Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
ولما تقدم سبحانه إليه ﷺ في أمر الإنذار والإذكار بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم وعز سلطانهم، فقال ملتفتاً إليهم مقبلاً بعز جلاله
стр. 3257
عليهم ﴿اتبعوا﴾ أي حملوا أنفسكم حملاً عظيماً بجد ونشاط على اتباع ﴿ما أنزل إليكم﴾ أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة ﴿من ربكم﴾ أي الذي لم يزل محسناً إليكم ﴿ولاتتبعوا﴾ ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج - بل هفوة وبنوع غفلة - في محل العفو ﴿من دونه﴾ أي دون ربكم ﴿أولياء﴾ أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم.
ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع، وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا، قال منبهاً لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم: ﴿قليلاً﴾ وأكد التقليل ب «ما» النافي وبإدغام تاء التفعيل فقال: ﴿ما تذكرون*﴾ أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء، فكل من تدعون من دونه مربوب، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوباً يكون شريكاً لربه.
ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الأغترار باسباب الأمن والراحة، قال: ﴿وكم﴾ أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه
стр. 3258
كم ﴿من قرية﴾ وإن جلت؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال: ﴿أهلكناها﴾ أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك - مع أنهم كانوا أشد بطشاً واكثر عدداً وأمتن كيداً - عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم.
ولما كان المعنى: أردنا إهلاكها وحكمنا به، سبب عنه قوله: ﴿فجاءها بأسنا﴾ أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلاً أو نهاراً، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال: ﴿بياتاً﴾ أي وقت الاستكنان في البيوت ليلاً كما أهلك قوم لوط ﵇ وقت السحر.
ولما كان المراد بالقرية اهلها، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى: أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية، وإن يلتفت إليه - كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد: ﴿أو هم قائلون*﴾ أي
стр. 3259
نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيب ﵇، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، لم يظنوا أن شيئاً من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه، فالتقدير: بياتاً هم فيه بائتون أي نائمون، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون، فالآية من الاحتباك: دل إثبات «بياتاً» أولاً على حذف «قائلة» ثانياً، وإثبات «هم قائلون» ثانياً على حذف «هم نائمون» أولاً، والذي أرشدنا إلى هذا المعنى الحسن سوق «هم» من غير واو، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي
﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون﴾ [الأعراف: ٩٧] فالأقرب أن يكون المحذوف أولاً نائمون، وثانياً نهاراً، فيكون التقدير: بياتاً هم فيه نائمون، أو نهاراً هم فيه قائلون، وبين عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم التصويب إلى مدافعته بما سبب عن ذلك من قوله: ﴿فما كان دعواهم﴾ أي قولهم الذي استدعوه ﴿إذ جاءهم بأسنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إلا أن قالوا﴾ أي إلا قولهم ﴿إنا كنا﴾ أي بما لنا من الجبلة ﴿ظالمين*﴾ أي في أنا لم نتبع من أنزل إلينا من ربنا، فلم يفدهم ذلك شيئاً غير شدة التحسر؛ ثم سبب عما مضى من أمر الرسول والأمم
стр. 3260
قوله دفعاً لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا: ﴿فلنسئلن﴾ أي بما لنا من العظمة على جهة التوبيخ والتقريع للعصاة والتشريف والتعظيم للمطيعين، وأظهر موضع الإضمار تعميماً فقال: ﴿الذين﴾ .
ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معيناً بنى للمفعول قوله: ﴿أرسل إليهم﴾ أي وهم الأمم، هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا عند زواجرنا كما أمرتهم الرسل أم لا ﴿ولنسئلن﴾ أي بعظمتنا ﴿المرسلين*﴾ أي هل كان في صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء على الناس بما علمتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيداً فإنا لا بد أن نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر وتنكشف - وإن اشتد خفاؤها - الضمائر، ولنرين الأفعال والأقوال، ولا نترك شيئاً من الأحوال.
ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل، سبب عن ذلك ما يزيل هذا الوهم بقوله مؤذناً بأنه أعلم من المسؤولين عما سألهم عن: ﴿فلنقصن﴾ أي بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال ﴿عليهم﴾ أي المسؤولين من الرسل وأممهم، جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها ﴿بعلم﴾ أي مقطوع به لا مظنون، فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم ﴿وما كنا﴾ أي في وقت من الأوقات كما هو مقتضى ما لنا من العظمة ﴿غائبين*﴾ أي مطلقاً ولا عن أحد من الخلق
стр. 3261
بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ما لنا من صفات الكمال، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا يصح أن يكون إلهاً.
