Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام.
ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيراً إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء: ﴿ثم بدلنا﴾ ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني ﴿مكان﴾ أي جعلنا ﴿السيئة﴾ أي النقمة ﴿الحسنة﴾ أي النعمة، وبين أنه مد النعمة بقوله: ﴿حتى عفوا﴾ أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا ﴿وقالوا﴾ مسندين الأمر إلى غير أهله ﴿قد مس آباءنا الضراء﴾ أي الشدة ﴿والسراء﴾ أي الرخاء والنعمة، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار.
ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء، سبب عنه قوله: ﴿فأخذناهم﴾ أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في الظاهر والباطن ﴿بغتة﴾ أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى البغت تحقيقاً لأمره بقوله: ﴿وهم لا يشعرون*﴾ فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفاً من الأخذ بغتة.
ولما بين تعالى ما كان قولهم مسبباً له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ضد قولهم مسبباً له من البركات لو وقع بقوله: ﴿ولو أن أهل القرى﴾ أي هذه التي قصصنا أخبارها ﴿آمنوا﴾ أي بما أتاهم به رسلهم
стр. 3397
﴿واتقوا﴾ أي خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته فاستمروا على إيمانهم ﴿لفتحنا عليهم بركات﴾ أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها ﴿من السماء﴾ أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه ﴿والأرض﴾ بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير.
ولما كان الكلام بما أفهمته ﴿لو﴾ في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله: ﴿ولكن كذبوا﴾ أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء، ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل، سبب عنه العذاب فقال: ﴿فأخذناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا يكسبون*﴾ أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة لها.
стр. 3398
ولما كانوا قد ضلوا ضلالاً بعيداً في غلطهم في جعلهم السراء والضراء سبباً للأمن من مكر الله، قال منكراً عليهم أمنهم عاطفاً له على ﴿كذبوا﴾ لأنه سبب الغلط وهو سبب الأمن فقال: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ أي كذبوا ناسين أفعالنا المرهبة بالمضارّ والمرغبة بالمسارّ فأمنوا ﴿أن يأتيهم بأسنا﴾ أي الناشىء عما لنا من العظمة التي لا ينساها إلا خاسر ﴿بياتاً﴾ أي ليلاً وهم قد أخذوا الراحة في بيوتهم، ولما كان النوم شيئاً واحداً يغمر الحواس فيقتضي الاستقرار، عبر بالاسم الدالّ على الثبات فقال: ﴿وهم نائمون*﴾ أي على غاية الغفلة عنه.
стр. 3399
ولما كان ربما قال جاهل: لو جاءهم وهم إيقاظ لأمكن أن يدافعوا! قال: ﴿أو أمن أهل القرى﴾ أي مجتمعين أو منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك ﴿أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾ أي وقت راحتهم واجتماع قواهم ونشاطهم؛ ولما كانت اليقظة موجبة للحركة، عبر بالمضارع في قوله: ﴿وهم يلعبون*﴾ أي يتجدد لعبهم شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت، وفيه تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان العقول، لا التفات لهم إلى غير اللعب.
ولما كان ضلالهم - الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله - أشنع ضلال لتضمنه التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد من الأول فقال مسبباً الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو لب: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ذلك قوله: ﴿فلا يأمن مكر الله﴾ أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر ﴿إلا القوم الخاسرون*﴾ أي الذين كانت قواهم سبباً لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكة.
ولما بان بما مضى حال الكفار مجملاً ومفصلاً، وكان المقصود من ذلك عبرة السامعين، وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم وأفهامهم بعد إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من بعدهم حالاً يكونون بها في حيز من يرجى
стр. 3400
منه الخوف المقتضي للتضرع والعلم قطعاً بأن الفاعل لذلك هو الله، وأنه لو شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى أفهامهم بحيث يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا دعاء ونداء، فسماعهم حيث لا فهم كلا سماع، فجعلوا ذلك سبباً للأمن؛ أنكر عليهم ذلك بقوله ﴿أفأمن﴾ إلى آخره؛ ثم أنكر عليهم عدم الاستدلال على القدرة فقال عاطفاً على ﴿أفأمن﴾ : ﴿أولم يهد﴾ أي يبين أخذنا الأمم الماضية بالبأساء والضراء ثم إهلاكهم إذا لم يتعظوا ﴿للذين يرثون الأرض﴾ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ليعلموا منها ما يضر وما ينفع فلا يكونوا كالبهائم، فإنهم لو تأملوا أحوالهم وأحوال من ورثوا أرضهم وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى سواء السبيل.
ولما كان إرثهم غير مستغرق للزمان، أتى بالجارّ فقال: ﴿من بعد أهلها﴾ ثم ذكر مفعول ﴿يهد﴾ بقوله: ﴿أن﴾ أي إنا ﴿لو نشاء﴾ أي في أيّ وقت أردنا ﴿أصبناهم بذنوبهم﴾ أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا أرضهم؛ ولما كان هذا تخويفاً للموجودين بعد المهلكين، ومنهم قريش وسائر العرب الذين يخاطبون بهذا القرآن، فكأن المخوف به لم يقع بعد، عطف على أصبنا قوله: ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ أي بإزالة عقولهم حتى يكونوا كالبهائم، ولذلك سبب عنه قوله:
стр. 3401
﴿فهم لا يسمعون*﴾ أي سماع فهم، وعبر عن الإصابة بالماضي إشارة إلى سرعة الإهلاك مع كونه شيئاً واحداً غير متجزىء، وعن الطبع بالمضارع إيماء إلى التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع جديد.
