Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
إلى أن القيامة مما هو معلوم لا يسوغ إنكاره: ﴿وما ظن الذين يفترون﴾ أي يتعمدون ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿الكذب﴾ أي أنه نازل بهم ﴿يوم القيامة﴾ أي هب أنكم لم تستحيوا منه ولم تخافوا عواقبه في الدنيا فما تظنون أنه يكون ذلك اليوم؟ أتظنون أنه لا يحاسبكم فيكون حينئذ قد فعل ما لا يفعله رب مع مربوبه.
ولما كان تعالى يعاملهم بالحلم وهم يتمادون في هذا العقوق، قال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لذو فضل﴾ أي عظيم ﴿على الناس﴾ أي بنعم منها إنزال الكتب مفصلاً فيها ما يرضاه وما يسخطه وإرسال الرسل ﵈ لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها طول إمهالهم على سوء أعمالهم فكان شكره واجباً عليهم ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي الناس لاضطراب ضمائرهم ﴿لا يشكرون﴾ أي لا يتجدد منهم شكر فهم لا يتبعون رسله ولا كتبه، فهم يخبطون خبط عشواء فيفعلون ما يغضبه سبحانه؛ والتحريم: عقد معنى النهي عن الفعل؛ والتحليل: حل معنى النهي بالإذن؛ والشكر: حق يجب بالنعمة من الاعتراف به والقيام فيما تدعو إليه على قدرها؛ وافتراء الكذب: تزويره وتنميقه فهو أفحش من مطلق الكذب.
стр. 4202
ولما وصف القرآن بما وصفه به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل
стр. 4203
على إعجازه، وأشار إلى أن ما تدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذباً يقدر كل واحد على تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة، وختم ذلك بتهديدهم على افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع ادعائهم أن القرآن مفترى وهم عاجزون عن معارضته، وبأنهم لم يشكروه على نعمه التي أجلّها تخصيصهم بهذا الذكر الحكيم والشرع القويم، وكان قد أكثر في ذلك كله من الأمر له ﷺ بمحاجتهم ﴿قل لا أملك لنفسي﴾ ، ﴿قل أرأيتم إن أتاكم عذابه﴾ ، ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾ ، ﴿قل بفضل الله﴾ - الآية، ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم﴾ ، ﴿قل الله أذن لكم﴾ ، قال تعالى ناظراً إلى قوله: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى﴾ الآية، تسلية له ﷺ وتقوية لهمته وزيادة في تهديدهم عطفاً على ما تقديره: فقد أنزلت إليهم على لسانك ما هو شرف لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد عن مطلق الكذب فإن كل شيء منه في أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه الباطل بوجه وهم يقابلون نعمته بالكفر: ﴿وما تكون﴾ أنت ﴿في شأن﴾ أي أيّ شأن كان ﴿وما تتلوا منه﴾ أي من القرآن المحدث عنه في جميع هذه السورة، الذي تقدم أنهم كذبوا به من غير شبهة لهم ﴿من قرآن﴾ أي قليل أو كثير ﴿ولا تعملون﴾ أي كلكم طائعكم وعاصيكم، وأغرق في النفي فقال: ﴿من عمل﴾
стр. 4204
صغير أو كبير ﴿إلا كنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عليكم شهوداً﴾ أي عاملين بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا عمل الشاهد ﴿إذ تفيضون فيه﴾ الآية إيذاناً بأنك بعيني في جميع هذه المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا العالم بتدبيرك والقادر على نصرتك، وهي كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى دونه وتقف الأفكار عن مجاراته لأنه حكيم لكونه من عندي فجل عن مطلق المعارضة لفظاً أو معنى فضلاً عن التغيير فضلاً عن الإتيان بما هو مثله فكيف بما هو أحسن منه، لاستقامة أمره وتناسب أحكامه كونها شفاء وهدى ورحمة، وما كان كذلك فهو من عندي قطعاً وبإذني جزماً لأني عالم بالإفاضة فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة منك ومنهم ومن غيرهم.
ولما كان ربما ظن ظان من إفهام ﴿كنا﴾ و ﴿شهوداً﴾ للجنود أنه سبحانه محتاج إليهم، نفى ذلك بقوله: ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿يعزب﴾ أي يغيب ويخفى ﴿عن ربك﴾ أي المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف نواله، وأغرق في النفي فقال: ﴿من مثقال ذرة﴾ أي وزن نملة صغيرة جداً وموضع وزنها وزمانه؛ ولما كان «في» بمزون أهل الأرض كان تقديمها أولى فقال: ﴿في الأرض﴾ ولما لم يدع السياق إلى الجمع - كما سيأتي في سبأ - قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنس: ﴿ولا في السماء﴾
стр. 4205
أي ما علا عن الأرض كائناً ما كان.
ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ويجهل أن المراد به المبالغة، قال عاطفاً على الجملة من أولها وهو على الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند الباقين: ﴿ولا أصغر من ذلك﴾ أي من مثقال الذرة ﴿ولا أكبر﴾ ولما أتى بهذا الابتداء الشامل الحاصر، أخبر عنه بقوله: ﴿إلا﴾ أي لا شيء من ذلك إلا موجود ﴿في كتاب﴾ أي جامع ﴿مبين*﴾ أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما فيه، وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان، وفي ذلك تهديداً لهم وتثبيت له ﷺ ، ولاح بهذا أن ما بعد ﴿إلا﴾ حال من الفاعل، أي ما يفعل شيئاً إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه، فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه؛ والإفاضة: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل أخذاً من فيض الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه، وأفضتم: تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء؛ والعزوب: ذهاب المعنى عن العلم، وضده الحضور؛ والذر: صغار النمل وهو خفيف الوزن جداً، ومثقاله: وزنه.
ولما تقدم أنه سبحانه شامل العلم، وعلم - من وضع الأحوال
стр. 4206
ما لا يتسع ومن لا تسع مجرد أسمائهم الأرض في كتاب مبين أي مهما كشف منه وجد من غير خفاء ولا احتياج إلى تفتيش - أنه كامل القدرة بعد أن تقدم أنهم فريقان: صادق في أمره، ومفتر عليه، وأنه متفضل على الناس بعدم المعاجلة والتأخير إلى القيامة، وخوّف المفتري عواقب أمره عاجلاً وآجلاً، ورجىّ المطيع، كان موضع أن يقال: ليت شعري ماذا يكون تفصيل حال الفريقين في الدارين على الجزم؟ فأجيب بأن الأولياء فائزون والأعداء هالكون ليشمر كل مطيع عن ساعد جده ويبذل غاية جهده في لحاق المخلصين وتحامي جانب المفترين بقوله تعالى مؤكداً لاعتقادهم أنهم يهلكون حزب الله وإنكارهم غاية الإنكار أن يفوتوهم: ﴿ألا إن أولياء الله﴾ أي الذين يتولون بالطاعة من لا شيء أعز منه ولا أعظم ويتولاهم ﴿لا خوف﴾ أي ثابت عال ﴿عليهم﴾ أي من شيء يستقبلهم ﴿ولا هم﴾ أي بضمائرهم ﴿يحزنون﴾ أي يتجدد لهم حزن على فائت لأن قلوبهم معلقة بالله سبحانه فلا يؤثر فيهم لذلك خوف ولا حزن أثراً يقطع قلوبهم كما يعرض لغيرهم، وفسرهم بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف المصحح للأعمال وبه كمال القوة العلمية ﴿وكانوا﴾ أي كوناً صار لهم جبلة وخلقاً ﴿يتقون﴾ أي يوجدون التقوى، وهي كمال القوة العملية في الإيمان والأعمال ويجددونها فإنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق
стр. 4207
قدره؛ وانتهى الجواب بقوله: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ - الآية، وهذا الذي فسر الله به الأولياء لا مزيد على حسنه، وعن علي ﵁ «هم قوم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الخوى» وقيل: الولي من لا يرائي ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه، وصح عن الإمامين: أبي حنيفة والتبيان أن كلاًّ منهما قال: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي.
