Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
وحياً أو تفرساً، ولما كان الكلام في المنافقين، فكانت الرؤية لنفاقهم الذي يجتهدون في إخفائه، وكان المؤمنون لا اطلاع لجميعهم عليهم، لم يذكرهم بخلاف من يأتي بعد فإنهم مؤمنون.
ولما كان هذا ربما أوهمهم أنه لا يعلم إلا ما أوقعوه بالفعل، نفى ذلك بإظهار وصفه في موضع الإضمار مهدداً بقوله مشيراً بأداة التراخي إلى استبعادهم لقيامهم إلى معادهم: ﴿ثم تردون﴾ أي براد قاهر لا تقدرون على دفاعه بعد استيفاء آجالكم بالموت وإن طالت ثم البعث ﴿إلى عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن الخلق ﴿والشهادة﴾ وهو ما اطلع عليه أحد منهم. فصار بحيث يطلعون عليه وهذا ترجمة عن الذي يعلم الشيء قبل كونه ما يعلم بعد كونه ﴿فينبئكم﴾ أي يخبركم إخباراً عظيماً جليلاً مستوعباً ﴿بما كنتم﴾ أي بجبلاتكم ﴿تعملون*﴾ أي مما أبرزتموه إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم، ولو تأخرتم لبرز، وهو تهديد عظيم، ووقع ترتيبهم للاعتذار على الأسهل فالأسهل على ثلاث مراتب: الأولى مطلق الاعتذار وقد مضى ما فيها؛ الثانية تأكيد ذلك بالحلف للإعراض عنهم فقال سبحانه: ﴿سيحلفون بالله﴾ أي الذي لا أعظم منه ﴿لكم إذا انقلبتم إليهم﴾ أي جهد إيمانهم أنهم كانوا معذورين في التخلف
стр. 4027
كذباً منهم إرادة أن يقلبوا قلوبكم عما اعتقدتم فيهم ﴿لتعرضوا عنهم﴾ أي إعراض الصفح عن معاتبتهم ﴿فأعرضوا عنهم﴾ إعراض المقت؛ روي أن النبي ﷺ قال «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» ثم علل وجوب الإعراض بقوله ﴿إنهم رجس﴾ أي لا يطهرهم العتاب فهو عبث.
ولما كان من المقرر أنه لا بد لهم من جزاء، وأن النفس تتشوف إلى معرفته، قال: ﴿ومأواهم﴾ أي في الآخرة ﴿جهنم جزاء﴾ أي لأجل جزائهم ﴿بما كانوا يكسبون*﴾ أي فلا تتكلفوا لهم جزاء غير ذلك بتوبيخ ولا غيره؛ المرتبة؛ الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال: ﴿يحلفون لكم﴾ أي مجتهدين في الحلف بمن تقدم أنهم يحلفون به وهو الله ﴿لترضوا عنهم﴾ خوفاً من غائلة غضبكم ﴿فإن ترضوا عنهم﴾ أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم إيمانهم ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الغنى المطلق ﴿لا يرضى﴾ عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿عن القوم الفاسقين*﴾ إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميماً لكل من اتصف بذلك، والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به مخالفين الله، فهو في الحقيقة نهي للمؤمنين عن الرضى عنهم، أبرز في هذا الأسلوب العجيب المرقص، وفي ذلك رد على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا عنهم يقتضي رضى الله، فإن ذلك رد نزعة مما يفعل الأحبار والرهبان في رضاهم وغضبهم وتحليلهم وتحريمهم الذي يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى.
стр. 4028
ولما ترتب سبحانه الاستئذان في العقود والرضى بما فيه من الدناءة على عدم الفقه تارة والعلم أخرى وختم بصنف الأعراب، بين أن الأعراب أولى بذلك لكونهم أعرق في هذا الوصف وأجرأ على الفسق لبعدهم عن معدن العلم وصرفهم أفكارهم في غير ذلك من أنواع المخازي لتحصيل المال الذي كلما داروا عليه طار عنهم فأبعد. فهم لا يزالون في همه قد شغلهم ذلك عن كل هم وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً فقال تعالى: ﴿الأعراب﴾ أي أهل البدو ﴿أشد﴾ أي من أهل المدر ﴿كفراً ونفاقاً﴾ لبعدهم عن دار الهجرة ومعدن العلم وجفائهم بأن مرائي قلوبهم لم تصقل بأنوار الكتاب والسنة ﴿وأجدر أن﴾ أي وأحق بأن ﴿لا يعلموا﴾ ولما كان الإحجام أصعب من الإقدام، وأطراف الأشياء المختلطة في غاية الإلباس، قال: ﴿حدود ما أنزل الله﴾ أي المحيط علماً وحكمة بكل شيء ﴿على رسوله﴾ أي الذي أعلم الخلق من القرآن والشرائع والأحكام لعدم إقبالهم عليه شغلاً بغيره فإن الله يعلم ذلك منهم ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم بكل شيء ﴿حكيم*﴾ أي بالغ الحكمة فهو يضع الأشياء في أتم محالها.
ولما أثبت هذا الوصف لهذا الصنف بين أن أفراده انقسموا إلى من
стр. 4029
ثبت على ما هو الأليق بحالهم، وقسم نزع إلى ما هو الأليق بأهل المدر، كما انقسم أهل المدر إلى مثل ذلك، وبدأ بالخبيث لأنه الأصل فيهم فقال: ﴿ومن الأعراب﴾ أي المذكورين ﴿من يتخذ﴾ أي يتكلف غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الأريحية والهمم العلية بأن يعد ﴿ما ينفق مغرماً﴾ أي فلا يبذله إلا كرهاً ولا يرى له فائدة أخروية بل يراه مثل الصنائع بالنهب ونحوه ﴿ويتربص﴾ أي يكلف نفسه الربص، وهو أن يسكن ويصبر وينتظر ﴿بكم الدوائر﴾ أي الدواهي التي تدور بصاحبها فلا يتخلص منها، وذلك ليستريح من الإنفاق وغيره مما ألزمه به الدين.
