← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

المدينة» قال أبو حيان: إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة كما أن الملائكة ﵈ تبدو في صور كحديث جبريل ﵇.

стр. 3292

ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى فقال: ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ أي أمراً بالغاً في القبح كالشرك وكشف العورة في الطواف ﴿قالوا﴾ معللين لارتكابهم إياها ﴿وجدنا عليها﴾ أي فاحشة ﴿آباءنا﴾ ولما كانت هذه العلة ظاهراً عارها بيناً عوارها، ضموا إليها افتراء ما يصلح للعلية، فقالوا معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من جلاله وعظمته وكماله: ﴿والله أمرنا بها﴾ . ولما كانت العلة الأولى ملغاة، وكان العلم ببطلانها بديهياً، لأن من المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم؛ أعرض عنها إشارة إلى ذلك، وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك الأعلى مع ادعائهم أنهم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأشدهم تحرياً بقوله: ﴿قل إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لا يأمر بالفحشاء﴾ أي بشيء من هذا الجنس. ولما كان الكذب قبيحاً في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقاً، فكيف به على كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء! قال منكراً عليهم موبخاً لهم مهدداً: ﴿أتقولون على الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿ما لا تعلمون*﴾ لأنكم لم تسمعوا ذلك عن الله بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي من الأنبياء ﵈، وفيه

стр. 3293

تهديد شديد على الجهل والقول على الله بالظن. لما كان تعليلهم بأمر الله مقتضياً لأنه إذا أمر بشيء أتبع، أمره أن يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيداً بجازم النقل فقال: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف ﴿أمر ربي﴾ المحسن إليّ بالتكليف بمحاسن الأعمال، التي تدعو إليها الهمم العوال ﴿بالقسط﴾ وهو الأمر الوسط بين ما فحش في الإفراط صاعداً عن الحد، وفي التفريط هابطاً منه؛ ولما كان التقدير: فأقسطوا اتباعاً لما أمر به، أو كان القسط مصدراً ينحل إلى: أن أقسطوا، عطف عليه ﴿وأقيموا وجوهكم﴾ مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور ﴿عند كل مسجد﴾ أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه، ولا يتقيدن أحد بمكان ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة: أذهب فأصلي في مسجدي ﴿وادعوه﴾ عند ذلك كله دعاء عبادة ﴿مخلصين له الدين*﴾ أي لا تشركوا به شيئاً. ولما كان المعنى: فإن من لم يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت، ترجمه مستدلاً عليه بقوله معللاً: ﴿كما بدأكم﴾ أي في النشأة الأولى فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم ﴿تعودون*﴾ حال كونكم فريقين: ﴿فريقاً هدى﴾ أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية ﴿وفريقاً﴾ أضل، ثم فسر أضل - لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله: ﴿حق﴾ أي ثبت ووجب ﴿عليهم الضلالة﴾ أي لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من الأديان، والأبدان، وقد تبين أن ههنا

стр. 3294

احتباكين: أثبت في أولهما بدا دليلاً على حذف يعيد وذكر تعودون دليلاً على حذف تبتدئون، وأثبت في الثاني هدى دليلاً على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة دليلاً على حذف حقوق الهدى. ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره المخاطب تأنيساً له به وكسراً لشوكته وإيهاناً لقوته وقمعاً لسورته إلى أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم﴾ [الأعراف: ٦] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي وجوب وبالها عليهم بقوله: ﴿إنهم اتخذوا﴾ أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا ﴿الشياطين أولياء﴾ أي أقرباء وأنصاراً ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا مثل له ﴿ويحسبون﴾ أي والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم ﴿أنهم مهتدون*﴾ فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - بالظنون. ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبراً عنه بلفظ الزينة ترغيباً فيه وإذناً في الزينة وبياناً لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله ﷺ «إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه» رواه أحمد والترمذي

стр. 3295

وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكرراً النداء استعطافاً وإظهاراً لعظيم الإشفاق وتذكيراً بقصة أبيهم آدم ﵇ التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر: ﴿يا بني آدم﴾ أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة ﴿خذوا زينتكم﴾ أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة ﴿عند كل مسجد﴾ وأكد ذلك كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة. ولما امر بكسوة الظاهر بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: ﴿وكلوا واشربوا﴾ وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك. ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: ﴿ولا تسرفوا﴾ بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس، وأما الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه لا يحب المسرفين*﴾

стр. 3296

أي لا يكرمهم، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي ﷺ «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» و «وما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن» و «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» أخرجه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال الأطباء، الأمعاء سبعة، فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شعباً فيملأ الأمعاء السبعة، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معى واحد، وذلك سبع بطنه، وإليه الإشارة بلقيمات، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الاية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف، يقولون: لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها، ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يارسول الله! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت.

