعلم جميع الغيب! ﴿وما يشعرون *﴾ أي وما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم، وإنما أجرى سنته الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذاً لهم منادياً عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقاً لقوله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣]- في أمثال ذلك.
стр. 3141
ولما قرر هذا، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفاً على
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩] تعجيباً من حالهم فيما زين لهم من ضلالهم، وتصديقاً لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية إلاّ أن يشاء الله؛ وتحقيقاً لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم: ﴿وإذا جاءتهم﴾ أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم ﴿آية قالوا﴾ حسداً لمن خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات الأنبياء ﵈ من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران ﴿لن نؤمن﴾ أي أبداً ﴿حتى نؤتى﴾ لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص أحد عنا بشيء ﴿مثل ما﴾ .
ولما كان نظرهم مقصوراً على عالم الحس من غير نظر إلى جانب الله لكونه غيباً بنوا للمفعول قولهم: ﴿أوتي رسل الله﴾ يجوز أن يكون المراد: حتى يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى ﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفاً منشرة﴾ [المدثر: ٥٢] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال: تنازعنا نحن وبنو عد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء،
стр. 3142
ويحك! متى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبداً. وأن يكون المراد إتيانه ﷺ بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا وإحياء الموتى ونحوها، وسموهم تنزلاً واستهزاء، وعبروا بالجلالة إشارة إلى القدرة التامة فلا عذر.
ولما ذكر اسم الجلالة إيذاناً بعظيم ما اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ الأنوف، أعادها أيضاً تهويلاً للأمر وتنبيهاً على ما هناك من عظيم القدر، فقال رداً عليهم فيما تضمن قولهم من دعوى التعلم بالحكمة والاعتراض على الله : ﴿الله﴾ أي بما له من صفات الكمال ﴿أعلم﴾ أي من كل من يمكن منه علم ﴿حيث يجعل﴾ أي يصير بما يسبب من الأمور ﴿رسالته﴾ أي كلها بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الخلق فهو لا يضع شيئاً منها بالتشهي.
ولما كشف هذا النظم عن أنهم اجترؤوا عليه، وأنهم أصروا على أقبح المعاصي الكفر، لا لطلب الدليل بل لداء الحسد؛ تاقت النفس إلى معرفة ما يحل بهم فقال جواباً: ﴿سيصيب﴾ أي بوعد لا خلف فيه،
стр. 3143
وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: ﴿الذين أجرموا﴾ أي قطعوا ما ينبغي أن يوصل ﴿صغار﴾ أي رضى بالذل لعدم الناصر؛ ولما كان الشيء تعظم بعظمة محله ومن كان منه ذلك الشيء قال: ﴿عند الله﴾ أي الجامع لصفات العظمة ﴿وعذاب﴾ أي مع الصغار ﴿شديد﴾ أي في الدنيا بالقتل والخزي وفي الآخرة بالنار ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا يمكرون﴾ .
стр. 3144
ولما تقدم أنه تعالى أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال، ومن يقبل الهداية في الحال أو المآل، وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ قدرته، علم أن الأمر أمره، والقلوب بيده، فتسبب عن ذلك قوله: ﴿فمن يرد الله﴾ أي الذي له جميع الجلال والإكرام ﴿أن يهديه﴾ أي يخلق الهداية في قلبه من أكابر المجرمين أو غيرهم ﴿يشرح صدره﴾ أي يوسعه بأن يجعله مهيئاً قابلاً بالنور ﴿للإسلام﴾ قال الإمام أبو جعفر النحاس: روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «يا رسول الله! وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم، يدخل القلب نور، فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال ﷺ : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد
стр. 3145
للموت قبل الموت» ، وفي رواية: الفوت ﴿ومن يرد﴾ أي الله، ولم يظهر هنا إشارة إلى أن الضلال على مقتضى الطبع ﴿أن يضله﴾ أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه ﴿يجعل صدره﴾ أي الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار ﴿ضيقاً حرجاً﴾ أي شديد الضيق فيكون مرتجساً أي مضطرباً، روي أن عمر ﵁ أحضر أعرابياً من كنانة من بني مدلج فقال له: ما الحرجة؟ فقال: شجرة لا تصل إليها وحشية ولا راعية، وساق البغوي القصة ولفظه: وقال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم اتفقا - فقال عمر ﵁: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الإيمان والخير؛ وزاد البغوي: يقال سيبويه: الحرج - بالفتح المصدر، ومعناه: ذا حرج، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق، وقال المهدوي: هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه، وقال في النساء في قوله تعالى ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت﴾ [النساء: ٦٥] أي ضيقاً، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد: إنه الشك، وقول الضحاك: إنه الإثم، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم؛ وقال