стр. 3262
ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾ [الأنعام: ١٥٢] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي، والنص في قوله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ [الأنعام: ١٦٠] على قدرة القدير على ذلك، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه، أكد الأمر أيضاً وقصره على علمه هنا فقال: ﴿والوزن﴾ بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف الله في القلوب العلم به، ولعله حال من نون العظمة في الاية التي قبلها، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه: «الوزن» مبتدأ ﴿يومئذ﴾ ظرف منصوب به ﴿الحق﴾ خبر المبتدأ، زاد الأصفهاني فقال: واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ [النساء: ١٤ ٨] - انتهى. أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق، يطابقه الواقع
стр. 3263
مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلاً ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من إنزله على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب.
ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه، تسبب عنه قوله: ﴿فمن ثقلت﴾ أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا ﴿موازينه﴾ أي موزونات أعماله، أي أعماله الموزونة، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى ان كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه ﴿فأولئك﴾ أي العالو الهمم ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿المفلحون*﴾ أي الظاهرون بجميع مآربهم ﴿ومن خفت﴾ أي طاشت ﴿موازينه﴾ أي التي توزن فيها الأعمال الصالحة ﴿فأولئك﴾ المبعدون ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها ﴿بما كانوا بآياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة ﴿يظلمون*﴾
стр. 3264
أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو في ظلام؛ قال الحسن، وحق الميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف.
ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم، فأبلغ في تحذيرهم بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة، التفت إلى تذكيرهم ترغيباً في ذلك بإسباغ نعمه وتحذيراً من سلبها، لأن المواجهة أردع للمخاطب، فقال في موضع الحال من ﴿خسروا انفسهم﴾ : ﴿ولقد مكناهم﴾ أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها بخلق القوى والقدر وإدرار النعم، وجعلنا مكاناً يحصل التمكن فيه ﴿في الأرض﴾ أي كلها، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار ﴿وجعلنا لكم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿فيها معايش﴾ أي جميع معيشة، وهي أشياء يحصل بها العيش، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع، والياء أصلية فلذا لا تهمز، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذًا كمنائر ومصائب جمع منارة ومصيبة.
ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم، فأكلوا خيره وعبدوا غيره، أنتج قوله على وجه التاكيد: ﴿قليلاً ما تشكرون*﴾ أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة
стр. 3265
وباطنة بما تنجون به أنفسكم؛ وقال أبو حيان: إنه راجع للذين خوطبوا ب ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم﴾ [الأعراف: ٣] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة - انتهى.
ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكّرهم ما كانو عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيراً بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره، وعلى ما خص به أباهم آدم ﵇ من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذوناً له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: ﴿ولقد خلقناكم﴾ أي بما لنا من صفات العظمة ﴿ثم صورناكم﴾ أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم ﵇ على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة
стр. 3266
علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾
[المؤمنون: ١٢-١٤] وقال النبي ﷺ كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح» وعنه أيضاً ﵁ عند مسلم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك» الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية، فيحمل على أن معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى «خلق» : قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حداً لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكراً أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكراً أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى
стр. 3267
من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧١] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافاً إلى المؤالفة وتفظيعاً بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدماً وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طرداً لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل قدسنا بعداً لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال تعال مترجماً عن ذلك: ﴿ثم قلنا﴾ أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة ﴿للملائكة﴾ أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم، بما دلت عليه «ال» سواء قلنا: إنها للاستغراق أو الجنس ﴿اسجدوا لآدم﴾ أي بعد كونه رجلاً قائماً سوياً ذا روح كما هو معروف من التسمية؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله: ﴿فسجدوا﴾ أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله: ﴿إلا إبليس﴾ ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد، صرح به فقال: ﴿لم يكن من الساجدين*﴾ أي لآدم.