وهذا في العالم العامل بعلمه كما بينته عند قوله في سورة الزمر ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] .
стр. 4208
ولما نفىعنهم الخوف والحزن، زادهم فقال مبيناً لتوليه لهم بعد أن شرح توليهم له: ﴿لهم﴾ أي خاصة ﴿البشرى﴾ أي الكاملة ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي بأن دينهم يظهر وحالهم يشتهر وعدوهم يخذل وعمله لا يقبل وبالرؤية الصالحة ﴿وفي الآخرة﴾ بأنهم هم السعداء وأعداؤهم الأشقياء وتتلقاهم الملائكة ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٣] . وما كان الغالب على أحوال أهل الله في الدنيا الضيق ولا سيما في أول الإسلام، كان السامع لذلك بمعرض أن يقول: يا ليت شعري هل يتم هذا السرور! فقيل: نعم، وأكد بنفي الجنس لأن الجبابرة ينكرون ذلك لهم لما يرون من أن عزهم من
стр. 4209
وراء ذل ليس فيه سوء ما لباطل المتكبرين من السورة والإرجاف والصولة: ﴿لا تبديل﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿لكلمات الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة؛ وقوله -: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي الرتبة ﴿هو﴾ أي خاصة ﴿الفوز العظيم﴾ في موضع البيان والكشف لمضمون هذه البشرى؛ والخوف: انزعاج القلب بما يتوقع من المكروه، ونظيره الجزع والفزع، ونقيضه الأمن؛ والحزن: انزعاجه وغلظ همه مما وقع من المكروه، من الحزن للأرض الغليظة، ونقيضه السرور، وهما يتعاقبان على حال الحي الذاكر للمحبوب؛ والبشرى: الخبر الأول بما يظهر سروره في بشرة الوجه.
ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معاً عن الأولياء، علم أن المعنى: هذه البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف، فعطف عليه قوله: ﴿ولا يحزنك قولهم﴾ أي في نحو قولهم: إنهم يغلبون، وفي تكذيبك والاستهزاء بك وتهديدك، فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير، وهيهات ذلك من الضعيف الفقير فكيف بالعلي الكبير! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا النهي بقوله: ﴿إن العزة﴾ أي الغلبة والقهر وتمام العظمة ﴿لله﴾ أي الملك الأعلى حال كونها ﴿جميعاً﴾ أي فسيذلهم ويعز دينه، والمراد بذلك التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به.
стр. 4210
ولما بدئت الآية بقولهم، ختمها بالسمع له والعلم به وقصرهما عليه لأن صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿السميع﴾ أي البليغ السميع لأقوالهم ﴿العليم﴾ أي المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم بما تقتضيه، وهو تعليل لتفرده بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة! والعزة: قدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام، والمعنى أنه يعزك على من ناواك، والنهي في ﴿ولا يحزنك﴾ في اللفظ للقول وفي المعنى للسبب المؤدي إلى التأذي بالقول، وكسرت «إن» هاهنا للاستئناف بالتذكر بما ينفي الحزن، لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية عنهم، وقرىء بفتحها على معنى «لأن» .
ولما ختمت بعموم سمعه وعلمه بعد قصر العزة عليه، كان كأنه قيل: إن العزة لا تتم إلاّ بالقدرة فأثبت اختصاصه بالملك الذي لا يكون إلاّ بها، فقال مؤكداً لما يستلزمه إشراكهم من الإنكار لمضمون هذا الكلام: ﴿ألآ إن لله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة؛ ولما كان بعض الناس قد أشركوا ببعض النجوم، جمع فقال معبراً بأداة العقلاء تصريحاً بما أفهمه التعبير سابقاً بأداة غيرهم: ﴿من في السماوات﴾ أي كلها، وابتدأ بها لأن ملكها يدل على ملك الأرض بطريق الأولى، ثم صرح بها في قوله مؤكداً لما تقدم: ﴿ومن في الأرض﴾ أي كلهم
стр. 4211
عبيده ملوكهم ومن دونهم، نافذ فيهم تصريفه، منقادون لما يريده، وهو أيضاً تعليل ثان لقوله ﴿ولا يحزنك قولهم﴾ أو للتفرد بالعزة، وعبر ب «من» التي للعقلاء والمراد كل ما في الكون لأن السياق لنفي العزة عن غيره، والعقلاء بها أجدر، فنفيها عنهم نفي عن غيرهم بطريق الأولى، ثم غلبوا لشرفهم على غيرهم، ولذا تطلق «ما» التي هي لغيرهم في سياق هو بها أحق ثم يراد بها العموم تغليباً للأكثر الذي لا يعقل على الأقل؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك شريك بقوله عاطفاً على ما تقديره: فما له شريك مما ادعاه المشركون منهما أو من إحداهما: ﴿وما يتبع﴾ أي بغاية الجهد ﴿الذين يدعون﴾ أي على سبيل العبادة ﴿من دون الله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿شركآء﴾ على الحقيقة؛ ويجوز أن تكون «ما» موصولة تحقيراً للشركاء بالتعبير بأداة ما لا يعقل ومعطوفه على «من» ﴿إن﴾ أي ما ﴿يتبعون﴾ في ذلك الذي هو أصل أصول الدين يجب فيه القطع وهو دعاءهم له شركاء ﴿إلاّ الظن﴾ أي المخطىء على أنه لو كان صواباً كانوا مخطئين فيه حيث قنعوا في الأصل بالظن، ثم نبه على الخطأ بقوله: ﴿وإن﴾ أي وما ﴿هم إلاّ يخرصون﴾ أي يحزرون ذلك ويقولون ما لا حقيقة له أصلاً؛ والاتباع: طلب اللحاق بالأول على تصرف الحال، فهؤلاء اتبعوا الداعي إلى عبادة الوثن وتصرفوا معه
стр. 4212
فيما دعا إليه، وظنهم في عبادتها إنما هو بشبيهة ضعيفة كقصد زيادة التعظيم لله وتعظيم تقليد الأسلاف، ويجوز أن يكون ﴿شركاء﴾ مفعولاً تنازعه ﴿يتبع﴾ و ﴿يدعون﴾ ؛ ثم أثبت سبحانه اختصاصه بشيء جامع للعلم والقدرة تأكيداً لاختصاصه بالعزة وتفرده بالوحدانية، وأن من أشرك به خارص لا علم له بوجه لكثرة الدلائل على وحدانيته ووضوحها فقال: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الذي جعل﴾ أي بسبب دوران الأفلاك الذي أتقنه ﴿لكم﴾ أي نعمة منه ﴿الليل﴾ أي مظلماً ﴿لتسكنوا فيه﴾ راحة لكم ودلالة على قدرته سبحانه على الإيجاد والإعدام وأُنساً للمحبين لربهم ﴿والنهار﴾ وأعار السبب وصف المسبب فقال: ﴿مبصراً﴾ أي لتنتشروا فيه، حذف وصف الليل وذكرت علته عكس ما فعل بالنهار ليدل ما ثبت على ما حذف، فالآية من الاحتباك.
