← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه خارجاً عنه وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة من الرسل الآخذين على الله، قال مبيناً لمدحه مرشداً إلى انتظامه مع العقل: ﴿قد فصلنا﴾ أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة ﴿الآيات﴾ أي كلها فصلاً فصلاً بحيث تميزت تميزاً لا يختلط واحد منها بالآخر ﴿لقوم يذكرون﴾ أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل من الهوى وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه قال: ما من شيء ذكرناه إلاّ وقد أودعنا في عقولهم شاهداً عليه. ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلاّ من أهل العنايات في طرق الهدايات، قال مرغباً في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب المهيأة له: ﴿لهم﴾ أي المتذكرين ﴿دار السلام﴾ أي الجنة، أضافها سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿وليهم﴾ أي المتكفل بتولي أمورهم، لا يكلهم إلى أحد سواه، وهذا يدل على قربه منهم،

стр. 3152

والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم بالتوحيد؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر، بين أن المراد منه التأدية إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال: ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا﴾ أي كما جبلهم عليه، فما كان ذلك إلاّ بفضله ﴿يعملون﴾ .

стр. 3153

ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة، وأبهمه في أولها، وبيّن في أثنائها بعض أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان، وهو يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفاً بهم واستعطافاً إلى المتاب، فقال جامعاً الفريقين ﴿ويوم﴾ أي اذكر في

стр. 3154

تذكرك يوم ﴿يحشرهم﴾ أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا ﴿جميعاً﴾ لا نذر منهم أحداً ﴿يا﴾ أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون لهم مدافعة أصلاً: ﴿معشر الجن﴾ أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم ﴿قد استكثرتم﴾ أي طلبتم وأوجدتم الكثرة ﴿من الإنس﴾ أي من إغواء المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً. ﴿وقال﴾ هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في «يا معشر» الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: فقالوا: ربنا هم ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا، فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله ﴿قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا﴾ [الأعراف: ٣٨]-

стр. 3155

الآية، وقوله ﴿فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً﴾ - الآية ﴿أولياؤهم﴾ أي الجن ﴿من الإنس﴾ أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين ﴿ربنا﴾ أيها المربي لنا المحسن إلينا ﴿استمتع﴾ أي طلب المتاع وأوجده ﴿بعضنا ببعض﴾ نحن بهم فيما قالوا، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم ﴿وبلغنا﴾ أي نحن وهم ﴿أجلنا﴾ وأحالوا الأمر على القدر فقالوا: ﴿الذي أجلت لنا﴾ وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به، فاستوجبنا العذاب كلنا. ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: ﴿قال﴾ أي المخاطب لهم عن الله ﴿النار مثواكم﴾ أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر ﴿خالدين فيها﴾ أي إلى ما لا آخر له، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له، فالجزاء من جنس العمل.

стр. 3156

ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك، بل هو على غاية الكمال، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل، وجميع ما يبدو منه حسن، فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال: ﴿إلا ما شاء﴾ ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية، عبر بالاسم الأعظم فقال: ﴿الله﴾ أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك، هيهات هيهات! انقطعت دون ذلك الآمال، فظلت ناكسة أعناق الرجال، وبيده إزار العز، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل، وأنزله في مهاوي الخزي، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه. ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال، أتبعه اللطف بالمخاطب به ﷺ فقال: ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك. ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم، قدم

стр. 3157

وصفها فقال: ﴿حكيم﴾ أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً ﴿عليم *﴾ أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك. ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين ﴿نولي﴾ أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق ﴿بعض الظالمين﴾ أي الغريقين في الظلم ﴿بعضاً﴾ أي بأن نجمع بين الأشكال، في الأوصاف الباطنة والخصال، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال، والأوجاع والأنكال ﴿بما كانوا﴾ بجبلاتهم ﴿يكسبون *﴾ أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً، وهم لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب؛ روى الطبراني في الأوسط ن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقول: أنتقم ممن

