Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
النبي ﷺ أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما الذي أبكاك يا نبي الله فقد فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر ﵁ ثم أقبل إلينا فأتيناه فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم يا رسول الله! قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل عليّ ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ حتى ختم الآية ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبية إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ فأخذني ما يأخذ الولد من الرقة فذلك الذي أبكاني»
وهذا سند حسن، ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» وللبخاري في التفسير وغيره ابن المسيب عن أبيه ﵁ قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي ﷺ : أي عم! قل: لا إله إلا الله، أُحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب!
стр. 4062
أترغب عن ملة عبد المطلب؟ - وفي رواية: فكان آخر ما كلمهم أن قال: هو على ملة عبد المطلب - فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ وأنزل الله في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] » ولعله استمر يستغفر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت، ورُوي في سبب نزولها غير هذا أيضاً، وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب.
стр. 4063
ولما كان الاستغفار للمشركين أمراً عظيماً، وكان فيه نوع ولاية لهم، أظهر سبحانه للمؤمنين ما منّ عليهم به من عدم المؤاخذة بالإقدام عليه تهويلاً لذلك وقطعاً لما بين أوج الإيمان وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال تعالى: ﴿وما كان الله﴾ أي الذي له صفات الكمال؛ ولما كان الضلال سبب الهلاك، وكان من شرع شريعة ثم عاقب ملتزمها من غير بيان كمن دل على طريق غير موصل فهلك صاحبه فكان الدال بذلك مضلاً، قال: ﴿ليضل قوماً﴾ أي يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم لما ينهي عنه بناسخ نسخه ﴿بعد إذ هداهم﴾ أي بشريعة نصبها لهم ﴿حتى يبين لهم﴾ أي بياناً شافياً لداء العي ﴿ما يتقون﴾ أي مما هو جدير بأن يحذروه ويتجنبوه خوفاً من غائلته بناسخ ينسخ حال الإباحة التي كانوا عليها.
стр. 4064
ولما كان الذي يأمر بسلوك طريق ثم يترك فيها ما يحتاج إلى البيان إنما يؤتى عليه من الجهل أو النسيان. نفي ذلك سبحانه عن نفسه فقال معللاً لعدم الإضلال: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿بكل شيء عليم*﴾ أي بالغ العلم فلا يتطرق إليه خفاء بوجه من الوجوه في حين من الأحيان فهو يبين لكم جميع ما تأتون وتذرون وما يتوقف عليه الهدى، وما تركه فهو إنما يتركه رحمة لكم ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] فلا تبحثوا عنه؛ ثم علل علمه بكل شيء بأن قدرته شاملة فهو قادر على نصرة من يريد والانتقام ممن يريد، فلا ينبغي لأحد أن يحب إلا فيه ولا يبغض إلا فيه ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه فقال: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿له﴾ أي بكل اعتبار تعدونه من اعتبارات الكمال ﴿ملك السماوات والأرض﴾ فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو وليكم، يبينه لكم، ومن كان له جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء: علم ولا غيره، لأن العلم من أعظم القوى والقدر، ولا يكون الملك إلا عالماً قادراً؛ ثم علل قدرته وعلمه بما يشاهد متكرراً من فعله في الحيوان والنبات وغير ذلك فقال: ﴿يحيي ويميت﴾ أي بكل معنى فهو الذي أحياكم وغيركم الحياة الجسمانية وخصم أنتم بالحياة الإيمانية، وكما جعل غيركم بعضهم أولياء بعض وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم الشيطان جعلكم
стр. 4065
أنتم أولياء ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿لكم﴾ ولما كان ليس لأحد أن يجوز كل ما دون رتبته سبحانه، أثبت الجار فقال. ﴿من دون الله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله، وأغرق في النفي بقوله: ﴿من ولي﴾ أي قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل القريب من النصرة وغيره.
ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبه قال. ﴿ولا نصير*﴾ أي فلا توالوا إلا من كان من حزبه وأهل حبه وقربه، وفيه تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي لا سيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ذلك موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئاً.
ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي لهم غيره، أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿لقد تاب الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿على النبي﴾ أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له.
ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي ﷺ بترقيته في رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل
стр. 4066
مؤمن على المبادرة إلى التوبة، أكد ذلك بقوله: ﴿والمهاجرين والأنصار﴾ بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم ﴿الذين اتبعوه﴾ أي النبي ﷺ ﴿في ساعة العسرة﴾ أي أزمنة عزوة تبوك، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد، وعسرة من الظهر «يعتقب العشرة» على بعير واحد. وعسرة من الزاد «تزودوا التمر المدوّد والشعير المسوّس والإهالة الزنخة» وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمر اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها؛ وسماها ساعة تهويناً لأوقات الكروب وتشجيعاً على مواقعة المكاره فإن أمدها يسير وأجرها عظيم خطير، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية، ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله: ﴿من بعد ما كاد﴾ أي قرب قرباً عظيماً ﴿يزيغ﴾ أي تزول عن أماكنها الموجبة لصلاحها، وأشار ب «من» إلى تقارب ما بين كيدودة الزيغ والتدارك بالتوبة. ولما كان المقام للزلازل،
стр. 4067
ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال: ﴿قلوب فريق﴾ أي هم بحيث تحصل منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة ﴿منهم﴾ أي من عظيم ما نالهم من الشدائد فتميل لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ذلك الحر الشديد إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد، وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة، ثم عزم الله له فلحق برسول الله ﷺ فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل مقاربة الزيغ من مباعدته، ولما صاروا كمن لم يقارب الزيغ.
أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال: ﴿ثم تاب عليهم﴾ أي كلهم تكريراً للرفعة، أو على من كاد يزيغ بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما لقيت من المشقة، قال وقيل: ساء ظنها بما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو المقصود -انتهى. ويجوز أن يكون عبر ب ﴿ثم﴾ لوصولهم إلى حالة يبعد معها الثبات فضلاً عن مباعدة مواقع الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من «جيش أو غيره» فثبت بذلك أنه مالك الملك متمكن
стр. 4068
من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه: ثم علل لطفه بهم بقوله: ﴿إنه بهم رؤوف رحيم*﴾ والرأفة: شدة الرحمة، فقدم الأبلغ فيقال فيه ما قيل في ﴿الرحمن الرحيم﴾ فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم، ويرحمهم أيضاً بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم، وقيل: الرأفة: إزالة الضر، والرحمة: إيصال النفع، ومادة رأف تدور مع السعة على ما أُشير إليه في سورة سبحان على شدة الوصلة. فالرأفة - كما قال الحرالي في البقرة - عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم - انتهى. فتكون الرأفة حينئذ للثابتين والرحمة لمن قارب الزيغ. فيصير الثابت مرحوماً مرتين لأنه منظور إليه بالصفتين، وتقدم عند الحزبين من البقرة ما ينفع هنا.
стр. 4069
ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن كل أحد فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي، وجعلهم في حيزهم تشريفاً لهم وتأنيساً لئلا يشتد إنكارهم، أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليماً للأدب وجبراً للخواطر المنكسرة: ﴿وعلى﴾ أي ولقد
стр. 4070
تاب الله على ﴿الثلاثة الذين﴾ .
ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف، بني للمفعول قوله: ﴿خلفوا﴾ أي خلفهم رسول الله ﷺ بالهجران ونهى الناس عن كلامهم، وأخر الحكم فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم ﴿حتى إذا ضاقت﴾ أشار إلى عظيم الأمر بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهم الأرض﴾ أي كلها ﴿بما رحبت﴾ أي مع شدة اتساعها، أي ضاق عليهم فسيحها ووسعها.
ولما كان هذا قد يراد به الحقيقة، وكان ضيق المحل قد لا يستلزم ضيق الصدر، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال: ﴿وضاقت عليهم﴾ بالهم المزعج والغم المقلق ﴿أنفسهم﴾ أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى بالكلام حتى برد السلام؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة، أتبعه ذلك للتخلف بها قوله: ﴿وظنوا﴾ أي أيقنوا، ولعله عبر بالظن إيذان بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال، فكان يقينهم لشدة الخواطر كأنه ظن، أو يقال - وهو حسن -: إن التعبير به عن يقين المخلصين إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن لا يقدر أحد أن يُقدر لله حق قدره - كما قال صدق الخلق ﷺ «لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله ﴿أن لا ملجأ﴾ أي مهرب ومفزع ﴿من الله﴾
стр. 4071
أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿إلا إليه﴾ أي بما يرضيه، وهو مثل لتحيرهم في أمرهم، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره: تداركهم بالتوبة فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب.
ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول ﷺ عظيماً بمجرد المخالفة ثم يترك المواساة ثم بالرغبة عنه ﷺ ثم بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة، أعلم سبحانه أنه رقاهم في رتب الكمال بأن جعل ذلك سبباً لتطهيرهم من جميع الأدناس وتنقيتهم من سائر الأردان المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - كما أشار إليه قوله ﷺ لكعب ﵁ «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك» ، أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيراً إلى ما بعده لولا فضل الله - بأداة الاستبعاد: ﴿ثم تاب عليهم﴾ أي رجع بهم بعد التوبة إلى مقام من مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو لعلوه بالنسبة إلى ما دونه، توبة ﴿ليتوبوا﴾ أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ما كانوا عليه من الإحسان في الدين والتخلق بإخلاق السابقين، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء، ويمكن أن يكون التعبير - ﴿ثم﴾ إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ترقوا إليه من مراتب الخوف، وامتنان عليهم بالتوبة
стр. 4072
من عظيم ما ارتكبوا، وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم، ومن هذا البارق - حسنات الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيباً فقال معبراً بما يشير مع أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿هو﴾ أي وحده ﴿التواب﴾ أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه ﴿الرحيم*﴾ أي المكرم لمن أراد من عباده بأن يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ، ويبالغ في الإنعام عليه.
ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق وما معه - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان بشهادة المصطفى ﷺ ، رغب سبحانه في الصدق فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك ﴿اتقوا الله﴾ أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقاً لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه ﴿وكونوا﴾ أي كوناً صادقاً بجميع الطبع والجبلة ﴿مع الصادقين*﴾ أي في كل أمر يطلب منهم، ولعله أخرج الأمر مخرج العموم ليشمل
стр. 4073
كل مؤمن، فمن كان مقصراً كانت آمره له باللحاق، ومن كان مسابقاً كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق، ولعله عبر ب ﴿مع﴾ ليشمل أدنى الدرجات، وهو الكون بالجثت، وقد روى البخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة ﵃ في مواضع من صحيحه منها التفسير، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه ﵁ «أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط غير غزوتين: غزوة العسرة - يعني هذه - وغزوة بدر، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن النبي ﷺ لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ما خرج أولاً إلا لأجل العير، قال: فأجمعت صدق رسول الله ﷺ ، كان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى النبي ﷺ عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ النبي ﷺ أو يموت النبي ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ، فأنزل الله توبتنا على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة ﵂، وكانت أم سلمة
стр. 4074
محسنة في شأني معنية في أمري فقال رسول الله ﷺ : ياأم سلمة! تيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه فأشره؟ قال: إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الللية حتى إذا ﷺ صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر، وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله ﷺ من المتخلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد، قال الله ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ » .
ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق، والذي التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق، قال تعالى ناهياً بصيغة الخبر ليكون أبلغ، جامعاً إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف: ﴿ما كان﴾ أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه ﴿لأهل المدينة﴾ أي التي هي سكن رسول الله ﷺ وهي دار الهجرة ومعدن النصرة ﴿ومن حولهم﴾ أي في جميع نواحي المدينة الشريفة ﴿من الأعراب﴾ أي من سكان البوادي الذين أقسموا بالإسلام ﴿أن يتخلفوا﴾ أي في أمر من الأمور ﴿عن رسول الله﴾
стр. 4075
أي الملك الأعلى، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جنان الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم ﴿ولا يرغبوا﴾ أي وما كان لهم أن يرغبوا، ولعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة إلى من أيده به ﷺ من جنوده فقال تعالى: ﴿بأنفسهم عن نفسه﴾ أي التي هي أشرف النفوس مطلقاً بأن يصونوا نفوسهم عما باشره ﷺ بل يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى، فهى كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب وتهييج.
ولما علل الأمر بالتقوى، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان فيصير نقيضه دالاً على نقيضه فقال: ﴿ذلك﴾ أي النهي العظيم عن التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون ﴿بأنهم لا يصيبهم ظمأ﴾ أي عطش شديد ﴿ولا نصب﴾ أي تعب بالغ ﴿ولا مخمصة﴾ أي شدة مجاعة ﴿في سبيل الله﴾ أي طرق دين الملك الأعظم المتوصلة به إلى جهاد أعدائه، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب، والأغلب
стр. 4076
أن يكون قبل الجوع.
ولما كان المقصود من إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم، أتبع ذلك قوله: ﴿ولا يطؤون موطئاً﴾ أي وطأً أو مكاناً وطؤه ﴿يغيظ الكفار﴾ أي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم ﴿ولا ينالون من عدو نيلاً﴾ أي كائناً ما كان صغيراً او كبيراً ﴿إلا كتب لهم به﴾ أي في صحائف الأعمال، بني للمفعول لأن القصد إثباته لا من معين ﴿عمل صالح﴾ أي ترتب لهم عليه أجر جزيل.
ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدماً على المعاطب في نفسه ومحصلاً لعرض الجهاد، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن، أما في حق نفسه فبإقامة الدليل بطاعته على صدق إيمانه. وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم عن طمع الكافرين. وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان، فقال تعالى معللاً للمجازاة: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿لا يضيع﴾ أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال ﴿أجر المحسنين*﴾ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً بالوصف.