стр. 3297

ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه ديناً يستعظمون تركه، لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا، والتوسع

стр. 3298

فيها مما ينبغي الزهد فيه كما دعا إليه كثير من الآيات، أكد سبحانه الإذن في ذلك بالإنكار على من حرمه، فقال منكراً عليهم إعلاماً بأن الزهد الممدوح ما كان مع صحة الاعتقاد في الحلال والحرام، وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين بتحليل حرام أو عكسه فهو مذموم: ﴿قل﴾ منكراً موبخاً ﴿من حرم زينة الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ﴿التي أخرج لعباده﴾ أي ليتمتعوا بها من الثياب والمعادن وغيرها. ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عم غيرها من المراكب وغيرها، أتبعها المآكل والمشارب فقال: ﴿والطيبات﴾ أي من الحلال المستلذ ﴿من الرزق﴾ كالبحائر والسوائب ونحوها؛ ولما كان معنى الإنكار: لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكاً بالآيات المنفرة عن الدينا المهونة لشأنها مطلقاً فضلاً عن زينة وطيبات الرزق، قال مستأنفاً لجواب من يقول: لمن؟ : ﴿قل هي﴾ أي الزينة والطيبات ﴿للذين آمنوا﴾ وعبر بهذه العبارة ولم يقل: ولغيرهم، تنبيهاً على أنها لهم بالاصالة ﴿في الحياة الدنيا﴾ وأما الكفار فهم تابعون لهم في التمتع بها وإن كانت لهم أكثر، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا ﴿خالصة﴾ أي لا يشاركهم فيها أحد، هذا على قراءة نافع بالرفع، والتقدير على قراءة غيره: حال كونها خالصة ﴿يوم القيامة﴾ وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها بعد تأكيد ومحو الشكوك، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به

стр. 3299

إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ولا هي أكبر همه، وأما كونها ينتفع بها فيما أذن الله فيه وهي محقورة غير مهتم بها فذلك من المحاسن. ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني، أتبعه تعالى قوله جواباً لمن يقول: إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره هكذا؟ ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا التفصيل البديع ﴿نفصل الآيات﴾ أي نبين أحكامها ونميز بعض المشبهات من بعض ﴿لقوم يعلمون*﴾ أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح. ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر ذلك تقرراً نزع من النفوس ما كانت ألفته من خلافه، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده؛ كان كأنه قيل: فماذا حرم الله الذي ليس التحريم إلا إليه؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ذلك ويزيدهم بأنه لم يحرم غيره فقال: ﴿قل إنما حرم ربي﴾ أي المحسن إليّ بجعل ديني أحسن الأديان ﴿الفواحش﴾ أي كل فرد منها وهي ما زاد قبحه؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير مراد بالنهي قال: ﴿ما ظهر منها﴾ بين الناس ﴿وما بطن﴾ . ولما كان هذا خاصاً بما عظمت شناعته قال: ﴿والإثم﴾ أي

стр. 3300

مطلق الذنب الذي يوجب الجزاء، فإن الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي زائد القبح مخصوصاً بأنه من أسرع الذنوب عقوبة، خصة بالذكر فقال: ﴿والبغي﴾ وهو الاستعلاء على الغير ظلماً، ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب، حقق معناه العرفي الشرعي فقال: ﴿بغير الحق﴾ أي الكامل الذي ليس فيه شائبة باطل، فمتى كان فيه شائة باطل كان بغياً، ولعله يخرج العلو بالحق بالانتصار من الباغي فإنه حق كامل الحقية، وتكون تسميته بغياً على طريق المشاكلة تنفيراً - بإدخاله تحت اسم البغي - من تعاطيه وندباً إلى العفو كما تقدم مثله في ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ [النساء: ١٤٨] ويمكن أن يكون تقييده تأكيداً لمنعه بأنه لا يتصور إلا موصوفاً بأنه بغير الحق كما قال تخصيصاً وتنصيصاً تنبيهاً على شدة الشناعة: ﴿وأن تشركوا بالله﴾ أي الذي اختص بصفات الكمال ﴿ما لم ينزل به سلطاناً﴾ فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكاً إلا وهو مما لم ينزل به الله سلطاناً بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان، ولعله إنما قيده بذلك إرشاداً إلى أن أصول الدين لا يجوز اعتمادها إلا بقاطع فكيف بأعظمها وهو التوحيد! ولذلك عقبه بقوله: ﴿وأن﴾ أي وحرم أن ﴿تقولوا على الله﴾ أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له و ﴿ما لا تعلمون*﴾ أي ما ليس لكم به علم بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا.

стр. 3301

ولما تقدم أن الناس فريقان: مهتد وضال، وتكرر ذم الضال باجترائه على الله بفعل ما منعه منه وترك ما أمره به، وكانت العادة المستمرة للملوك أنهم لا يمهلون من تتكرر مخالفته لهم؛ كان كأنه قيل: فلم يهلك من يخالفه؟ فقيل وعظاً وتحذيراً: إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم، ولا يفعلون شيئاً منه إلا بإرادته، فسواء عندهم بقاؤهم وهلاكهم، إنما يستعجل من يخاف الفوت أو يخشى الضرر، ولهم أجل لا بد من استيفائه، وليس ذلك خاصاً بهم بل ﴿ولكل أمة أجل﴾ وهو عطف على ﴿فيها تحيون وفيها تموتون﴾ [الأعراف: ٢٥] ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ . ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل، وكان قطع رجائهم من من جملة عذابهم، قدمه فقال: ﴿لا يستأخرون﴾ أي عن الأجل ﴿ساعة﴾ عبر بها والمراد أقل ما يمكن لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف، ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها قوله: ﴿ولا يستقدمون*﴾ أي على الأجل المحتوم، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم، لم يتجدد له علم، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ [الأعراف: ٢٤] وتكون الآية معلمة بأنهم سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا أمماً، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت.