стр. 3158

أبغض بمن أبغض ثم أصيّر كلاًّ إلى النار» وعن مالك بن دينار قال: رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول: افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي. أو يقال: فقد أخبرنا أن الله ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال، أو يقال: فقد بان أن كلاًّ من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً إن قدروا، وهيهات منهم ذلك هيهات! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب. ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلاً من الأولى إتماماً للتقريع والتوبيخ والتشنيع: ﴿يا معشر الجن﴾ قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم ﴿والإنس﴾ وبكتهم بقوله محذراً للسامعين الآن ومستعطفاً لهم

стр. 3159

إلى التوبة: ﴿ألم يأتكم رسل﴾ ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال: ﴿منكم﴾ وإن كان الرسل من الإنس خاصة. ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالباً لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ [الأنعام: ٣] ، ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام: ٥٣] ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ [الأنعام: ٥٩] وغيرها، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال ﴿يقصون﴾ بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل ﴿عليكم آياتي﴾ أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم، فيحلونها حلاً مقطوعاً به ﴿وينذرونكم﴾ أي يخوفونكم ﴿لقاء يومكم هذا﴾ أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلباً حثيثاً وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيراً سريعاً ﴿قالوا﴾ معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع ﴿شهدنا﴾ بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح ﴿على أنفسنا﴾ أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾ [الزمر: ٧١] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: ﴿وغرتهم﴾

стр. 3160

أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم ﴿الحياة الدنيا﴾ أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ولكن لم يستطيعوا كتمانها، بل ﴿وشهدوا﴾ أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال ﴿على أنفسهم﴾ أيضاً بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، وهو ﴿أنهم كانوا﴾ جبلة وطبعاً ﴿كافرين *﴾ أي غريقين في الكفر، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا وبالاً وحزناً ونكالاً.

стр. 3161

ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة على الكافر في المعاد بالرسل ﵈، علل إرسالهم ترغيباً وحثاً في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب، وتنبيهاً وإرشاداً في صادع تخويف وتأديب فقال: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الجدوى هو أن أرسلنا الرسل ﴿أن﴾ أي لأجل أنه ﴿لم يكن ربك﴾ أي المحسن إليك بتشريف قومك ﴿مهلك﴾ أي ثابتاً إهلاكه ﴿القرى بظلم﴾

стр. 3162

أي بسبب ظلم ارتكبوه ﴿وأهلها غافلون *﴾ أي غريقون في الغفلة عما يجب عليهم مما لا تستقل به عقولهم، أي بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من اللذات، فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم، فأرسلنا إليهم الرسل حتى أيقظوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق الواجب والعدل الصائب، ويجوز أن يكون المعنى: مهلكهم ظالماً، فيكون المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فاطر: ٤٦] وعلى الأول المنفي ظلمهم. ولما بيّن سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام، والآخر دار الملام، قال جامعاً للفريقين عاطفاً على قوله ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾ [الأنعام: ١٢٧] : ﴿ولكل﴾ أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي الجن والإنس في الدارين ﴿درجات﴾ أي يعليهم الله بها ﴿مما﴾ أي من أجل ما ﴿عملوا﴾ ودركات يهويهم فيها كذلك. ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلاّ بعد الإعذار إليهم، وتضمن ذلك إمهالهم، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها، نفى أن يسلم شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة العلم بجميع أعمالهم فقال: ﴿وما ربك﴾ أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك، وأغرق في النفي لإثبات مزيد العلم فقال:

стр. 3163

﴿بغافل عما يعملون *﴾ أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين، بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه، فلا يقع في وهم أن الإمهال لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من الجن. ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها لنفع في الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية، وكان الإمهال مع المبارزة ربما ظن أنه عن عجز، قال مرغباً مرهباً: ﴿وربك﴾ أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك، وحصر الخبر في المبتدإ بقوله: ﴿الغني﴾ أي وحده الغني المطلق عن كل عابد وعبادته، فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها ﴿ذو الرحمة﴾ أي وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال؛ وملا كان اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه، وأنه ما رتب الثواب والعقارب إلا رحمة منه وجوداً، استأنف بيان ذلك، وأخبر عن هذا المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحاً بما أفاده: ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي جميعاً بالإهلاك، فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف على شيء