стр. 3146
النحاس: ﴿حرجاً مما قضيت﴾ أي شكاً وضيقاً، وأصل الحرج الضيق - انتهى. وتحقيق ذلك أن الآية هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل - تأكيد أخر إما بالمصدر أو باسم الفاعل، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه، فمعنى الفتح: ضيقاً - بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه - إن كسرتَ حرجاً - ضيقاً بإعادة اسم الفاعل، ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان الضيق الكثير الشجر، ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع والشدة والحيرة والحر والبرد، وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة: حرج جحر رجح حجر جرح - تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف، ويلزمه الثقل والمنع والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق، فيرجع إلى الصلابة الحرجُ بمعنى الضيق، والحرجة للغيضة، ولحرج للقلادة من الودع، والحرجوج للريح الشديدة الباردة، والناقة الحرجوج للوقادة القلب، ويجوز رجوعها إلى الحدة، والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره، ولضيقه
стр. 3147
عن أسرّة الأحياء، ومنه أيضاً جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض، ويرجع إلى الثقل الحرجُ بمعنى الإثم، وينشأ عن ذلك البعث المفضي إلى الحيرة، ومنه حرجت عينه، أي حارت فلا تطرف، ويلزم الثقل أيضاً الجرحُ بمعنى الطعن النافذ في البدن، ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالاً، لأنه من آثاره، ومنه الرجحان بمعنى الثقل، والحكم الراجح الذي يوجب رزانة صاحبه، ومنه الأرجوحة لأن كلاًّ من طرفيها يرجح بالآخر، ويرجع إلى المنع الحجرُ بمعنى العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد، والحجر في المال، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك - ولو قدر باع - امتنع منك، وكان التأنيث فيه لقربه، ويرجع إلى الشخوص الحرجُ للناقة الطويلة؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني ﵀ في كتابه «المحتسب في توجيه القراءات الشواذ» عند قوله تعالى في هذه السورة «وحرث حرج» فيمن قرأ بتقديم الراء: إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع، وإذا أنعمت النظر وتركت الملل والضجر وجدت الأمر كما قال -
стр. 3148
والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك والضيق، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله، ومنه الحجر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعاً بينه وبينها، فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر؟ قيل: كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض، فأما الآخر فلا يقال له: راجح، وإذا ثبت ذلك - وقد ثبت - فكذلك قوله تعالى ﴿وحرث حرج﴾ في معنى حجر، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلاّ من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - انتهى.
ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه، وإن وصل إليه شيء منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكاً فنكصت، وهكذا لا تزال في اضطراب وتردد أبداً؛ كانت ترجمته قوله: ﴿كأنما يصعد﴾ أي يتكلف هذا الشخص في قبول الهداية الصعود ﴿في السماء﴾ في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن، بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد، فكلما أصعدته حركته الاختيارية أهبطته
стр. 3149
حركته الطبيعية القسرية، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئاً ثقيلاً ويصعد به في جدار أملس، فيصير يتكلف ذلك فيقع، ثم يتكلف الصعود ايضاً فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط، وربما سقط دونه، فهو مما يمتنع عادة، فلا يزال مرتجساً أي مضطرباً ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي.
ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه، وكان الرجس في الأصل لما يستقذر، والمستقذر ينفر منه، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالاً، وهو أن يقال: هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان، أجيب بما حاصله: لا، ﴿كذلك﴾ أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان ﴿يجعل الله﴾ أي بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة ﴿الرجس﴾ أي الاضطراب والقذر ﴿على الذين لا يؤمنون﴾ من أهل كل زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الضلال دليلاً على حذفه ثانياً، وذكر الرجس ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، والآية نص في أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر.
