← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

ولما قدم في هذه السورة قولهم ﴿لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ وأتى فيها رداً عليهم ووعظاً لهم من الآيات البالغة في الحكمة جداً يتجاوز قوى البشر ويضمحل دونه من الخلق القدر، وكان آخر ذلك التنبيه على أن شركاءهم لا يهتدون إلا أن هداهم الهادي فضلاً عن أن يهدوا، وإقامة الدليل على أن مذاهبهم ليست مستندة إلى علم بل هى تابعة للهوى، أتبع ذلك دليلاً قطعياً في أمر القرآن من أنه لا يصح أصلاً أن يؤتى به من دون أمره سبحانه رداً لقولهم: إنه مفترى، لأنه

стр. 4167

من وادي ما ختم به هذه الآيات من اتباعهم للظنون لأنه لا سند لهم في ذلك بل ولا شبهة أصلاً، وإنما هو مجرد هوى بل وأكثرهم عالم بالحق في أمره، فنفى ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ الخصوم ولا يدع شبهة لمفتون، وأثبت أنه هو الآية الكبرى والحقيق بالاتباع لأنه هدى، فقال تعالى: ﴿وما كان﴾ عاطفاً له على قوله ﴿ما يكون لي أن أبدله﴾ إلى آخره، فهو حينئذ مقول القول، أي قل لهم ذاك الكلام وقل لهم ﴿ما كان﴾ أي قط بوجه من الوجوه، وعينه تعييناً لا يمكن معه لبس، فقال: ﴿هذا القرآن﴾ أي الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق ﴿أن يفترى﴾ أي أن يقع في وقت من الأوقات تعمد نسبته كذباً إلى الله من أحد من الخلق كائناً من كان؛ وعرف بتضاؤل رتبتهم دون شامخ رتبته سبحانه بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي تقرر أنه يدبر الأمر كله، فما من شفيع إلا من بعد إذنه وما يعزب عنه شيء فسبحان المتفضل على عباده بإيضاح الحجج وإزالة الشكوك والدعاء إلى سبيل الرشاد مع غناه عنهم وقدرته عليهم؛ والافتراء: الإخبار على القطع بالكذب، لأنه من فرى الأديم وهو قطعه بعد تفزيره. ولما كان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالماً - بالأخبار والقصص الماضية على التحرير دليلاً قطعاً على صدق الآتي في ادعائه أنه لا معلم

стр. 4168

له إلا الله، عبر بأداة العناد فقال: ﴿ولكن﴾ أي كان كوناً لا يجوز غيره ﴿تصديق الذي﴾ أي تقدم ﴿بين يديه﴾ أي قبله من الكتب، والدليل على تصادقه شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له ﷺ وكان أهل الكتابين عندهم في جزيرة العرب على غاية القرب منهم مع أنهم كانوا يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما يأتي به، فلو وجدوا مغمزاً ما لقدحوا به، فدل عدم قدحهم على التصادق قطعاً. ولما كان ذلك سلطاناً قاهراً ﷺ ، زاده ظهوراً بما اشتمل الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال: ﴿وتفصيل الكتاب﴾ أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع الكتب السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها، فهو ناظر إلى قوله ﴿أفمن يهدي إلى الحق﴾ ، فهو برهان على أنه هو الهادي وحده، فهو الحقيق بالاتباع والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى على حقه، ونظيره التقسيم، ونقضيه التخليط والتلبيس، وبيان تفصيله أنه أتى من العلوم العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها، والعملية التكليفية المتعلقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ورياضة النفوس بما لا مزيد عليه ولا يدانيه فيه كتاب، وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل

стр. 4169

﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠] وأمثالهما. ولما كان - مع الشهادة بالصدق بتصديق ما ثبت حقيقة - معجزاً بالجمع والتفصيل لجميع العلوم الشريفة: عقليها ونقليها إعجازاً لم يثبت لغيره، ثبت أنه مناقض للافتراء حال كونه ﴿لا ريب فيه﴾ وأنه ﴿من رب العالمين*﴾ أي موجدهم ومدبر أمرهم والمحسن إليهم لأنه - مع الجمع لجميع ذلك - لا اختلاف فيه بوجه، وذلك خارج عن طوق البشر. ولما كان هذا موضع أن يذعنوا لأن هذا القرآن ليس إلا من عند الله وبأمره قطعاً، كان كأنه قيل: ارجعوا عن غيهم فآمنوا واستقاموا ﴿أم﴾ استمروا على ضلالهم ﴿يقولون﴾ على سبيل التجديد والاستمرار عناداً ﴿افتراه﴾ أي تعمد نسبته كذباً إلى الله، فكأنه قيل، تمادوا على عتوهم فقالوا ذلك فكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه، لأنهم أصلوا أصلاً فاسداً لزم عليه قطعاً إمكان أن يأتوا بمثله لأنهم عرب مثله، بل منهم من قرأ وكتب وخالط العلماء واشتد اعتناءه بأنواع البلاغة من النظم والنثر والخطب وتمرنه فيها بخلافه ﷺ في جميع ذلك، فلهذا أمره في جوابهم بقوله ﴿قل﴾ أي لهم يا أبلغ خلقنا وأعرفهم بمواقع الكلام لجميع أنواعه، أتى بالفاء

стр. 4170

السببية في قوله: ﴿فأتوا﴾ أي أنتم تصديقاً لقولكم هذا الذي تبين وأنكم فيه معاندون؛ ولما كانوا قد جزموا في هذه السورة بأنه افتراه، وكان مفصلاً إلى سور كل واحدة منها لها مقصد معين يستدل فيها عليه، وتكون خاتمتها مرتبطة بفاتحتها متحدة بها، اكتفى في تحديهم بالإتيان بقطعة واحدة غير مفصلة إلى مثل سورة لكن تكون مثل جميع القرآن في الطول والبيان وانتظام العبارة والتئام المعاني فلذلك قال: ﴿بسورة﴾ قال الرماني: والسورة منزلة محيطة بآيات من أجل الفاتحة والخاتمة كإحاطة سور البناء، وهذا نظراً إلى أن المتحدي به سورة اصطلاحية والصواب أنها لغوية، وهي كما قال الحرالي تمام جملة من المسموع تحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدنية؛ ووصفها بقوله: ﴿مثله﴾ أي قي البلاغة وحسن النظم وصحة المعاني ومصادقة الكتب وتفصيل العلوم لأنكم مثلي في العربية وتزيدون بالكتابة ومخالطة العلماء - من غير إتيان ب «من» لما تقدم من أن المراد كونها مثل القرآن كله، ولذلك وسع لهم في الاستعانة بجميع من قدروا عليه ووصلت طاقتهم إليه ولم يقصرهم على من بحضرتهم فقال: ﴿وادعوا﴾ أي لمعاونتكم ﴿من استطعتم﴾ أي قدرتم على طاعته ولو ببذل الجهد من الجن والإنس وغيرهم للمعاونة، وحقق أن هذا القرآن من عنده سبحانه

стр. 4171

باستثنائه في قوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي له الكمال كله، ونبه على أنهم متعمدون لما نسبوه إليه - وحاشاه من تعمد الكذب - وأنهم معاندون بقوله: ﴿إن كنتم﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿صادقين*﴾ أي في أنه أتى به من عنده، لأن العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج، وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر، وقد مضى في البقرة ويأتي في هود إن شاء الله تعالى ما يوضح هذا المعنى؛ والاستطاعة: حالة تتطاوع بها الجروح والقوى للفعل لأنه مأخوذ من الطوع؛ ثم كان كأنه قيل: فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة توجب شكاً فضلاً عن مصدق، لأنه معجز لكونه كلاماً في أعلى طبقات البلاغة بحسن النظام والجزالة منزلاً من عند الله المحيط علماً وقدرة، فهو مشتمل من كل معنى على ما علا كل العلو عن مدان ﴿بل﴾ . وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه، وكان الدليل إنما من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة، وكان قولهم ﴿افتراه﴾ لا عن شبهة وإنما هو مجرد عناد، نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام الدليل لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقاً بالإضراب عن قولهم فقال: ﴿بل﴾ أي لم يقولوا ﴿افتراه﴾ عن اعتقاد منهم لذلك بل ﴿كذبوا﴾ أي أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك من غير أن يتفهموه مستهينين ﴿بما لم يحيطوا بعلمه﴾ اي في نظمه أو معناه من غير شبهة أصلاً بل