стр. 3164

غير مشيئته، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراماً لنبيكم ﷺ ؛ ثم قال تحقيقاً لغناه أيضاً: ﴿ويستخلف﴾ . ولما كان لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: ﴿من بعدكم﴾ أي بعد هلاككم ﴿ما يشاء﴾ أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه ﴿كما أنشأكم من ذرية﴾ أي نسل ﴿قوم آخرين *﴾ أي بعد أن أهلكهم أجمعين، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفاً في أصلابهم، لم يكن في واحدة منها حياة. ولما تقرر أن له الوصفين الملزومين للقدرة، أنتج ذلك قوله جواباً لاستعجالهم بالعذاب استهزاء: ﴿إن ما توعدون﴾ أي من البعث وغيره ﴿لآت﴾ أي لا بد من وقوعه لأن المتوعد لا يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه فيه ﴿وما أنتم بمعجزين *﴾ أي بثابت لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم، فتمهد الأمر من جهته ومن جهتكم لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وفي ذلك تقرير لأمر رحمته لأن القادر إذا اراد النقمة أخذ على غرة ولم يهدد، وإذا أراد الرحمة تقدم بالوعيد ليحذر الفائزون ويستسلم الخاسرون. ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر، فأنتج

стр. 3165

الاجتهاد للعاقل - ولا بد - في العمل، وكان أكثر الخلق أحق، أمره سبحانه بالنصيحة بقوله: ﴿قل يا قوم﴾ أي يا أقرب الخلق إليّ وأعزهم عليّ ومن لهم قيام في الأمور وكفاية عند المهمات ﴿اعملوا﴾ وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير بالقوم بحرف الاستعلاء فقال: ﴿على مكانتكم﴾ أي على ما لكم من القدرة على العمل والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم القواصم بخفوق الأجل، وفيه مع النصيحة تخويف أشد مما قبله، لأن تهديد الحاضر على لسان الغير مع الإعراض أشد من مواجهته بالتهديد، أي أنكم لم تقبلوا بذلك التهديد الأول كنتم أهلاً للإعراض والبعد. ولما كان أدل شيء على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا إليه، قال مستانفاً أو معللاً: ﴿إني عامل﴾ أي على مكانتي وبقدر استطاعتي قبل الفوت بحادث الموت، ويمكن أن يكون متمحضاً للتهديد، فيكون المعنى: اعملوا بما أنتم تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة، إني كذلك أعمل فيما جئت به. ولما كان وقوع المتوعد به سبباً للعلم بالعاقبة، وكان السياق لعدم تذكرهم وغرورهم وقلة فطنتهم، حسن إثبات الفاء في قوله: دون إسقاطها لأن الاستئناف يتعطف للسؤال فقال: ﴿فسوف تعلمون﴾ أي يقع لكم بوعد لا خلف فيه العلم، فكأنه قيل: أيّ علم؟ فقيل:

стр. 3166

﴿من تكون له﴾ كوناً كأنه جبل عليه ﴿عاقبة الدار﴾ أي بيني وبينكم، وهذا في إثبات الفاء بخلاف ما في قصة شعيب ﵇ من سورة هود ﵇ في حذفها؛ ولما كان التقدير جواباً لما تقرر من سؤالهم: عاقبة الدار للعامل العدل، استأنف قوله: ﴿إنه لا يفلح الظالمون *﴾ أي الغريقون في الظلم كائنين من كانوا، فلا يكون لهم عاقبة الدار، فالآية من الاحتباك: ذكرُ العاقبة أولاً دليل على حذفها ثانياً، وذكر الظلم ثانياً دليل على حذف العدل أولاً.