стр. 4077
ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره إلى المال، ووطئ مطلق الأرض
стр. 4078
الذي قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون المشقة الحاصلة في النفس بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه، قدم ذلك على قوله: ﴿ولا ينفقون﴾ ولما كان القليل قد يحتقر، ابتدأ به ترغيباً في قوله: ﴿نفقة صغيرة﴾ ولما كان ربما تعنت متعنت فجعل ذكرها قيداً، قال: ﴿ولا كبيرة﴾ إعلاماً بأنه معتد به لئلا يترك، وفيه إشارة إلى آية اللمز للمطوعين في الصدقات ﴿ولا يقطعون وادياً﴾ أي من الأدوية بالسير في الجهاد، والوادي: كل منفرج بين جبال وآكام ينفذ فيه السيل، وهو في الأصل فاعل من ودى - إذا سال ﴿إلا كتب لهم﴾ أي ذلك الإنفاق والقطع، بناه للمفعول لأن القصد الحفظ بالكتابة مطلقاً ﴿ليجزيهم الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام، أي بذلك من فضله ﴿أحسن ما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يعملون*﴾ مضاعفاً على قدر الثبات، وأكدت فاصلة الأولى دون هذه لزيادة تلك في المشقة والنفع، ولذا صرح فيها الأجر والعمل الصالح - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. ومن هنا بل من عند ﴿إن الله اشترى﴾ شرع في عطف الآخر على الأول الذي مضمونه البراءة من المشركين والاجتهاد في قتالهم بعد انقضاء مدتهم حيث وجدوا - إلى أن قال ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ - إلى أن قال ﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ ثم قال
стр. 4079
﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ ثم أتبع ذلك قصص المنافقين كما أنه فعل هنا كذلك أن ختم بقوله ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ الآية ثم أتبعها ذكر المنافقين.
ولما تواترت النواهي للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم التبكيت والتهديد، طارت القلوب وأشفقت النفوس، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها أحد عن رسول الله ﷺ وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال والذراري والعيال، فأتبع ذلك قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون﴾ أي الذين حثهم على النَّفر الرسوخ في الإيمان ﴿لينفروا كآفة﴾ أي جميعاً فإن ذلك بخل بكثير من الأغراض الصالحة، وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين: قسماً للجهاد، وقسماً للنفقة وحفظ الأموال والأولاد، كل ذلك بأمره ﵊ والعمل بما يرضاه، ولا يخفى ذلك على المخلص، ولعل التعبير بالفعل الماضي في قوله مسبباً عما قبله: ﴿فلولا نفر﴾ ليفهم تبكيت من قصد تبكيته من المتخلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن ينفر مع النبي ﷺ ﴿من كل فرقة﴾ أي ناس كثير يسهل افتراقهم، قالوا: وهو اسم يقع على ثلاثة ﴿منهم طائفة﴾ أي ناس لا ينفكون حافين بالنبي ﷺ يلزمونه، قيل: والطائفة واحد واثنان، فالآية حجة على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وكأنه عبر به للإشارة
стр. 4080
إلى الحث على كثرة النافرين كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه ﴿ليتفقهوا﴾ أي ليكلف النافرون أنفسهم الفهم منه ﷺ شيئاً فشيئاً ﴿في الدين﴾ أي بما يسمعونه من أقواله ويرونه من جميل أفعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير أحواله، وهذا غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له ﷺ للجهاد، هذا إن كان هو ﷺ النافر في تلك الغزاة، وإن كان غيره كان ضمير ﴿يتفقهوا﴾ للباقين معه ﷺ .
ولما كان من العلم بشارة ومنه نذارة، وكان الإنسان - لما فيه من النقصان - أحوج شيء إلى النذارة، خصها بالذكر فقال عطفاً على نحو: ليخافوا في أنفسهم فيعملوا في خلاصها: ﴿ولينذروا قومهم﴾ أي يحذروهم ما أمامهم من المخاوف إن فرطوا في جانب التقوى ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ أي ما أنذرهموه الرسول ﷺ ويبشروهم بما بشرهم به؛ ثم بين غاية العلم مشيراً إلى أن من جعل له غاية غيرها من ترفع أو افتخار فقد ضل ضلالاً كبيراً، فقال موجباً لقبول خبر من بلغهم: ﴿لعلهم﴾ أي كلهم ﴿يحذرون*﴾ أي ليكون حالهم حال أهل الخوف من الله بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل خير، به تنجلي القلوب فَتقبل على الخير وتعرض عن الشر، فإن الحذر تجنب الشيء لما فيه من الضرر، والمراد بالفقه هنا حفظ الكتاب والسنة وفهم معانيهما
стр. 4081
من الأصول والفروع والآداب والفضائل، وقال الرماني: الفقه فهم موجبات المعاني المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها.