ولما كانت هذه الآيات من الظهور بحيث لا يحتاج إلى أكثر من سماعها، قال: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم ﴿لآيات لقوم﴾ أي لهم قوة المحاولة على ما يريدونه ﴿يسمعون﴾ أي لهم سمع صحيح، وفي ذلك أدلة واضحات على أنه مختص بالعزة فلا شريك له، لأن الشريك لا بد وأن يقاسم شريكه شيئاً من الأفعال أو الأحوال أو الملك، وأما عند انتفاء جميع ذلك فانتفاء الشركة أوضح من أن يحتاج فيه إلى دليل، ويجوز أن يكون المعنى: لآيات لقوم يبصرون إبصار اعتبار
стр. 4213
ويسمعون سماع تأمل وإدكار، ولكنه حذف «يبصرون» لدلالة ﴿مبصراً﴾ عليه، ويزيد ذلك وضوحاً وحسناً كون السياق لنفي الشركاء، فهو إشارة إلى أنها لا تسمع ولا تبصر أصلاً فكيف بالاعتبار والافتكار؟ فالذين عبدوهم أكمل حالاً منهم.
стр. 4214
ولما لم يكن شبهة على ادعاء الولد لله سبحانه ولا لهم اطلاع عليه بوجه، ساق قوله: ﴿قالوا اتخذ﴾ أي تكلف الأخذ بالتسبب على ما نعهد ﴿الله﴾ أي المسمى بهذا الاسم الذي يقتضي تسميته به أن يكون له الكمال كله، فلا يكون محتاجاً إلى شيء بوجه ﴿ولداً﴾ مساق البيان لقوله ﴿إن يتبعون إلاّ الظن﴾ وهذا صالح لأن يكون تعجيباً ممن ادعى في الملائكة أو عزير أو المسيح وغيرهم.
ولما عجب منهم في ذلك لمنافاته بما يدل عليه من النقص لما ثبت لله تعالى من الكمال كما مرّ، نزه نفسه الشريفة عنه فقال: ﴿سبحانه﴾ أي تنزه عن كل شائبة نقص التنزه كله؛ ثم علل تنزهه عنه وبينه بقوله: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الغني﴾ أي عن الولد وغيره لأنه فرد منزه عن الإبعاض والأجزاء والمجانسة؛ ثم بين غناه بقوله: ﴿له ما في السماوات﴾ ولما كان سياق الاستدلال يقتضي التأكيد، أعاد «ما» فقال: ﴿وما في الأرض﴾ من صامت وناطق، فهو غني بالملك ذلك عن أن يكون شيء منه ولداً له لأن الولد لا يملك، وعدم ملكه نقص مناف للغنى،
стр. 4215
ولعله عبر ب «ما» لأن الغني محط نظره الصامت مع شمولها للناطق.
ولما بين بالبرهان القاطع والدليل الباهر الساطع امتناع أن يكون له ولد، بكتهم بنفي أن يكون لهم بذلك نوع حجة فقال: ﴿إن﴾ أي ما ﴿عندكم﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿من سلطان﴾ أي حجة ﴿بهذا﴾ أي الاتخاذ، وسميت الحجة سلطاناً لاعتلاء يد المتمسك بها؛ ثم زادهم بها تبكيتاً بالإنكار عليهم بقوله: ﴿أتقولون﴾ أي على سبيل التكرير ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم على سبيل الاستعلاء ﴿ما لا تعلمون﴾ لأن ما لا برهان عليه في الأصول فهو جهل، فكيف بما قام الدليل على خلافه؛ والسلطان: البرهان القاهر لأنه يتسلط به على صحة الأمر ويقهر به الخصم، وأصله القاهر للرعية بعقد الولاية.
ولما قدم أن قولهم كذب، وبكتهم عليه مواجهة، أتبعه بما يشير إلى أنهم أهل للإعراض في سياق مهدد على الكذب، فقال معرضاً عن خطابهم مؤكداً لأن اجتراءهم على ذلك دال على التكذيب بالمؤاخذة عليه: ﴿قل﴾ أي للذين ادعوا الولد لله وحرموا ما رزقهم من السائبة ونحوها ﴿إن الذين يفترون﴾ أي يتعمدون ﴿على الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿الكذب لا يفلحون﴾ ثم بين عدم الفلاح بقوله: ﴿متاع﴾
стр. 4216
أي لهم، ونكره إشارة إلى قلته كما قال في الآية الأخرى ﴿متاع قليل﴾ وأكد ذلك بقوله: ﴿في الدنيا﴾ لأنها دار ارتحال، وما كان إلى زوال وتلاش واضمحلال كان قليلاً وإن تباعد مدّه وتطاولت مُدَده وجل مَدَده، وزاد على الحصر عَدده؛ وبين حالهم بعد النقلة بقوله: ﴿ثم﴾ أي بعد ذلك الإملاء لهم وإن طال ﴿إلينا﴾ أي على ما لنا من العظمة لا إلى غيرنا ﴿مرجعهم﴾ بالموت فنذيقهم عذاباً شديداً لكنه دون عذاب الآخرة ﴿ثم نذيقهم﴾ يوم القيامة ﴿العذاب الشديد بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا﴾ أي كوناً هو جبلة لهم ﴿يكفرون﴾ ووجب كسر «إن» بعد القول لأنه حكاية عما يستأنف الإخبار به كما فعل في لام الابتداء لذلك.
