Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
إلينا وقوله: ﴿وما كانوا﴾ أي خلقاً وجبلة ﴿مؤمنين*﴾ عطف على صلة ﴿الذين﴾ وهي ﴿كذبوا بآياتنا﴾ وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول ﴿إنهم كانوا قوماً عمين﴾ [الأعراف: ٦٤] تعليلاً لإغراقهم، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك، لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد، فالمعنى: وما كان الإيمان من صفتهم، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن، ويزيده حسناً أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا بمثل ذلك صدقاً بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل، وأيضاً فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب، ويحتمل أن تكون الجملة حالاً، والمعنى على كل تقدير: قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم.
ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد، أتبعهم ثمود فقال
стр. 3362
﴿وإلى ثمود﴾ أي خاصة، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة، وهو مشتق من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، أرسلنا ﴿أخاهم صالحاً﴾ ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود ﵇ فقال: ﴿قال يا قوم﴾ مستعطفاً لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة ﴿اعبدوا الله﴾ أي الذي لا كمال إلا له ﴿ما لكم﴾ وأكد النفي بقوله: ﴿من إله غيره﴾ .
ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم، ودعا هو ﷺ ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة، علل صحة ما دعا إليه بقوله: ﴿قد جاءتكم بينة﴾ أي آية ظاهرة جداً على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم به، وزادهم رغبة بقوله: ﴿من ربكم﴾ أي الذي لم يزل محسناً إليكم؛ ثم استأنف بيانها بقوله: ﴿هذه﴾ مشيراً إليها بعد تكوينها تحقيقاً لها وتعظيماً لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله.
ولما أشار إليها، سماها فقال: ﴿ناقة الله﴾ شرفها بالإضافة إلى الاسم الأعظم، ودل على تخصيصها بهم بقوله: ﴿لكم﴾ حال كونها ﴿آية﴾ أي لمن شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها؛ ثم سبب عن ذلك قوله: ﴿فذروها﴾ أي اتركوها ولو على أدنى وجوه الترك ﴿تأكل﴾ أي من النبات و ﴿في أرض الله﴾ أي مما أنبت الله الذي له كل شيء
стр. 3363
وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقاً أرضه والنبات رزقه، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بأرض دون أخرى.
ولما أمرهم بتركها لذلك، أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال: ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ فضلاً عما بعد المس ﴿فيأخذكم﴾ أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه ﴿عذاب أليم*﴾ أي مؤلم.
ولما أمرهم ونهاهم، ذكر لهم ترغيباً مشيراً إلى ترهيب فقال: ﴿واذكروا﴾ أي نعمة الله عليكم ﴿إذ جعلكم خلفاء﴾ أي فيما أنتم فيه ﴿من بعد عاد﴾ أي إهلاكهم ﴿وبوأكم في الأرض﴾ أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ترجعون إليها وقت راحتكم، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم يسهله على غيركم، ولهذا فسر المراد بقوله: ﴿تتخذون﴾ أي بما لكم من الصنائع ﴿من سهولها قصوراً﴾ أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن ﴿وتنحتون الجبال﴾ أي أيّ جبل أرتم تقدرونها ﴿بيوتاً﴾ .
ولما ذكرهم بهذه النعم مرغباً مرهباً، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسبباً عما ذكرهم به: ﴿فاذكروا﴾ أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة ﴿آلاء﴾ أي نعم ﴿الله﴾ أي الذي له صفات الكمال فلا حاجة
стр. 3364
به إلى أحد، فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ من العثي وهو الفساد، وهو مقلوب عن العيث - قاله ابن القطاع، وحينئذ يكون قوله: ﴿مفسدين*﴾ بمعنى معتمدين للفساد.
стр. 3365
ولما حصل الالتفات إلى جوابهم، قيل: ﴿قال الملأ﴾ أي الأشراف، وبينه بقول: ﴿الذين استكبروا﴾ أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقاً فلم يؤمنوا؛ ونبه على التأسية بقوله: ﴿من قومه﴾ ولما قال: ﴿للذين استضعفوا﴾ كان ربما فهم أنهم آمنوا كلهم، فنفى ذلك بقوله مبدلاً منه: ﴿لمن آمن منهم﴾ أي المستضعفين، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم، ففيه إيماء إلى أن الضعف أجلّ النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإذعان للحق، وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد ﴿أتعلمون﴾ أي بدؤوهم بالإنكار صداً لهم عن الإيمان ﴿أن صالحاً﴾ سموه باسمه جفاء وغلطة وإرهاباً للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم ﴿مرسل من ربه﴾ وكأنهم قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه، لأن المستكبيرين لا يتم لهم كبرهم إلا بطاعة المستضعفين.