стр. 4082
ولما علمت المقاصد وتهيأت القلوب لقبول الفوائد، وأمر بالإنذار بالفقه، وكان من الناس من لا يرجع إلا بشديد البأس، أقبل على الكل مخاطباً لهم بأدنى أسنان القلوب ليتوجه إلى الأدنى ويتناول الأعلى منه من باب الأولى فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادَّعوا بألسنتهم الإيمان ﴿قاتلوا﴾ أي تصديقاً لدعواكم ذلك ﴿الذين يلونكم﴾ أي يقربون منكم ﴿من الكفار﴾ فالذين يلونهم إن لم تروا غيره أصلح لمعنى يعرض لما في ذلك من حسن الترتيب ومقتضى الحكمة ولأن الجهاد معروف وإحسان، والأقربون أولى بالمعروف، ولتبعدوا العدو عن بلادكم فيكثر صلاحهم ويقل فسادكم وتكونوا قد جمعتم بالتفقه والقتال بين الجهادين: جهاد الحجة وجهاد السيف مع الاحتراس بهذا الترتيب من أن يبقى وراءكم إذا قاتلتم من تخشون كيده.
ولما كانت الملاينة أولى بالمسالمة، والمخاشنة أولى بالمصارمة، قال: ﴿وليجدوا﴾ من الوجدان ﴿فيكم غلظة﴾ أي شدة وحمية لأن ذلك أهيب في صدورهم.
стр. 4083
وأكف عن فجورهم، وحقيقة الغلطة في الأجسام، استعيرت هنا للشدة في الحرب، وهي تجمع الجراءة والصبر على القتال وشدة العدواة، فإذا فعلوا ذلك كانوا جامعين بين جهاد الحجة والسيف كما قيل:
من لا يعدله القرآن كان له ... من الصغار وبيض الهند تعديل
نبه على ذلك أبو حيان.
ولما كان التقدير: وليكن كل ذلك مع التقوى لا بسبب مال ولا جاه فإنها ملاك الأمر كله، قال منبهاً على ذلك بقوله: ﴿واعلموا أن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿مع المتقين*﴾ فلا تخافوا أن يؤدي شيء من مصاحبتها إلى وهن فإن العبرة بمن كان الله معه.
ولما ذكر هذه السورة أي الطائفة الحاضة بصيغة «لولا» على النفر مع رسول الله ﷺ الآمرة بجهاد الكفار والغلظة عليهم، وكان لا يحمل على ذلك إلا ما أشار إليه ختم الآية السالفة من التقوى بتجديد الإيمان كلما نزل شيء من القرآن، وكان قد ذكر سبحانه المخالفين لأمر الجهاد بالتخلف دون أمر الإيمان حين قال ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين﴾ التفت إلى ذلك ليذكر القسم الآخر وهو القاعد عن الإيمان فقال: ﴿وإذا﴾ وأكد بزيادة النافي تنبيهاً على فضل الإيمان
стр. 4084
فقال: ﴿ما﴾ .
ولما كان المنكي لهم مطلق النزول، بني للمفعول قوله: ﴿أنزلت سورة﴾ أي قطعة من القرآن، أي في معنى من المعاني ﴿فمنهم﴾ أي من المنزل إليهم ﴿من يقول﴾ أي إنكاراً واستهزاء، وهم المنافقون ﴿أيكم﴾ أي أيها العصابة المنافقة ﴿زادته هذه إيماناً﴾ إيهاماً لأنهم متصفون بأصل الإيمان، لأن الزيادة ضم الشيء إلى غيره مما يشاركه في صفته، هذا ما يظهرون تستراً، وأما حقيقة حالهم عند أمثالهم فالاستهزاء استبعاداً لكونها تزيد أحداً في حاله شيئاً، وسبب شكهم واستفهامهم أن سامعيها انقسموا إلى قسمين: مؤمنين ومنافقين، ولذلك أجاب تعالى بقوله مسبباً عن إنزالها: ﴿فأما الذين آمنوا﴾ أي أوقعوا الإيمان حقيقة لصحة أمزجة قلوبهم ﴿فزادتهم﴾ أي تلك السورة ﴿إيماناً﴾ أي بإيمانهم بها إلى ما كان لهم من الإيمان بغيرها وبتدبرها ورقة القلوب بها وفهم ما فيها من المعارف الموجبة لطمأنينة القلوب وثلج الصدور.