стр. 3167

ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت بحال الظالم، شرع في تفصيل قوله ﴿أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم وأباطيلهم تنبيهاً على سخافة عقولهم تنفيراً عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك شيئاً وقتل الأولاد وتسييب الأنعام وغير ذلك، فقال عاطفاً على ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ [الأنعام: ١٠٠] : ﴿وجعلوا﴾ أي المشركون العادلون بربهم

стр. 3168

الأوثان ﴿لله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ﴿مما ذرأ﴾ أي خلق وأنشأ وبث ولم يشركه في خلقه أحد ﴿من الحرث والأنعام نصيباً﴾ أي وجعلوا لشركائهم نصيباً؛ ولما كان الجعل لا يعرف إلا بالقول، سبب عنه قوله: ﴿فقالوا﴾ أي بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم ﴿هذا لله﴾ أي الملك الأعلى ﴿بزعمهم﴾ أي ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله، ولذا أسقط الزعم من قوله: ﴿وهذا لشركائنا﴾ أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهوائهم. ولما كان هذا سفهاً بتسويتهم من لا يملك شيئاً بمن يملك كل شيء، بين من فعلهم ما هو أشد سفهاً منه بشرح ما لوح إليه التعبير بالزعم فقال مسبباً عن ذلك ومفرعاً: ﴿فما كان لشركائهم﴾ أي بزعمهم أنهم شركاء ﴿فلا يصل إلى الله﴾ أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال ﴿وما كان لله﴾ أي على ما له من الكبر والعظمة والجلال والعزة ﴿فهو يصل إلى شركائهم﴾ فإذا هلك ما سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا: ليس لآلهتنا بد من نفقة، فأخذوا ما لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر ما لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذل له، فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة. ولما بلغ هذا غاية السفه قال: ﴿ساء ما يحكمون *﴾ أي حكمهم هذا أسوأ حكم؛ ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته في

стр. 3169

وفد خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس، وأنهم لما وفدوا على النبي ﷺ ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءاً له وجزءاً لله بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي زرعاً آخر حجرة لله ، فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم رسول الله ﷺ أن الله أنزل عليه في ذلك ﴿وجعلوا لله﴾ الآية، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «تلك الشياطين تكلمكم» ، قالوا: فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا يذري من عبده ممن لم يعبده. وقال ابن هشام في مقدمة السيرة إنهم كانوا يقسمون له، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، قال: وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة قال: كانوا يعزلون من أموالهم شيئاً فيقولون: هذا لله وهذا لأصنامهم، فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم

стр. 3170

يخالط شيئاً مما جعلوه ردوه، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئاً مما جعلوه لشركائهم تركوه، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال ﴿ساء ما يحكمون﴾ وقال البغوي: كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله. ولما كان هذا متضمناً لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها لمن لا يستحقها، نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم، فقال منبهاً على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم ﴿زين لكثير من المشركين﴾ .

стр. 3171

ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه، فكان امتثال قوله غريباً، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة، قدمه تنبيهاً على ذلك فقال: ﴿قتل أولادهم﴾ أي بالوأد خشية الإملاق والنحر لآلهتهم، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا يكون إلا سبباً في إعدامه؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال: ﴿شركاؤهم﴾ أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام. ولما كان هذا أمراً معجباً، كان الأمر في قراءة ابن عامرالمولود في زمان النبي ﷺ المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب. ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم، ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك أعجب فقال: ﴿ليردوهم﴾ أي ليهلكوهم هلاكاً لا فائدة فيه بوجه ﴿وليلبسوا﴾ أي يخلطوا ويشبهوا ﴿عليهم دينهم﴾

стр. 3172

أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل ﵉ فما أقدم عليه إلاّ بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معاً فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين: في النفس والدين، فان القتل في نفسه عظيم جداً، ووقوعه تديناً بغير أصل ولا شبهة أعظم، فلا أضل ممن تبع من كان سبباً لإهلاك نفسه ودينه. ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم، يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة، فأنتم أسفل منهم؛ ولما أثبت للشركاء فعلاً هو التزيين، وكان قد نفي سابقاً عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به، وأناط الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة الجلال فقال: ﴿ولو شاء الله﴾ أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله المشركون ﴿ما فعلوه﴾ أي ذلك الذي زين لهم، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئه احتراساً من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالاً، وتسلية

стр. 3173

لرسول الله ﷺ وتخفيفاً، وأكد التسلية بقوله: ﴿فذرهم وما يفترون *﴾ أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه.