ولما ذكر ما ألزمه لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر، كان في غاية الحسن تعقيبه بالصراط، فإنه مما يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي
стр. 3150
له - مع استجماع الكمالات كلها - صفة العطف والإحسان واللطف، وإضافة الرب إلى هذا الرسول الذي يعشق خلقه وخلقه كلُ من يراه أو يسمع به، وأحسن من ذلك وأمتن أن مادة «رجس» تدور على الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال المانع من الإيمان، فلما مثل سبحانه حال الضال بحال المضطرب، وأخبر أنه ألزم هذا الاضطراب كل من لا يؤمن، أتبعه وصف سبيله بالاستقامة التي هي أبعد شيء عن الاضطراب الملزوم للعوج، وكان التقدير: فهذا حال أهل الضلال، فعطف عليه قوله: ﴿وهذا﴾ أي الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ختمناها بأن الهادي المضل هو الله وحده، لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت كل آية ﴿صراط﴾ أي طريق ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط ﴿مستقيماً﴾ أي لا عوج فيه أصلاً، بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي في أحسن تقويم بالعقل السليم الذي لم يشبه هوى ولم يشبه خلل في أن الأمر كله بيد الله لكيلا يزال الإنسان خائفاً من الله وراجياً له لأنه القادر على كل شيء، وأما غيره فلا قدرة له إلاّ بتقديره لأنه خلق القوى والقدر عندنا وعند المعتزلة، فلتكن الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم، وليس غير الله محيط العلم؛ قال الإمام: فالآية التي قبلها من المحكمات، فيجب إجراؤها على ظاهرها، ويحرم التصرف فيها بالتأويل.
стр. 3151
ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه خارجاً عنه وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة من الرسل الآخذين على الله، قال مبيناً لمدحه مرشداً إلى انتظامه مع العقل: ﴿قد فصلنا﴾ أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة ﴿الآيات﴾ أي كلها فصلاً فصلاً بحيث تميزت تميزاً لا يختلط واحد منها بالآخر ﴿لقوم يذكرون﴾ أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل من الهوى وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه قال: ما من شيء ذكرناه إلاّ وقد أودعنا في عقولهم شاهداً عليه.
ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلاّ من أهل العنايات في طرق الهدايات، قال مرغباً في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب المهيأة له: ﴿لهم﴾ أي المتذكرين ﴿دار السلام﴾ أي الجنة، أضافها سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿وليهم﴾ أي المتكفل بتولي أمورهم، لا يكلهم إلى أحد سواه، وهذا يدل على قربه منهم،
стр. 3152
والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم بالتوحيد؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر، بين أن المراد منه التأدية إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال: ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا﴾ أي كما جبلهم عليه، فما كان ذلك إلاّ بفضله ﴿يعملون﴾ .
стр. 3153
ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة، وأبهمه في أولها، وبيّن في أثنائها بعض أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان، وهو يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفاً بهم واستعطافاً إلى المتاب، فقال جامعاً الفريقين ﴿ويوم﴾ أي اذكر في
стр. 3154
تذكرك يوم ﴿يحشرهم﴾ أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا ﴿جميعاً﴾ لا نذر منهم أحداً ﴿يا﴾ أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون لهم مدافعة أصلاً: ﴿معشر الجن﴾ أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم ﴿قد استكثرتم﴾ أي طلبتم وأوجدتم الكثرة ﴿من الإنس﴾ أي من إغواء المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً. ﴿وقال﴾ هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في «يا معشر» الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: فقالوا: ربنا هم ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا، فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله ﴿قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا﴾ [الأعراف: ٣٨]-
стр. 3155
الآية، وقوله ﴿فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً﴾ - الآية ﴿أولياؤهم﴾ أي الجن ﴿من الإنس﴾ أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين ﴿ربنا﴾ أيها المربي لنا المحسن إلينا ﴿استمتع﴾ أي طلب المتاع وأوجده ﴿بعضنا ببعض﴾ نحن بهم فيما قالوا، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم ﴿وبلغنا﴾ أي نحن وهم ﴿أجلنا﴾ وأحالوا الأمر على القدر فقالوا: ﴿الذي أجلت لنا﴾ وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به، فاستوجبنا العذاب كلنا.
ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: ﴿قال﴾ أي المخاطب لهم عن الله ﴿النار مثواكم﴾ أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر ﴿خالدين فيها﴾ أي إلى ما لا آخر له، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له، فالجزاء من جنس العمل.
следующие страницы →