стр. 3402
ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثّاً على الاعتبار بهم، ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد فقال: ﴿تلك القرى﴾ أي محالّ القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبيناً لحالها: ﴿نقص عليك﴾ .
ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هوّل الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال: ﴿من أنبائها﴾ أي أخبارها العظيمة الهائلة المطابقة للواقع شيئاً بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلاً في معرفة أخبار أهلها.
ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل ﵈ تصديقاً لمن قال مهم: قد جاءتكم بينة، بقوله: ﴿ولقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿جاءتهم﴾ أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات ﴿رسلهم﴾ أي الذين أرسلناهم إليهم ﴿بالبينات فما﴾ أي فلم يتسبب عن
стр. 3403
ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما ﴿كانوا﴾ موفقين ﴿ليؤمنوا﴾ أي عند مجيئها، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد ﴿بما﴾ أي بالذي ﴿كذبوا﴾ أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة.
ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجارّ فقال: ﴿من قبل﴾ أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فأتوهم. بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال: إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو إنهم خافوا ثانياً ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبناً فيما يعلمون بطلانه، فكان تزيين هذا لهم طبعاً على قلوبهم، فكأنه قيل: إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك أحد؟ فقيل: نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع ﴿كذلك يطبع الله﴾ أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له
стр. 3404
من العظمة ﴿على قلوب الكافرين*﴾ أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقاً في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله.
ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب، قال عاطفاً على «فما كانوا» : ﴿وما وجدنا﴾ أي في عالم الشهادة ﴿لأكثرهم﴾ أي الناس، وأكد الاستغراق فقال: ﴿من عهد﴾ طبق ما كان عندنا في عالم الغيب، وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم ﴿ألست بربكم﴾ إن كان ذلك على حقيقته، أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر
﴿لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين﴾ [يونس: ٢٢] أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة، فصار بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر ﴿وإن﴾ أي وإنا ﴿وجدنا﴾ أي علمنا في عالم الشهادة ﴿أكثرهم لفاسقين*﴾ أي خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب، وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم.
ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال، أتبعه الكشف
стр. 3405
عما كان بعد قصة شعيب ﵇ من قصة صهره موسى ﵇ مع فرعون وقومه، وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في أول السورة من الإجمال، فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء والضراء، ثم الإنعام بالرخاء والسراء، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه الحظوظ من الفسق، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويهاً بذكرها وتنبيهاً على عليّ قدرها، لأن معجزات صاحبها من معجزات من كان قبله، وجهل من عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من العجائب وما اشتملت عليه من الرغائب والغرائب، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها للجواد العنان فقال: ﴿ثم بعثنا﴾ أي على عظمتنا ﴿من بعدهم﴾ أي الرسل المذكورين والأمم المهلكين ﴿موسى بآياتنا﴾ أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فثبت بها النبوة ﴿إلى فرعون﴾ هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم، وكان اسم فرعون موسى ﵇ قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب ابن الريان ﴿وملئه﴾ أي عظماء قومه، وخصمهم
стр. 3406
لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل.
ولما سببت لهم الظلم الظلم قال: ﴿فظلموا﴾ أي وقعوا في مثل الظلام حتى وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار ﴿بها﴾ أي بسبب رؤيتها خوفاً على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم؛ ولما كان ذلك من أعجب العجب، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم، وكان هذا الظلم أعظم الفساد، سبب عنه قوله معجباً: ﴿فانظر﴾ أي بعين البصيرة ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المفسدين*﴾ فلخص في هذه الآية على وجازتها جميع قصتهم على طولها، وقدم ذكر الآيات اهتماماً بها ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث.
стр. 3407
ولما كان التقدير عطفاً على ﴿فظلموا بها﴾ : ووضعها موسى مواضعها، عبر عنه بقوله: ﴿وقال موسى يا فرعون﴾ خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر.
ولما أتاهم ﵇ وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره، كان هذا حالاً مقتضياً لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد، لكن لما كان الإرسال من الله أمراً عظيماً جداً، وكان المقصود
стр. 3408
به تخلية سبيل بني إسرائيل، وكان فرعون ضنيناً بذلك، أكده بعض التأكيد فقال: ﴿إني رسول﴾ ثم بين مرسله بقوله: ﴿من رب العالمين*﴾ أي المحسن إليهم أجمعين - وأنتم منهم - بإيجادهم وتربيتهم، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور.
ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالاً على تسويته ببقية العالمين: ناطقهم وصامتهم، وكان لذلك بعيداً من الإذعان لهذا الكلام، أتبعه قوله على وجه التأكيد مستأنفاً بيان ما يلزم للرسول: ﴿حقيق﴾ أي بالغ في الحقية، وهي الثبات الذي لا يمكن زواله ﴿على أن لا أقول على الله﴾ أي الذي له جميع الكمال، ولا عظمة لسواه ولا جلال ﴿إلا الحق﴾ أي الثابت الذي لا تمكن المماراة فيه اصلاً لما يصدقه من المعجزات، وحاصل العبارة ومآلها: حق على قولي الذي أطلقه على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير الحق، ولذلك عبر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في ﴿على﴾ بمعنى هذا سواء، لأن من حق عليه شيء حق على كلامه.
ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى ﵇ البينة على صحة رسالته كان كأنه قيل: ما دليل صدقك؟ فقال مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق: ﴿قد جئتكم﴾ أي كلكم، لا أخص أحداً منكم ﴿ببينة﴾
стр. 3409
دليلاً على رسالتي وقولي الحق ﴿من ربكم﴾ أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم، وتلك البينة هي المعجزة، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدّعي لأنه مربوب، لا فرق بينة وبين بقية العالمين في ذلك.
ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدّعي في تلك المجامع إلا حقاً مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما تفرد بالإحسان، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم. فأتبع ذلك طلب النتيجة إعلاماً بغاية ما يريد منهم بقوله مسبباً عن مجرد هذا الإخبار الذي كان قد أوقع مضمونه: ﴿فأرسل﴾ أي يا فرعون ﴿معي بني إسرائيل*﴾ أي فسبب إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمُر بما جئت له - وهو إرسالهم معي - أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت المقدس موطن آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم، وفي جعل ذلك نتيجة الإرسال إليه تنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه، فكأنه قيل: فماذا قال فرعون في جواب هذا الأمر الواضح؟ فقيل: ﴿قال﴾ معرضاً عنه معمياً له خوفاً من غائلته عند من يعرف موسى ﵇ حق المعرفة معبراً بأداة الشك إيقافاً لهم: ﴿إن كنت جئت بآية﴾ أي علامة على صحة رسالتك ﴿فأت بها﴾ فأوهم
стр. 3410
أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير أن يكون في كلامه السابق دلالة على صدقه، وأكد الإبهام والشك بقوله: ﴿إن كنت﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿من الصادقين*﴾ أي في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت.
ولما ساق هذا الطلب مساقاً دالاً على أنه شاك في أمره، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالاًّ على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى ﵇: ﴿فألقى عصاه﴾ وعن فعله هو سبحانه ﴿فإذا هي﴾ أي العصا ﴿ثعبان مبين*﴾ أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه ينادي الناس فيظهر لهم أمره، وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته؛ روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان ثعباناً أشعر فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هارباً وأحدث، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وصاح فرعون: يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصاً. ثم قال: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم ﴿ونزع يده﴾
стр. 3411
أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقة أدماً كما كانت وهو عنده ﴿فإذا هي بيضاء﴾ ونبه على ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله: ﴿للناظرين*﴾ قال أبو حيان: أي للنظارة، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجاً عن العادة، وقال ابن عباس: صارت نوراً ساطعاً يضيء ما بين السماء والأرض، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين: أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء، والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده، وجمع بذينك تبديل الذوات من الخشبية إلى الحيوانية، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع، فكانا دالين على جواز الأمرين - انتهى.
ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال: ﴿قال الملأ﴾ أي الأكابر ﴿من قوم فرعون﴾ ما تلقفوه من فرعون واحداً بعد واحد، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم ﴿إن هذا لساحر﴾ أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له، فلا تبادروا إلى متابعته.
ولما كان ذلك خارجاً عما ألفوه السحرة قالوا: ﴿عليم*﴾
стр. 3412
أي بما هم فيه، بالغ في علمه إلى حد عظيم، فذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة، فكأن فرعون قال ذلك أبتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله، يقوله بعضكم لبعض إعلاماً بأنهم على غاية الطواعية له خوفاً على رئاستهم تحقيقاً لقوله تعالى ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ [الزخرف: ٥٤] واختير هنا إسناده إليهم، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى ﵇ حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده - على ما يزعم - بما يقتضي أن يكون لهم عليه أمر، فلذا كان إسناد القول إليه أحسن، لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر، وخضوع عنقه أضخم وأكبر.
стр. 3413
ولما خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة إلى المتابعة بادعاء أنه ساحر؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم فيهم قومه الذين كانوا عبيداً لهم ويزيحوهم من ديارهم التي هي لأشباحهم مثل أشباحهم لأرواحهم بقوله: ﴿يريد أن يخرجكم﴾ أي أيها القبط ﴿من أرضكم﴾ أي هذه التي أثلها لكم آباؤكم وبها قوامكم؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم، أسقط قولهم في الموضع الآخر ﴿بسحره﴾ إفهاماً لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره إشارة إلى تغاليهم في الفسق بعلمهم
стр. 3414
أنه محق وليس بساحر.
ولما كان المقصود بهذا الكلام استعطاف المخاطبين، استعطفوهم بعد أن أوقفوهم، ثم خوفوهم بما سببوا عن الخطاب السابق من قولهم: ﴿فماذا تأمرون*﴾ أي تقولون في هذه المشورة أيها السادة ليمتثل.