стр. 3268
ولما كان مخالف الملك في محل العقاب، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله: ﴿قال﴾ أي لإبليس إنكاراً عليه توبيخاً له استخراجاً لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده
стр. 3269
﴿ما منعك﴾ ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده، فكان المعنى لا يلبس بإدخال «لا» في قوله: ﴿ألا تسجد﴾ أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك، فيكون كأنه قيل: ما منعك من السجود وحملك على تركه ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أمرتك﴾ أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به ﴿قال﴾ أي إبليس ناسباً ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم بالحق ﴿أنا خير منه﴾ أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعه بقوله: ﴿خلقتني من نار﴾ أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة مضيئة عالية غالبة ﴿وخلقته من طين*﴾ أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب، وقد غلط غلطاً فاحشاً فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع، والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه، هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك، بل هو باعتبار الغايات.
ولما كان هذا أمراً ظاهراً، وكان مجرد التكبر على الله كفراً على أيّ وجه كان، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها فاستأنف قوله ﴿قال﴾ مسبباً عن إبائه قوله: ﴿فاهبط منها﴾ مضمراً للدار التي كان فيها وهي
стр. 3270
الجنة. فإنها لا تقبل عاصياً، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه قوله: ﴿فما يكون﴾ أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه ﴿لك أن تتكبر﴾ أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، ولا مفهوم لقوله ﴿لك﴾ ولا لقوله ﴿فيها﴾ لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقاً ﴿إنه لا يحب المستكبرين﴾ [النحل: ٢٣] ، ﴿كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر﴾ [غافر: ٣٥] ﴿قال الذين استكبروا إنا كل فيها﴾ [غافر: ٤٨] ، وإنما قيد بذلك تهويلاً للأمر، فكأنه قيل: لا ينبغي التكبر إلا لنا، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذب هو مكان المطيعين المتواضعين جل تحريم الكبر عليه «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل كبر» رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود ﵁، وسبب عن كونها لا تقبل الكبر قوله: ﴿فاخرج﴾ أي من الجنة دار الرضوان، فانتقى أن يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه، ثم علل أمره بالهبوط والخروج بقوله مشيراً إلى كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار: ﴿إنك من الصاغرين*﴾ أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان.
стр. 3271
ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده، تمادى فيه فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العاليه إلى دركته السافلة، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة إلى درجاتهم العالية، وذلك بأن ﴿قال﴾ أي إبليس، وهو استئناف؛ ولما كان السياق - ولاسيما الحكم بالصغار العاري عن تقييد - يأبى لأن يكون سبباً لسؤاله الانتظار، ذكره بصيغة الإحسان فقال ﴿أنظرني﴾ أي بالإمهال، أي اجعلني موجوداً بحيث أنظر وأتصرف في زمن ممتد ﴿إلى يوم يبعثون*﴾ أي من القبور، وهو يوم القيامة، وكان اللعين طلب بهذا أنه لا يموت، فإن ذلك الوقت ليس وقتاً للموت، إنما هو وقت إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة، فأعلم سبحانه أنه حكم له بالانتظار، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له، ولكن هكذا سبق في الأزل في حكمه في قديم علمه، وإليه يرشد التعبير بقوله: ﴿قال إنك من المنظرين*﴾ أي في الجملة، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ذكره في سورتين الحجر وص ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ [الحجر: ٣٨، ص: ٨١] ، وهووقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت هو معهم، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار، وإبهام الأمر اشد في ذلك، وأجابة إلى الإنظار وهو يريد به الفساد، لأنه لا يعدو أمره فيه وتقديره به، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، ولتظهر حكمته تعالى في الثواب والعقاب.
стр. 3272
ولما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر وأخبره عن نفسه بذلك بأن ﴿قال﴾ مسبباً عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين ﴿فبما أغويتني﴾ أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله ﴿لأقعدن لهم﴾ أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف ﴿صراطك﴾ أي في جميع صراطك، بما دل عليه نزع الخافض ﴿المستقيم*﴾ وهو الإسلام بجميع شعبه، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه الله عنه، فقد وقع في شر مما فر منه، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف اختيار أحدهما اختيار الآخر.
стр. 3273
ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى، أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكداً: ﴿ثم لآتينهم﴾ أي إتياناً لا بد لي منه كائناً ابتداؤه ﴿من بين أيديهم﴾ أي مواجهة، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ ﴿و﴾ كائناً ﴿من خلفهم﴾ أي مغافلة، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء
стр. 3274
من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون ﴿وعن﴾ أي ومجاوزاً للجهة التي عن ﴿أيمانهم﴾ إليهم ﴿وعن﴾ أي ومجاوزاً لما عن ﴿شمائلهم﴾ أي مخايلة، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها، ولعل فائدة «عن» المفهمة للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعباً لجميع الجهة المحيطة، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئاً منه وما هو مشتبه عليهم اشتباهاً قليلاً أو كثيراً، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل ﵁.