ولما تربصوا هذا التربص، دعا عليهم بمثل ما تربصوا فقال: ﴿عليهم دائرة السوء﴾ أي دائماً لا تنفك إما بإذلال الإسلام وإما بعذاب الاصطلام، فهم فيما أرادوه بكم على الدوام، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم السين على أن معناه الشر والضر، وقراءة الباقين بالفتح على أنه مصدر، فهو ذم للدائرة.
ولما كان الانتقام من الأعداء وإيقاع البأس بهم لا يتوقف من القادر غالباً إلا على سماع أخبارهم والعلم بها، جرت سنته تعالى في ختم مثل بقوله: ﴿والله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الكاملة ﴿سميع﴾ يسمع ما يقولون ﴿عليم*﴾ أي فهو يعلم ما يضمرون عطفاً على نحو أن يقال: فالله على كل شيء قدير، ونحوه قوله ﴿إنني
стр. 4030
معكما أسمع وأرى﴾ .
стр. 4031
ولما افتتح الآية الثانية بقوله: ﴿ومن الأعراب من يؤمن﴾ أي لا يزال يجدد إيمانه آثار الدين ﴿بالله واليوم الآخر﴾ علم أن القسم الأول غير مؤمن بذلك، وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من غير إذعان، والإيمان هو الأصل الذي يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما يرجى من ثوابه في اليوم الآخر الذي لولا هو انتفت الحكمة من هذا الخلق على هذا الترتيب: ثم عطف عليه ما يثمره الإيمان فقال: ﴿ويتخذ﴾ أي يحث نفسه ويجاهدها إن عرضت له الوساوس الشيطانية على أن يعد ﴿ما ينفق﴾ أي فيما أمر الله به ﴿قربات﴾ جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه ﴿عند الله﴾ أي الذي لا أشرف من القرب منه لأنه الملك الأعظم ﴿وصلوات﴾ أي دعوات ﴿الرسول﴾ أي الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئاً إلا عن الله، وأطلق القربة والصلاة على سببها.
ولما أخبر عن أفعالهم، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم؛ قال مستأنفاً محققاً لرجائهم ترغيباً في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب: ﴿ألا إنها﴾ أي نفقاتهم ﴿قربة لهم﴾ أي كما أرادوا؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله: ﴿سيدخلهم الله﴾ أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه ﴿في رحمته﴾ أي إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله
стр. 4032
معبراً بالاسم الأعظم تنبيهاً على أنه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم الاجتهاد: ﴿إن الله﴾ أي الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره ﴿غفور﴾ أي بليغ الستر لقبائح من تاب ﴿رحيم*﴾ أي بليغ الإكرام، ذلك وصف له ثابت، يجلله كل من يستأهله.
ولما ذكر القسم الصالح منهم وكانوا متفاوتين فمنهم السابق وأكثرهم التابع اللاحق، أتبعه السابقين على وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر إشارة إلى أنه - وإن أجره - أصله فقد قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في مطلق الانخراط في ملكهم والفوز بدرجتهم لإحسانه في اتباعهم ترغيباً لأهل القدرة والرحمة في اتباع أهل الرضوان والنعمة فقال: ﴿والسابقون﴾ ولما دل على سبقهم بالعلو في مراتبه دل على قديم دخولهم فيه فقال: ﴿الأولون﴾ أي إلى هذا الدين القيم ﴿من المهاجرين﴾ أي لدار الكفر فضلاً عن أهلها ﴿والأنصار﴾ أي الذين آووا ونصروا ﴿والذين اتبعوهم﴾ أي الفريقين ﴿بإحسان﴾ أي في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقهم ﴿رضي الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿عنهم﴾ أي بأفعالهم هذه التي هي وفق ما أمر به ﴿ورضوا عنه﴾ أي بما أتاهم عنه من البشرى وقذف في قلوبهم من النور بلطيف الوعظ والذكرى ﴿وأعد لهم﴾ أي جزاء على فعلهم ﴿جنات تجري﴾ ونبه على عموم ريّها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة
стр. 4033
الجماعة فقال: ﴿تحتها الأنهار﴾ أي هي كثيرة المياه. فكل موضع أردته نبع منه ماء فجرى منه نهر؛ ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في إنباطه بقربه ويسر جريه وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف لأنه يخص هذه الأمة، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان رياً وحسناً وزياً.
ولما كان أعظم العيوب الانقطاع، نفاه بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ وأكد المراد من الخلود بقوله: ﴿أبداً﴾ ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي المكانة خاصة ﴿الفوز العظيم*﴾ .
стр. 4034
ولما استوفى الأقسام الأربعة: قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين منهم تشريفاً للسابق وترغيباً للاحق، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم فرقاً منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب. ومنهم من أخر أمره إلى يوم الحساب، وابتدأ الأقسام بالمستور عن غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفاً مما هددهم به فقال مصرحاً بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم: ﴿وممن حولكم﴾ أي حول بلدكم المدينة ﴿من الأعراب﴾ أي الذين قدمنا أنهم أشد كفراً لما لهم من الجفاء ﴿منافقون﴾ أي راسخون في النفاق، وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم، وأتبعهم من هو أصنع منهم
стр. 4035
في النفاق فقال: ﴿ومن أهل المدينة﴾ أي منافقون أيضاً؛ ثم بين أنهم لا يتوبون بوصفهم بقوله: ﴿مردوا﴾ أي صُلبوا وداموا وعتوا وعسوا وعصوا وصار لهم به دربة عظيمة وضراوة حتى ذلت لهم فيه جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة وصار لهم خلقاً ﴿على النفاق﴾ أي استعلوا على هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة منه؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله: ﴿لا تعلمهم﴾ أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمره؛ ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله: ﴿نحن﴾ أي خاصة ﴿نعلمهم﴾ ثم استأنف جزاءهم بقوله: ﴿سنعذبهم﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿مرتين﴾ أي إحداهما برجوعك سالماً وشفوف أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم وقساوتهم كما أشرت إليه بقولي ﴿ويتربص بكم الدوائر﴾ - أنك لا ترجع هذه المرة من هذه السفرة لما يعرفونه من ثباتك للأقران، وإقدامك على الليوث الشجعان، واقتحامك للأهوال، إذا ضاق المجال، ونكص الضراغمة الأبطال، ومن عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر، وجنوده أقوى من جنودهم وأكثر؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل لردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك الصديق ﵁ إلى
стр. 4036
ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء والنور والحكم على من خالفه بالويل والثبور، وسيأتي أنه يمكن أن تكون المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي الأسرار ﴿ثم يردون﴾ أي بعد الموت ﴿إلى عذاب عظيم*﴾ أي لا يعلم عظمة حق علمه إلا الله تعالى، وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلاً.