ولما كان كأنه قيل: فعلى أيّ شيء استقر رأيهم؟ فقيل: على تاخير الأمر إلى حشر السحرة للمعارضة، أخبر تعالى، دلالة على أن أصل قول الملأ منه، أنهم أقبلوا عليه مخاطبين له ملفتين من أبلغهم عنه تعظيماً له مسندين الأمر إليه بقوله: ﴿قالوا﴾ أي الملأ لفرعون بعدما استقر في أذهانهم ما نصبوه إليه من الإرادة ﴿أرجه﴾ أي موسى ﵇ ﴿وأخاه﴾ أي أخرهما تنفيساً لنا من هذا الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما ﴿وأرسل في المدائن﴾ أي من ملك مصر ﴿حاشرين*﴾ يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل فج عميق، والحشر: الجمع بكره ﴿يأتوك بكل﴾ ولما كانت دلالة السياق على رغب فرعون أقل مما في الشعراء لما اقتضاه الحال في كل منهما، قرأ الجمهور: ﴿ساحر عليم*﴾ أي بالغ العلم في السحر، وفي قراءة حمزه والكسائي ﴿سحار﴾ زيادة مبالغة أيضاً لما
стр. 3415
رأوا من قلق فرعون في الجملة، وهذا يدل على أن السحرة كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة، ويدل على أن في طبع الناس المعارضة، فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة، وإذا تعذرت صحت الدعوى.
ولما كان التقدير: فأخر أمرهما وأرسل كما قالوا، فجمعوا من وجدوه منهم، عطف عليه قوله: ﴿وجاء السحرة فرعون﴾ ولما تشوف السامع إلى خبرهم، قال مجيباً له استئنافاً: ﴿قالوا﴾ أي لفرعون عندما حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم مفهمين له أنهم غالبون، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم، سائقين للكلام في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدباً معه في طلب الإكرام: ﴿إن لنا لأجراً﴾ وأكدوا طلباً لإخراج الوعد على حال التكذيب ﴿إن كنا نحن﴾ أي خاصة ﴿الغالبين*﴾ ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم ﴿قال﴾ أي فرعون ﴿نعم﴾ أي لكم أجر مؤكد الخبر به، وزاد بيان التأكيد بما زادهم به رغبة في قوله: ﴿وإنكم﴾ أي زيادة على ذلك ﴿لمن المقربين*﴾ أي عندي في الحضرة.
ولما فرغوا من محاورته، تشوف السامع إلى قولهم لموسى ﵇، فاستأنف قوله جواباً: ﴿قالوا﴾ بادئين باسمه ﴿يا موسى﴾ مخيرين له أدباً معه كما هي عادة عقلاء الأخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن قصدهم الإلقاء أولاً، وذلك قولهم: ﴿إما أن تلقي﴾ أي أنت أولاً
стр. 3416
ما تريد أن تلقيه للمغالبة في إظهار صحة دعواك ﴿وإما أن نكون نحن﴾ أي خاصة ﴿الملقين*﴾ أي لما معنا أولاً.
ولما فهم موسى ﵇ مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل، وكان واثقاً من الله تعالى بما وعده به جارياً مع مراده، لا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر؛ أجابهم إلى سؤالهم. وهو أوقع في ازدراء شأنهم، فاستأنف سبحانه الخبر عنه بقوله: ﴿قال ألقوا﴾ أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه، وهو أمر تعجيز.
ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في قوله: ﴿فلما ألقوا﴾ أي ما أعدوه للسحر ﴿سحروا أعين الناس﴾ أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا إليها ما لا على بعض، وبعثوا جماعة ينادون: أيها الناس احذروا ﴿واسترهبوهم﴾ أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب.
ولما قيل ذلك، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله، فقال تعالى مبيناً أنهم معذورون في خوفهم: ﴿وجاءو بسحر عظيم*﴾ قال صاحب كتاب الزينة: والسحر على وجوه كثيرة، منه الأخذ بالعين،
стр. 3417
ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه غير ذلك، وأصله مأخوذ من التعلل بالباطل وقلب الأمر عن وجهه كما ذكرنا من لغة العرب.
ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنغ موسى ﵇، قال معلماً عنه عطفاً على ﴿وجاءو﴾ : ﴿وأوحينا﴾ أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه ﴿إلى موسى أن ألق عصاك﴾ أي فألقاها ﴿فإذا هي﴾ من حين إلقائه لها ﴿تلقف﴾ أي تلتقم التقاماً حقيقياً شديداً سريعاً جداً بما دل عليه حذف التاء، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله: ﴿ما يأفكون*﴾ أي يجددون حين إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه، فابتلعت ما كان ملء الوادي من العصيّ والحبال، ثم أخذها موسى ﵇ فإذا هي كما كانت لم يزد شيء من مقدارها على ما كانت عليه، وفي هذا السياق المعلم بتثبت موسى السلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه ﵇ في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه إلى بروز أوامره الشريفة.
стр. 3418
ولما علم أن ما صنعوه إنما هم خيال، وما صنعه موسى ﵇ أثبت من الجبال، سبب معقباً قوله: ﴿فوقع الحق﴾ أي الذي لا شيء أثبت منه، فالواقع يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها
стр. 3419
لأمتعتهم فالإخبار عنه صدق، وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له، فالإخبار عن تحرك ما ألقوه كذب.