ولما عزم اللعين على هذا عزماً صادقاً ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه، ظن أنه بما راى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال عاطفاً على تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: ﴿ولا تجد أكثرهم﴾ كما هي عادة الأكثر في الخبث ﴿شاكرين*﴾ فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة
стр. 3275
فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعاً لمقام الربويية وذلاً لعظيم شأنه.
ولما كان كأنه قيل: ماذا قال له؟ قيل: ﴿قال﴾ في جواب ما ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من أهل الصغار، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار، مصرحاً بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط منه ﴿اخرج منها﴾ أي الجنة ﴿مذءوماً﴾ أي محقوراً مخزياً بما تفعل، قال القطاع: ذأمت الرجل: خزيته، وقال ابن فارس: ذأمته، أي حقرته ﴿مدحوراً﴾ أي مبعداً مطروداً عن كل ما لا أريده.
ولما علم بعض حاله، تشوفت النفس إلى حال من تبعه، فقال مقسماً مؤكداً بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة: ﴿لمن تبعك منهم﴾ أي بني آدم، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: ﴿لأملأن جهنم منكم﴾ أي منك ومن قبيلك ومنهم ﴿أجمعين*﴾ أي لا يفوتني منكم أحد، فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء.
ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه
стр. 3276
في محسوده، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر، ليكون ذلك سبب سعادته، فقال عطفاً على ﴿اخرج منها﴾ : ﴿ويا آدم اسكن﴾ ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من يلابسه، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل: ﴿أنت وزوجك الجنة﴾ .
ولما كان السياق هنا للتعرف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارناً لوجوده؛ ثم حسن في قوله: ﴿فكلا﴾ العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان، لم يتاخر عنه، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، وقوله: ﴿من حيث شئتما﴾ بمعنى رغداً أي واسعاً، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أيّ مكان كان، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحده؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال:
стр. 3277
﴿ولا تقربا﴾ أي فضلاً عن أن تتناولا ﴿هذه الشجرة﴾ مشيراً إلى شجرة بعينها أو نوعها؛ ثم سبب عن القربان العصيان، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه فقال: ﴿فتكونا﴾ أي بسبب قربها ﴿من الظالمين*﴾ أي بالأكل منها الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام؛ ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منه أمماً تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل، وأن الكل بيده سبحانه، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم، وأن من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، فقال: ﴿فوسوس﴾ أي القى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء ﴿لهما الشيطان﴾ أي بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله: ﴿ليبدي﴾ أي يظهر ﴿لهما ما روي﴾ أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه ﴿عنهما﴾ والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله
﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ [الأعراف: ٢٧] و ﴿من سوءاتهما﴾ أي المواضع التي يسوءهما انكشافها، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال التباين.
ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهماً أنه أمر كبير وخداع
стр. 3278
طويل، عطف عليه قوله: ﴿وقال﴾ اي في وسوسته أيضاً، أي زين لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول: ﴿ما نهاكما﴾ وذكرهما بوصف الإحسان تذكيراً بإكرامه لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال: ﴿ربكما﴾ أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه ﴿عن﴾ أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة متجاوزة عن ﴿هذه الشجرة﴾ جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء بالتنصيص ﴿إلا أن﴾ أي كراهية أن ﴿تكونا ملكين﴾ أي في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم ﴿أو تكونا﴾ أي بما يصير لكما من الجبلة ﴿من الخالدين*﴾ أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً.
стр. 3279
ولما أوصل إليهما هذا المعنى، أخبر أنه أكده تأكيداً عظيماً كما يؤكد الحالف ما يحلف عليه فقال: ﴿وقاسمهما﴾ أي أقسم لهما، لكن ذكر المفاعلة ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد، وأكد لمعرفته أنهما طبعا على النفرة من المعصية - ما أقسم عليه أنواعاً من التأكيد في قوله: ﴿إني لكما﴾ فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه يقول: إني خصصتكما بجميع نصيحتي ﴿لمن الناصحين*﴾ وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف، وأن الأغلب أن كل حلاف كذاب، فإنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه، ولا يظن ذلك إلا هو معتاد للكذب.