ولما ذكر هذا القسم المارد الجافي، ثنى بمقابلة اللين الصافي، وهي الفرقة التي نجز المتاب عليها والنظر بعين الرحمة إليها فقال: ﴿وآخرون﴾ أي ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة آخرون ﴿اعترفوا بذنوبهم﴾ أي كلفوا أنفسهم ذكرها توبة منهم ندماً وإقلاعاً وعزماً ولم يفزعوا إلى المعاذير الكاذبة وهو المقتصدون.
ولما كان الخلط جمعاً في امتزاج، كان بمجرد ذكره يفهم أن المخلوط امتزج بغيره، فالإتيان بالواو في ﴿آخر﴾ يفهم أن المعنى: ﴿خلطوا عملاً صالحاً﴾ بسيىء ﴿وآخر سيئاً﴾ بصالح، فهو من ألطف شاهد لنوع الاحتباك، ولعل التعبير بما أفهم ذلك إشارة إلى تساوي العملين وأنه ليس أحدهما بأولى أحدهما بأولى من الآخر أن يكون أصلاً، وقد فسرها النبي ﷺ بذلك في أناس رآهم في المنام شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح كما رواه البخاري في التفسير عن سمرة ﵁ ثم أوجب تحقيق توبتهم الملزومة للاعتراف بقبولها بقوله: ﴿عسى الله﴾ أي بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال
стр. 4037
﴿أن يتوب عليهم﴾ فإن ﴿عسى﴾ منه واجبه لأن هذا دأب الملوك ولعل التعبير بها يفيد - مع الإيذان بأنه لا يجب عليه لأحد شيء وأن كل إحسان يفعله فإنما هو على سبيل الفضل إشارة إلى أنهم صاروا كغيرهم من خلص المؤمنين غير المعصومين في مواقعة التقصير وتوقع الرحمة من الله بالرجوع بهم إلى المراقبة، فكما أن أولئك معدودون في حزب الله مع هذا التقصير المرجو له العفو فكذلك هؤلاء؛ ثم علل فعله بهم مرجياً للمزيد بقولع: ﴿إن الله﴾ أي ذا الجلال والإكرام ﴿غفور رحيم*﴾ أي لم يزل موصوفاً بقبول المعرض إذا أقبل وإبدال سئيه بحسن فضلاً منه وإكراماً؛ روى البخاري في صحيحه في التفسير عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لنا: «أتاني الللية آتيان فابتعثاني فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عفا الله عنهم» .
стр. 4038
ولما كان من شأن الرضوان قبول القربان، أمره ﷺ تطهيراً لهم وتطييباً لقلوبهم بقوله: ﴿خذ﴾ ورحمهم بالتبعيض فقال: ﴿من أموالهم صدقة﴾ أي تطيب أنفسهم بإخراجها ﴿تطهرهم﴾ أي هي من ذنوبهم وتجري بهم مجرى الكفارة ﴿وتزكيهم﴾ أي أنت تزيدهم وتنميهم ﴿بها﴾ بتكثير حسناتهم ﴿وصل﴾ أي اعطف ﴿عليهم﴾ وأظهر شرفهم بدعائك لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن صلواتك﴾ أي دعواتك التي تصلهم بها فتكون موصلة لهم إلى الله ﴿سكن لهم﴾ أي تطمئن بها قلوبهم بعد قلق الخوف من عاقبة الذنب لما يعلمون من أن القبول لا يكون إلا ممن حصل له الرضى عنهم ومن أن الله سمع قولك إجابة لك ويعلم صدقك في صلاحهم ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿سميع عليم*﴾ أي لكل ما يمكن أن يسمع وما يمكن أن يعلم منك ومنهم ومن غيركم، فهو جدير بالإجابة والإثابة، وذلك أن هذا الصنف لما اشتد ندمهم على التخلف أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فسأل عنهم رسول الله ﷺ حين قدم فقيل: ندموا على التخلف عنك فحلفوا: لا يطلقهم إلا أنت، فقال: وأنا أطلقهم حتى أومر بذلك، فأنزل الله هذه الآيات فقالوا: يارسول الله! هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها! فقال: ما أمرت بذلك، فلما أنزل الله هذه الآية أخذ الثلث فتصدق به.
стр. 4039
ولما ساق توبتهم سبحانه في حيز ﴿عسى﴾ ، وكان الأصل فيها الترجية في المحبوب والإشفاق في المكروه، وأمر سبحانه بالأخذ من أموالهم لذلك، وكان إخراج المال شديداً على النفوس لا سيما في ذلك الزمان، كان ربما استوقف الشيطان من لم يرسخ قدمه في الإيمان عن التوبة وما يترتب عليها من الصدقة لعدم الجزم بأنها تقبل، فأتبع ذلك سبحانه بقوله: ﴿ألم يعلموا﴾ أي المعترفون بالذنوب حتى تسمح أنفسهم بالصدقة أو غيرهم حتى يرغبوا في التوبة والصدقة ﴿أن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿هو﴾ أي وحده ﴿يقبل﴾ أي من شأنه أن يقبل ﴿التوبة﴾ تجاوزاً ﴿عن عباده﴾ أي التائبين المخلصين ﴿ويأخذ﴾ أي يقبل قبول الآخذ لنفسه ﴿الصدقات﴾ أي ممن يتقرب بها إليه بنية خالصة ﴿وأن الله﴾ أي المحيط بصفتي الجلال والإكرام ﴿هو﴾ أي وحده ﴿التواب الرحيم*﴾ أي لم يزل التجاوز والإكرام من شأنه وصفته، وفي ذلك إنكار على غيرهم من المختلفين في كونهم لم يفعلوا مثل فعلهم من الندم الحامل على أن يعذبوا أنفسهم بالإيثاق في السواري ويقربوا بعض أموالهم كما فعل هؤلاء أو نحو ذلك مما يدل على الاعتراف والندم.