стр. 3174

ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع، ولامه على تقبيحه العقلُ من قتل الأولاد، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم، وضم إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال: ﴿وقالوا﴾ أي المشركون سفهاً وجهلاً ﴿هذه﴾ إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم ﴿أنعام وحرث حجر﴾ أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه، وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات ﴿لا يطعمها﴾ أي يأكل منها ﴿إلا من نشاء﴾ أي من السدنة ونحوهم ﴿بزعمهم﴾ أي بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ملكوت السماوات والأرض، وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم وفي نفوذ المنع، فلو أراد الله أن تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع ﴿وأنعام﴾ . ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين، بني للمجهول قوله: ﴿حرمت ظهورها﴾ يعني البحائر وما معها فلا تركب ﴿وأنعام لا يذكرون﴾ أي هؤلاء المتقولون على الله ﴿اسم الله﴾ الذي حاز جميع العظمة ﴿عليها﴾ أي في الذبح أو غيره ﴿افتراء﴾ أي تعمداً للكذب ﴿عليه﴾ .

стр. 3175

ولما كان هذا لعظمه من جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع تشوف السامع إلى ما يكون عنه، استأنف قوله: ﴿سيجزيهم﴾ أي بوعد صادق لا خلف فيه ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يفترون *﴾ أي يتعمدون من الكذب، أما بعد إظهار الحق فواضح، وأما قبله فلكونه في غاية ما يكون من ظهور الفساد. ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه إحجام خالص محت، أتبعه ما هو مختلط منهما فقال: ﴿وقالوا﴾ أي المشركون أو بعضهم وأقره الباقون ﴿ما في بطون هذه﴾ إشارة إلى ما اقتطعوه لآلهتهم، وبينوه بقولهم: ﴿الأنعام﴾ أي من الأجنة ﴿خالصة﴾ أي خلوصاً لا شوب فيه، أنث للحمل على معنى الأجنة، أو تكون التاء للمبالغة أو تكون مصدراً كالعافية، أي ذو خالصة ﴿لذكورنا﴾ ؛ ولما كان المراد العراقة في كل صفة، أتى بالواو فقال: ﴿ومحرم﴾ وحذف الهاء إما حملاً على اللفظ أو تحقيقاً لأن المراد ب «خالصة» المبالغة ﴿على أزواجنا﴾ أي إناثنا، وكأنه عبر بالأزواج بياناً لموضع السفه بكونهن شقائق الرجال، هذا إن ولد حياً ﴿وإن يكن﴾ أي ما في بطونها ﴿ميتة﴾ وكأنه أثبت هاء التأنيث مبالغة، وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملاً على معنى «ما» ورفع الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر، وذكر ابن كثير لأن

стр. 3176

التأنيث غير حقيقي، ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع التذكير حملاً على لفظ «ما» ﴿فهم﴾ أي ذكورهم وإناثهم ﴿فيه﴾ أي ذلك الكائن الذي في البطون ﴿شركاء﴾ أي على حد سواء. ولما كان ذلك كله وصفاً منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله قال: ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه فيه، حتى يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقاً لهم ثابتاً فهو يريهم وخيم أثره، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه حكيم﴾ أي لا يجازى على الشيء إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها ﴿عليم *﴾ أي بالمماثلة ومن يستحقها وعلى أيّ وجه يفعل، وعلى أيّ كيفية يكون أتم وأكمل، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة، فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه محض لا يفعلها إلاّ ظالم جاهل.