ولما عملوا ذلك منهم، أعملوهم بالمنابذة اعتماداً على الكبير المتعال
стр. 3366
الذي يضمحل كل كبر عنده ولا يعد لأحد أمر مع أمره بأن ﴿قالوا﴾ منبهين لهم على غلظتهم وغلطهم في توسمهم في حالهم معبرين بما دل على العلم بذلك والإذعان له ﴿إنا بما أرسل به﴾ وبني للمفعول إشارة إلى تعميم التصديق وإلى أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين ﴿مؤمنون*﴾ أي غريقون في الإيمان به، ولذلك ﴿قال الذين استكبروا﴾ أي في جوابهم معبرين بما يدل على المخالفة لهم والمعاندة ﴿إنا بالذي﴾ ووضعوا موضع «أرسل به» - رداً لما جعلوه معلوماً وأخذوه مسلماً ﴿آمنتم به﴾ أي كائناً ما كان ﴿كافرون*﴾ ثم سبب عن قولهم قوله ﴿فعقروا الناقة﴾ أي التي جعلها الله لهم آية، وعبر بالعقر دون النحر لشموله كل سبب لقتلها لأن ابن إسحاق ذكر أنه اجتمع لها ناس منهم فرماها أحدهم بسهم وضرب آخر قوائمها بالسيف ونحرها آخر فأطلق اسم السبب على المسبب، ولكن قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾ [القمر: ٢٩] وقوله ﴿إذا انبعث أشقاها﴾ [الشمس: ٩١] وقوله ﷺ «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه» قالوا: هو قدار بن سالف، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقرها، ففعل فكان أشقى الأولين، وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب ﵁،
стр. 3367
جعلت له قطام امرأة من بني عجل جميلة نفسها إن قتله، فالمناسبة بينهما أن كلاًّ منهما ألقى نفسه في المعصية العظمى لأجل شهوة فرجه في زواج امرأة، وقوله ﷺ «أشقى الأولين عاقر الناقة»
يدل على أن عاقرها رجل واحد، وحينئذ يكون المراد به قطع القوائم، فحيث جمع أراد الحقيقة والمجاز معاً، وحيث أفراد أراد الحقيقة فقط، فالتعبير به لأنه الأصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل؛ قال البغوي: قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقراً لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره - انتهى. وكأن هذا إشارة إلى أن المراد بالعقر في كلامه النحر، ولا ريب في أن أصل العقر في اللغة القطع، ومادته تدور على ذلك، عقر النخلة. إذا قطع رأسها فيبست، والفرس: ضرب قوائمها بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر في الفساد، وأما النحر فيستعمل غالباً في الانتفاع بالمنحور لحماً وجلداً وغيرهما، فلعل التعبير به دون النحر إشارة إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا إهلاكها عتواً على الله وعناداً وفعلاً للسوء مخالفة لنهي صالح ﵇، ولا يشكل ذلك بما ورد من أنهم اقتسموا لحمها، لأنه لم يدع أن العقر يلزمه عدم الانتفاع بالمنحور، وعلى التنزل فهم لم يريدوا بذلك الانتفاع باللحم، وإنما قصدوا- حيث لم يمكنهم المشاركة جميعاً في العقر - ان يشتركوا
стр. 3368
فيما نشأ عنه تعريضاً برضاهم به ومشاركتهم فيه بما يمكنهم ﴿وعتوا﴾ أي تجاوزوا الحد في الغلطة والتكبر ﴿عن أمر﴾ أي امتثال أمر ﴿ربهم﴾ أي المحسن إليهم الذي أتاهم على لسان رسوله من تركها ﴿وقالوا﴾ زيادة في العتو ﴿يا صالح ائتنا﴾ .
ولما نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة، قالوا: ﴿بما تعدنا﴾ استخفافاً منهم ومبالغة في التكذيب، كأنهم يقولون: نحن على القطع بأنك لا تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك، وإن كنت صادقاً فافعل ولا تؤخره رفقاً بنا وشفقة علينا، فإنا لا نتأذى بذلك، بل نتلذذ من يلقى الوعد الحسن، وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته؛ وأكدوا ذلك بقولهم بأداة الشك: ﴿إن كنت من المرسلين*﴾ أي الذين سمعنا أخبارهم فيما مضى؛ ثم سبب عن عتوهم قوله: ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ أي التي كانت عنها أو منها الصيحة، أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة، ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب ﵉ في قوله تعالى: ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي مساكنهم، وجمعها في القصتين مع الصيحة، في سورة هود ﵇ للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين، وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن، فتكون في المقصود من النكال أعظم، والصيحة من شأنها الانتشار، فإذا عمت الأماكن المتنائية والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ومزقت
стр. 3369
جماعتها وفرقت شملها، كانت من القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب، وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت، ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منها، ولعل إحداهما كانت سبباً للأخرى، ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطراباً قطعهاً، أو أن الدار رجفت فرجفت القلوب وهو أقرب، وخصت الأعراف بما ذكر فيها، لأن مقصودها إنذار المعرضين، والرجفة أعظم قرعاً لعدم الإلف لها - والله اعلم ﴿جاثمين*﴾ أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم، ولم يبق منهم في تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم، فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه وهو أبو رغال، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة عشرة أيام، ومن الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح ﵇ والمستضعفين معه شيئاً، وذلك مثل الريح التي زلزلت الأحزاب، وأنالتهم أشد العذاب، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال النبي ﷺ وأصحابه منها كبير أذى، وكفها الله عن
стр. 3370
حذيفة، وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي ﷺ ليتعرف له أخبارهم.
ولما أصابهم ذلك، سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة فقال تعالى إعلاماً لنا بذلك: ﴿فتولى﴾ أي كلف نفسه الإعراض ﴿عنهم وقال﴾ أي لما أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم أصله وعشيرته ﴿يا قوم﴾ أي الذين يعز عليّ ما يؤذيهم ﴿لقد أبلغتكم﴾ ولعله وحد قوله: ﴿رسالة ربي﴾ لكون آيته واحدة ﴿ونصحت﴾ وقصر الفعل وعداه باللام فقال: ﴿لكم﴾ دلالة على أنه خاص بهم، روي أنه خرج عنهم في مائة وعشرة من المسلمين وهويبكي، وكان قومه ألفاً وخمسمائه دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم.