стр. 3280
ولما أخبر ببعض وسوسته لهما، سبب عنها ترجمتها بأنها إهباط من أوج شرف إلى حضيض أذى وسرف فقال: ﴿فدلاَّهما﴾ أي أنزلهما عما كانا فيه من علو الطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة ﴿بغرور﴾ أي بخداع وحيلة حتى نسى آدم عهد ربه، وقوله ﴿فلما ذاقا﴾ مشير إلى الإسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل ﴿الشجرة﴾ أي وجدا طعمها ﴿بدت﴾ أي ظهرت ﴿لهما سوءاتهما﴾ أي عوراتهما اللاتي يسوءهما ظهورها، وتهافت عنهما لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستوراً عنه من عورة آلاخر، وذلك قصد الحسود فاستحييا عند ذلك ﴿وطفقا﴾ أي شرعا وأقبلا ﴿يخصفان عليهما﴾ أي يصلان بالخياطة ﴿من ورق الجنة﴾ ورقة الى أخرى ﴿وناداهما ربهما﴾ أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما، ولم يفعلا شيئاً من ذلك إلا بمرأى منه، فقال منكراً عليهما ما فعلا ومعاتباً: يا عبديَّ ﴿ألم أنهكما﴾ أي أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما فيه متجاوزة ﴿عن تلكما الشجرة﴾ أي التي كان حقها البعد منها، الموجبة للقربة من هذا الموضع الشريف إحساناً إليكما ﴿وأقل لكما إن الشيطان﴾ أي الذي تكبر عن السجود حسداً لك يا آدم ونفاسه عليك، فاحترق
стр. 3281
بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي ﴿لكما﴾ أي لك ولزوجك ولكل من تفرغ منكما ونسب إليكما ﴿عدو مبين*﴾ ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب، فإني أعطيته قوة على الكيد، وأعطيتكم قوة على الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم: تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي، وإن غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة، فالآيه منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه.
ولما كان هذا، تشوف السامع إلى جوابهما، فأجيب بقوله: ﴿قالا﴾ أي آدم وحواء ﵉ وأزكى التحية والإكرام - قول الخواص بإسراعهما في التوبة ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا ﴿ظلمنا أنفسنا﴾ أي ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية، فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين ﴿وإن لم تغفر لنا﴾ أي تمحو ما عملناه عيناً واثراً ﴿وترحمنا﴾ فتعلي درجاتنا ﴿لنكونن من الخاسرين*﴾ فأعربت الآية عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف، وسيما ذنبهما - وإن كان إنما هو خلاف
стр. 3282
الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه - ظلماً كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغير منهم، ولم يجادلا كما فعل إبليس، وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق، وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى للطرد.
ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه، أجيبت بقوله ﴿قال اهبطوا﴾ أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم ﴿بعضكم لبعض عدو﴾ أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد، وبعض أولادكم أعداء لبعض، ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده بالنقل، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالأشارة إلى قبح مغبة المخالفة ولو مع التوبة، وحث على دوام المراقبة خوفاً من سوء المعاقبة ﴿ولكم في الأرض﴾ أي جنسها ﴿مستقر﴾ أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها ﴿ومتاع إلى حين*﴾ أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا.
стр. 3283
ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخراً، وكان من الفلاسفة
стр. 3284
التناسخية وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول: إن النفوس مجردة عن الجسمية وعلائقها وإنه إذا هلك الجسد اتصلت بالعلويات إما بكوكب أو غيره أو انحطت في سلك الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فلا تتصل به لا بتدبير ولا غيره ولا بالبعث - عند من قال منهم بالبعث، كان كأنه قيل: فماذا يكون بعد ذلك؟ فأجيب بقوله ﴿قال﴾ أي الله راداً عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق بالبدن معبراً بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحاً وجسداً ﴿فيها﴾ أي الأرض لا في غيرها ﴿تحيون﴾ أي أولاً وثانياً على ما أنتم عليه بظواهركم وبواطنكم أبداناً وأرواحاً ﴿وفيها﴾ أي كذلك، لا في غيرها كما أنتم لذلك مشاهدون ﴿تموتون﴾ أي من الحياة الأولى بجملتكم، فيكون للأرواح تعلق بالأبدان بوجه ما حتى يقعد الميت في القبر ويجيب سؤال الملكين ﵉، وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها، فأشير إلى الحشر مع تفصيل حال الكون في الأرض، وختمت القصة بما ابتدئت به من الإعلام بالبعث بقوله: ﴿ومنها﴾ أي لا من غيرها بإخبار الصادق ﴿تخرجون*﴾ أي روحاً وبدناً بعد موتكم فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولاً تراباً، للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما كان بعضكم يفعل مع بعض من العسف والجور الذي لا يرضي أقل رؤسائكم أن يقر عليه عبيده، وعلم بهذا أن الدلالة على الحشر فذلكة
стр. 3285
القصة، وهذا أبين من ذكره فيما مضى في قوله ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم﴾ [الأعراف: ٦] .