ولما أخبر عن ثبات الحق، أتبعه زوال الباطل فقال: ﴿وبطل﴾ بحيث عدم أصلاً ورأساً ﴿ما كانوا يعملون*﴾ فدل بكان والمضارع على أنهم - مع بطلان ما عملوا - نسوا علمهم بحيث إنه أسند عليهم باب العمل بعد أن كان لهم به ملكة كملكة ما هو كالجبلة - والله أعلم؛ ثم سبب عن هذا قوله: ﴿فغلبوا هنالك﴾ أي عند هذا الأمر العظيم العالي الرتبه ﴿وانقلبوا﴾ أي جزاء على قلبهم لتلك الحقائق عن وجوهها حال كونهم ﴿صاغرين*﴾ أي بعد أن كانوا - عند أنفسهم ومن يقول بقولهم وهوالأغلب - عالين، ولا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله على وجه لا يكون فيه حيلة.
ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير، لأنه اللائق بالعبيد، قاد كثيراً منهم إلى السعادة الأبدية، فلذلك قال: ﴿وألقي السحرة﴾ أي ألقاهم ملقى الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين عرفوا أن ما فعله موسى ﵇ أمر سماوي، صدق الله تعالى به موسى ﵇ في أنه رسوله، ولم يتأخروا بعد ذلك أصلاً حتى كأنهم خروا من غير اختيار ﴿ساجدين*﴾ شكراً لله تعالى وانسلاخاً عن الكفر ودليلاً على أقصى غايات الخضوع، فعل الله ذلك بهم حتى
стр. 3420
تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم.
ولما كانوا بمعرض التشوف العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم، أخبر عن ذلك سبحانه بقوله: ﴿قالوا﴾ أي حال إلقائهم للسجود ﴿آمنّا﴾ أي كلنا ﴿برب العالمين*﴾ أي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به؛ ثم خصوا من هداهم الله على أيديهما تصريحاً بالمراد وتشريفاً لهما فقالوا: ﴿رب موسى﴾ ثم أزالوا الشبهة بحذافيرها - لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى ﵇ أنه المراد - بقولهم: ﴿وهارون*﴾ وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب للإيمان عند من ظهرت له، ولو أن الرسول غير مرسل إليه.
ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحاً منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على قومه، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافاً لهم عن المبادرة إلى الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما، فاستأنف الخبر عنه سبحانه بقوله مصرحاً باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه السورة لأن مقصود السورة الإنذار، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك المقام، وقصته مسوفة لبيان فسق الأكثر، وهو أفسق أهل ذلك العصر: ﴿قال فرعون﴾ منكراً عليهم موبخاً لهم بقوله: ﴿آمنتم﴾ أي صدقتم ﴿به﴾ أي بموسى تصديقاً آمنه من رجوعكم
стр. 3421
عنه، ومن أخبر أراد الاستفهام، وأوهم فرعون من فهم عنهم من القبط إرادة الإيمان لأجل ما رأوا من دلائل صدق موسى ﵇ واقتداء بالسحرة بقوله: ﴿قبل أن آذن لكم﴾ ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم فيه من إذنه، فلما ظن أنهم وقفوا خيلهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلاً ورأساً بقوله مؤكداً نفياً لما على قوله من لواتح الكذب: ﴿إن هذا لمكر﴾ أي عظيم جداً، وطول الكلام تبييناً لما أرادوا وتنسية لخاطر الإيمان فقال: ﴿مكرتموه في المدينة﴾ أي على ميعاد بينكم وبين موسى، وحيلة احتلتموها قبل اجتماعكم، وليس إيمانكم لأن صدقه ظهر لكم؛ ثم علل بما يتعلق به فكرهم وتشوش قلوبهم فقال: ﴿لتخرجوا﴾ أي أنتم وموسى ﵇ ﴿منها أهلها﴾ وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل.
ولما استتب له ما أراد من دقيق المكر، شرع في تهديدهم بما يمنع غيرهم وربما ردهم، فقال مسبباً عن ذلك: ﴿فسوف تعلمون*﴾ أي بوعد لا خلف فيه ما أفعل بكم من عذاب لا يحتمل، ثم فسر ما أجمل من هذا الوعيد بقوله: ﴿لأقطعن أيديكم﴾ أي اليمنى مثلاً ﴿وأرجلكم﴾ أي اليسرى، ولذلك فسره بقوله: ﴿من خلاف﴾ أي يخالف الطرف -
стр. 3422
الذي تقطع منه اليد - الطرف الذي تقطع منه الرجل.
ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار، فذكر فيها ما وقع لموسى ﵇ والسحرة على وجه يهول ذكر ما كان من أمر فرعون على وجه يقرب من ذلك، فعبر بحرف التراخي لأن فيه - مع الإطناب الذييكون شاغلاً لأصحابه عما أدهشهم مما رأوه - تعظيماً لأمر الصلب. فيكون أرهب للسحرة ولمن تزلزل بهم من قومه فقال: ﴿ثم لأصلبنكم﴾ أي أعلقنكم ممدودة أيديكم لتصيروا على هيئة الصليب، أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم ﴿أجمعين*﴾ أي لا أترك منكم أحداً لأجعلكم نكالاً لغيركم.