ولما كان التقدير: ففعلت معكم ما هو مقتض لأن تحبوني لأجله، عطف عليه قوله: ﴿ولكن﴾ لم تحبوني، هكذا كان الأصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا كان دأبهم وخلقاً لهم مع كل ناصح فقال: ﴿لا تحبون﴾ أي حاكياً لحالهم الماضية ﴿الناصحين﴾ أي كل من فعل فعلي من النصح التام.
стр. 3371
ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم، أتبعه من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال:
стр. 3372
﴿ولوطاً إذ قال﴾ ولما كانت رسالته إلى مدن شتى، وكأنهم كانوا قبائل شتى، قيل: كانوا خمسة وهي المؤتفكات، وقيل: كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة، قال: ﴿لقومه﴾ وقد جوزوا أن يكون العامل فيه ﴿أرسلنا﴾ و ﴿اذكر﴾ ولا يلزم من تقدير ﴿أرسلنا﴾ أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير سابق عليه، لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطبق على أول قوله وآخره - وقت له فكذلك اليوم - الذي وقع فيه هذا القول - وقت له، بل وذلك الشهر وتلك السنة وذلك القرن، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل الواحد يوماً، قالوا: يوم القادسية، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة القتال فقط، وعدة شهور إن اعتبرنا بالاجتماع له، وكذا يوم صفين، وقال تعالى في قصة بدر ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ إلى أن قال: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ إلى أن قال: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة﴾ [الأنفال: ٧] وكلها إبدال من قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ ولا ريب في أن زمان الكل يكن متحداً إلا بتأويل جميع الأيام المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك - والله أعلم، وعبر في قصة نوح ﵇ ب ﴿أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ [الأعراف: ٥٩] ثم نسق من بعده عليه فقيل: ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً﴾ [الأعراف: ٧٣] ﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً﴾ [الأعراف: ٨٥] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل:
стр. 3373
وإلى أهل أدوماً أخاهم لوطاً، أو إلى أهل سدوم لوطاً أو وأرسلنا لوطاً إلى قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسىعليه السلام، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص تسلية النبي ﷺ ، في مخالفة قومه لهوعدم استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب، وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده المؤمنين، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيهاً عليه تهويلاً للامر وتبشيعاً له، ليكون في التسلية أشد، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم، وحينئذ يترجح أن يكون العامل ﴿اذكر﴾ لا ﴿أرسلنا﴾ أي واذكر لوطاً وما حصل عليه من قومه زيادة على شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعاً، فالقصة في الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش، والدليل على أنه أشنع الشنع بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه - اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ولا مع
стр. 3374
وصف من الأوصاف، وبقية المحرمات ليست كذلك، فأما قتل النفوس فقد حل في القصاص والجهاد وغير ذلك، والوطء في القبل لم يحرم إلا بقيد كونه زنى، ولولا الوصف لحل، وأكل المال الأصل فيه الحل، وما حرم إلا بقيد كونه بالباطل - وكذا غير ذلك؛ قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه، أتى معرفاً - أي في قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخه لهم: ﴿أتأتون الفاحشة﴾ أي أتفعلون السيئة المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون «أل» فيه للجنس على سبيل المبالغة، كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام، وذلك بخلاف الزنى فإنه قال فيه
﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة﴾ [الإسراء: ٣٢] .
ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا: لم تكون فعلتنا منكراً موبخاً عليها؟ قال: ﴿ما سبقكم بها﴾ وأغرق في النفي بقوله: ﴿من أحد﴾ وعظم ذلك بتعميمه في قوله: ﴿من العالمين*﴾ فقد اخترعتم شيئاً لا يكون مثل فحشه لتذكروا به أسوأ ذكر، كما
стр. 3375
أن ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ذكره وينفعهم أجره، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على فاعليها، لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن.
ولما أبهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى معرفتها، عينها في استفهام آخر كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على تناهي الزجر عنها فقال: ﴿إنكم لتأتون الرجال﴾ أي تغشونهم غشيان النساء؛ ولما أبقى للتشوف مجالاً، عين بقوله: ﴿شهوة﴾ أي مشتهين، أو لأجل الشهوة، لا حامل لكم على ذلك إلا الشهوة كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل وصرح بقوله: ﴿من دون النساء﴾ فلما لم يدع لبساً، وكان هذا ربما أوهم إقامة عذر لهم في عدم وجدان النساء أو عدم كفايتهن لهم، أضرب عنه بقوله: ﴿بل أنتم قوم﴾ .
ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به الإسراف الذي هو غاية الجهل المذكور في سورة النمل فقال ﴿مسرفون*﴾ أي لم يحملكم على ذلك ضرورة لشهوة تدعونها، بل اعتياد المجاوزة للحدود، ولم يسم قوم لوط في سورة من السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صوناً للكلام عن تسميتهم، وأما قوم نوح فإنما لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك، فكانوا لذلك جميع أهل الأرض ولذا عمهم الغرق - والله أعلم.
ولما كان كأنه قيل: هذا التقريع يوجب غاية الاستحياء، بل إنه
стр. 3376
يذهب كل من سمعه منهم إلى مكان لا يعرف فيه ستراً لحاله، فيا ليت شعري ما كان حالهم عنده! فقيل: كان كأنهم أجابوه بوقاحة عظيمة وفجور زائد على الحد، فما كان جوابهم إلا أذى لوط ﵇ وآله بما استحقوا منهم به شديد الإنذار الذي هو مقصود السورة، عطف عليه قوله: ﴿وما كان جواب قومه﴾ أي الذين هم أهل قوة شديدة وعزم عظيم وقدرة على القيام بما يحاولونه ﴿إلا أن قالوا﴾ .