ولما كان المراد بالإيمان الحقيقة وكانت الزيادة مفهمة لمزيد عليه، استغنى عن أن يقول: إلى إيمانهم، لذلك ولدلالة ﴿الذين آمنوا﴾ عليه ﴿وهم يستبشرون*﴾ أي يحصل لهم البشر بما زادتهم من الخير الباقي الذي لا يعدله شيء ﴿وأما الذين﴾ وبين أن أشرف ما فيهم مسكن الآفة فقال: ﴿في قلوبهم مرض﴾ فمنعهم الإيمان وأثبت لهم الكفران فلم يؤمنوا.
стр. 4085
ولما كان المراد بالمرض الفساد المعنوي المؤدي إلى خبث العقيدة، عبر عنه بالرجس فقال: ﴿فزادتهم رجساً﴾ أي اضطراباً موجباً للشك، وزاد الأمر بياناً بأن المراد المجاز بقوله: ﴿إلى رجسهم﴾ أي شكهم الذي كان في غيرها ﴿وماتوا﴾ أي واستمر بهم ذلك لتمكنه عندهم إلى أن ماتوا ﴿وهم كافرون*﴾ أي عريقون في الكفر، وسمي الشك في الدين مرضاً لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كفساد البدن في الاحتياج، ومرض القلب أعضل، وعلاجه أعسر وأشكل، ودواءه أعز وأطباؤه أقل. ولما زاد الكفار بالسورة رجساً من أجل كفرهم بها، كانت كأنها هي التي زادتهم، وحسن وصفها بذلك كما حسن: كفى بالسلامة داء، وكما قال الشاعر:
أرى بصري قد رابني بعد نصحه ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
قاله الرماني، فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه في وجدانهم، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور الثمرات مزيل للشبهات، والآية من الاحتباك: إثبات الإيمان أولاً دليل على حذف ضده ثانياً، وإثبات المرض ثانياً دليل على حذف الصحة أولاً.
стр. 4086
ولما كان التقدير تسبيباً عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس
стр. 4087
وازديادهم منه: أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه؟ عطف عليه تقريرهم بعذاب الدنيا والإنكار عليهم في قوله: ﴿أولا يرون﴾ أي المنافقون، قال الرماني: والرؤية هنا قلبية لأن رؤية العين لا تدخل على الجملة لأن الشيء لا يرى من وجوه مختلفة ﴿أنهم﴾ أي المنافقين؛ ولما كان مطلق وقوع الفتنة من العذاب، بنى للمفعول قوله: ﴿يفتنون﴾ أي يخالطون من حوادث الزمان ونوازل الحدثان بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم في نفاقهم ﴿في كل عام﴾ أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشاً ﴿مرة أو مرتين﴾ فيفضحون بذلك، وذلك موجب للتوبة للعلم بأن من علم سرائرهم - التي هم مجتهدون في إخفائها - عالم بكل شيء قادر على كل مقدور، فهو جدير بأن تمتثل أوامره وتخشى زواجره.
ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه مستبعداً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم لا يتوبون﴾ أي لا يجددون توبة ﴿ولا هم﴾ أي بضمائرهم ﴿يذكرون*﴾ أي أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام، فلولا أنه حصلت لهم زيادة في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي رجسهم إلى أن يزيله ولكن كلما أوهى شيئاً خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات المترتبة على وجود نجوم القرآن، والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه، فالآية ذامة لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر
стр. 4088
أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم ﴿ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٤] كما أن أحدهم لا يعاقب فتاة إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي عقابه.
ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء، أتبعه تأكيداً لزيادة كفرهم وتوضيحاً لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون فقال ﴿وإذا﴾ وأكد بالنافي فقال: ﴿ما﴾ ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين المنزل، بني للمفعول قوله ﴿أُنزلت سورة﴾ أي طائفة من القران ﴿نظر بعضهم﴾ أي المنافقين ﴿إلى بعض﴾ أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين: ﴿هل يراكم﴾ وأكدوا العموم فقالوا: ﴿من أحد﴾ أي من المؤمنين إن انصرفتم، فإن يشق علينا سماع مثل هذا، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا.
ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام مستهجناً، أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم انصرفوا﴾ أي إن لم يكن أحد يراهم، وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء، أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله: ﴿صرف الله﴾ أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله ﴿قلوبهم﴾ أي عن الإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿بأنهم قوم﴾ وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم ﴿لا يفقهون*﴾ أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلظة،
стр. 4089
وهذا دليل على ختام الآية قبلها، وهاتان الآيتان المختتمتان - ب ﴿لا يفقهون﴾ التاليتان للأمر بالجهاد في قوله ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ الموازي - ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين التالية لآية ﴿انفروا﴾ المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة في قوله ﴿استأذنك أولوا الطول منهم﴾ ب ﴿يفقهون﴾ ثم عند إعادة ذكرهم ب ﴿لا يعلمون﴾ وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم ممن يحضر نزول الذكر كثيراً مع احتمالهما للعموم، والختم هنا ب ﴿لا يفقهون﴾ أنسب لأن المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم - يقتضي فكراً وتأملاً وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح.