стр. 3302

ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع أشد من استشرافها إلى هذا لكونه أخفى منه، فهو أبعد من خطوره في البال؛ قدم قوله: ﴿قال فيها تحيون﴾ [الأعراف: ٢٥] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم ﴿أنزلنا عليكم لباساً﴾ [الأعراف: ٢٦] ثم ما بعده حتى كان الأنسب بهذه الاية هذا الموضع فنظمت فيه. ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من مقاصد هذه السورة كقوله تعالى ﴿كتاب أنزل إليك﴾ [الأعراف: ٢] و ﴿لتنذر﴾ [الأعراف: ٢] و ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم﴾ [الأعراف: ٣] وقوله ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم﴾ [الأعراف: ٦] وقوله ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ [الأعراف: ٢٩] ، ﴿إنما حرم ربي الفواحش﴾ [الأعراف: ٣٣] والتحذير من الشياطين بقوله ﴿ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ٣] وبقوله ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف: ١٦] ، ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٧] وغيره، فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل، وختم ذلك بالأحل حثاً على العمل في أيام المهلة؛ أتبع ذلك قوله حاثاً على التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت بحادث الموت ببيان الجزاء لمن احسن الاتباع في الدارين ﴿يا بني آدم﴾ . ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول، وكان إرسال الرسل جائزاً له وفضلاً منه سبحانه إذ

стр. 3303

لا يوجب عليه، أشار إلى ذلك بحرف الشك فقال: ﴿إما﴾ هي إن، الشرطية وصلت بها ما تأكيداً ﴿يأتينكم رسل﴾ ولما كانت زيادة الخبرة بالرسول أقطع للعذر وأقوى في الحجة قال: ﴿منكم﴾ أي من نوعكم من عند ربكم. ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ [الأعراف: ٧] ويأتي في ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم﴾ [الأعراف: ٥٢] وغيرها، كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما تقدم في الأنعام - أليق فقال: ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ أي يتابعون ذكرها لكم على وجه مقطوع به، ويتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من الأصول. ولما كان لقاء الرسل حتماً والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا بالاستناد إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل، ربط الجزاء بالفاء فقال: ﴿فمن اتقى﴾ أي خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم ﴿وأصلح﴾ أي عمل صالحاً باقتفاء آثارهم ﴿فلا خوف﴾ أي غالب ﴿عليهم﴾ أي بسبب ذلك من شيء يتوقعونه ﴿ولا هم﴾ أي بضمائرهم ﴿يحزنون*﴾ أي يتجدد لهم في وقت ما حزن على شيء فاتهم، لأن الله يعطيهم ما يقر به أعينهم، وكأنه غاية في التعبير لأن إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما خوف.

стр. 3304

ولما ذكر المصدق، أتبعه المكذب فقال ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ولما كان التكذيب قد يكون عن شبهة أو نوع من العذر، نفى ذلك بقوله: ﴿واستكبروا عنها﴾ أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له عظيم الرغبة فيه، متجاوزين عنها إلى أضداد ما دعت إليه. ولما ذلك ليس سبباً حقيقياً للتعذيب، وإنما هو كاشف عمن ذرأه الله لجهنم لإقامة الحجة عليه، أعري عن الفاء قوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿أصحاب النار﴾ ولما كان صاحب الشيء هو الملازم له المعروف به، قال مصرحاً بذلك: ﴿هم﴾ أي خاصة ليخرج العاصي من غير تكذيب ولا استكبار ﴿فيها﴾ أي النار خاصة، وهي تصدق بكل طبقة من طبقاتها ﴿خالدون*﴾ فقد تبين أن إثبات الفاء أولاً للترغيب في الاتباع، وتركها ثانياً للترهيب من شكاسة الطباع، فالمقام في الموضعين خطر، ولعل من فوائده الإشارة إلى أنه إذا بعث رسول وجب على كل من سمع به أن يقصده لتحرير أمره، فإذا بان له صدقه تبعه، وإن تخلف عن ذلك كان مكذباً - الله الموفق. ولما كان تكذيب الرسل تارة يكون بشرع شيء لم يشرعوه،

стр. 3305

وتارة برد ما شرعوه قولاً وفعلاً، وأخبر أن المكذبين أهل النار، علل ذلك بقوله: ﴿فمن أظلم﴾ أي أشنع ظلماً ﴿ممن افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿كذباً﴾ أي كمن شرع في المطاعم والملابس غير ما شرع، أو ادعى أنه يوحي إليه فحكم بوجود ما لم يوجد ﴿أو كذب بآياته﴾ أي برد ما أخبر به الرسل فحكم بإنكار ما وجد. ولما كان الجواب: لا أحد أظلم من هذا، بل هو أظلم الناس، وكان مما علم أن الظالم مستحق للعقوبة فكيف بالأظلم قال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من الحضرات الربانية ﴿ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ أي الذي كتب حين نفخ الروح أو من الآجال التي ضربها سبحانه لهم والأرزاق التي قسمها، تأكيداً لرد اعتراض من قال: إن كنا خالفنا فما له لا يهلكنا؟ ثم غَيَّي نيل النصيب بقوله: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا﴾ أي الذين قسمنا لهم من عظمتنا ما شئنا حال كونهم ﴿يتوفونهم﴾ أي يقبضون أرواحهم كاملة من جميع أبدانهم ﴿قالوا أين ما كنتم﴾ عناداً كمن هو في جبلته ﴿تدعون﴾ أي دعاء عبادة ﴿من دون الله﴾ أي تزعمون أنهم واسطة لكم عند الملك الأعظم وتدعونهم حال كونكم معرضين عن الله، ادعوهم الآن ليمنعوكم من عذاب الهوان الذي نذيقكم ﴿قالوا ضلوا﴾ أي غابوا ﴿عنا﴾ فلا ناصر لنا.

стр. 3306

ولما كان الإله لا يغيب فعلموا ضلالهم بغيبتهم عنهم، قال مترجماً عن ذلك: ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ أي بالغوا في الاعتراف ﴿أنهم كانوا كافرين*﴾ أي ساترين عناداً لما كشف لهم عنه نور العقل فلا مانع منه إلا حظوظ النفوس ولزوم البؤس.