ولما تقدم سؤالهم الإتيان بما يقترحون من الآيات، ومضت الإشارة إلى أن تسييرهم في الفلك من أعظم الآيات وإن كانوا لإلفهم له قد نسوا ذلك، وتناسجت الآي كما سلف إلى أن بين هذا أن متاع المفترين الكذبَ قليل تخويفاً من شديد السطوة وعظيم الأخذ، عقب ذلك بقصة قوم نوح لأنهم كانوا أطول الأمم الظالمة مدة وأكثرهم عدة، ثم أخذوا أشد أخذ فزالت آثارهم وانطمست أعلامهم ومنارهم فصاروا كأنهم لم يكونوا أصلاً ولا أظهروا قولاً
стр. 4217
ولا فعلاً، فقال تعالى عاطفاً على قوله ﴿قل إن الذين﴾ مسلياً لنبيه ﷺ وأصحابه ﵃ لأن المصيبة إذا عمت خفت، وتخويفاً للكفار ليرجعوا أو يخفوا من أذاهم: ﴿واتل﴾ أي اقرأ قراءة متتابعة مستعلية ﴿عليهم نبأ نوح﴾ أي خبره العظيم مذكراً بأول كون الفلك وأنه كان إذ ذاك آية غريبة خارقة للعادة عجيبة، وأن قوم نوح لم ينفعهم ذلك ولا أغنى عنهم افتراءهم وعنادهم مع تطاول الأمد وتباعد المدد، بل صار أمرهم إلى زوال، وأخذ عنيف ونكال ﴿كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم﴾ [يونس: ٤٥] مع نجاة رسولهم وخيبة مأمولهم، قد لبث فيهم ما لم يلبثه نبي في قولهم ولا رسول في أمته ألف سنة إلاّ خمسبن عاماً، وما آمن معه إلاّ قليل ﴿إذ قال لقومه﴾ أي بعد أن دعاهم إلى الله فأطال دعاءهم ومتعوا في الدنيا كثيراً وأملى لهم طويلاً فما زادهم ذلك إلا نفوراً ﴿يا قوم﴾ أي يا من يعز عليّ خلافهم ويشق عليّ ما يسوءهم لتهاونهم بحق ربهم مع قوتهم على الطاعة ﴿إن كان كبر﴾ أي شق وعظم مشقة صارت جبلة ﴿عليكم﴾ ولما كانت عادة الوعاظ والخطباء أن يكونوا حال الخطبة واقفين، قال: ﴿مقامي﴾ أي قيامي، ولعله خص هذا المصدر لصلاحيته لموضع القيام وزمانه فيكون
стр. 4218
الإخبار بكراهته لأجل ما وقع فيه من القيام أدل على كراهة القيام ﴿وتذكيري﴾ أي بكم ﴿بآيات الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام، فإن ذلك لا يصدني عن مجاهدتي بما يكبر عليكم من ذلك خوفاً منكم لأن الله أمرني به وأنا أخاف عذابه إن تركت، ولا أبالي بكراهيتكم لذلك خوف عاقبة قصدكم لي بالأذى ﴿فعلى﴾ أي فإني على ﴿الله﴾ أي الذي له العزة كلها وحده ﴿توكلت﴾ فإقامة ذلك المقام الجزاء من إطلاق السبب - الذي هو التوكل - على المسبب - الذي هو انتفاء الخوف - مجازاً مرسلاً، إعلاماً لهم بعظمة الله وحقارتهم بسبب أنهم أعرضوا عن الآيات وهم يعرفونها، بما دل عليه التعبير بالتذكير، فدل ذلك على عنادهم بالباطل، والمبطل لا يخشى أمره لأن الباطل لا ثبات له، ودل على ذلك بقوله: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ أي في أذاي بالإهلاك وغيره، أعزموا عليه وانووه واجزموا به، والواو بمعنى «مع» في قوله: ﴿وشركآءكم﴾ ليدل على أنه لا يخافهم وإن كانوا شركاءهم أحياء كائنين من كانوا وكانت كلمتهم واحدة لا فرقة فيها بوجه.
ولما كان الذي يتستر بالأمور بما يفوته بعض المقاصد لاشتراط التستر، أخبرهم أنه لا يمانعهم سواء أبدوا أو أخفوا فقال: ﴿ثم لا يكن﴾ أي بعد التأبي وطول زمان المجاوزة في المشاورة ﴿أمركم﴾ أي الذي تقصدونه بي ﴿عليكم غمة﴾ أي خفياً يستتر عليكم شيء منه بسبب ستر ذلك عني لئلا أسعى في معارضتكم، فلا تفعلوا ذلك بل جاهروني به
стр. 4219
مجاهرة فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السر والعلانية؛ والتعبير ب ﴿ثم﴾ إشارة إلى التأني وإتقان الأمر للأمان من معارضته بشيء من حول منه أو قوة ﴿ثم اقضوا﴾ ما تريدون، أي بتوه بتة المقضي إليه واصلاً ﴿إلي﴾ .
ولما كان ذلك ظاهراً في الإنجاز وليس صريحاً، صرح به في قوله: ﴿ولا تنظرون*﴾ أي ساعة ما، وكل ذلك لإظهار قلة المبالاة بهم للاعتماد على الله لأنه لا يعجزه شيء ومعبوداتهم لا تغني شيئاً؛ ثم سبب عن ذلك قوله: ﴿فإن توليتم﴾ أي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ينفعكم علمكم بأن الذي منعني - وأنا وحدي - منكم وأنتم ملء الأرض له العزة جميعاً وأن من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿فما﴾ أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر على ما يحب، ما ﴿سألتكم﴾ أي ساعة من الدهر، وأغرق في النفي فقال: ﴿من أجر﴾ أي على دعائي لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني به في دعائكم.
ولما كان من المحال أن يفعل عاقل شيئاً لا لغرض، بين غرضه بقوله مستأنفاً: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أجري إلا على الله﴾ أي الذي له صفات الكمال؛ ثم عطف عليه غرضاً آخر وهو اتباع الأمر خوفاً من حصول
стр. 4220
الضر فقال: ﴿وأمرت﴾ أي من الملك الأعلى الذي لا أمر لغيره، وبناه للمفعول للعلم بأنه هو الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور به وتغطية بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال ﴿أن أكون﴾ أي كوناً أتخلق به فلا أنفك عنه؛ ولما كان في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم بالإنذار، عبر بالإسلام الذي هو الأفعال الظاهرة فقال: ﴿من المسلمين*﴾ أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية الإخلاص، لي ما لهم وعليّ ما عليهم، أنا وهم في الإسلام سواء، لا مرية لي فيه أتهم بها، أن أستسلم لكل ما يصيبني في الله، لا يردني ذلك عن إنفاذ أمره، والحاصل أنه لم يكن بدعائه إياهم في موضع تهمة، لا سألهم غرضاً دنيوياً يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن أدبروا، ولا أتى بشيء من عند نفسه ليظن أنه أخطأ فيه ولا سلك به مسلكاً يظن به استعباده إياهم في اتباعه، بل أعلمهم بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به مستسلم لما دعاهم إليه ولكل ما يصيبه في الله، ولما لم يردهم كلامه هذا عن غيهم، سبب عنه قوله مخبراً بتماديهم: ﴿فكذبوه﴾ أي ولم يزدهم شيء من هذه البراهين الساطعة والدلائل القاطعة إلا إدباراً، وكانوا في آخر المدة على مثل ما كانوا عليه من التكذيب ﴿فنجيناه﴾ أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة الباهرة بسبب امتثاله لأوامرنا وصدق اعتماده علينا ﴿ومن معه﴾ أي من العقلاء وغيرهم ﴿في الفلكِ﴾ كما وعدنا أولياءنا، وجعلنا
стр. 4221
ذلك آية للعالمين ﴿وجعلناهم﴾ أي على ضعفهم بما لنا من العظمة ﴿خلائف﴾ أي في الأرض بعد من أغرقناهم، فمن فعل في الطاعة فعلهم كان جديراً بأن نجازيه بما جازيناهم ﴿وأغرقنا﴾ أي بما لنا من كمال العزة ﴿الذين كذبوا﴾ أي مستخفين مستهينين ﴿بآياتنا﴾ كما توعدنا يفترون على الله الكذب.