ولما بين فيما مضى أن موجب الإخراج من الجنة هو ما أوجب كشف السوءة من المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبره بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد تلك الدار، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا ﵇، وبدأ بقوله بياناً لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذاناً بما في كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى ﴿يا بني آدم﴾ .
ولما كان الكلام في كشف العورة، وأن آدم ﵇ أعوزه الساتر حتى فزع إلى الورق، كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك فقال مفتتحاً بحرف التوقع: ﴿قد أنزلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿عليكم﴾ من آثار بركات السماء، إما ابتداء بخلقه وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه ﴿لباساً﴾ أي لم يقدر عليه أبوكم في الجنة ﴿يواري سوءاتكم﴾ إرشاداً إلى دواء ذلك الداء وإعلاماً بأن نفس الكشف نقص لا يصلح لحضرات الكمال، وقال: ﴿وريشاً﴾ إشارة إلى أنه سبحانه زادنا على الساتر ما به
стр. 3286
الزينة والجمال استعارة من ريش الطائر، محبباً فيما يبعد من الذنب ويقرب إلى حضرة الرب.
ولما ذكر اللباس الحسي، وقسمه على ساتر ومزين، أتبعه المعنوي فقال مشيراً - بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثاً عليه وندباً إليه: ﴿ولباس التقوى﴾ فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي، فالحسي لباس الثياب، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله: ﴿ذلك خير﴾ أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب، ولكنه فصل باسم الإشارة المقترن بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات، ولوكان متقياً وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال، بل ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال ﷺ «ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله اللهم! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضى الله عنه، والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حساً أو معنى بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدم ﵇: كل من جميع أشجار
стр. 3287
الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً تتهيأ للموت حساً، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله أعلم.
ولما كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة أسبابه التي لم يجدها آدم ﵇ في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على عظمة المنعم ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم، قال: ﴿ذلك﴾ أي إنزال اللباس ﴿من آيات الله﴾ أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته لعباده، ولعل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ﴿لعلهم يذكرون*﴾ - لو على أدنى وجوه التذكر بما يشير إليه الإدغام - لئلا يقول المتعنت: إن الحث على التذكر خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط، أي أنزلنا ذلك ليكون حالهم حال من يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما يستقبح من غيره.
ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها، فكان بيان ما وقع بين آدم ﵇ وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضياً للتحذير من الشيطان، وكان المقام خطراً والتخلص عسراً، أشار إلى ذلك بالتأكيد وبيان ما سلط الشيطان به من المكايد الخفية والأسباب الدقيقة ليعلم الناجي أنه إنما نجا بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر متبرئاً من الحول والقوة، فقال منادياً لهم بما يفهم الاستعطاف والتراؤف والتحنن والترفق والاستضعاف: ﴿يا بني آدم﴾
стр. 3288
أي الذي خلقته بيدي وأسكنته جنتي ثم أنزلته إلى دار محبتي إرادة الإعلاء لكم إلى الذروة من عبادتي والإسفال إلى الحضيض من معصيتي ﴿لا يفتننكم﴾ أي لا يخالطنكم بما يميلكم عن الاعتدال ﴿الشيطان﴾ أي البعيد المحترق بالذنوب، يصدكم عما يكون سبباً لردكم إلى وطنكم بتزيين ما ينزع عنكم من لباس التقوى المفضي إلى هتك العورات الموجب لخزي الدنيا، فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ويدخلكم النار ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ بما فتنهما به بعد أن كانا سكناها وتمكنا فيها وتوطناها، وقد علمتم أن الدفع أسهل من الرفع فإياكم ثم إياكم! فالآية من الاحتباك: ذكر الفتنة أولاً دليلاً على حذفها ثانياً، والإخراج ثانياً دليلاً على حذف ضده أو نظيره أولاً.