стр. 4040
ولما أمره من تطهيرهم بما يعيدهم إلى ما كانوا عليه قبل الذنب، عطف على قوله ﴿خذ﴾ قوله تحذيراً لهم من مثل ما وقعوا فيه: ﴿وقل اعملوا﴾ أي بعد طهارتكم ﴿فسيرى الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿عملكم﴾ أي بما له من إحاطة العلم والقدرة فاعملوا عمل من
стр. 4041
يعلم أنه بعين الله ﴿ورسوله﴾ أي بإعلام الله له. ولما كان هذا القسم من المؤمنين فكانت أعمالهم لاخفاء فيها، قال ﴿والمؤمنون﴾ فزينوا أعمالكم جهدكم وأخلصوا، وفي الأحاديث «لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها لأظهر الله علمه للناس كائناً ما كان» .
ولما كان هذا السياق للمؤمنين حذف منه «ثم» لكنه لما كان للمذنبين، أكد بالسين فقال: ﴿وستردون﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿إلى عالم الغيب والشهادة﴾ أي بعد الموت والبعث ﴿فينبئكم﴾ أي بعلمه بكل شيء ﴿بما كنتم تعملون*﴾ أي ما أظهرتم عمله وما كان في غرائزكم، فلو تأخرتم تظهرتم، يجاريكم على حسنة ويزيد من فضله، وعلى سيئة عدلاً إن شاء ولا يظلم مثقال ذرة.
ولما ذكر القسمين المنجز عذابهم ومثابهم، ذكر المؤخر أمرهم وهو القسم الظالم لنفسه في الذي بدأ به في سورة فاطر سورة الحشر الآخر، ولا يبعد أن تكون هذه سورة الحشر الأول لأنه ﷺ ساق الناس إلى أرض المحشر فقال: ﴿وآخرون﴾ أي ومنهم آخرون ﴿مرجون﴾ أي مؤخرون بين الرجاء والخوف ﴿لأمر الله﴾ أي لما يأمر به فيهم الملك الأعظم الذي له الأمر كله لا يدرون أيعذبون أم يرحمون؛ وقدم قوله -: ﴿إما يعذبهم﴾ إن أصروا - تخويفاً لهم حملاً على المبادرة إلى التوبة وتصفيتها والإخلاص فيها وحثاً على أن يكون الخوف ما دام الإنسان صحيحاً
стр. 4042
أغلب وثنى بقوله: ﴿وإما يتوب عليهم﴾ أي إن تابوا ترجية لهم وترقيقاً لقلوبهم بالتذكير بمنزل الأُنس الذي أخرجوا أنفسهم منه ومنعوها من حلوله وطيب مستقره ومقيله وحليّ أوقاته وعليّ مقاماته وشهيّ أقواته.
ولما كان ربما قال قائل: ما فائدة التأخير وما المانع من التنجيز؟ قال: ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عليم حكيم*﴾ ترهيباً وترغيباً وتبعيداً وتقريباً واحتراساً مما قد يوهمه الترديد من الشك وتدريباً، وقراءة غفور رحيم للزيادة في الترجية.
ولما ذكر الذين أقامهم في مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول المستور الموصوف بالمرود، فألحق بهم الضرر فقال: ﴿والذين﴾ وهو معطوف في قراءة من أثبت الواو على قوله ﴿وآخرون﴾ وخبره على ما يليق بالقصة: منافقون ماردون، وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على تقدير سؤال سائل، وذلك أنه لما قال تعالى ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ تشوفت النفس إلى الإعلام بهم، فلما قال ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ اشتغل السامع بتفهمه، وربما ظن أنه يأتي في آخر الكلام من تسميتهم ما يغنيه عن السؤال، فلما إنتقل بقوله ﴿وآخرون مرجون﴾ إلى قسم آخر، وختم الآية بصفتي العلم والحكمة ليعلم أن الترديد للتقسيم وأنه إن كان شك فهو بالنسبة إلى العباد وأما الله تعالى فمنزه عنه فذكر السامع بالصفتين ما كان دار
стр. 4043
في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق، فاشتد تشوفه إليه فكان كأنه قال: منْ منَ الماردين منهم؟ فقال تعالى الذين ﴿اتخذوا مسجداً﴾ أي من الماردين وهم من أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن يفضحوا، فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإن احتراس عما يتوهم فيما قلبه ودليل على ما بعده، ولذلك ختم قصتهم أيضاً بصفتي العلم والحكمة، ولاح من هذا أن قوله ﴿سنعذبهم مرتين﴾ يمكن أن يراد به: مرة برجوعك، ومرة بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم، وبَيَّنَ سبحانه علة اتخاذهم بقوله: ﴿ضراراً﴾ أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة ﴿وكفراً﴾ أي بالله لاتخاذ دينه هزؤاً ﴿وتفريقاً﴾ أي مما يبيتونه من المكايد باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي مسجدهم ويترك المسجد المؤسس على التقوى ﴿بين المؤمنين﴾ أي الراسخين في الإيمان بما جاء من عند الله، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم ﴿وإرصاداً﴾ أي إعداداً وانتظاراً ﴿لمن حارب الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿ورسوله﴾ ولما لم تكن محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾
стр. 4044
أي قبل اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم فيزيدهم قوة على نفاقهم بأن يصير كهفاً يأوون إليه ورأساً لهم يتجمعون عليه
«وذلك أنه كان من بني غنم بن عوف، وهو والد حنظلة الغسيل الذي كان من خيار الصحابة، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال له: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال: الحنيفية دين إبراهيم، قال: أبو عامر: أنا عليها، قال ﷺ : لست عليها، قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً شريداً وحيداً غريباً! فقال ﷺ : آمين! وسماه الفاسق، ثم تحيز إلى قريش وقاتل النبي ﷺ معهم يوم أحد وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلما قاتل يوم حنين مع هوازن وانهزموا أيس وهرب إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجنود ومخرج محمداً! وكانوا قد حسدوا إخوانهم بني عمرو بن عوف على مسجد قباء لما بنوه، وكان النبي ﷺ يأتيه ويصلي فيه، فبنوا مسجد الضرار
стр. 4045
وأرسلوا إليه ﷺ ليأتيهم فيصلي فيه، وكان يتجهز لتبوك فقال: أنا على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا صلينا فيه إن شاء الله! فلما قدم فكان قريباً من المدينة نزلت الآية، فدعا مالك بن الدخشم وجماعة وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه، ففعلوا، وأمر ﷺ أن يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها الجيف والقمامه؛ ومات أبو عامر بالشام وحيداً غريباً طريداً»
وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو لغرض ليس به إخلاص أو بمال مشتبه فهو لاحق بمسجد الضرار.