стр. 3307

ولما كان كأنه قيل: لقد اعترفوا، والاعتراف - كما قيل - إنصاف، فهل ينفعهم؟ قيل: هيهات! فات محله بفوات دار العمل لا جرم! ﴿قال﴾ أي الذي جعل الله إليه أمرهم ﴿ادخلوا﴾ كائنين ﴿في أمم﴾ أي في جملة جماعات وفرق أم بعضها بعضاً؛ ثم وصفهم دالاً بتاء التأنيث على ضعف عقولهم فقال: ﴿قد خلت﴾ ولما كان في الزمن الماضي من آمن، أدخل الجار فقال ﴿من قبلكم﴾ ولما كان الجن الأصل في الإغواء قدمهم فقال: ﴿من الجن والإنس﴾ ثم ذكر محل الدخول فقال: ﴿في النار﴾ . ولما جرت عادة الرفاق بأنهم يتكالمون وحين الاجتماع يتسالمون تشوف السامع إلى حالهم في ذلك فقال مجيباً له: ﴿كلما دخلت أمة﴾ أي منهم في النار ﴿لعنت أختها﴾ أي القريبة منها في الدين والملة التي قضيت آثارها واتبعت منارها، يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا، واستمر ذلك منهم ﴿حتى إذا اداركوا﴾ اي تداركوا وتلاحقوا، يركب بعضهم بعضاً - بما يشير إليه الإدغام ﴿فيها جميعاً﴾ لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة ﴿قالت أخراهم﴾ أي في الزمن

стр. 3308

والمنزلة، وهم الأتباع والسفل ﴿لأولاهم﴾ أي لأجلهم مخاطبين لله خطاب المخلصين ﴿ربنا﴾ أي الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على ما كان منا من مقابلة إحسانه بالإساءة ﴿هؤلاء﴾ أي الأولون ﴿أضلونا﴾ أي لكونهم أول من سن الضلال ﴿فآتهم﴾ أي أذقهم بسبب ذلك ﴿عذاباً ضعفاً﴾ أي يكون بقدر عذاب غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال، «ومن سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» ومنه «لا تقتل نفس ظلماً إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها» لأنه أول من سن القتل، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم: ﴿من النار*﴾ . ولما كان كأنه قيل: لقد قالوا ما له وجه، فبم أجيبوا؟ قيل: ﴿قال﴾ أي جواباً لهم ﴿لكل﴾ أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع ﴿ضعف﴾ وإن لم يكن الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان سبباً لضلال التابع فالتابع أيضاً كان سبباً لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته بالاتباع وتأييده بالمناضله عنه والدفاع؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم الضعف لسبب هذه الدقيقة قال: ﴿ولكن لا تعلمون*﴾ أي بذلك. ولما ذكر ملام الآخرين على الأولين، عطف عليه جواب الأولين فقال: ﴿وقالت أولاهم﴾ أي أولى الفرق والأمم ﴿لأخراهم﴾ مسببين

стр. 3309

عن تأسيسهم لهم الضلال ودعائهم إليه ﴿فما كان لكم علينا﴾ أي بسبب انقيادكم لنا واتباعكم في الضلال ﴿من فضل﴾ أي لنحمل عنكم بسببه شيئاً من العذاب لأنه لم يعد علينا من ضلالكم نفع وقد شاركتمونا في الكفر ﴿فذوقوا﴾ أي بسبب ذلك ﴿العذاب﴾ في سجين ﴿بما﴾ اي بسبب ما ﴿كنتم تكسبون*﴾ لا بسبب اتباعكم لنا في الكفر.

стр. 3310

ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص، أخبر أن هؤلاء ليسوا كذلك، لأنهم أنجاس فليسوا أهلاً لمواطن الأقداس، فقال مستأنفاً لجواب من كأنه قال: أما لهؤلاء خلاص؟ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا ﴿واستكبروا عنها﴾ أي وأوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها ﴿لا تفتح لهم﴾ أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم ﴿أبواب السماء﴾ لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين ﴿ولا يدخلون الجنة﴾ أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها ﴿حتى﴾ يكون ما لا يكون بأن ﴿يلج﴾ أي يدخل ويجوز ﴿الجمل﴾ على كبره ﴿في سم﴾ أي في خرق ﴿الخياط﴾ أي

стр. 3311

الإبرة اي حتى يكون ما لا يكون، إذاً فهو تعليق على محال، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرق الإبرة، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر؛ وعن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة - استجهالاً للسائل وإشارة إلى طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف. ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضاً فقال: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة ﴿نجزي المجرمين*﴾ أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذناباً مقلدين للمستكبرين المكذبين؛ ثم فسر جزاء الكل فقال: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ أي فرش من تحتهم، جمع مهد، ولعله لم يذكره لأن المهاد كالصريخ فيه ﴿ومن فوقهم غواش﴾ أي أغطية - جمع غاشية - تغشيهم من جهنم؛ وصرح في هذا بالفوقية لأن الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال، أو كانت بمعنى مجرد الوصول والإدراك، ولعله إنما حذف الأول لأن الآية من الاحتباك، فذكر جهنم أولاً دليلاً على إرادتها ثانياً، وذكر الفوق ثانياً دليلاً على إرادة التحت أولاً.