ولما أمر ﷺ أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جداً من أمر هذه السورة، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى، وأما المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالاً على الكراهة، عرفهم أن الأمر كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته والبعد عما يفعلونه به من الانصراف عنه، وأن أحواله الداعية لهم إلى محبته أعظم من أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من الحقوق ما هم مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه، وأن كل ما يحصل بهذا القرآن من العز
стр. 4090
والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال: ﴿لقد جاءكم رسول﴾ .
ولما كان الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن غير ذلك الوصف، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال: ﴿من أنفسكم﴾ أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب، وذلك أقرب إلى الألفة وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة ﴿عزيز﴾ أي شديد جداً ﴿عليه ما عنتم﴾ والعزة: امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة، والعنت: لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه ﴿حريص﴾ أي بليغ الحرص ﴿عليكم﴾ أي على نفعكم، والحرص: شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه، وقدم الجار لإفادة الاختصاص فقال: ﴿بالمؤمنين﴾ أي العريقين في هذا الوصف كافة خاصة، ولما ذكر الوصف المقتضي للرسوخ، قدم ما يقتضي العطف على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة فقال: ﴿رءوف﴾ أي شديد الرحمة لمن له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى الرأفة قريباً.
ولما كان المؤمن يطلق مجازاً على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست بالفعل بل الإمكان، قال تعميماً لرحمته ﷺ كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه: ﴿رحيم*﴾ ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه هذين الوصفين هكذا، ولكن
стр. 4091
المعاني المراده تارة يظهرها الله تعالى لعبده منحة له وإكراماً، وتارة يخفيها إظهاراً لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب، أو لغيره ممن هو أقل منه علماً وأضعف نظراً وفهماً، وإذا تأملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيراً من الآيات فسرها على غير المراد منها قطعاً أكابر العلماء، فعلى الأنسان - إذا خفي عليه أمر - أن يقول: لا أعلم، ولا يظن أنه رتب شيء من هذا الكتاب العزيز لأجل الفواصل، فلذلك أمر لا يليق بكلام الله تعالى، وقد عاب النبي ﷺ السجع، لأن الساجع يكونُ محطَ نظره الألفاظ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها، فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة ﵁
«أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة، فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم من لاشرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك بطل؛ فقال النبي ﷺ : إنما هذا من إخوان الكهان» من أجل سجعه الذي سجع، وفي رواية: فقال النبي ﷺ : «سجع كسجع الأعراب» وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع أن يقال: كيف أغرم من لاحياة له، ولوقصد السجع وتهذيب المعنى لأتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن
стр. 4092
ما أتى به لا يستلزم نفيها، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال، فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا، وينطبع في عقل عاقل أن يكون النبي ﷺ يذم السجع وهو يأتي به ويقصده في القرآن أو في السنة، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه، وذكر أصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل بالأخماس مع صحار العبدي، فلما قدم على عمر ﵁ سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال: يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبل، وماءها وشل وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها؛ فقال، أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا بل مخبر، قال: لاوالله! لا يغزوها جيش لي ما أطعت.
فقد جعل الفاروق السجع قسيماً للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله بالفائدة أو بتمام الفائدة، ولعله إنما جوز أن يكون مخبراً لنه انفك عن السجع في آخر كلامه وكرر لفظ «قليل» فكان ما ظنه، لأنه لو أراد السجع لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل،
стр. 4093
والقليل بها ضائع كليل، وما وراءها شر منها بأقوم قيل؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال ﴿وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون﴾ [الحاقة: ٤١، ٤٢] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزوناً، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعاً والقرآن ليس من هذا ولا من هذا. وإن وقع فيه كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه، بل لكون المعنى انتظم به على اتم الوجوه فيؤتي به لذلك، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم قطعاً أن ذلك غير مقصود أصلاً لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل الساجعين، بل يراه عجزاً وضيقاً عن تكميل المشاكلة ونقصاً - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ [الحديد: ٢٧] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي أبي بكر الباقلاني مَنَع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلاً عن جميع الأشاعرة، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة، وتارة تترك
стр. 4094
بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى، علمت أن هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة ﴿اقرأ﴾ وإذا تأملت كتب أهل العدد أتقنت علم هذا المستند، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا، فإياك ان تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر، وأورد سبحانه هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم، فكأنه قال: ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد جاءكم - إلى آخره، ثم أقبل عليه مسلياً له مقابلاً لإعراضهم إن أعراضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتاً إلى السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف، قائلاً مسبباً عن النصيحة بهذه الآية التي لا شك عاقل في مضمونها: ﴿فإن تولوا﴾ أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية ﴿فقل﴾ اي استعانة بالله تفويضاً إليه ﴿حسبي﴾ أي كافي؛ قال الرماني: وهو من الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب الكفاية التي تعني عن غيره، ويزيد من نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهر ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له، وإنما كان كافياً لأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
ولما قام الدليل على أنه لا كفؤ له، وجب قصر الرغائب عليه
стр. 4095
فقال: ﴿عليه﴾ أي وحده ﴿توكلت﴾ لأن أمره نافذ في كل شيء ﴿وهو رب﴾ اي مالك ومخترع ومدبر؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار، كان المقام بالعظمة أنسب كآية النمل فقال: ﴿العرش العظيم*﴾ أي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الأطلاق فلا شيء إلا هو في قبضته وداخل في دائرة مملكته، وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد مني كائناً من كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في ﴿فسيحوا﴾ وفي ﴿فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ والله تعالى أعلم.