ولما كان المقصود بيان أنهم أسرعوا إجابته بما ينكيه أضمر ما لا يشكل بالإضمار، أو أنه لما كان السياق لبيان الخبيث بين أنه لا أخبث من هؤلاء الذين بلغ من رذالتهم أنهم عدوا الطاهرين المتطهرين مما يصان اللسان عن ذكره فقال تعالى مشيراً إلى ذلك في حكاية قولهم: ﴿أخرجوهم﴾ أي المحدث عنهم، وهم لوط ومن انضم إليه ﴿من قريتكم﴾ والمراد ببيان الإسراع في هذا تسلية النبي ﷺ من رد قومه لكلامه لئلا يكون في صدره حرج من إنذارهم، ثم عللوا إخراجهم بقولهم: ﴿إنهم أناس﴾ أي ضعفاء ﴿يتطهرون*﴾ وكأنهم قصدوا بالتفعل نسبتهم إلى محبة هذا الفعل القبيح، وأن تركهم له إنما هو تصنع وتكليف لنفوسهم بردها عما هي مائلة إليه، وإقبال على الطهر من غير وجهة وإظهار له رياء بما أشار إليه إظهار تاء
стр. 3377
التفعيل، وفيه مع ذلك حرف من السخرية، وحصر جوابهم في هذا المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا ينافي آية العنكبوت القائلة ﴿فما كان جواب قومه إلا قالوا ائتنا بعذاب الله﴾ [العنكبوت: ٢٩] ، لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز، والمعنى: فما كان قولهم في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جواباً، وذلك مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق بالجواب، أو أن هذا الجواب لما كان - لما فيه من التكذيب والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول الله ﷺ مستلزماً للعذب، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ ، جعل نطقهم بالسبب نطقاً بالمسبب، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالاً، ويؤيده أن المعنى لما اتحد هنا وفي النمل حصر الجواب في هذا، أي فما كان جوابهم لهذا القول إلا هذا؛ ولما زادهم في العنكبوت في التقريع فقال: ﴿أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر﴾ [العنكبوت: ٢٩] أتوه بأبلغ من هذا تكذيباً واستهزاء فقالوا ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ - الآية.
ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه، وكان الإعلام بإنجائه - مع كونه يفهم إهلاكهم - أهم، قال: ﴿فأنجيناه وأهله﴾ أي من أطاعه ﴿إلا امرأته﴾ ولما كان كأنه قيل: ما لها؟ قال: ﴿كانت من الغابرين*﴾ أي الباقين الذين لحقتهم بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى أنها أصابها مثل عذاب الرجال سواء، لم تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم.
стр. 3378
ولما أفهم هذا إهلاكهم، بينه دالاً على نوعه بقوله: ﴿وأمطرنا﴾ أي حجارة الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم وشذابهم لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء؛ وأوضحه بقصره الفعل وتعديته بحرف الاستعلاء فقال: ﴿عليهم﴾ وأكد كونه من السماء لا من سطح أو جبل ونحوه بقوله: ﴿مطراً﴾ وأشار إلى عظمه مزيلاً للبس أصلاً بما سبب عنه من قوله: ﴿فانظر كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المجرمين -*﴾ وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع من فاحش المعصية دليلاً على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه، لأن الحكم يدور مع العلة، وسياتي في سورة هود ﵇ سياق قصتهم من التوراة بعد أن مضى في البقرة عند ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾ [البقرة: ١٣١] أوائل أمرهم، وهذا كما سومت الحجارة لقريش - لما أجمعوا أن يرجعوا بعد توجههم عن غزوة أحد من الطريق - ليفزعوا من النبي ﷺ وأصحابه على زعمهم، كما قال ﷺ «والذي نفسي بيده! لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب» ولكنه ﷺ لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم فمضوا حتى أسلم بعد ذلك كثير منهم، وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب الفيل سنة مولده ﷺ حماية لبلده ببركته.
стр. 3379
ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص، أعاد النسق الأول فقال ﴿وإلى مدين﴾ أي أرسلنا، وهي بلد، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم الخليل ﵇ ﴿أخاهم﴾ أي من النسب، وبينه بقوله: ﴿شعيباً﴾ وهوموصوف بأنه خطيب الأنبياء ﵈ لحسن مراجعة قومه؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق: ﴿قال يا قوم﴾ دالاً على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة، وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء ﵈ فقال: ﴿اعبدوا الله﴾ أي الذي يستحق العبادة لذاته بما له من السماء الحسنى والصفات العلى.
ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنه غني، علل ذلك بقوله: ﴿ما لكم﴾ وأغرق في النفي بقوله: ﴿من إله غيره﴾ ثم استأنف التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله: ﴿قد جاءتكم﴾ أي على يدي ﴿بينة﴾ ولما كنا عالمين من قول النبي ﷺ الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه «ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» أن هذه البينة معجزة، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا، لم تعن؛ ثم زادهم ترغيباً بقوله: ﴿من ربكم﴾ أي الذي لم تروا إحساناً إلا منه.
ولما كان إتيانه بالبينات سبباً لوجوب امتثال أمره، قال مسبباً عنه: ﴿فأوفوا الكيل﴾ أي والمكيال والوزن ﴿والميزان﴾ أي ابذلوا ما
стр. 3380
تعطون بهما وافياً، فالآية من الاحتباك، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط.
ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس، صريح به على وجه يعم غيره فقال: ﴿ولا تبخسوا﴾ أي تنقصوا وتفسدوا كما أفسد البخسة ﴿الناس أشياءهم﴾ أي شيئاً من البخس في كيل ولا وزن ولا غيرهما، والناس - قال في القاموس - يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه «أل» ، وقال أبو عبد الله القزاز: الناس أصله عند البصريين أناس، ثم أدخلوا الألف واللام على ذلك وحذفوا الهمزة وبقي الناس، وكان أصله فعال من: أنست به، فكأنه قيل: أناس - يعني على القلب، قال: لأنه يؤنس إليهم - انتهى. إذا علم هذا علم أن نهيه ﷺ عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى عن بخس الواحد من باب الأخرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه.
ولما نهى عن الفساد بالبخس، عم كل فساد فقال: ﴿ولا تفسدوا﴾ أي توقعوا الفساد ﴿في الأرض﴾ بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه؛ ولما نهاهم عن هذه الرذائل، ذكر بنعمة الله تاكيداً للنهي بما في ذلك من التخويف وحثاً على التخلق بوصف السيد فقال: ﴿بعد إصلاحها﴾ أي إصلاح الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام البديع المحكم ثم بنعمة الإبقاء الأول
стр. 3381
بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح أمر المعاش والمعاد بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله، ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة.
ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثاً لهم على امتثاله فقال: ﴿ذلكم﴾ أي الأمر العظيم العالي الرتبه مما ذكر في هذه القصة ﴿خير لكم﴾ ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك، أشارإلى ذلك بقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين*﴾ أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته، وإذ عرفتم صحته عملتم به، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح، ويجوز- وهو أحسن - أن يكون التقدير: فهو خير لكم، لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على أساس الإيمان، والكافر أعماله فاسده فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيراً له من جهة إسعادة في الآخرة لأنه لا ثواب له.
стр. 3382
ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ما لا يخفى، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ينهى عن كل فساد، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة المراد بعد التعميم فقال: ﴿ولا تقعدوا﴾ أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته ﴿بكل صراط﴾ أي طريق من طرق الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والمحكم والمتشابه والأمثال
стр. 3383
﴿توعدون﴾ أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم يوافقكم على ما تريدون.
ولما كان طريق الدين أهم، خصه بالذكر فقال: ﴿وتصدون﴾ أي توقعون الصد على سبيل الاستمرار ﴿عن سبيل الله﴾ أي طريق من له الأمر كله؛ ولما ذكر الصدود عنه، ذكر المصدود فقال: ﴿من آمن به﴾ آي بالله فسلك سبيله التي لا أقوم منها؛ ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه، بل يبدون للمصدود شبهاً توهمه أنه على ضلال، قال عاطفاً: ﴿وتبغونها عوجاً﴾ أي وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات والشكوك كما تقول: أريد فلاناً ملكاً، أي أريد ملكه، وقد تقدم في آل عمران أن نصبه على الحال أرجح، وأن قوله ﷺ في الصحيح «ابغني أحجاراً أستنفض بها» يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم.
ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان والنصرة بالصد، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلاً عن تقليلهم ونقصهم، فقال عطفاً على قوله ﴿اعبدوا الله﴾ وما بعده من الأوامر والنواهي: ﴿واذكروا إذ﴾ أي حين ﴿كنتم قليلاً﴾ أي في العدد والمدد ﴿فكثركم﴾ أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم، فلا تقابلوا النعمة بضدها، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر.
стр. 3384
ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال: ﴿وانظروا كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المفسدين*﴾ أي في عموم الإهلاك بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة هود لكون الحال هناك مقتضياً للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولما حذرهم وخامة الفساد الذي نهاهم عنه، وعلق انتهاءهم عنه بوصف الإيمان، رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال: ﴿وإن كان طائفة منكم﴾ أي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون ﴿آمنوا بالذي أرسلت به﴾ وبناه للمفعول إشارة إلى أن الفاعل معروف بما تقدم من السياق، وأنه صار بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات ﴿وطائفة﴾ أي منكم ﴿لم يؤمنوا﴾ أي بالذي أرسلني به من أيدني بما عملتم من البينات، وحذرهم سطوته بقوله: ﴿فاصبروا﴾ أي أيها الفريقان ﴿حتى يحكم الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿بيننا﴾ أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما أجرى بذلك عادته ﴿وهو﴾ أي الحال أنه ﴿خير الحاكمين*﴾ لأنه يفصل النزاع على أتم وجه وأحكمه.
стр. 3385
ولما انتهى كلامه ﵇ على هذا الوجه البديع، أخبر سبحانه بما أفهم أن قومه لم يجدوا جواباً عنه أصلاً لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل، وهو أمارة الانقطاع، فقال مستأنفاً: ﴿قال الملأ﴾ أي الأشراف ﴿الذين استكبروا﴾ أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة، وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله: ﴿من قومه لنخرجنك﴾ وبين غلظتهم وحفاءهم بقولهم: ﴿يا شعيب﴾ من غير استعطاف ولا إجلال ﴿والذين آمنوا﴾ ويجوز أن يتعلق قوله: ﴿معك﴾ ب «آمنوا» وب «نخرج» ﴿من قريتنا﴾ أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا ﴿أو لتعودن﴾ أي إلا أن تعودوا، أي ليكونن آخر الأمرين: إما الإخراج وإما العود ﴿في ملتنا﴾ أي بالسكوت عنا كما كنتم، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه ﷺ كان محفوظاً قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء ﵈، بل كانوا يعدون سكوته ﵇ قبل إرساله إليهم من دعائهم وسب آلهتهم وعيب دينهم - كوناً في ملتهم، ومرادهم الآن رجوعه ﵇ إلى تلك الحالة
стр. 3386
والقناعة ممن اتبعه بذلك، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع.