ولما أخبر عن سرائرهم، أخبر عن نفاقهم في ظواهرهم بقوله: ﴿وليحلفن﴾ أي جهد أيمانهم ﴿إن﴾ أي ما ﴿أردنا﴾ أي باتخاذ له ﴿إلا الحسنى﴾ أي من الخصال؛ ثم كذبهم بقوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يشهد﴾ أي يخبر إخبار الشاهد ﴿إنهم لكاذبون*﴾ وقد بان بهذا كله أن سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر للإسلام وأهله؛ ثم قال ناهياً عن إجابتهم إلى ما أرادوا به من التلبيس إنتاجاًعن هذا الكلام الذي هو أمضى من السهام: ﴿لا تقم فيه﴾ أي مسجد الضرار ﴿أبداً﴾ أي سواء تابوا أو لا، وأراد بعض المخلصين أن يأخذه أولاً، اي لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض.
ولما ذمه وذم أهله، مدح مسجد النبي ﷺ ، إما الذي
стр. 4046
بالمدينة الشريفة وإما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك. وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجداً إحساناً وإيماناً وجمعاً بين المؤمنين وإعداداً لمن صادق الله ورسوله، ومدح أهله إرشاداً لكل من كان مال إليه من المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه، ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون صالحاً لكل من المسجدين.
لما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكداً تعريفاً بما له من الحق ولما للمنافقين من التكذيب: ﴿لمسجد أُسس﴾ أي وقع تأسيسه ﴿على التقوى﴾ أي فأحاطت التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره؛ ولما كان التأسيس قد تطول مدة أيامه فيكون أوله مخالفاً لآخره، قال: ﴿من أول يوم﴾ أي من أيام تأسيسه، وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من أهل الإخلاص أن يتخذه مصلى، فبين أنه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له ﴿أحق أن تقوم فيه﴾ أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد به التقوى على التقدير فرض محال إلا في ثاني الحال.
ولما مدحه مدح أهله بقوله: ﴿فيه رجال﴾ أي لهم كمال الرجولية ﴿يحبون أن يتطهروا﴾ أي في أبدانهم وقلوبهم كمال الطهارة - بما أشار إليه الإظهار، فهم دائماً في جهاد أنفسهم في ذلك فأحبهم الله
стр. 4047
﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يحب﴾ أي يفعل ما يفعل المحب من الإكرام بالفضل والإحسان، ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل أو للندب إلى الطهارة ولو على أدنى الوجوه المجزئة فقال: ﴿المطهرين*﴾ أي قاطبة منهم ومن غيرهم.
стр. 4048
ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق الحيوان، فمن جبل من أول مرة جبلة شر لا يصلح للخير أبداً ولا يقبله كما قال تعالى ﴿ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣] ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلاً الباطل ببناء على حرف واد واه جداً على شفير جهنم: ﴿أفمن أسس بنيانه﴾ أي كما أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه ﴿على تقوى من الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿ورضوان﴾ فكان كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول ﴿خير أم من أسس بنيانه﴾ على فسق وفجور وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه ﴿على شفا﴾ أي حرف، ومنه الشفه ﴿جرف﴾ أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفاً على السقوط، ولذلك قال: ﴿هار﴾ أي هائر، من هار الجرف - إذا أشرف لتخريق السيول على السقوط ﴿فانهار﴾ أي فكان بناؤه لذلك سبباً لأنه سقط سقوطاً لا تماسك معه ﴿به﴾ أي وهو فيه آمناً من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه ﴿في نار جهنم﴾
стр. 4049
فالجواب: لا شك الأول خير بل، لا خير في الثاني أصلاً، والعجب كل العجب من كونه بنى هذا البناء هكذا، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله، لا مفر من قضائه، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه، ولم يهد الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير ﴿والله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿لا يهدي القوم﴾ أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون ﴿الظالمين*﴾ أي المطبوعين على ظلام البصائر، فهم لا يكفرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات الماشي في الظلام، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك: أثبت أولاً التقوى لأن أهل الإسلام أحق بها، فدلت على حذف ضدها ثانياً، وأثبت ثانياً ضعف البناء حساً لأن مسجد الضرار أولى به، فدل على حذف ضده أولاً، فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها؛ وروي عن جابر ﵁ قال: رأيت الدخان من مسجد الضرار؛ وحكي عن خلف بن يسار أنه رأى فيه حجراً يخرج منه الدخان في أول دولة بني العباس.
ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة، استأنف الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه، وإنما هو في عداد بيوت الأصنام فهو واجب الإعدام فقال: ﴿لا يزال بنيانهم﴾
стр. 4050
أي نفس المبنى وهو المسجد ﴿الذي بنوا ريبة﴾ أي شكاً ونفاقاً ﴿في قلوبهم﴾ كما أن بيوت الأصنام كذلك لأهلها، فكان ذلك حثاً على إخرابه ومحوه وقطع أثره. والمعنى أنه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون ﴿إلا أن﴾ ولما كان القطع محصلاً للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين، قال بانياً للمفعول: ﴿تقطع قلوبهم﴾ أي إلا زمان يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه، وقراءة يعقوب ب «إلى» الجارة واضحة في المراد، أو يكون المراد أنه لايزال حاملاً لهم على التصميم على النفاق إلى أن يموتوا، فهو كناية عن عدم توبتهم.
ولما كان التقدير: فالله عليم بما أخبركم به فلا تشكوا فيه، عطف عليه تعميماً للحكم وتعظيماً للأمر قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم بكل معلوم ﴿حكيم*﴾ فهو يتقن ما يأمر به.
ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى ﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا﴾ [التوبة: ٣٨] ثم الجزم بالأمر بالجهاد بالنفس والمال في قوله ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: ٤١] وكان أمره تعالى كافياً للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام في امتثاله لذلك في منشطه ومكرهه، وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما يقدح في
стр. 4051
إيمانهم طعماً في ستره بمعاذيرهم وإيمانهم، اقتضى المقام تبكيت المتثاقلين وتأنيب المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم، فلما استوفى تعالى في ذلك أقسامهم، ونكس ألويتهم وأعلامهم، وختمهم بهذه الطائفة التي ظهر فيها امتثاله ﷺ لقوله تعالى ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ بأن هدّ مسجدهم وحرقة بالنار وأزال بنيانه وفرقة، وقدّ أديمه عن جديد الأرض ومزقه، أتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ وقوله ﴿انفروا خفافاً وثقالاًً﴾ ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله ﷺ فيما أمر به، فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال: لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار القبائح، فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر وأخذ العفو؟ قوله: ﴿إن الله﴾ أي الملك الذي لا ملك في الحقيقة غيره ولا يخشى إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره ﴿اشترى﴾ أي بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال: ﴿من المؤمنين﴾ أي بالله وما جاء من عنده، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على اكتساب المال فقال مقدماً للأعز: ﴿أنفسهم﴾ أي التي تفرد بخلقها ﴿وأموالهم﴾ أي التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم.
стр. 4052
ولما ذكر المبيع أتبعه الثمن فقال: ﴿بأن لهم الجنة﴾ أي خاصة بهم مقصورة عليهم، لا يكون لغير مؤمن، فميزهم حتى يقابل كل بما يستحقه، فكأنه قيل: اشترى منهم ذلك بماذا؟ فقيل: ﴿يقاتلون في سبيل الله﴾ أي الملك الأعلى بسبب دينه الذي لا يرضي غيره، قتالاً يكون الدين محيطاً به وظرفاً، فلا يكون فيه شائبة لغيره؛ ثم سبب عن ذلك ما هو حقيق به، فقال: ﴿فيقتلون ويقتلون﴾ أعم من يكون ذلك بالقوة أو بالفعل، فيخصهم بالجنة كما وعدهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح، لأن من طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى: فطلبوا أن يكونوا مقتولين فقتلوا أقرانهم، ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد رؤية مصارع أصحابهم من غير أن يوهنهم ذلك، وعن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الاية قال: بيع والله مربح! لا نقيل ولا نستقيل، فخرج إلى الغزو فاستشهد.
ولما كان القتل لكونه سبباً للجنة بشارة ووعداً، أكد ذلك بقوله: ﴿وعداً﴾ وزاده بحرف الإيجاب فقال: ﴿عليه﴾ وأتم التأكيد بقوله: ﴿حقاً﴾ ولما أكد هذه المبايعة الكريمة هذه التأكيدات العظيمة، زاد ذلك بذكره في جميع الكتب القديمة فقال: ﴿في التوراة﴾
стр. 4053
كتاب موسى ﵇ ﴿والإنجيل﴾ كتاب عيسى ﵇ ﴿والقرآن﴾ أي الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير، وهؤلاء المذكورون في هذه السورة كلهم ممن ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من أقوالهم ومساوىء أفعالهم فعل الكاذب في دعواه أو الشاك أعم من أن يكون كذب بالآخرة المشتملة على الجنة أو يكون شك في وعد الله بإيراثهم إياها أو بتخصيصهم بها، وجوز أن يدخلها غيرهم وطمع أن يكون هو ممن يدخلها مع التكذيب، والله تعالى منزه عن جميع ذلك وهو وفي بعهده ﴿ومن﴾ أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول فيه على طريق الاستفهام الإنكاري: من ﴿أوفى بعهده من الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق.
ولما كان ذلك سبباً للتبشير، لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه، قال مهنئاً لهم: ﴿فاستبشروا﴾ أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد يدل على التأكيد، ذكره في آخر بلفظ يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء فقال: ﴿ببيعكم الذي بايعتم﴾
стр. 4054
أي أوقعتم المبايعة لله ﴿به﴾ فإنه موفيكم لا محالة فذلك هو الأجر الكريم ﴿وذلك﴾ أي إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها ﴿هو﴾ أي خاصة لا غيره ﴿الفوز العظيم*﴾ فالحاصل أن هذه الآية واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس والمال.