стр. 3312

ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل، قال عاماً لجميع أنواع الضلال: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الجزاء ﴿نجزي الظالمين*﴾ ليعرف أن المدار على الوصف، والمجرم: المذنب ومادته ترجع إلى القطع، والظالم: الواضع للشيء في غير موضعه كفعل من يمشي في الظلام، يجوز أن يكون نبه سبحانه بتغاير الأوصاف على تلازمها، فمن كان ظالماً لزمه الإجرام والتكذيب والاستكبار وبالعكس. ولما أخبر عن أحوالهم ترهيباً، أتبعه الإخبار عن أحوال المؤمنين ترغيباً فقال ﴿والذين آمنوا﴾ في مقابلة ﴿الذين كذبوا﴾ . ولما قال: ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً لإيمانهم في مقابلة ﴿الذين استكبروا﴾ ﴿الصالحات﴾ وكان ذلك مظنة لتوهم أن عمل جميع الصالحات - لأنه جمع محلى بالألف واللام - شرط في دخول الجنة؛ خلل ذلك بجملة اعتراضية تدل على التخفيف فقال: ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ وترغيباً في اكتساب مالا يوصف من النعيم بما هو في الوسع ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿أصحاب الجنة﴾ ولما كانت الصحبة تدل على الدوام، صرح به فقال: ﴿هم فيها خالدون﴾ .

стр. 3313

ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال: ﴿ونزعنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ﴿ما﴾ كان في الدنيا ﴿في صدورهم من غل﴾ أي ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب، ومن الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: غل في الشيء وتغلغل فيه - إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد، حتى أن صاحب الدرجة السافلة لا يحسد صاحب العالية. ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلاّ بطيب القرار باحكام الدار، وكان الماء سبب العمارة وطيب المنازل، وكان الجاري منه أعم نفعاً وأشد استجلاباً للسرور قال تعالى ﴿تجري من﴾ وأشار إلى علوهم بقوله: ﴿تحتهم الأنهار﴾ فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون عنه الرياض والأشجار وكل ما به حسن الدار، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب للزيادة بقوله: ﴿وقالوا الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة لذاته لا لشيء آخر؛ ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه أيضاً، فقالوا معلمين أنه لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في الأولى

стр. 3314

والأخرى: ﴿الذي هدانا﴾ أي بالبيان والتوفيق، وأوقعوا الهداية على ما وصلوا إليه إطلاقاً للمسبب على السبب ﴿لهذا﴾ أي للعمل الذي أوصلنا إليه ﴿وما﴾ أي والحال أنا ما ﴿كنا لنهتدي﴾ أصلاً لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك ﴿لولا أن هدانا الله﴾ أي الذي له الأمر كله، وقراءة ابن عامر بغير واو على أن الجملة موضحة لما قلبها، والقراءتان دامغتان للقدرية. ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيماناً بالغيب من باب علم اليقين، أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين اليقين سروراً وتبججاً لا تعبداً، وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله: ﴿لقد جاءت رسل ربنا﴾ أي المحسن إلينا ﴿بالحق﴾ أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي لا زوال له. ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله، عطف على قولهم قوله مانّاً عليهم بقبول أعمالهم، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: ﴿ونودوا﴾ أي إتماماً لنعيمهم ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة أو هي المفسرة ﴿تلكم الجنة﴾ العالية ﴿أورثتموها﴾ أي صارت إليكم من غير تعب ولا منازع ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كنتم تعملون*﴾ لأنه سبحانه جعله سبباً

стр. 3315

ظاهرياً بكرمه، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم من توفيقه. ولما استقرت بهم الدار، ونودوا بدوام الاستقرار، أخبر سبحانه أنهم أقبلوا متبججين على أهل النار شامتين بهم في إحلالهم دار البوار تلذيذاً لأنفسهم بالنعيم وتكديراً على الأشقياء في قوله: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ أي بعد دخول كل من الفريقين إلى داره ﴿أصحاب النار﴾ يخبرونهم بما أسبغ عليهم من النعم، ويقررونهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم؛ ثم فسر ما وقع له النداء بقوله: ﴿أن﴾ أو هي مخففة من الثقيلة، وذكر حرف التوقع لأنه محله فقال: ﴿قد وجدنا﴾ أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان ﴿ما وعدنا ربنا﴾ أي المحسن إلينا في الدارين من الثواب ﴿حقاً﴾ أي وجدنا جميع ما وعدنا ربنا لنا ولغيرنا حقاً كما كنا نعتقد ﴿فهل وجدتم﴾ أي كذلك ﴿ما وعد﴾ وأثبت المفعول الأول تلذيذاً، وحذفه هنا احتقاراً للمخاطبين، وليشمل ما للفريقين فيكون وجد بمعنى العلم وبمعنى اللقى، وفي التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك تهكم بهم ﴿ربكم﴾ أي الذي أحسن إليكم فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب ﴿حقاً﴾ لكونكم وجدتم ما توعدكم به ربكم حقاً ﴿قالوا نعم﴾ أي قد وجدنا ذلك