ولما كان من الإخراج والرد مستعظماً، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله: ﴿قال أولو﴾ أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو ﴿كنا كارهين*﴾ .
ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحامياً ومنه نفرة فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فيكف به على ملك الملوك! علق الكذب على الله تعالى بالعود إلى ملتهم بقوله مستأنفاً الإخبار لمن تشوف إلى علم ما كان منه بعد هذا الكلام اللين وتوقع غيره: ﴿قد افترينا﴾ أي تعمدنا الآن بما نقوله لكم، أي من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه ﴿على الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿كذباً﴾ ويجوز أن يكون تنوينه للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير، ولكل وجه يدعو إليه المقام لا يخفى ﴿إن عدنا﴾ أي ساعة من الدهر ﴿في ملتكم﴾ أي بسكوتنا أو بسكوتي وكفر من كان ممن تبعني كافراً ﴿بعد إذ نجانا الله﴾ أي الملك الأعلى خارقاً للعادة بما كنا جديرين بالانغماس فيه متابعة للآباء والأجداد والعشيرة بما له من القدرة والعظمة ﴿منها﴾ أي إن فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح القبائح على بصيرة منا بذلك، فهو تعليق على محال عادة، وهو من وادي قول الأشتر النخعي:
стр. 3387
بقّيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنَّ على ابن هند غارة ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس
غير أن المعلق في البيت تقديري، وفي الآية تحقيقي، لأنهم أخبروهم أن الله تعالى نهى عن الكفر وأمرهم بإنذار كل كافر، فمتى تركوا ذلك لزمهم الكذب حتماً ﴿وما يكون لنا﴾ أي ما يصح وما يتفق ﴿أن نعود فيها﴾ أي ملكتم.
ولما كان الله سبحانه أن يفعل ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له جميع الحمد لذاته؛ ثم ذكر صفه الإحسان عياذاً من أن يراد بهم الهوان فقال: ﴿ربنا﴾ أي خرق العادة فله ذلك، فهو من باب التذكر للمخاوف والإشراف على إمكان سوء العواقب للصدق في التضرع إلى الله تعالى والالتجاء إليه والاستعاذة من مكره، ولذلك أتى باسم الجلالة الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى وصفة الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما يفعل لمربي الشفيق، فكأنه قال: إن عودنا في ملتكم غير ممكن عادة، والمحال عادة لا يقدر عليه إلا بقدر من الله، بل ولا توجه الهمم إليه، والله تعالى أكرام من أن يعود فيما وهبه لنا من هذا الأمر الجليل،
стр. 3388
وينزع عنا هذا اللباس الجميل، وهو صريح في أن الكفر يكون بمشيئة الله، بل ولا يكون إلا بمشيئته، وقوله: ﴿وسع ربنا﴾ أي المحسن إلينا ﴿كل شيء علماً﴾ زيادة في حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة، أي لا علم لنا بخواتم العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة، فهذه الجملة كالتعليل للتعليق بالمشيئة قطعاً - لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في عودهم، كأنه قيل: وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص علومنا، فربما كان في سعة علمه قسم ثالث، وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا، أو توافقوننا على ما نحن عليه، وهكذا ينبغي للمربوب، ولا ينبغي الجزم بأمر يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه، والآية تدل على انه كان في الأزل عالماً بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن «وسع» ماض، وقد تقدم في الأنعام أن قول الخليل ﵇ وهذا وآية الكهف من مخبر واحد - والله أعلم.
ولما كان المراد من هذا ما ذكر، كان مزعجاً للقلوب مقلقاً للنفوس مزعزعاً للخواطر مزلزلاً للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار، فكأن المؤمنين قالوا: ما العمل وأين المفر؟ فقال: ﴿على الله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحده لا على غيره ﴿توكلنا﴾ أي فوضنا جميع أمورنا إليه، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد
стр. 3389
وقد تبرأنا من حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته، وجعلنا جميع أمورنا كلها محمولة على قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه منه.
ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله، أتبع ذلك الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحقّ وخذل المبطل فقال: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿افتح﴾ أي احكم ﴿بيننا﴾ ولما كان يريد استعطافهم لإسعادهم قال: ﴿وبين قومنا﴾ وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء بهدايتهم، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه ﴿بالحق﴾ أي بالأمر الفيصل من معاملة كل من المحقّ والمبطل بما يستحقه شرعاً وعرفاً بحيث يكون لكل فريق باب يصل به إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف، فقد علم من إشارة قوله العناية بقومه، ومن عبارته الإنصاف من نفسه، ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل، والآية معلمة بأن له تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة الطائع وعكس ذلك،
﴿لا يسئل عما يفعل﴾ [الأنبياء: ٢٣] لأنه التام المِلك العظيم المُلك الشامل القدرة الحكيم الخبير، ويجوز أن يكون المراد: لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء الله سكوتنا بامر يحدثه إلينا في ذلك
стр. 3390
لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها علومنا، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا، فله الخلق والأمر.
ولما اشار الدعاء لقومه، أشار - بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر - إلى أن التقدير: فأنت خير الراحمين: ﴿وأنت خير الفاتحين*﴾ أي على من سدت عليه الأبواب ولم يجد مخلصاً.