ولما كان هذا أمراً باهراً يتعظ به من له بصيرة، سبب عنه أمر أعلى الخلق فهما بنظره إشارة إلى أنه لا يعتبر به حق الاعتبار غيره فقال: ﴿فانظر﴾ وأشار إلى أنه أهل لأن يبحث عن شأنه بأداة الاستفهام، وزاد الأمر عظمة بذكر الكون فقال: ﴿كيف كان﴾ أي كوناً كان كأنه جبلة ﴿عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المنذرين*﴾ أي الغريقين في هذا الوصف وهم الذين أنذرتهم الرسل، فلم يكونوا أهلاً للبشارة لأنهم لم يؤمنوا لنعلم أن من ننذرهم كذلك، لا ينفع من أردنا شقاوته منهم إنزال آية ولا إيضاح حجة؛ والتوكل: تعمد جعل الأمر إلى من يدبره للتقدير في تدبيره؛ والغمة: ضيق الأمر الذي يوجب الحزن؛ والتولي: الذهاب عن الشيء؛ والأجر: النفع المستحق بالعمل؛ والإسلام الاستسلام لأمر الله بطاعته بأنها خير ما يكتسبه العباد.
стр. 4222
ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى ﵈ مما يناسب
стр. 4223
مقصود هذه السورة إلا ما شاركوا فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت شقاوته منهم، ذكره سبحانه طاوياً لما عداه فقال تعالى: ﴿ثم﴾ أي بعد مدة طويلة ﴿بعثنا﴾ أي على عظمتنا؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد، أدخل الجار فقال: ﴿من بعده﴾ أي قوم نوح ﴿رسلاً﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام.
ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه، وإن كذبوه لم يتمادوا على التكذيب لا سيما إن أتاهم بما يقترحونه من الخوارق قال: ﴿إلى قومهم﴾ أي ففاجأهم قومهم بالتكذيب ﴿فجاءوهم﴾ أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن جاؤوهم ﴿بالبينات﴾ ليزول تكذيبهم فيؤمنوا ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك ضد ما أمروا به وقامت دلائله وهو أنهم ما ﴿كانوا﴾ أي بوجه من وجوه الكون ﴿ليؤمنوا﴾ أي مقرين ﴿بما كذبوا﴾ أي مستهينين ﴿به﴾ أول ما جاؤوهم. ولما كان تكذيبهم في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي قبل مجيء البينات لأنا طبعنا على قلوبهم؛ قال أبو حيان: وجاء النفي مصحوباً بلام الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: من قبل مجيء الرسل إليهم، ويكون التكذيب أسند إليهم لأن أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين الصحيح
стр. 4224
الذي أتتهم به الرسل ورضوا هم بما أحدث آباؤهم استحساناً له، أو لأنه كان بين أظهرهم بقايا على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما يبتدعون فلا يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم قبل بعث النبي ﷺ ، لكن المعنى الأول أولى - والله أعلم.
ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات، بنى ما يليه على سؤاله من لعله يقول: هل استمر الخلق فيمن بعدهم؟ فكأنه قيل: نعم! ﴿كذلك﴾ أي مثل ما طبعنا على قلوبهم هذا الطبع العظيم ﴿نطبع﴾ أي نوجد الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا من العظمة ﴿على قلوب المعتدين*﴾ في كل زمن لكل من تعمد العدو فيما لا يحل له، وهذا كما أتى موسى ﵇ إلى فرعون فدعاه إلى الله فكذبه فأخبره أن معه آية تصدقه فقال له: إن كنت جئت بآية فائت بها إن كنت من الصادقين، فلما أتاه بها استمرعلى تكذيبه وكان كلما رأى آية ازداد تكذيباً، وكان فرعون قد قوي ملكه وعظم سلطانه وعلا في كبريائه وطال تجبره على الضعفاء، فطمست أمواله وآثاره، وبقيت أحاديثه وأخباره، ولهذا أفصح سبحانه بقصته فقال: دالاً على الطبع: ﴿ثم بعثنا﴾ أي وبعد زمن طويل من إهلاكنا إياهم بعثنا، ولعدم استغراق زمن البعد أدخل الجار فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي من بعد أولئك الرسل
стр. 4225
﴿موسى و﴾ كذا بعثنا ﴿هاورن﴾ تأييداً له لأن اتفاق اثنين أقوى لما يقررانه وأوكد لما يذكرانه؛ ولما استقر في الأذهان بما مضى أن ديدن الأمم تكذيب من هو منهم حداً له ونفاسة عليه.