стр. 3316

كله حقاً؛ قال سيبويه: نعم عِدَة، أي في جواب: أتعطيني كذا، وتصديق في مثل قد كان كذا، والآية من الاحتباك: أثبت المفعول الثاني أولاً دليلاً على حذف مثله ثانياً، وحذفه ثانياً دليلاً على إثبات مثله أولاً - والله أعلم. ولما حبوا من النعم بما تقدم، وكان منه الجار الحسن، وكان العيش مع ذلك لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء، أخبروا ببعده وزيدوا سروراً بإهانته في قوله: ﴿فأذن﴾ أي بسبب ما أقر به أهل النار على انفسهم ﴿مؤذن بينهم﴾ أي بين الفريقين ﴿أن﴾ مخففه أو مفسرة في قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم، وشددها الباقون ونصبوا ﴿لعنة الله﴾ أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على وجه الغضب ﴿على الظالمين*﴾ أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نوراً أصلاً ﴿الذين يصدون﴾ أي لهم فعل الصد لمن أراد الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب والإرهاب والمكر والخداع ﴿عن سبيل الله﴾ أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له الواضح الواسع ﴿ويبغونها﴾ أي يطلبون لها ﴿عوجاً﴾ بإلقاء الشكوك والشيهات، وقد تقدم ما فيه في آل عمران ﴿وهم بالآخرة كافرون*﴾ أي ساترون ما ظهر لعقولهم من دلائلها؛ فمتى وجدت هذه الصفات الأربع حقت اللعنة ﴿وبينهما﴾ أي وحال الفريقين عند هذه المناداة أنه بينهما أو بين الدارين ﴿حجاب﴾ أي سور لئلا يجد أهل

стр. 3317

النعيم في دارهم ما يكدر نعيمها ﴿وعلى الأعراف﴾ جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه يكون أعرف مما انخفض، وهي المشرفات من ذلك الحجاب ﴿رجال﴾ استوت حسناتهم وسيئاتهم فوفقوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته كما جاء مفسراً في مسند ابن أبي خثيمة من حديث جابر رضى الله عنه عن النبي ﷺ ﴿يعرفون كلاًّ﴾ أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار قبل دخول كل منهم داره ﴿بسيماهم﴾ أي علامتهم ﴿ونادوا﴾ أي أصحاب الأعراف ﴿أصحاب الجنة﴾ أي بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها ﴿أن سلام عليكم﴾ أي سلامة وأمن من كل ضار. ولما كان هذا السلام ربما أشعر أنه بعد دخول أهل الأعراف الجنة، فكأنه قيل أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ودخولها؟ فقيل لا، ﴿لم يدخلوها﴾ أي الجنة بعد ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿يطمعون*﴾ في دخولها، وعبر بالطمع لأنه لا سبب للعباد إلى الله من أنفسهم وإن كانت لهم أعمال فضلاً عن هؤلاء الذين لا أعمال لهم.

стр. 3318

ولما دل ما تقدم على أنهم مقبلون على الجنة وأهلها، قال مرغباً مرهباً: ﴿وإذا صرفت﴾ بناه للمفعول لأن المخيف لهم الصرف لا كونه من معين ﴿أبصارهم﴾ أي صرفها صارف من قبل الله بغير اختيار منهم ﴿تلقاء﴾ أي وجاه ﴿أصحاب النار﴾ أي بعد استقرارهم فيها فرأوا ما فيها من العذاب ﴿قالوا﴾ أي أصحاب الأعراف حال كونهم لم يدخلوها

стр. 3319

وهم يخافون مستعيذين منها ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا في الدنيا بكل إحسان وفي الآخرة بكونك لم تدخلنا إلى هذا الوقت إلى النار ﴿لا تجعلنا مع القوم الظالمين*﴾ بأن تدخلنا مدخلهم. ولما تقدم كلامهم لأهل الجنة بالسلام، أخبر أنهم يكلمون أهل النار بالتوبيخ والملام فقال: ﴿ونادى﴾ وأظهر الفاعل لئلا يلبس بأهل الجنة فقال ﴿أصحاب الأعراف﴾ أي الحال صرف وجوهم إلى جهة أهل النار ﴿رجالاً﴾ أي من أهل النار ﴿يعرفونهم﴾ أي بأعيانهم، وأما معرفتهم إجمالاً فتقدم، وإنما قال هنا: ﴿بسيماهم﴾ لأن النار قد أكلتهم وغيرت معالمهم مع تغيرهم بالسمن وسواد الوجوه وعظم الجثث ونحوه ﴿قالوا﴾ نفياً أو استفهاماً توبيخاً وتقريعاً ﴿ما أغنى عنكم جمعكم﴾ أي للمال والرجال ﴿وما كنتم تستكبرون*﴾ أي تجددون بهما هذه الصفة وتوجدونها دائماً في الدنيا زاعمين أنه لا غالب لكم؛ ثم زادوا في توبيخهم وتقريعهم وتحزينهم وتأسيفهم والإنكار عليهم بقولهم مشيرين إلى ناس كانوا يستضعفونهم من أهل الجنة ويحقرونهم: ﴿أهؤلاء﴾ وكأنه يكشف لهم عنهم حتى يروهم زيادة في عذابهم ﴿الذين أقسمتم﴾ أي في الدنيا ﴿لا ينالهم الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿برحمة﴾ فكيف بكمال الرحمة. ولما كان التصريح بأمرهم بدخول الجنة إنكاء لأهل النار لأنه أنفى