стр. 3391
ولما انقضى جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل، ذكر سبحانه قولهم بعده عاطفاً له على ما مضى من قولهم أو قوله، كان الأصل أن يقال: وقالوا، ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة الاستكبار وهي الكفر، ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال: ﴿وقال الملأ﴾ أي الأكابر ﴿الذين﴾ يملؤون العيون مرأى والقلوب مهابة، فحلمهم التكبر على أنهم ﴿كفروا﴾ .
ولما كان من المستبعد أن يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم به من الخير لحسد أو اتهام أو غيرها، فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين يعاملونه بهذه الغلطة أجانب عنه، قال: ﴿من قومه﴾ بياناً لأن الفضل بيد الله فقد يؤتيه البغيض البعيد ويمنعه الحبيب القريب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ، ووطؤوا للقسم بقولهم: ﴿لئن اتبعتم﴾ أي أيها الأتباع ممن لم يؤمن بعد ﴿شعيباً﴾ أو تركتم ما أنتم عليه مما أورثه لكم
стр. 3392
آباؤكم؛ واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله: ﴿إنكم إذاً﴾ أي وقت اتباعه ﴿لخاسرون*﴾ أي لأنكم استبدلتم بدين الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس والتطفيف وقط السبل.
ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال، استحقوا الأخذ فقال: ﴿فأخذتهم﴾ أي فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم ﴿الرجفة﴾ أي الزلزلة العظيمة في القلوب أو الديار التي كانت سبباً للصيحة أو مسببة عنها ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي مساكنهم، وتقدم سر توحيدها ﴿جاثمين*﴾ أي باركين على الركب أو لازمين أمكنتهم لا حراك بهم، وهذا دون ما كان النبي ﷺ لما نزلت الملائكة بحنين، فكان الكفار يسمعون في أجوافهم مثل وقع الحصاة في الطست، ودون ما كان يجد مخالفه من الرعب من مسيرة شهر من ورائه وشهر من أمامه، ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة.
ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم، وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما لا يخفى، لخص ذلك ذاكراً لأنه حل بهم بالخصوص - ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال: ﴿الذين كذبوا شعيباً﴾ أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات ﴿كأن﴾ أي هم المخصصون بالهلاك
стр. 3393
حتى كأنهم ﴿لم يغنوا﴾ أي ينزلوا ويقيموا، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء ﴿فيها﴾ أي الدار بسبب تكذيبهم.
ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة، كرره إشارة إلى ذلك وإعلاماً بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين فقال: ﴿الذين كذبوا شعيباً﴾ أي تكذيبه سبباً لهلاكهم ﴿كانوا﴾ أي بسبب التكذيب أيضاً ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرين*﴾ أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.
ولما صارت تلك الدار محل الغضب، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من قبله من الأنبياء ﵈، فقال: ﴿فتولىعنهم﴾ بعد نزول العذاب وقبله عند رؤية مخايله ذاهباً إلى مكان غيره، يعبد ربه فيه ﴿وقال﴾ متأسفاً على ما فاته من هدايتهم ﴿يا قوم﴾ أي يا عشيرتي وأقرب الناس إليّ ﴿لقد أبلغتكم﴾ ولعله جمع لأجل كثرة ما أتاهم به من المعجزات فقال: ﴿رسالات ربي﴾ أي المحسن إليّ بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه ﴿ونصحت﴾ أي وأوقعت النصح
стр. 3394
﴿لكم﴾ أي خاصة.
ولما كان هذا مفهماً لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته، سبب عنه منكراً على نفسه قوله: ﴿فكيف آسى﴾ أي أحزن حزناً شديداً ﴿على قوم كافرين*﴾ أي عريقين في الكفر، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير من سور القرآن- دون قصة إبراهيم ﵇ وهو أعظمهم - لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم، وأما إبراهيم ﵇ فإنه وقع النص في قوله ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ [الصافات: ٩٩] بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته، وهو أفضلهم لأن الكائن في قصته أعظم في الأفضلية، وهو طبق ما اتفق لولده أفضل البشر نبينا محمد ﷺ ، وانظر إلى قوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] تعرف ما في هذا المقام من الإكرام، وأن الأمر كما قيل: لعين تجازى ألف عين وتكرم.
ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله تعالى: ﴿وكم من قرية أهلكناها﴾ [الأعراف: ٤] الآية، ثم أتبعه - بعد تقديم ما يحتاج إليه على النظم الذي سبق التنبيه عليه - تفصيل ما انفردت به كل أمه من العذاب الحاث على سبيل الصواب، أتبع ذلك إجمالاً آخر أبسط من الأول على نمط غريب دال على عادته المستمرة وسنته المستقرة في شرح
стр. 3395
حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم، لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير حالهم، فبين أن الكل على نهج واحد وأن السبب في استئصالهم واحد، وهو التكذيب والاستكبار على الحق، ليكون الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية لتنطبق على الجزيئات. وذلك الاستبصار بما يكون من نافع أو ضار وعدم الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل بالتسلية لنبيه ﷺ والتأسية، متقدم على قصة موسى وهارون ﵉ لطولها وتعجيلاً بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى: ﴿وما﴾ أي أرسلنا فلاناً فكان كذا وفلاناً فكان كذا، وما ﴿أرسلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿في قرية﴾ أي من قرى أولئك وغيرهم ﴿من نبيٍّ﴾ أي من الأنبياء الذين تقدموك ﴿إلا﴾ كان ما نخبر به من ترهيبهم من سطواتنا وهو أنا ﴿أخذنا﴾ أي بعظمتنا ﴿أهلها﴾ أي أخذ قهر وسطوة، أي لأجل استكبارهم عن الحق ﴿بالبأساء﴾ أي قهر الرجال ﴿والضراء﴾ أي المرض والفقر ﴿لعلهم يضرعون*﴾ أي ليكون حالهم عند المساءة حال من يرجى تضرعه وتذلله وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى المراتب - على ما أشار إليه الإدغام، لأن ذلك كاف في
стр. 3396
الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام.
ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيراً إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء: ﴿ثم بدلنا﴾ ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني ﴿مكان﴾ أي جعلنا ﴿السيئة﴾ أي النقمة ﴿الحسنة﴾ أي النعمة، وبين أنه مد النعمة بقوله: ﴿حتى عفوا﴾ أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا ﴿وقالوا﴾ مسندين الأمر إلى غير أهله ﴿قد مس آباءنا الضراء﴾ أي الشدة ﴿والسراء﴾ أي الرخاء والنعمة، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار.
ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء، سبب عنه قوله: ﴿فأخذناهم﴾ أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في الظاهر والباطن ﴿بغتة﴾ أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى البغت تحقيقاً لأمره بقوله: ﴿وهم لا يشعرون*﴾ فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفاً من الأخذ بغتة.
ولما بين تعالى ما كان قولهم مسبباً له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ضد قولهم مسبباً له من البركات لو وقع بقوله: ﴿ولو أن أهل القرى﴾ أي هذه التي قصصنا أخبارها ﴿آمنوا﴾ أي بما أتاهم به رسلهم
стр. 3397
﴿واتقوا﴾ أي خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته فاستمروا على إيمانهم ﴿لفتحنا عليهم بركات﴾ أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها ﴿من السماء﴾ أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه ﴿والأرض﴾ بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير.
ولما كان الكلام بما أفهمته ﴿لو﴾ في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله: ﴿ولكن كذبوا﴾ أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء، ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل، سبب عنه العذاب فقال: ﴿فأخذناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا يكسبون*﴾ أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة لها.
стр. 3398
ولما كانوا قد ضلوا ضلالاً بعيداً في غلطهم في جعلهم السراء والضراء سبباً للأمن من مكر الله، قال منكراً عليهم أمنهم عاطفاً له على ﴿كذبوا﴾ لأنه سبب الغلط وهو سبب الأمن فقال: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ أي كذبوا ناسين أفعالنا المرهبة بالمضارّ والمرغبة بالمسارّ فأمنوا ﴿أن يأتيهم بأسنا﴾ أي الناشىء عما لنا من العظمة التي لا ينساها إلا خاسر ﴿بياتاً﴾ أي ليلاً وهم قد أخذوا الراحة في بيوتهم، ولما كان النوم شيئاً واحداً يغمر الحواس فيقتضي الاستقرار، عبر بالاسم الدالّ على الثبات فقال: ﴿وهم نائمون*﴾ أي على غاية الغفلة عنه.
стр. 3399
ولما كان ربما قال جاهل: لو جاءهم وهم إيقاظ لأمكن أن يدافعوا! قال: ﴿أو أمن أهل القرى﴾ أي مجتمعين أو منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك ﴿أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾ أي وقت راحتهم واجتماع قواهم ونشاطهم؛ ولما كانت اليقظة موجبة للحركة، عبر بالمضارع في قوله: ﴿وهم يلعبون*﴾ أي يتجدد لعبهم شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت، وفيه تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان العقول، لا التفات لهم إلى غير اللعب.
ولما كان ضلالهم - الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله - أشنع ضلال لتضمنه التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد من الأول فقال مسبباً الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو لب: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ذلك قوله: ﴿فلا يأمن مكر الله﴾ أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر ﴿إلا القوم الخاسرون*﴾ أي الذين كانت قواهم سبباً لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكة.
ولما بان بما مضى حال الكفار مجملاً ومفصلاً، وكان المقصود من ذلك عبرة السامعين، وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم وأفهامهم بعد إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من بعدهم حالاً يكونون بها في حيز من يرجى
стр. 3400
منه الخوف المقتضي للتضرع والعلم قطعاً بأن الفاعل لذلك هو الله، وأنه لو شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى أفهامهم بحيث يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا دعاء ونداء، فسماعهم حيث لا فهم كلا سماع، فجعلوا ذلك سبباً للأمن؛ أنكر عليهم ذلك بقوله ﴿أفأمن﴾ إلى آخره؛ ثم أنكر عليهم عدم الاستدلال على القدرة فقال عاطفاً على ﴿أفأمن﴾ : ﴿أولم يهد﴾ أي يبين أخذنا الأمم الماضية بالبأساء والضراء ثم إهلاكهم إذا لم يتعظوا ﴿للذين يرثون الأرض﴾ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ليعلموا منها ما يضر وما ينفع فلا يكونوا كالبهائم، فإنهم لو تأملوا أحوالهم وأحوال من ورثوا أرضهم وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى سواء السبيل.
ولما كان إرثهم غير مستغرق للزمان، أتى بالجارّ فقال: ﴿من بعد أهلها﴾ ثم ذكر مفعول ﴿يهد﴾ بقوله: ﴿أن﴾ أي إنا ﴿لو نشاء﴾ أي في أيّ وقت أردنا ﴿أصبناهم بذنوبهم﴾ أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا أرضهم؛ ولما كان هذا تخويفاً للموجودين بعد المهلكين، ومنهم قريش وسائر العرب الذين يخاطبون بهذا القرآن، فكأن المخوف به لم يقع بعد، عطف على أصبنا قوله: ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ أي بإزالة عقولهم حتى يكونوا كالبهائم، ولذلك سبب عنه قوله:
следующие страницы →