كان ربما ظن أن الرسول لو أتى غير قومه كان الأمر على غير ذلك، فبين أن الحال واحد في القريب والغريب، فقال مقدماً لقوله: ﴿إلى فرعون وملئه﴾ أي الأشراف من قومه، فإن الأطراف تبع لهم ﴿بآياتنا﴾ أي التي لا تكتنه عظمتها لنسبتها إلينا، فطبعنا على قلوبهم ﴿فاستكبروا﴾ أي طلبوا الكبر على قبول الآيات وأوجدوا ما يدل عليه من الرد بسبب انبعاثه إليهم عقب ذلك ﴿وكانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿قوماً مجرمين*﴾ أي طبعهم قطع ما ينبغي وصله ووصل ما ينبغي قطعه، فلذلك اجترؤوا على الاستكبار مع ما فيها أيضاً من شديد المناسبة لما تقدم من قول الكافرين ﴿هذا سحر مبين﴾ في نسبة موسى ﵇ إليه وبيان حقيقة السحر في زواله وخيبته متعاطية لإفساده إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار، هذا إلى ما ينظم إليه من مناسبة ما بين إهلاك القبط وقوم نوح بآية الغرق، وأنه لم ينفع أحداً من الفريقين معاينة الآيات ومشاهدة الدلالات البينات، بل ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه بعد تلك المعجزات الباهرة والبراهين الظاهرة، ثم اتبعهم فرعون بعد أن كانت انحلت عن حبسهم عراه، وتلاشت من تجبره قواه، وشاهد من الضربات ما يهد الجبال،
стр. 4226
ودخل في طلبهم البحر بحزات لا يقرب ساحتها الأبطال، لما قدره عليه ذو الجلال، ولم يؤمن حتى أتاه البأس حيث يفوت الإيمان بالغيب الذي هو شرط الإيمان، فلم ينفعه إيمانه مع اجتهاده فيه وتكريره لفوات شرطه إجابة لدعوة موسى ﵇، ثم إن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى ﵇ على منهاج واحد. فما اختلفوا إلا بعد مجيء العلم إليهم وبيان الطريق واضحة لديهم، ولهذا المراد ذكر هنا هارون ﵇ لأن من أعظم مقاصد السورة المنع من طلب الآيات لمن بعد الإيمان عند الإتيان بها، إشارة إلى أن القول من الاثنين أوكد، ومع ذلك فلم يصدق من حكم القدير بشقاوته، كل ذلك حثاً على الرضا والتسليم، ووكل الأمر إلى الرب الحكيم، فمهما أمر به قبل، وما أعرض عنه ترك السؤال فيه رجاء تدبيره بأحسن التدبير وتقديره ألطف المقادير؛ ولما أخبر سبحانه باستكبارهم، بين أنه تسبب عنه طعنهم في معجزاته من غير تأمل، بل بغاية المبادرة والإسراع بما أشعرت به الفاء والسياق، فقال تعالى: ﴿فلما جاءهم﴾ أي فرعون وملؤه ﴿الحق﴾ أي البالغ في الحقية، ثم زاد في عظمته بقوله: ﴿من عندنا﴾ أي على ما لنا من العظمة التي عرفوا بها أنه منا، لا من الرسولين ﴿قالوا﴾ أي غير متأملين له ولا ناظرين في أمره بل
стр. 4227
عناداً ودلالة على استكبارهم مؤكدين لما علموا من تصديق الناس به ﴿إن هذا لسحر مبين*﴾ كما قال الناس الذين أخبر عنهم سبحانه في أول السورة في هذا القرآن وما إبانه من البعث.
فلما قالوا كان كأنه قيل: فماذا أجابهم؟ فأخبر أنه أنكر عليهم، بقوله: ﴿قال موسى﴾ ولما كان تكريرهم لذلك القول أجدر بالإنكار، عبر بالمضارع الدال على أنهم كرروه لينسخوا ما ثبت في قلوب الناس من عظمته ﴿أتقولون للحق﴾ ونبه على أنهم بادروا إلى التكذيب من غير نظر ولا توقف بقوله: ﴿لما جاءكم﴾ أي هذا القول الذي قلتموه وهو أنه سحر، فإن القول يطلق على المكروه، تقول: فلان قال في فلان، أي ذمه، وفلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول؛ ثم كرر الإنكار بقوله: ﴿أسحر هذا﴾ أي الذي هو في غاية الثبات والمخالفة للسحر في جميع الصفات حتى تقولون فيه ذلك. فالآية من الاحتباك: ذكر القول في الأول دال على حذف مثله في الثاني، وذكر السحر الثاني دال على حذف مثله في الأول.
ولما كان التقدير: أتقولون هذا والحال أنكم قد رأيتم فلاحه، بني عليه قوله: ﴿ولا يفلح﴾ أي يظفر بما يريد في وقت من الأوقات ﴿الساحرون*﴾ أي العريقون فيه لأن حاصل أمرهم تخييل وتمويه في الأباطيل، فالظفر بعيد عنهم، ويجوز أن تجعل هذه الجملة معطوفه
стр. 4228
على قوله: ﴿أسحر هذا﴾ لأنه إنكاري بمعنى النفي، فلما أنكر عليهم ﵇ ما ظهر به الفرق الجلي بين ما أتى به في كونه أثبت الأشياء وبين السحر، لأنه لا ثبات له أصلاً، عدلوا عن جوابه إلى الإخبار بما يتضمن أنهم لا يقرون بحقيته لأنه يلزم عن ذلك ترك ما هم عليه من العلو وهم لا يتركونه، وأوهموا الضعفاء أن مراده ﵇ الاستكبار معللين لاستكبارهم عن اتباعه بما دل على أنهم لا مانع أنهم منه إلا الكبر، فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿قالوا﴾ أي منكرين عليه معللين بأمرين: التقليد، والحرص على الرئاسة.
ولما كان هو الأصل في الرسالة. وكان أخوه له تبعاً، وحدوا الضمير فقالوا: ﴿أجئتنا﴾ أي أنت يا موسى ﴿لتلفتنا﴾ أي لتقتلنا وتصرفنا ﴿عما وجدنا عليه﴾ وقالوا مستندين إلى التقليد غير مستحيين من ترك الدليل ﴿آباءنا﴾ من عبادة الأصنام والقول بالطبيعة لنقل نحن بذلك ﴿وتكون لكما﴾ أي لك أنت ولأخيك دوننا ﴿الكبرياء﴾ أي بالملك ﴿في الأرض﴾ أي أرض مصر التي هي - لما فيها من المنافع - كأنها الأرض كلها ﴿وما﴾ أي وقالوا أيضاً: ما ﴿نحن لكما﴾ وبالغوا في النفي وغلب عليهم الدهش فعبروا بما دل على أنهم غلبهم الأمر فعرفوا أنه صدق ولم يذعنوا فقالوا: ﴿بمؤمنين*﴾
стр. 4229
أي عريقين في الإيمان، فهو عطف على ﴿أجئتنا﴾ أي قالوا ذاك وقالوا هذا، أو يكون عطفاً على نحو: فما نحن بموصليك إلى هذا الغرض، أفردوه أولاً بالإنكار عليه في المجيء ليضعف ويكف أخوه عن مساعدته، وأشركوه معه ثانياً تأكيداً لذلك الغرض وقطعاً لطمعه؛ والبعث: الإطلاق في أمر يمضي فيه، وهو خلاف الإطلاق من عقال؛ والملأ: الجماعة الذين هم وجوه القبيلة، لأن هيبتهم تملأ الصدور عند منظرهم؛ والاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق؛ والمجرم من اكتسب سيئة كبيرة، من جرم التمر - إذا قطعه، فالجرم يوجب قطع الخير عن صاحبه؛ والسحر: إيهام المعجزة على طريق الجيلة، ويشبه به البيان في خفاء السبب؛ والحق: ما يجب الحمد عليه ويشتد دعاء الحكمة إليه ويعظم النفع به والضرر بتركه؛ والكبرياء: استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب، وهي صفة مدح لله وذم للعباد لأنها منافية لصفة العبودية.