стр. 3423
ولما كان حالاً يشوق النفوس إلى جوابهم، استأنفه بقوله: ﴿قالوا﴾ أي أجمعون، لم يرتع منهم إنسان ولا تزلزل عما منحه الله به من رتبة الإيمان ﴿إنا إلى ربنا﴾ أي الذي ما زال يحسن إلينا بنعمه الظاهرة والباطنة حتى جعل آخر ذلك أعظم النعم، لا إلى غيره ﴿منقلبون*﴾ أي بالموت انقلاباً ثابتاً لا انفكاك لنا عنه إن صلبتنا أو تركتنا، لا طمع لنا في البقاء في الدنيا، فنحن لا نبالي - بعد علمنا بأنا على حالة السعداء - بالموت على أيّ حالة كان، أو المراد أنا ننقلب إذا قتلتنا إلى من يحسن إلينا بما منه الانتقام منك، ولذلك اتبعوه بقولهم: ﴿وما تنقم﴾ أي تنكر ﴿منا﴾ أي فعلك ذلك بنا وتعيب علينا ﴿إلا أن آمنا﴾
стр. 3424
أي إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان ﴿بآيات ربنا﴾ أي التي عظمت بكونها صادرة عنه ولم يزل محسناً إلينا فوجب علينا شكره ﴿لما﴾ أي حين ﴿جاءتنا﴾ لم نتأخر عن معرفة الصدق المصدَّق، وهذا يوجب الإكرام لا الانتقام؛ ثم آذنوه بأنهم مقدمون على كل ما عساه أن يفعل به فقالوا: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا القادر على خلاصنا ﴿أفرغ﴾ أي صب صباً غامراً ﴿علينا﴾ أي فيما تهددنا به هذا الذي قويته علينا ﴿صبراً﴾ أي كثيراً تغمرنا به كما يغمر الماء من يفرغ عليه حتى لا يروعنا ما يخوفنا به ﴿وتوفنا﴾ أي اقبض أرواحنا وافية حال كوننا ﴿مسلمين*﴾ أي عريقين في الانقياد بالظاهر والباطن بدلائل الحق، والظاهر أن الله تعالى أجابهم فيما سألوه تلويحاً بذكر الرب فلم يقدره عليهم لقوله تعالى ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ [القصص: ٣٥] ولم يات في خبر يعتمد أنه قتلهم، وسيأتي في آخر الحديد، عن تاريخ ابن عبد الحكم ما هو صريح في خلاصهم.
ولما قنع فرعون في ذلك الوقت الذي بهرت قومه تلك المعجزة الظاهرة بالانفصال على هذا الوجه الذي لم يدع فيه حيلة إلا خيل بها، وخلص موسى ﵇ بقومه متمكناً منهم بعض التمكن، وكان السياق
стр. 3425
لبيان أن أكثر الخلق فاسق، أخبر تعالى بما قال قوم فرعون بعدما رأوا من المعجز القاهر دليلاً على ذلك، فقال عاطفاً على ﴿وألقي السحرة ساجدين﴾ وما بعده، أو على قول فرعون: ﴿وقال الملأ﴾ أي الأشراف ﴿من قوم فرعون﴾ أي ظانين أن فرعون متمكن مما يريد بموسى ﵇ من الأذى منكرين لما وصل إليه الحال من أمر موسى ﵇ حين فعل ما فعل وآمن به السحرة، وما عمل فرعون شيئاً، لا قتله ولا حبسه، لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ولا يعترف به لقومه ﴿أتذر موسى وقومه﴾ .
ولما كان ما كان في أول مجلس من إيمان السحرة جديراً بأن يجر إليه أمثاله، سموه فساداً وجعلوه مقصوداً لفرعون إحماء له واستغضاباً فقالوا: ﴿ليفسدوا﴾ أي يوقعوا الفساد وهو تغيير الدين ﴿في الأرض﴾ أي التي هي الأرض كلها، وهي أرضنا هذه، أو الأرض كلها، لكون مثل هذا الفعل جديراً برد أهل الأرض كلهم عن عقائدهم ﴿ويذرك وآلهتك﴾ قيل: كان أمر قومه أن يعبدوا الأصنام تقرباً إليه، وقال الإمام: الأقرب أنه كان دهرياً منكراً لوجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأنه المخدوم في العالم للخلق أو لتلك الطائفة والمربي لهم؛ ثم قال: وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ويعبدها على ما هو دين عبدة الكواكب انتهى.
ولذلك قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] ، - هكذا قيل،
стр. 3426
وهو ظاهر عبارة التوارة الآتية في آية القمل، ولكن إرادته غير ملائمة لهذه المعادلة، بل الظاهر أنه كان سمى أمراءة آلهة، وسمى لكل أمير قوماً يتألهونه أي يطيعونه، فإنه نقل عنهم أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلهاً كما سيأتي عن عبارة التوارة، فحيث وقعت الموازنة بين موسى ﵇ وقومه وبين فرعون وقومه، عبر بالآلهة تعظيماً لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبود، ليس وراءه منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه، وموسى ﵇ ليس بإله ولا في قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون! وحيث نفي الإلهية عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨] وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازاً، فجعلوه حقيقة وصاروا يفعلون ما يختص به الآلهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ [التوبة: ٣١] فكفروا بادعاء الربوبية بمعنى العبودية، ونفي المعبود الحق بدليل آية ﴿ما عملت﴾ ، والحاصل أنهم عيروه بالرضى بأن يكون رئيساً على القبط وموسى ﵇ رئيساً على بني إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة
стр. 3427
أكفاء للقبط.
ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى ﵇ لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ذلك فقال مستأنفاً: ﴿قال﴾ أي فرعون ﴿سنقتل﴾ أي تقتيلاً كثيراً ﴿أبناءهم﴾ أي كما كنا نفعل ﴿ونستحيي نساءهم﴾ أي نبقيهم أحياء إذلالاً لهم وأمناً من غائلتهم في المستقبل ﴿وإنا فوقهم﴾ أي الآن ﴿قاهرون*﴾ ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظر لئلا تتوهم العامة أنه المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة، موهماً بهذا أن تركه لأذى موسى ﵇ لعدم التفاته؟ إليه، لايعجزه شيء عنه.
ولما كان هذا أمراً يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموا من رائحة الفرج، استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى ﵇ قائلاً: ﴿قال موسى لقومه﴾ أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من الأمور لو اجتمعت قلوبهم ﴿استعينوا﴾ أي ألصقوا طلب العون ﴿بالله﴾ الذي لا أعظم منه بما يرضيه من العبادة ﴿واصبروا﴾ ثم علل ذلك بأنه فعال لما يريد، ولا اعتراض عليه ولا مفر من حكمه فقال:
стр. 3428
﴿إن الأرض﴾ أي كلها مصر وغيرها ﴿لله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه، كرره تذكيراً بالعظمة وتصريحاً وتبركاً؛ ثم استأنف قوله: ﴿يورثها من يشاء من عباده﴾ .
ولما أخبر أن نسبة الكل إليه واحدة، أخبر بما يرفع بعضهم على بعض فقال: ﴿والعاقبة﴾ أي والحال أن آخر الأمر وإن حصل بلاء ﴿للمتقين*﴾ أي الذين يقون أنفسهم سخط الله بعمل ما يرضيه فلا عبرة بما ترون في العاجل فإنه قد يكون استدراجاً.
стр. 3429
ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم، أشار تعالى أن قلقهم كان وصل إلى حد لا صبر معه بقوله مستأنفاً: ﴿قالوا﴾ ولما كان الموجع هو الأذى، لا كونه من معين، بنوا للمفعول قولهم: ﴿أوذينا﴾ أي بالقتل والاستعباد.
ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان، أثبتوا الجارّ فقالوا: ﴿من قبل أن تأتينا﴾ أي كما تعلم ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾ أي فما الذي أفادنا مجيئك ﴿قال﴾ مسلياً لهم وداعياً ومرجياً بما رمز إليه من قبل ﴿عسى ربكم﴾ أي الذي أحسن إلى آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم ﴿أن يهلك عدوكم﴾ فلا يهولنكم ما ترون ﴿ويستخلفكم﴾ أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين، لا يحكم عليكم غيركم ﴿في الأرض﴾ أي جنسها إن كنتم متقين؛ ثم سبب عن الاستخلاف قوله مذكراً لهم محذراً من
стр. 3430
سطواته سبحانه: ﴿فينظر﴾ أي وأنتم خلفاء متمكنون ﴿كيف تعملون*﴾ أي يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إيقاعكم للأعمال، ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداتكم.
ولما رجاهم موسى ﵇ بذلك، أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به، فذكر مقدماته فقال: ﴿ولقد﴾ أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد ﴿أخذنا﴾ أي قهرنا ﴿آل فرعون﴾ ولينّا عريكتهم وسهلنا شكيمتهم ﴿بالسنين﴾ أي بالقحط والجوع، فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام؛ ولما كانت السنة تطلق على نقص الحبوب، صرح بالثمار فقال، ﴿ونقص من الثمرات﴾ أي بالعاهات إن كان الماء كثيراً، أو السنة للبادية والنقص للحاضرة ﴿لعلهم يذكرون*﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجو ناظره أن يتذكر في نفسه ولو بأدنى وجوه التذكر - بما أشار إليه الإدغام، فإن الضر يزيل الشماخة التي هي مظنة الوقوف مع الحظوظ ويوجب للإنسان الرقة فيقول: هذا إنما حصل لي بسبب تكذيبي لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ولا غيره.
ولما لم يتذكروا ولا لانوا، سبب عن أخذهم قوله معرفاً بغباوتهم
стр. 3431
معبراً في الخير بأداة التحقيق إشارة إلى أنه أغلب من الشر، حثاً على الشكر: ﴿فإذا﴾ أي فما تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا ﴿جاءتهم الحسنة﴾ أي الحالة الكاملة التي يحبونها من الخصب وغيره، وعرفها بعد تحقيقها إشارة إلى إكمالها ﴿قالوا لنا هذه﴾ أي نحن حقيقون بها، ودل على أن الخير أكثر من غيره بقوله بأداة الشك مع التنكير: ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي حالة يكرهونها.
ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا يلحق بني إسرائيل منها شيء، فكان إظهارهم للتطير بهم ظاهراً في ردهم عليهم وتكذيبهم فيه، أشار سبحانه بإدغام التاء إلى أنهم كانوا إنما يدسونه إلى من يمكنهم اختداعه من الجهلة والأغبياء على وجه الحلية والخفاء، بخلاف ما في يس فقال: ﴿يطيروا﴾ أي يتشاءموا ﴿بموسى ومن معه﴾ أي بأن يقولوا: ما حصل لنا هذا السوء إلا بشؤمهم، وهو تفعل من الطير، وهو تعمد قصد الطير لأن يطير للتفاؤل به خير أو شر، وأصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ميامنهم إلى جهة مياسرهم قالوا: بارح، أي مشؤوم، من البرح وهو الشدة، فإذا طار من جهة اليسار إلى جهة اليمين عدوه مباركاً، قالوا: من لي بالسانح بعد البارح، أي بالمبارك بعد المشؤوم، وعرف أن المراد هنا التشاؤم لاقترانه بالسيئة.
ولما كذبوا في الموضعين، قال مستأنفاً على وجه التأكيد:
стр. 3432
﴿ألا إنما طائرهم﴾ أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير والشر فلا يزداد ولا ينقص ﴿عند الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لغيره وقد قدر كل شيء، فلا يقدر على المجيء به غيره أصلاً ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون*﴾ أي لا علم لهم أصلاً فهم لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلاً في ذلك، فلذلك تراهم يضيفون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها.
ولما كان هذا الذي قالوه يدل على سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل العلاج، أتبعه ما هو شر منه، وهو أنهم جزموا بأنه كلما أتاهم شيء في المستقبل قابلوه بالكفر فقال: ﴿وقالوا مهما﴾ هي مركبة من «ما» مرتين: الأولى الشرطية والثانية تأكيد. قلبت ألف الأولى هاء استثقالاً، قيل: مه هي الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية، أي كف عنك ما أنت فيه. ثم استأنفوا «ما» ﴿تأتنا به﴾ أي في أيّ وقت وعلى أيّ حالة كان؛ ثم بينوا المأتي به بقولهم: ﴿من آية﴾ أي علامة على صدقك، وهذا على زعمه، ولذلك عللوه بقولهم: ﴿لتسحرنا﴾ أي لتخيل على عقولنا ﴿بها﴾ وتلفتنا عما نحن عليه إلى ما تريد فنحن نسميها سحراً وأنت تسميها آية؛ ثم أجابوا الشرط بقولهم: ﴿فما نحن﴾ أي كلنا ﴿لك﴾ أي خاصة ﴿بمؤمنين*﴾ أي من أن نكذبك.
стр. 3433
ولما بارزوا بهذه العظمية، استحقوا النكال فسبب عن ذلك قوله:
стр. 3434
﴿فأرسلنا عليهم﴾ أي عذاباً لهم - لما يفهمه حرف الاستعلاء ﴿الطوفان﴾ أي الرعد والبرق والنار مع المطر والبرد الكُبار الذي يقتل البقر فما دونها، والظلمة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها؛ ولما كان ذلك ربما أخصبت به الأرض، أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال: ﴿والجراد﴾ .
ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى شيئاً، أخبر بما يستمر لأزقاً في الأرض حتى لا يدع بها شيئاً فقال: ﴿والقمل﴾ قال في القاموس: القمل كالسكر: صغار الذر والدبى الذي لا أجنحة له - وهو أصغر الجراد أو شيء صغير بجناح أحمر، وشيء يشبه الحلم خبيث الرائحة أو دواب صغار كالقردان يعني القراد. وقال البخاري في بني إسرائيل من صحيحه: القمل: الحمنان يشبه صغار الحلم.
ولما ربما كان عندهم شيء مخزوناً لم يصل إليه ذلك، أخبر بما يسقط نفسه في الأكل فيفسده أو ينقصه فقال: ﴿والضفادع﴾ فإنها عمت جميع أماكنهم، وكانت تتساقط في أطعمتهم، وربما وثبت إلى أفواههم حين يفتحونها للأكل.
ولم تم ما يضر بالماكل، أتبعه ما أفسد المشرب فقال: ﴿والدم﴾ فإن مياههم انقلبت كلها دماً منتناً، وعم الدم الشجر والحجارة وجميع
стр. 3435
الأرض في حق القبط، وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك.
ولما ذكر تعالى هذه الآيات العظيمة، نبه على عظمتها بذكر حالها فقال: ﴿آيات﴾ أي علامات على صدقه عظميات ﴿مفصلات﴾ أي يتبع بعضها بعضاً، وبين كل واحدة وأختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية الظهور، وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره.
ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب، سبب عنها قوله: ﴿فاستكبروا﴾ مبيناً أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر والطغيان ﴿وكانوا قوماً مجرمين*﴾ أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما يحاولونه.
ولما كان هذا في الحقيقة نقضاً لما أخذه الله على العباد بعهد العقل، أتبعه نقضاً حقيقياً، فقال مبيناً لحالهم عند كل آية، ولعله عبر بما يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق: ﴿ولما وقع عليهم الرجز﴾ يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب ﴿قالوا يا موسى ادع لنا ربك﴾ أي المحسن إليك، ولم يسمحوا كبراً وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا: ربنا ﴿بما عهد عندك﴾ أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافاً
следующие страницы →