стр. 4055
ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على أوصافهم فقال: ﴿التآئبون﴾ مبتدئاً أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل الصالح، ثم ابتدأ المؤسس بمطلق العبادة الشاملة لجميع أنواع الدين من العلم وغيره فقال: ﴿العابدون﴾ أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان، أتبع ذلك الحمد الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل الشامل للتوحيد وغيره فقال: ﴿الحامدون﴾ أي المثنون عليه سبحانه ثناء عظيماً، تطابقت عليه ألسنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره؛ ولما كان الإقرار باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب، تلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب على الاتساع الذي منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء الحضرات الإلهيات فقال: ﴿السائحون﴾ ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف. وكان أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود، وكان جميع
стр. 4056
أشكال الصلاة موافقاً للعادة إلا الركوع والسجود، أشار إليها بقوله مخصصاً لها بالذكر تنبيهاً على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع: ﴿الراكعون﴾ فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن صلاة غيرهم لا ركوع فيها، وأتمها بقوله: ﴿الساجدون﴾ ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس، أتبع ذلك قوله: ﴿الآمرون بالمعروف﴾ أي السنة.
ولما كان الدين متيناً فلن يشاده أحد إلا غلبه، كان المراد من المأمورات مسماها دون تمامها ومنتهاها «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» والمراد من المنهيات تركها كلها، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم ايضاً عن أبي هريرة ﵁، وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند قوله تعالى ﴿والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفي آل عمران عند قوله ﴿الصابرين والصادقين﴾ [آل عمران: ١٧] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا أتبعت بعض الصفات بعضاً من غير عطف علم أنها غير تامة، فإذا عطفتها أردت التمكن فيها والعراقة والتمام، فأعلم سبحانه أن المراد
стр. 4057
فيما تقدم من الأوصاف الإتيان بما أمكن منها، فأتى بها اتباعاً دون عطف لذلك، وأشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع منه إلا بالتمام لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما هادم بنفسه، فيجب التجرد التام فيه لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو مثير للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة، فربما كان عنه ضرب وقتل، فلذلك عطفها ولم يتبعها فقال: ﴿والناهون﴾ أي بغاية الجد ﴿عن المنكر﴾ أي البدعة.
ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى الموت أتبعه قوله: ﴿والحافظون﴾ أي بغاية العزم والقوة ﴿لحدود الله﴾ أي الملك الأعظم التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئاً منها، فختم بما به بدأ مع قيد الدوام بالرعي والقوة، والحاصل أن الوصف الأول للتجرد عن ربقة مألوف خاص وهو شرك المعصية بشركه أو غيره، والثاني للتجرد عن قيود العادات إلى قضاء العبادات، والثالث لبلوغ الغاية في تهذيب الظاهر. والرابع للتوسع إلى التجرد عن قيود الباطن، والخامس والسادس للجمع بين كمال الباطن والظاهر، والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير، والثامن للدوام على تلك الحدود بترك جميع القيود. فمقصود الآية العروج من الحضيض الجسماني إلى الشرف الروحاني؛ ثم أمره ﷺ بتبشير المتخلق بهذه الأوصاف عاطفاً لأمره به
стр. 4058
على محذوف تقديره - والله أعلم: فأنذر من تخلى منها بكل ما يسوءه بعد سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم، أي هؤلاء الموصوفين، هكذا كان الأصل الإضمار، ولكنه أظهر ختاماً بما به بدأ وتعليقاً يالوصف وتعميماً فقال: ﴿وبشر المؤمنين*﴾ أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي ختم الآيتين بالبشارة تارة من الخالق وتارة من أكمل الخلائق أعظم مزية للمؤمنين، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد، وفي ابتداء الأيتين بالوصف المعشر بالرسوخ في الإيمان الذي هو الوصف المتمم للعشر وختمهما بمثله إشارة إلى أن هذه مائدة لا يخلس عليها طفيلي، وأن من عدا الراسخين في درجة الإهمال لا كلام معهم ولا التفات بوجه إليهم.
ولما كثرت في هذه السورة الأوامر بالبراءة من أحياء المشركين وجاء الأمر أيضاً بالبراءة من أموات المنافقين بالنهي عن الدعاء لهم، جاءت هذه الآية مشيرة إلى البراءة من كل مشرك فوقع التصريح بعدها بما أشارت إليه، وذلك أنه لما ثبت بهذه الآية في تقديم الجار أن المبايعة وقعت على تخصيص الجنة بالمؤمنين وأنه تعالى أوفى من عاهد، ثبت أنه لا يجوز أن يدخل غيرهم الجنة وأن غيرهم أصحاب النار، لأنه قد علم أن الآخرة داران: جنة ونار، ولما ثبت هذا كله علم قطعاً علم النتيجة من المقدمات الصحيحة أنه ﴿ما كان﴾ أي في نفس الأمر
стр. 4059
﴿للنبي﴾ أي الذي لا ينطق إلا بما عنده فيه بيان من الله ﴿والذين آمنوا﴾ أي أقروا بأنهم صدقوا بدعوته فلا يفعلون إلا ما عندهم منه علم ﴿أن يستغفروا﴾ أي يطلبوا المغفرة ويدعوا بها ﴿للمشركين﴾ أي الراسخين في الإشراك في عبادة ربهم ﴿ولو كانوا﴾ أي المشركين ﴿أولي قربى﴾ أي للذين آمنوا ﴿من بعد ما تبين لهم﴾ أي بموتهم على الشرك وإنزال هذه الآية للختم بالتخصيص بالجنة ﴿أنهم أصحاب الجحيم*﴾ أي لا أهلية لهم للجنة.