стр. 4230
ولما لبسوا بوصفه بما هم به متصفون، أرادوا الزيادة في التلبيس بما يوهم أن ما أتى به سحر تمكن معارضته إيقافاً للناس عن تباعه، فقال تعالى حكاية عطفاً على قوله: ﴿قالوا أجئتنا﴾ : ﴿وقال فرعون﴾ إرادة المناظرة لما أتى به موسى ﵇ ﴿ائتوني بكل ساحر عليم*﴾
стр. 4231
أي بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء من السحر بتأخر البعض، وقراءة حمزة والكسائي بصيغة فعال دالة على زيادة لزعمه أقل من سياق الشعراء كما مضى في الأعراف.
ولما كان التقدير: فامتثلوا أمره وجمعوهم، دل على قرب اجتماعهم بالفاء في قوله: ﴿فلما جاء السحرة﴾ أي كل من في أرض مصر منهم ﴿قال لهم موسى﴾ مزيلاً لهذا الإيهام ﴿ألقوا﴾ جميع ﴿ما أنتم ملقون*﴾ أي راسخون في صنعة إلقائه، إشارة إلى أن ما جاؤوا به ليس أهلاً لأن يلقى إليه بال ﴿فلما ألقوا﴾ أي وقع منهم الإلقاء بحبالهم وعصيهم على إثر مقالاته وخيلوا بسحرهم لعيون الناس ما زلزل عقولهم ﴿قال موسى﴾ منكراً عليهم ﴿ما جئتم به﴾ ثم بين أنه ما استفهم عنه جهلاً بل احتقاراً وإنكاراً، وزاد في بيان كل من الأمرين بقوله: ﴿السحر﴾ لأنه استفهام أيضاً سواء قطعت الهمزة ومدت كما في قراءة أبي عمرو وأبي جعفر أوجعلت همزة وصل كما في قراءة الباقين، فإن همزة الاستفهام مقدرة، والتعريف إما للعهد وإما للحقيقة وهو أقرب، ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون خبراً لما يقصد به الحصر، أي هو السحر لا ما نسبتموه إليّ؛ ثم استأنف بيان ما حقره به فقال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له إحاطة العلم والقدرة ﴿سيبطله﴾ أي عن قريب بوعد لا خلف فيه؛ ثم علل ذلك بما بين
стр. 4232
أنه فساد فقال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لا يصلح﴾ أي وفي وقت من الأوقات ﴿عمل المفسدين*﴾ أي العريقين في الفساد بأن لا ينفع بعملهم ولا يديمه؛ ثم عطف عليه بيان إصلاحه عمل المصلحين فقال: ﴿ويحق﴾ أي يثبت إثباتاً عظيماً ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿الحق﴾ أي الشيء الذي له الثبات صفة لازمة؛ ولما كان في مقام تحقيرهم، دل على ذلك بتكرير الاسم الجامع الأعظم. وأشار إلى ما له من الصفات العلى بقوله: ﴿بكلماته﴾ أي الأزلية التي لها ثبات الأعظم، وزاد في العظمة بقوله: ﴿ولو كره المجرمون﴾ أي العريقون في قطع ما أمر الله به أن يوصل، فكان كما قال ﵇ بطل سحرهم، واضمحل مكرهم، وحق الحق - كما بين في سورة الأعراف.
ولما حكى سبحانه أن موسى ﵇ أبان ما أبان من بطلان السحر وكونه إفساداً، فثبت ما أتى به لمخالفته له، أخبر تعالى - تسلية للنبي ﷺ وفطماً عن طلب الإجابة للمقترحات - أنه ما تسبب عن ذلك في أول الأمر عقب إبطال سحرهم من غير مهلة إلا إيمان ناس ضعفاء غير كثير، فقال تعالى: ﴿فما آمن﴾ أي متبعاً ﴿لموسى﴾ أي بسبب ما فعل، ليعلم أن الآيات ليست سبباً للهداية إلا لمن أردنا ذلك منه؛ وبين أن الصغار أسرع إلى القبول بقوله: ﴿إلا ذرية﴾ أي شبانهم هم أهل لأن تذر فيهم البركة ﴿من قومه﴾ أي قوم موسى الذين لهم القدرة
стр. 4233
على القيام في المحاولة لما يريدونه، والظاهر أنهم كانوا أيتاماً وأكثرهم - كما قاله مجاهد ﴿على خوف﴾ أي عظيم ﴿من فرعون وملئهم﴾ أي أشراف قوم الذرية؛ ولما كان إنكار الملأ إنما هو بسبب فرعون أن يسلبهم رئاستهم، انحصر الخوف فيه فأشار إلى ذلك بوحدة الضمير فقال: ﴿أن يفتنهم﴾ وأتبعه ما يوضح عذرهم بقوله مؤكداً تنزيلاً لقريش منزلة من يكذب بعلو فرعون لتكذيبهم لأن ينصر عليهم الضعفاء من أصحاب النبي ﷺ لعلوهم: ﴿وإن فرعون لعال﴾ أي غالب قاهر متمكن بما فتناه به من طاعة الناس له ﴿في الأرض﴾ أي أرض مصر التي هي بكثرة ما فيها من المرافق كأنها جميع الأرض ﴿وإنه لمن المسرفين*﴾ أي العريقين في مجاوزة الحدود بظاهره وباطنه، وإذا ضممت هذه الآية إلى قوله تعالى:
﴿وإن المسرفين هم أصحاب النار﴾ [غافر: ٤٣] كان قياساً بديهياً منتجاً إنتاجاً صريحاً قطعياً أن فرعون من أصحاب النار، تكذبياً لأهل الوحدة في قولهم: إنه آمن، ليهونوا المعاصي عند الناس فيحلوا بذلك عقائد أهل الدين.
стр. 4234
ولما ذكر خوفهم وعذرهم، أتبعه ما يوجب طمأنينتهم، وهو التوكل على الله الذي من راقبه تلاشى عنده كل عظيم، فقال: ﴿وقال موسى﴾ أي لمن آمن به موطناً لهم على أن الجنة لا تنال إلا بمشقة عظيمة «يبتلى
стр. 4235
الناس على قدر إيمانهم» ﴿يا قوم﴾ فاستعطفهم بالتذكير بالقرب وهزهم إلى المعالي به فيهم من القوة ثم هيجهم وألهبهم على الثبات بقوله: ﴿إن كنتم﴾ أي كوناً هو في ثباته كالخلق الذي لا يزول ﴿آمنتم بالله﴾ وثبتهم بذكر الاسم الأعظم وما دل عليه من الصفات، وأجاب الشرط بقوله: ﴿فعليه﴾ أي وحده لما علمتم من عظمته التي لا يداينها شيء سواه ﴿توكلوا﴾ وليظهر عليكم أثر التوكل من الطمأنينة والثبات والسكينة ﴿إن كنتم﴾ أي كوناً ثابتاً ﴿مسلمين*﴾ جامعين إلى تصديق القلب إذعان الجوارح؛ وجواب هذا الشرط ما دل عليه الماضي من قوله: ﴿فعليه توكلوا﴾ ﴿فقالوا﴾ أي على الفور كما يقتضيه الفاء ﴿على الله﴾ أي الذي له العظمة كلها وحده ﴿توكلنا﴾ أي فوضنا أمورنا كلها إليه ﴿ربنا﴾ أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا ﴿لا تجعلنا فتنة﴾ أي موضع مخالطة بما يميل ويحيل ﴿للقوم الظالمين*﴾ أي لا تصبنا أنت بما يظنون به تهاونك بنا فيزدادوا نفرة عن دينك لظنهم أنا على الباطل ولا تسلطهم علينا مما يفتننا عن ديننا فيظنوا أنهم على الحق ﴿ونجنا برحمتك﴾ أي إكرامك لنا ﴿من القوم﴾ أي الأقوياء ﴿الكافرين*﴾ أي العريقين في تغطية الأدلة، وفي دعائهم هذا إشارة إلى أن أمر الدين أهم من أمر النفس.