стр. 3320

لما أقسموا عليه، قالوا: ﴿ادخلوا﴾ أي قال الله لهم أو قائل من قبله ادخلوا ﴿الجنة لا خوف عليكم﴾ أي من شيء يمكن توقع أذاه ﴿ولا أنتم تحزنون*﴾ أي يتجدد لكم حزن في وقت من الأوقات على شيء فات لما عندكم من الخيرات التي لا تدخل تحت الوصف. ولما تقدم نداء أصحاب الجنة عندما حصل لهم السرور بدخولها لأصحاب النار بما يؤلم وينكي، وختم بهذه الرحمة التي تطمع المحروم فيما يسر ويزكي، أخبر أن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة عندما حصل لهم من الغم بدخولها، لكن بما شأنه أن يرقق ويبكي، فقال ما يدل على أن عندهم كل ما نفي عن أهل الجنة في ختام الأية السالفة من الخوف والحزن: ﴿ونادى أصحاب النار﴾ أي بعد الاستقرار ﴿أصحاب الجنة﴾ بعد أن عرفهم إياهم وأمر الجنة فتزخزفت فكان ذلك زيادة في عذابهم؛ ثم فسر المنادى به فقال ﴿أن أفيضوا علينا من الماء﴾ أي لأنكم أعلى منا، فإذا أفضتموه وصل إلينا، وهذا من فرط ما هم فيه من البلاء، فإن بين النار والجنة أهوية لا قرار لها ولا يمكن وصول شيء من الدارين إلى الأخرى معها. ولما كانت الإفاضة تتضمن الإنزال قالوا: ﴿أو﴾ أي أو أنزلوا علينا ﴿مما رزقكم الله﴾ أي الذي له الغنى المطلق، من أيّ شيء هان عليكم إنزاله ﴿قالوا﴾ أي أصحاب الجنة ﴿إن الله﴾ أي الذي حاز

стр. 3321

جميع العظمة ﴿حرمهما﴾ أي منعهما بتلك الأهوية وغيرها من الموانع ﴿على الكافرين*﴾ أي الساترين لما دلهم عليه قويم العقل وصريح النقل ﴿الذين اتخذوا﴾ أي تكلفوا غير ما دلهم عليه العقل الفطري حين نبه بالعقل الشرعي بأن أخذوا ﴿دينهم﴾ بعد ما محقوا صورته وحقيقته كما يمحق الطين إذا اتخذته خزفاً فصار الدين ﴿لهواً﴾ أي اشتغالاً بما من شأنه أن يغفل وينسى عن كل ما ينفع من الأمور المعجبة للنفس من غير نظر في عاقبة، فجوزوا من جنس عملهم بأن لم ينظر لهم في إصلاح العاقبة. ولما قدم ما هو أدعى إلى الاجتماع على الباطل الذي هو ضد مقصود السورة من الاجتماع على الجد وأدعى إلى الغفلة، وكان من شأن الغفلة عن الخير أن تجر إلى استجلاب الأفراح والانهماك في الهوى، حقق ذلك بقوله: ﴿ولعباً﴾ أي إقبالاً على ما يجلب السرور ويقطع الوقت الحاضربالغرور، ولذلك أتبعه قوله: ﴿وغرتهم﴾ أي في فعل ذلك ﴿الحياة الدنيا﴾ أي بما فيها من الأعراض الزائلة من تأميل طول العمر والبسط في الرزق ورغد العيش حتى صاروا بذلك محجوبين عن نظر معانيها وعما دعا إليه تعالى من الإعراض عنها فلم يحسبوا حساب ما وراءها. ولما كان تركهم من رحمته سبحانه مؤبداً، أسقط الجار ﴿فاليوم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن في هذا اليوم ﴿ننساهم﴾

стр. 3322

أي نتركهم ترك المنسي ﴿كما﴾ فعلوا هم بأنفسهم بأن ﴿نسوا﴾ أي تركوا ﴿لقاء يومهم هذا﴾ فلم يعدوا له عدته ﴿وما﴾ أي وكما ﴿كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿بآياتنا﴾ على ما لها من العظمة بنسبها إلينا ﴿يجحدون*﴾ أي ينكرون وهم يعرفون حقيقتها لأنها في غاية الظهور.

стр. 3323

ولما ذكر نسيانهم وجحودهم، ذكر حالهم عند ذلك فقال: ﴿ولقد﴾ أي فعلوا ذلك والحال أنا وعزتنا قد ﴿جئناهم﴾ أي على عظمتنا بإتيان رسولنا إليهم عنا ﴿بكتاب﴾ ليس هو موضعاً للجحد أصلاً؛ ثم بين ذلك في سياق مرغب للمؤالف مرهب للمخالف فقال: ﴿فصلناه﴾ أي بينا معاينة لم ندع فيها لبساً، وجعلنا لآياته فواصل حال كون ذلك التفصيل ﴿على علم﴾ أي عظيم، فجاء معجزاً في نظمه ومعناه وسائر علمه ومغزاه، وحال كونه ﴿هدى﴾ أي بياناً ﴿ورحمة﴾ أي إكراماً، ثم خص المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء فهو كالمعدوم في حقه فقال: ﴿لقوم يؤمنون*﴾ أي فيهم قابلية ذلك، وفيه رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو أحد مقاصد السورة على أبداع وجه في أحسن أسلوب. ولما وصف الكتاب وذكر المنتفع به، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا يؤمن به وهم الجاحدون، فقال مشيراً إلى أن حالهم في وقوفهم عن المتابعه بعد العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من

стр. 3324

ينتظر أن يأتي مضمون وعيده: ﴿هل ينظرون﴾ أي ينتظرون، ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق إتيانه في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم ﴿إلا تأويله﴾ أي تصيير ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبر أنه يصير إليها. ولما كان كأنه قيل: ما يكون حالهم حينئذ؟ قال: التحسر والإذغان حيث لا ينفع، والتصديق والإيمان حين لا يقبل، وعبر عن ذلك بقوله: ﴿يوم يأتي تأويله﴾ أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة؛ ولما قدم اليوم اهتماماً به، أتبعه العامل فيه فقال: ﴿يقول الذين نسوه﴾ أي تركوه ترك المنسي، ويجوز أن يكون عد ذلك نسياناً لأنه ركز في الطباع أن كل ملك لا بد له من عرض جنده ومحاسبتهم، فلما أعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب الله عده نسياناً منهم لما ركز في طباعهم. ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق، أدخل الجار فقال ﴿من قبل﴾ أي قبل كشف الغطاء محققين للتصديق ﴿قد جاءت﴾ أي فيما سبق من الدنيا ﴿رسل ربنا﴾ أي المحسن إلينا ﴿بالحق﴾ أي المطايق لهذا الواقع الذي نراه مما كانوا يتوعدوننا به، فما صدقوا حتى رأوا