فإن الاستغفار معناه محو الذنوب حتى ينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة وما ينبغي لهم أن يكون لهم إليهم التفات فإن ذلك ربما جر إلى ملاينة تفتر عن القتال الواقع عليه المبايعة، فما ينبغي إلا محض المقاطعة والمخاشنة والمنازعة. وتقييد النهي بالتبيين يدل على جواز الدعاء للحي فإن القصد بالاستغفار الإقبال به إلى الإيمان الموجب للغفران. ولما أنكر أن يكون لهم ذلك. وكان الخليل ﵇ المأمور بالاقتداء به واللزوم بملته قد استغفر لأبيه، بين أنه كان أيضاً قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه للتأبيد في النار، فقال دالاً بواو العطف على أن التقدير: فما استغفر لهم بعد العلم أحد من المؤمنين: ﴿وما كان استغفار إبراهيم﴾ أي خليل الله ﴿لأبيه﴾ أي بعد أن خالفه في الدين ﴿إلا عن موعدة﴾ أي وهي قوله ﴿لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء﴾ [الممتحنة: ٤] وأكد صدور
стр. 4060
الوعد بقوله: ﴿وَعَدَها إياه﴾ أي الخليل لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى الشقاوة، وقيل: الضمير لأبيه، كان وعده أنه يسلم فاستغفر له ظناً منه أنه صدق في وعده فأسلم، والذي يدل على أنه كان قبل علمه بذلك قوله: ﴿فلما تبين له﴾ أي بياناً شافياً قاطعاً ﴿أنه عدو لله﴾ أي الملك الأعلى مؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه ﴿تبرأ﴾ أي أكره نفسه على البراءة ﴿منه﴾ ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من المعالجة بقوله: ﴿إن إبراهيم لأواه﴾ أي شديد الرقة الموجبة للتأوه من خوف الله ومن الشفقة على العباد؛ قال الزجاج: والتأوه أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء ﴿حليم*﴾ أي شديد التحمل والإغضاء عن المؤذى له، هكذا خلقه في حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له ﴿لأرجمنك واهجرني﴾ [مريم: ٤٦] وأضعاف ذلك؛ قال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل البستي القاضي في تفسيره: حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني ابن جريح عن أيوب بن هانىء عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ خرج يوماً وخرجنا معه حتى انتهى إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلاً ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكياً فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم أن
стр. 4061
النبي ﷺ أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما الذي أبكاك يا نبي الله فقد فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر ﵁ ثم أقبل إلينا فأتيناه فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم يا رسول الله! قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل عليّ ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ حتى ختم الآية ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبية إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ فأخذني ما يأخذ الولد من الرقة فذلك الذي أبكاني»
وهذا سند حسن، ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» وللبخاري في التفسير وغيره ابن المسيب عن أبيه ﵁ قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي ﷺ : أي عم! قل: لا إله إلا الله، أُحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب!
стр. 4062
أترغب عن ملة عبد المطلب؟ - وفي رواية: فكان آخر ما كلمهم أن قال: هو على ملة عبد المطلب - فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ وأنزل الله في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] » ولعله استمر يستغفر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت، ورُوي في سبب نزولها غير هذا أيضاً، وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب.
стр. 4063
ولما كان الاستغفار للمشركين أمراً عظيماً، وكان فيه نوع ولاية لهم، أظهر سبحانه للمؤمنين ما منّ عليهم به من عدم المؤاخذة بالإقدام عليه تهويلاً لذلك وقطعاً لما بين أوج الإيمان وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال تعالى: ﴿وما كان الله﴾ أي الذي له صفات الكمال؛ ولما كان الضلال سبب الهلاك، وكان من شرع شريعة ثم عاقب ملتزمها من غير بيان كمن دل على طريق غير موصل فهلك صاحبه فكان الدال بذلك مضلاً، قال: ﴿ليضل قوماً﴾ أي يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم لما ينهي عنه بناسخ نسخه ﴿بعد إذ هداهم﴾ أي بشريعة نصبها لهم ﴿حتى يبين لهم﴾ أي بياناً شافياً لداء العي ﴿ما يتقون﴾ أي مما هو جدير بأن يحذروه ويتجنبوه خوفاً من غائلته بناسخ ينسخ حال الإباحة التي كانوا عليها.
стр. 4064
ولما كان الذي يأمر بسلوك طريق ثم يترك فيها ما يحتاج إلى البيان إنما يؤتى عليه من الجهل أو النسيان. نفي ذلك سبحانه عن نفسه فقال معللاً لعدم الإضلال: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿بكل شيء عليم*﴾ أي بالغ العلم فلا يتطرق إليه خفاء بوجه من الوجوه في حين من الأحيان فهو يبين لكم جميع ما تأتون وتذرون وما يتوقف عليه الهدى، وما تركه فهو إنما يتركه رحمة لكم ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] فلا تبحثوا عنه؛ ثم علل علمه بكل شيء بأن قدرته شاملة فهو قادر على نصرة من يريد والانتقام ممن يريد، فلا ينبغي لأحد أن يحب إلا فيه ولا يبغض إلا فيه ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه فقال: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿له﴾ أي بكل اعتبار تعدونه من اعتبارات الكمال ﴿ملك السماوات والأرض﴾ فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو وليكم، يبينه لكم، ومن كان له جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء: علم ولا غيره، لأن العلم من أعظم القوى والقدر، ولا يكون الملك إلا عالماً قادراً؛ ثم علل قدرته وعلمه بما يشاهد متكرراً من فعله في الحيوان والنبات وغير ذلك فقال: ﴿يحيي ويميت﴾ أي بكل معنى فهو الذي أحياكم وغيركم الحياة الجسمانية وخصم أنتم بالحياة الإيمانية، وكما جعل غيركم بعضهم أولياء بعض وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم الشيطان جعلكم
стр. 4065
أنتم أولياء ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿لكم﴾ ولما كان ليس لأحد أن يجوز كل ما دون رتبته سبحانه، أثبت الجار فقال. ﴿من دون الله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله، وأغرق في النفي بقوله: ﴿من ولي﴾ أي قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل القريب من النصرة وغيره.
ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبه قال. ﴿ولا نصير*﴾ أي فلا توالوا إلا من كان من حزبه وأهل حبه وقربه، وفيه تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي لا سيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ذلك موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئاً.
ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي لهم غيره، أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿لقد تاب الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿على النبي﴾ أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له.
ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي ﷺ بترقيته في رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل
следующие страницы →