стр. 3177

ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم، وأشار إلى معانيها، جمعها - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم فقال: ﴿قد خسر﴾ وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: ﴿الذين قتلوا﴾ قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة التكثير والباقون بالتخفيف ﴿أولادهم سفهاً﴾ أي خفة إلى

стр. 3178

الفعل المذموم وطيشاً، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزاً. ولما كان السفه منافياً لرزانة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر، قال مصرحاً بما أفهمه: ﴿بغير علم﴾ أي وأما من قتل ولده بعلم - كما إذا كان كافراً أو قاتلاً أو محصناً زانياً - فليس حكمه كذلك؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال: ﴿وحرموا ما رزقهم الله﴾ أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم، من تلك الأنعام والغلات، بغير شرع ولا نفع بوجه ﴿افتراء﴾ أي تعمداً للكذب ﴿على الله﴾ أي الذي له جميع العظمة. ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات: النفس بقتل الأولاد، والمال بتحريم ما رزقهم الله، فأفادهم ذلك خسارة الدين، كانت نتيجته قوله: ﴿قد ضلوا﴾ أي جاوزوا وحادوا عن الحق وجاروا؛ ولما كان الضال قد تكون ضلالته فلتة عارضة له، وتكون الهداية وصفاً أصيلاً فيه، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله: ﴿وما كانوا﴾ أي في شيء من هذا من خلق من الأخلاق ﴿مهتدين *﴾ أي لم يكن في كونهم وصف الهداية، بل زادوا بذلك ضلالاً؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه: حدثنا

стр. 3179

أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً﴾ - إلى قوله: ﴿وما كانوا مهتدين﴾ . وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر، وإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب. ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد والقضاء والقدر والفعل بالاختيار، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه السورة، وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، وعجب سبحانه ممن أشرك وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيباً بعد تعجيب، وهجن طريقتهم ووبخهم توبيخاً في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة، وحكى أقوالهم الباطلة ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم

стр. 3180

أنصف الناس، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس، وبطلبهم للآيات تعنتاً مع ادعائهم أنهم أعقل الناس، وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم أشكر الناس، وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس - إلى أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفاً عن سلف، تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيراً للناس عن الالتفات إليهم واغترار بأقوالهم، قال في موضع الحال من ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام﴾ [الأنعام: ١٣٦] مبيناً عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته، زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عوداً على بدء وعللاً بعد نهل، لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم: ﴿وهو﴾ أي لا غيره ﴿الذي أنشأ﴾ أي من العدم ﴿جنات﴾ أي من العنب وغيره ﴿معروشات﴾ أي مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه، أي لا تصلح إلا معروشة، ومتى لم ترفع عن الأرض تلف ثمرها ﴿وغير معروشات﴾ أي غير مرفوعات على الخشب، أي لا تصلح إلا مطروحة على الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها، ومتى ارتفعت

стр. 3181

عن الأرض تلفت، فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلاّ لاستوت الجنات كلها لأن نسبتها إلى السماء والأرض واحدة، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك له، لا يكون إلا ما يريد. ولما ذكر الجنات الجامعة، خص أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار، وبدأ بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات فقال: ﴿والنخل﴾ أي وأنشأ النخل ﴿والزرع﴾ حال كونه ﴿مختلفاً أكله﴾ أي أكل أحد النوعين، وهو ثمره الذي يؤكل بالنسبة إلى الآخر، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره، بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف، وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جداً ﴿والزيتون والرمان﴾ . ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار، لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل: ﴿متشابهاً﴾ أي كذلك ﴿وغير متشابه﴾ أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه، ولعله جمع الأولين لأن كلاًّ منهما يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل، والاختلاف في النوع بالشجر والنجم، والتفاوت العظيم في المقدار، والأخيرين لأن الأول لا يفسد بوجه، والثاني يسرع

стр. 3182

فساده، ويدخر كل منهما على غير الهيئة التي يدخر عليها الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك. ولما كان قوله ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء﴾ [الأنعام: ٩٩] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله، أمر فيه بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما، وكانت هذه الآية في سياق التعنيف لمن حرم ما رزقه الله والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن تركه تديناً فقال تعالى هنا: ﴿كلوا﴾ وقدم الأولى المستدل بها على وجود البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية؛ وقال أبو حيان في النهر: لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب، قال ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه﴾ [الأنعام: ٩٩] إشارة إلى الإيجاد أولاً وإلى غايته، وهنا لما كان في معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال: كلوا، ودل على أن الرزق أكثر من خلقه بقوله: ﴿من ثمره﴾ ، ولما كان هذا الأمر للإباحة لا للارادة، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال: ﴿إذا أثمر﴾ فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة

стр. 3183

الدنياوية السريعة الانقضاء وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب. انتهى. وعبر ب «إذا» دون «إن» تحقيقاً لرجاء الناس في الخصب وتسكيناً لآمالهم رحمة لهم ورفقاً بهم إعلاماً أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع دون آخر، وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة. ولما كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح أن يجعلوا شيئاً من أموالهم لأحد بأهوائهم، أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقاً وجعل له مصارف بقوله: ﴿وآتوا حقه﴾ ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء، بين أنه خفف عنهم الوجوب قبل الانتهاء فقال: ﴿يوم حصاده﴾ أي قطعه جذاذاً كان أو حصاداً، فكذلك أول وقت نصاب الأمر وهو موسع، والحق أعم من الواجب والمندوب، فإن أريد الندب عم الأنواع الخمسة الماضية: العنب المشار إليه بالعرش وما بعده، وإن أريد الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن الأصل في ذلك الحبوب المقتاتة، وأما غيرها فتابع علمه ببيان النبي ﷺ فيطلق عليه الحصاد مجازاً. ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه، نهى عن مجاوزة الحد في البسط أو القبض فقال: ﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف، فيدخل فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة، والإسراف في الصدقة حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئاً،

стр. 3184

ويؤيده ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١] ، ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] ، ثم علله بقوله: ﴿إنه لا يحب المسرفين *﴾ أي لا يعاملهم معاملة المحب فلا يكرمهم، وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: ولا سرف في الخير.

стр. 3185

ولما كان السياق للمآكل من الحرث والأنعام من حلال وحرام، وفرغ من تقرير أمر الحرث الذي قدم في الجملة الأولى لأنه مادة الحيوان، قال: ﴿ومن﴾ أي وأنشأ من ﴿الأنعام حمولة﴾ أي ما يحمل الأثقال ﴿وفرشاً﴾ أي وما يفرش للذبح أو للتوليد، ويعمل من وبره وشعره فرش؛ ولما استوفى القسمين أمر بالأكل من ذلك كله على وجه يشمل غيره مخالفة للكفار فقال: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ أي لأنه الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته ﴿ولا تتبعوا﴾ ولعله شدد إشارة إلى العفو عن صغيرة إذا ذكّر الإنسان فيها رجع ولم يعتد في هواه ﴿خطوات الشيطان﴾ أي طريقه في التحليل والتحريم كما قال في البقرة ﴿كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ [البقرة: ١٦٨] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من مادة الخطيئة دال على أن شرائعه شريعة الأندراس، لولا مزيد الاعتناء من الفسقة بالتتبع في كل خطوة حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في نفسها، فلا أمر من الله يحييها ولا كتاب يبقيها، وإنما أسقط هنا ﴿حلالاً طيباً﴾ لبيانه سابقاً في قوله ﴿فكلوا

стр. 3186

مما ذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١١٨] ، ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] ، ولاحقاً في قوله ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً﴾ [الأنعام: ١٢٥] ؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال: ﴿إنه لكم عدو﴾ أي فهو لذلك لا يأمركم بخير ﴿مبين *﴾ أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم شهير. ولما رد دين المشركين وأثبت دينه، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه، ففصل أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من قانون الحكمة، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم، فقال بياناً ل ﴿حمولة وفرشاً﴾ ﴿ثمانية أزواج﴾ أي أصناف، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر، أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر. ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه، قال مبيناً أن هذا هو المراد لا الاثنان مفصلاً لهذه الثمانية: ﴿من الضأن﴾ جمع ضائن وضائنة كصاحب وصحب ﴿اثنين﴾ أي ذكراً وأنثى كبشاً ونعجة ﴿ومن المعز﴾ جمع ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، وتاجر وتجر في