стр. 4236
ولما أجابوه إلى إظهار الاعتماد عليه سبحانه وفوضوا الأمور إليه، أتبعه ما يزيدهم طمأنينة من التوطن في أرض العدو إشارة إلى عدم المبالاة به، لأنه روي أنه كانت لهم متعبدات يجتمعون فيها، فلما بعث موسى ﵇ أخربها فرعون، فأمر الله تعالى أن تجعل في بيوتهم لئلا يطلع عليهم الكفرة فقال تعالى عاطفاً على قوله: ﴿وقال موسى﴾ ﴿وأوحينا﴾ أي بما لنا من العظمة البالغة ﴿إلى موسى وأخيه﴾ أي الذي طلب مؤازرته ومعارضته ﴿أن تبوءا﴾ أي اتخذا ﴿لقومكما بمصر﴾ وهي ما بين البحر إلى أقصى أسوان والإسكندرية منها ﴿بيوتاً﴾ تكون لهم مرجعاً يرجعون إليه ويأوون إليه ﴿واجعلوا﴾ أي أنتما ومن معكما من قومكما ﴿بيوتكم قبلة﴾ أي مصلى لتتعبدوا فيها مستترين عن الأعداء تخفيفاً من أسباب الخلاف ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي بجميع حدودها وأركانها مستخفين ممن يؤذيكم جمعاً بين آلتي النصر: الصبر والصلاة، وتمرناً على الدين وتثبيتاً له في القلب.
ولما كان الاجتماع فيما تقدم أضخم وأعز وأعظم، وكان واجب على الأمة كوجوبه على الإمام جمع فيه، وكان إسناده البشارة عن الملك إلى صاحب الشريعة أثبت لأمره وأظهر لعظمته وأثبت في قلوب أصحابه وأقر لأعينهم، أفرد في قوله: ﴿وبشر المؤمنين*﴾
стр. 4237
أي الراسخين في الإيمان من أخيك وغيره.
стр. 4238
ولما ختم ببشارة من دل على إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر العدو، وكان هلاك المشانىء من أعظم البشائر، وكان ضلال فرعون وقومه بالزينة والمال إضلالاً لغيرهم، سأل موسى ﵇ إزاله ذلك كله للراحة من شره، فقال تعالى حاكياً عنه: ﴿وقال موسى﴾ أي بعد طول دعائه لفرعون وإظهار المعجزات لديه وطول تكبره على أمر الله وتجبره على المستضعفين من عباده، ولما كان من أعظم أهل الاصطفاء، أسقط الأداة تسنناً بهم، وأشار بصفة الإحسان إلى أن هلاك أعدائهم أعظم إحسان إليهم فقال: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿إنك﴾ أكد لما للجهال من إنكار أن يكون عطاء الملك الأعظم سبباً للإهانة ﴿آتيت فرعون وملأه﴾ أي أشراف قومه على ما هم فيه من الكفر والكبر ﴿زينة﴾ أي عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما ﴿وأموالاً﴾ أي كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما ﴿في الحياة الدنيا﴾ روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت؛ ثم بين غايتها لهم فقال مفتتحاً بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم: ﴿ربنا﴾ أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا ﴿ليضلوا﴾ في
стр. 4239
أنفسهم ويضلوا غيرهم ﴿عن سبيلك﴾ أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول إلى رحمتك.
ولما بين أن مآلهم الضلال، دعا عليهم فقال مفتتحاً أيضاً بالنداء باسم الرب ثالثاً لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أُشير إليه في آخر آل عمران وإشارة إلى أنهم لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها: ﴿ربنا اطمس﴾ أي أوقع الطمس وهو التسوية بين المطموس وبين غيره مما ليس له نفعه ﴿على أموالهم﴾ .
ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآياته والتعذيب لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة شقائهم دنيا وأخرى، وكان عالماً بأن قدرة الله على إبقائهم على الكفر مع تحسيرهم بسلب المال كقدرته على ذلك باستدراجهم إليه بالمال، قال: ﴿واشدد﴾ أي شداً ظاهراً لكل أحد - بما أشار إليه الفك مستعلياً ﴿على قلوبهم﴾ قال ابن عباس: اطبع عليها وامنعها من الإيمان، وأجاب الدعاء بقوله: ﴿فلا يؤمنوا﴾ أي ليتسبب عن ذلك الشد عدم إيمانهم إذا رأوا مبادىء العذاب الطمس ﴿حتى يروا﴾ أي بأعينهم ﴿العذاب الأليم*﴾ حيث لا ينفعهم الإيمان فيكونوا جامعين ذل النفوس المطلوب منهم اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء في غير موضعه المنتج لدوام ذلهم بالعقاب؛ وهذه الآية منبهة على أن الرضى بكفر خاص
стр. 4240
لا يستلزم استحسان الكفر من حيث هو كفر؛ قال الإمام الحليمي في كتاب شعب الإيمان المسمى بالمنهاج: وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذا على وجهين: أحدهما أن يتمناه له كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه فيحب أن يكون له فيه نصيب، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر، والآخر أن يتمناه له كما يتمنى لعدوه الشيء يستفظعه - فيجب أن يقع فيه، فهذا ليس بكفر، تمنى موسى صلوات الله عليه وسلامه بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون وملأه ليحق عليهم العذاب، وزاد على ذلك أن دعا الله ﵎ فلم ينكر تعالى ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظته عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي التي حملته على ذلك، فمن كان في معناه فله حكمه؛ وقد نقل ذلك عنه الزركشي في حرف الثاء من قواعده مرتضياً له، ونقل عنه أيضاً أنه قال: ولو كان في قلب مسلم على كافر فأسلم فحزن المسلم لذلك وتمنى لو عاد إلى الكفر لا يكفر، لأن استقباحه الكفر هو الذي حمله على تمنيه واستحسانه الإسلام هو الحامل لله على كراهته؛ ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لو قتل عدو للإنسان ظلماً ففرح هل يأثم! إن فرح بكونه عصى الله فيه فنعم، وإن فرح بكونه خلص
следующие страницы →