ولما كان قد بذل الجهد في إخراجهما، فسر الإخراج - مشيراً إلى ذلك - بإطالة الوسواس وإدامة المكر والخديعة بالتعبير بالفعل المضارع فقال في موضع الحال من ضمير «الشيطان» : ﴿ينزع عنهما﴾ أي بالتسبيب بإدامة التزيين والأخذ من المأمن ﴿لباسهما﴾ أي الذي كان الله سبحانه قد سترهما به ما داما حافظين لأنفسهما من مواقعة ما نهيا عنه، ودل على منافاة الكشف للجنة بالتعليل بقوله: ﴿ليريهما سوءاتهما﴾ فإن ذلك مبدأ ترك الحياة و «الحياء والإيمان في قرن» - كما أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄، و «الحياء لا يأتي
стр. 3289
إلا بخير» - كما رواه الشيخان عن عمران بن حصين ﵄.
ولما كان نهي الشيطان عن فتنتنا إنما هو في الحقيقة نهي لنا عن الافتتان به، فهو في قوة ليشتد حذركم من فتنته فإنه دقيق الكيد بعيد الغور بديع المخاتله؛ علل ذلك بقوله: ﴿إنه يراكم﴾ أي الشيطان ﴿هو وقبيله﴾ أي جنوده ﴿من حيث لا ترونهم﴾ عن مالك بن دينار أن عدواً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.
ولما كان كأنه قيل: لم سلطوا علينا هذا التسليط العظيم الذي لا يكاد يسلم معه أحد، قال مخففاً لأمرهم موهياً في الحقيقة لكيدهم: ﴿إنا﴾ أي فعلنا ذلك لأنا بما لنا من العظمة ﴿جعلنا الشياطين﴾ أي المحترقين بالغضب البعيدين من الرحمة ﴿أولياء﴾ أي قرباء وقرناء ﴿للذين لا يؤمنون*﴾ أي يجددون الإيمان، لأن بينهم تناسباً في الطباع يوجب الاتباع، وأما أولياؤنا الذين منعناهم بقوتنا منه أو فتناهم يسيراً بهم، ثم خلصناهم بلطفنا منهم فليسوا لهم بأولياء، بل هم لهم أعداء وآيتهم أنهم يؤمنون، والمعنى أنا مكناهم من مخاتلتكم بسترهم عنكم وإظهاركم لهم، فسلطناهم بذلك على من حكمنا بأنه لا يؤمن بتزيينهم لهم وتسويلهم واستخفافهم بأن ينصروهم في بعض المواطن ويوصلوهم إلى شيء من المطالب، فعلنا ذلك ليتبين الرجل الكامل - الذي يستحق الدرجات العلى ويتردد إليه الملائكة بالسلام والجنى - من غير فخذوا حذركم فإن الأمر
стр. 3290
خطر والخلاص عسر، وبعبارة أخرى: إنا سلكناكم طريقاً وجعلنا بجنبتيها أعداء يرونكم ولا ترونهم، وأقدرناهم على بعضكم، فمن سلك سواء السبيل نجا ومن شذ أسره العدو، ومن دنا من الحافات بمرافقة الشبهات قارب العدو ومن قاربه استغواه، فكلما دنا منه تمكن من أسره، وكل من تمكن من أسره بعد الخلاص فاحذروا، وعدم رؤيتنا لهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم على أنه قد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام كالشيطان الذي رآه أبو هريره رضى الله عنه حين أمره رسول الله ﷺ بحفظ الصدقة، وكذا أبي بن كعب ﵁، وحديث خالد بن الوليد ﵁ في شيطان العزي معروف في السير، وكذا حديث سواد بن قارب رضى الله عنه في إرشاد رئيه من الجن له، وكذا خطر ابن مالك ﵁ في مثل ذلك وغيرهما، وفي شرحي لنظمي للسيرة كثير من ذلك، وكذا حديث العفريت الذي تفلت على رسول الله ﷺ بشعلة من نار ليقطع عليه صلاته فأخزاه الله وأمكن منه رسول الله، وقال النبي ﷺ
«لولا دعوة أخي سليمان ﵇ لأصبح مربوطاً بسارية المسجد يتلعب به ولدان أهل
стр. 3291
المدينة» قال أبو حيان: إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة كما أن الملائكة ﵈ تبدو في صور كحديث جبريل ﵇.