سورة يونس
وهي أولى المئين إن جعلها براءة مع الأنفال من الطول، وإلا فبراءة أولاهن، مقصودها وصف الكتاب بأنه من عند الله من عند الله لما اشتمل عليه من الحكمة وأنه ليس إلا من عنده سبحانه لأن غيره لا يقدر على شيء منه، وذلك دال ريب على أنه واحد في ملكه لا شريك له في شيء من أمره، وتمام الدليل على هذا قصة قوم يونس ﵇ بأنهم لما آمنوا
стр. 4096
عند المخايل كشف عنهم، فدل قطعاً على ان الآتي به هو الله الذي آمنوا به غذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجباً للإيقاع بهم، ولو عذبوا كغيرهم ليقل: هذه عادة الدهر، كما قالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء ودل ذلك على أن عذاب غيرهم من الأمم إنما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك طرداً بأحوال سائر الأمم من أنه كلما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب، وعكساً منه كلما انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى - والله الموفق) بسم الله (اي الذي لا أمر لأحد سواه فلا كلام يشبه كلامه فلا كفوء له) الرحمن (الذي عم بكلامه جميع خلقه فأوضح البيان) الرحيم (الذي أتم لمطيعهم نعمة الامتنان)
стр. 4097
﴿الر﴾ فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وأمالها ورش عن نافع بين بين، والباقون بالإمالة المحضة، والأصل في ذلك الفتح، وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا، وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفاً - نقل ذلك عن الواحدي.
لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول قي ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخر في سورتي الأنفال وبراءة، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهيىء
стр. 4098
لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته. وأن الرسول ﷺ بذلك قد حوى من الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه. والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئاً لأن ربه كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش العظيم؛ لما كان ذلك كذلك، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم سورة التوبة، وزاده وصف الحكمه وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال: ﴿تلك﴾ أي الآيات العظيمة جداً التي اشتملت عليها هذه السورة، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف ﴿آيات الكتاب﴾ أي الذكر الجامع لكل خير، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوارة والإنجيل من ذلك، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً لأنه لم يكن يعرف شيئاً مما في الكاتبين ولا جالس أحداً يعلمه ﴿الحكيم*﴾ فكان فيما مضى - أن كونه من عند الله كاف في وجوب اتباعه - وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ذلك حكيماً والآية: العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة، والحكيم: الناطق بالحكمة. وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد
стр. 4099
والنقص، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك، وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة، ومحكم لما أتى به، مانع له من الفساد، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى
﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [براءة: ٤٠] وقوله ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾ [براءة: ٤٣] وقوله ﴿ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ [براءة: ٦١] وقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [براءة: ١٢٨] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول الله ﷺ بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهوره دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه، وكان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيراً لتحرك ساكن الحسد من العدو العظيم ما منحه عيه السلام، قال تعالى ﴿أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ إلى قوله:
стр. 4100
﴿لسحر مبين﴾ ثم قال ﴿إن ربكم الله﴾ الآيات، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد ﴿ذلكم الله ربكم فاعبدوه﴾ ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] وقالوا ﴿لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا﴾ [الفرقان: ٢١] وهذه مقالات الأمم المتقدمة ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾ [يس: ١٥] ﴿قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾ [سبأ: ٤٣] فقال تعالى متوعداً للغافلين ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا﴾ ، ثم وعد المعتبرين فقال ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، وكل هذا بيّن الالتحام جليل الالتئام، تناسجت آي السور - انتهى.
ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيماً - موجباً لقبوله بادىء بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى
следующие страницы →