стр. 3325

فلم يؤمنوا بالغيب ولا أوقعوا الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم. ولما وصفوه سبحانه بالإحسان لما كشف الحال عنه من حلمه وطول أناته، سببوا عن ذلك قولهم: ﴿فهل لنا من شفعاء﴾ أي في هذا اليوم، وكأنهم جمعوا الشفعاء لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء؛ ثم سببوا عن ذلك تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا ﴿فيشفعوا لنا﴾ أي سواء كانوا من شركائنا الذين كنا نتوهم فيهم النفع أو من غيرهم ليغفر لنا ما قدمنا من الجرائم ﴿أو نرد﴾ أي إن لم يغفر لنا إلى الدنيا التي هي دار العمل، والمعنى أنه لا سبيل لنا إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين؛ ثم سببوا عن جواب هذا الاستفهام الثاني قولهم: ﴿فنعمل﴾ أي في الدنيا ﴿غير الذي كنا﴾ أي بجبلاتنا من غير نظر عقلي ﴿نعمل﴾ . ولما كان من المعلوم عند من صدق القرآن وعلم مواقع ما فيه من الأخبار أنه لا يكون لهم شيء من ذلك، كانت نتيجته قوله: ﴿قد خسروا أنفسهم﴾ أي فلا احد أخسر منهم ﴿وضل﴾ أي غاب وبطل ﴿عنهم ما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً، لا يمكنهم الرجوع عنه إلا عند عند رؤية البأس ﴿يفترون*﴾ أي يتعمدون في الدنيا من الكذب

стр. 3326

في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من أكاذيبهم. ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع: التوحيد والنبوة والمعاد والعلم، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم، علل ذلك بأنه الرب لا غيره، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد السورة، كفيل بإظهار الحجج عليها، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه أشد من الإعادة - بأدلة متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال: ﴿إن ربكم﴾ أي المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو ﴿الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال: ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ أي على اتساعهما وعظمتهما. ولما كان ربما قال الكفار: ما له إذا كان قادراً وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله، بين أن عادته الأناه وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده، فقال: ﴿في ستة أيام﴾ أي في مقدارها؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمراً باهراً لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول: كيف يسع الخلق إله واحد! أشار إلى

стр. 3327

عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذاً مستوفى مستقصى مستقلاً به لأن هذا شأن من يملك ملكاً ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه منه، ويقال: فلان جلس على سرير الملك، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس، وكما يقال في ضد ذلك: فلان ثل عرشه، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل: طويل النجاد، وللكريم: عظيم الرماد. ولما كان سبحانه لا يشغله شان عن شأن، ابتدأ من التدبير هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد، فقال دالاً على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود: ﴿يغشي﴾ أي استوى حال كونه يغشي ﴿الليل النهار﴾ وقال أبو حيان: وقرأ حميد بن قيس: يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع

стр. 3328

النهار، وقال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت، وهذا الذي قاله - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلاً عن النجاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد، هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلاً على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النجاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ ﴿اليّل﴾ في قراءتهم - وإن كان منصوباً- هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولاً، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في: ملكت زيداً عمراً، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى - انتهى.

стр. 3329

ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار، دل على أن النهار كذلك بقوله مبيناً لحال الليل ﴿يطلبه﴾ أي الليل يجر ويطلب النهار دائماً طلباً ﴿حثيثاً﴾ أي سريعاً جداً لتغطية الليل، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوباً إلا بعد وجوده، وإذا وجد النهار كان مغطياً لليل، لأنهما ضدان، وجود أحدهما ماح لوجود الآخر، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق، وحركتهما بواسطة حركة العرش، ولذا ربطهما به، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها شدة، وللشمس نوعان من الحركة: أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك، وبسببه تحصل السنة، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم في اليوم بليلته، والليل والهنار إنما يحصلان بسبب حركة السماء الأقصى الذي يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين، وأجاز ابن جني أن يكون ﴿يطلبه﴾ حالاً من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولاً، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثاً ليغطيه، وأن يكون حالاً منهما معاً لأن كلاًّ منهما طالب للآخر، وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة حميد، فإن كلاً منهما يكون غاشياً للآخر، قال في كتابه المحتسب في القراءات الشواذ: ووجه صحة القراءتين

стр. 3330

والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضاً مزيل له، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولاً ومفعول وإن كان فاعلاً، على أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفورة وشروقه أظهر أثراً في الاستحثاث من الليل. ولما ذكر الملوين، أتبعهما آية كل فقال: ﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ أي خلقها، أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آيته خال كون الكل ﴿مسخرات﴾ أي للسير وغيره ﴿بأمره﴾ وهو إرداته وكلامه، تقودها الملائكة كما روي أن لله ملائكة يجرون الشمس والقمر. ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه، وما نعلمه من المعاني أمره، أنتج قطعاً قوله ﴿ألا له﴾ أي وحده، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال: ﴿الخلق﴾ وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي: فكل ما كان جسماً او جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين فكان من عالم الخلق، فعالم الخلق بتسخيره، وعالم الأمر بتدبيره، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره ﴿والأمر﴾ وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام
следующие страницы →