стр. 3292
ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى فقال: ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ أي أمراً بالغاً في القبح كالشرك وكشف العورة في الطواف ﴿قالوا﴾ معللين لارتكابهم إياها ﴿وجدنا عليها﴾ أي فاحشة ﴿آباءنا﴾ ولما كانت هذه العلة ظاهراً عارها بيناً عوارها، ضموا إليها افتراء ما يصلح للعلية، فقالوا معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من جلاله وعظمته وكماله: ﴿والله أمرنا بها﴾ .
ولما كانت العلة الأولى ملغاة، وكان العلم ببطلانها بديهياً، لأن من المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم؛ أعرض عنها إشارة إلى ذلك، وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك الأعلى مع ادعائهم أنهم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأشدهم تحرياً بقوله: ﴿قل إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لا يأمر بالفحشاء﴾ أي بشيء من هذا الجنس.
ولما كان الكذب قبيحاً في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقاً، فكيف به على كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء! قال منكراً عليهم موبخاً لهم مهدداً: ﴿أتقولون على الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿ما لا تعلمون*﴾ لأنكم لم تسمعوا ذلك عن الله بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي من الأنبياء ﵈، وفيه
стр. 3293
تهديد شديد على الجهل والقول على الله بالظن.
لما كان تعليلهم بأمر الله مقتضياً لأنه إذا أمر بشيء أتبع، أمره أن يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيداً بجازم النقل فقال: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف ﴿أمر ربي﴾ المحسن إليّ بالتكليف بمحاسن الأعمال، التي تدعو إليها الهمم العوال ﴿بالقسط﴾ وهو الأمر الوسط بين ما فحش في الإفراط صاعداً عن الحد، وفي التفريط هابطاً منه؛ ولما كان التقدير: فأقسطوا اتباعاً لما أمر به، أو كان القسط مصدراً ينحل إلى: أن أقسطوا، عطف عليه ﴿وأقيموا وجوهكم﴾ مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور ﴿عند كل مسجد﴾ أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه، ولا يتقيدن أحد بمكان ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة: أذهب فأصلي في مسجدي ﴿وادعوه﴾ عند ذلك كله دعاء عبادة ﴿مخلصين له الدين*﴾ أي لا تشركوا به شيئاً.
ولما كان المعنى: فإن من لم يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت، ترجمه مستدلاً عليه بقوله معللاً: ﴿كما بدأكم﴾ أي في النشأة الأولى فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم ﴿تعودون*﴾ حال كونكم فريقين: ﴿فريقاً هدى﴾ أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية ﴿وفريقاً﴾ أضل، ثم فسر أضل - لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله: ﴿حق﴾ أي ثبت ووجب ﴿عليهم الضلالة﴾ أي لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من الأديان، والأبدان، وقد تبين أن ههنا
стр. 3294
احتباكين: أثبت في أولهما بدا دليلاً على حذف يعيد وذكر تعودون دليلاً على حذف تبتدئون، وأثبت في الثاني هدى دليلاً على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة دليلاً على حذف حقوق الهدى.
ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره المخاطب تأنيساً له به وكسراً لشوكته وإيهاناً لقوته وقمعاً لسورته إلى أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم﴾ [الأعراف: ٦] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي وجوب وبالها عليهم بقوله: ﴿إنهم اتخذوا﴾ أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا ﴿الشياطين أولياء﴾ أي أقرباء وأنصاراً ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا مثل له ﴿ويحسبون﴾ أي والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم ﴿أنهم مهتدون*﴾ فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - بالظنون.
ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبراً عنه بلفظ الزينة ترغيباً فيه وإذناً في الزينة وبياناً لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله ﷺ «إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه» رواه أحمد والترمذي
стр. 3295
وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكرراً النداء استعطافاً وإظهاراً لعظيم الإشفاق وتذكيراً بقصة أبيهم آدم ﵇ التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر: ﴿يا بني آدم﴾ أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة ﴿خذوا زينتكم﴾ أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة ﴿عند كل مسجد﴾ وأكد ذلك كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة.
ولما امر بكسوة الظاهر بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: ﴿وكلوا واشربوا﴾ وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك.
ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: ﴿ولا تسرفوا﴾ بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس، وأما الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه لا يحب المسرفين*﴾
следующие страницы →