стр. 3187

قراءة غيرهم ﴿اثنين﴾ أي زوجين ذكراً وأنثى تيساً وعنزاً. ولما كان كأنه قيل: ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم، قال: ﴿قل﴾ أي لهم مستفهماً؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم والإنكار، أتى فيه ب «ام» التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى «أيّ» ليتفهم بها عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب تعيينه، فقال معترضاً بين المعدودات تأكيداً للتوبيخ، لأن الاعتراضات لا تساق إلاّ للتأكيد: ﴿ءآلذكرين﴾ . ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله، قال: ﴿حرم﴾ أي الله، فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور ﴿أم الأنثيين﴾ ليلزمكم تحريم جميع الإناث، واستوعب جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله: ﴿أما﴾ أي أم حرم ما ﴿اشتملت﴾ أي انضمت ﴿عليه﴾ وحملته ﴿أرحام الأنثيين﴾ أي من الذكور والإناث، ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا شيئاً مما أوجبه هذا التقسيم فلم تمشوا على نظام. ولما علم أنه لا نظام لهم فعلم أنهم جديرون بالتوبيخ، زاد في توبيخهم فقال: ﴿نبئوني﴾ أي أخبروني عما حرم الله من هذا إخباراً جليلاً عظيماً؛ ولما كان هذا الإخبار الموصوف لا يكون بشيء فيه شك، قال: ﴿بعلم﴾ أي أمر معلوم من جهة الله لا مطعن فيه ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي إن كان لكم هذا الوصف.

стр. 3188

ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز، أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب والبخت والبقر إلى العراب والجواميس، - ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض بخلاف الغنم فإنها لا يطرق أحد نوعيها الآخر - نقله الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب الوصايا من شرح المنهاج عن كتاب الأعداد لابن سراقة فقال: ﴿ومن الإبل اثنين﴾ أي ذكراً وأنثى ﴿ومن البقر اثنين﴾ أي كذلك ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الذين اختلقوا جهلاً وسفهاً ما تقدم عنهم ﴿ءآلذكرين﴾ أي من هذين النوعين ﴿حرم﴾ أي حرمهما الله ﴿أم الأنثيين﴾ أي حرمهما ﴿أما﴾ أي الذي ﴿اشتملت عليه﴾ أي ذلك المحرم على زعمكم ﴿أرحام الأنثيين﴾ أي حرمهما الله. ولما كان التقدير: أجاءكم هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي؟ عادله توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم بقوله: ﴿أم كنتم شهدآء﴾ أي حاضرين ﴿إذ وصاكم الله﴾ أي الذي لا ملك غيره فلا حكم لسواه ﴿بهذا﴾ أي كما جزمتم عليه به، أو جزمتم بالحرمة فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه، ولا محرم ولا محلل غير الله، فكنتم بذلك ناسبين الحكم إليه؛ ولما كان التقدير كما أنتجه السياق: لقد كذبتم على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه لا بواسطة ولا بغير واسطة، سبب عنه قوله

стр. 3189

معمماً ليعلم أن هذا إذا كان في التحريم والتحليل كان الكذب في أصول الدين أشد: ﴿فمن أظلم﴾ ووضع موضع «منكم» قوله معمماً ومعلقاً للحكم بالوصف: ﴿ممن افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الذي لا أعظم منه لأنه ملك الملوك ﴿كذباً﴾ كعمرو بن لحي الذي غير شريعة إبراهيم ﵇، وكل من فعل مثل فعله. ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط السوي، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ونهاياتها وما يلزم عنها، جعل غاية فعلهم مقصوداً لهم تهكماً بهم فقال: ﴿ليضل الناس﴾ ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ، قال: ﴿بغير علم﴾ . ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا، كشفه سبحانه بقوله استئنافاً: ﴿إن الله﴾ وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميماً بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال: ﴿لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين! وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١] .

стр. 3190

ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله
следующие страницы →