стр. 4172

عناداً وطغياناً ونفوراً مما يخالف دينهم وشراداً، فهو من باب «من جهل شيئاً عاداه» والإحاطة: إرادة ما هو كالحائط حول الشيء، فإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه. ولما كان لا بد من وقوع تأويله، وهو إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات على ما هي عليه، قال: ﴿ولما يأتهم﴾ أي إلى زمن تكذيبهم ﴿تأويله﴾ أي ترجيعنا لأخباره إلى مراجعها وغاياتها حتى يعلموا أصدق هي أم كذب، فإنه معجز من جهة نظمه ومن جهة صدقه في أخباره؛ والتأويل: المعنى الذي يؤول إليه التفسير، وهو منتهى التصريح من التضمين. ولما كان كأنه قيل: إن فعلهم هذا لعجب، فما حملهم على التمادي فيه؟ فقيل: تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع، قال مهدداً لهم ومسلياً له ﷺ : ﴿كذلك﴾ أي مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبير المعجز ﴿كذب الذين﴾ ولما كان المكذبون بعض السالفين، أثبت الجار فقال: ﴿من قبلهم﴾ أي من كفار الأمم الخالية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم؛ ولما كان التكذيب خطراً لما يثير من السرور، سبب عنه - تحذيراً منه - النظر في عاقبة أمره فقال: ﴿فانظر﴾ أي بعينك ديارهم وبقلبك أخبارهم. ولما كان من نظر هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر، وجه السؤال إليه بقوله: ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿الظالمين*﴾

стр. 4173

أي الذين رسخت أقدامهم في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من لا يجوز عليه الكذب بوجه، ومن المقطوع به أن هذا المسؤول يقول من غير تعلثم ولا تردد: عاقبة وخيمة قاصمة ذميمة؛ والعاقبة سبب تؤدي إليه البادئة، فالذي أدى إلى إلى هلاكهم بعذاب الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في كفرهم. ولما ذكر سبحانه تكذيبهم، كان ذلك ربما أيأس من إذعانهم وتصديقهم، وآذن باستئصالهم لتكمل المشابهة للأولين، وكان ﷺ شديد الشفقة عليهم والحرص على إيمانهم، فأتبعه تعالى بقوله بياناً لأن علمه بانقسامهم أوجب عدم استئصالهم عاطفاً على ﴿كذبوا﴾ : ﴿ومنهم﴾ أي قومك ﴿من يؤمن به﴾ أي في المستقبل ﴿ومنهم من لا يؤمن به﴾ أي القرآن أصلاً ولو رأى كل آية ﴿وربك﴾ أي المحسن إليك بالرفق بأمتك ﴿أعلم بالمفسدين*﴾ أي الذين هم عريقون في الإفساد فسيعاملهم بما يشفي صدرك.

стр. 4174

ولما قسمتهم هذه الآية قسمين، وتليت بذكر القسم الثاني بالواو، عرف أنه معطوف على مطوى القسم الأول، فكان كأنه قيل: فإن صدقوك فقل: الله ولي هدايتكم ولي مثل أجوركم بنسبتي فيها فضلاً من ربي: ﴿وإن كذبوك فقل﴾ أي قول منصف معتمد على قادر عالم ﴿لي علمي﴾ بالإيمان والطاعة ﴿ولكم عملكم﴾

стр. 4175

ما لأحد من ولا عليه من جزاء الآخر شيء؛ ثم صرح بالمقصود من ذلك بقوله محذراً لهم: ﴿أنتم بريئون مما أعمل﴾ أي فإن كان خيراً لم يكن لكم منه شيء وإن كان غيره لم يكن عليكم منه شيء ﴿وأنا بريء مما تعملون*﴾ لا جناح عليّ في شيء منه لأني لا أقدر على ردكم عنه؛ والبراءة: قطع العلقة الذي يوجب رفع المطالبة، ولا حاجة إلى ادعاء نسخ هذه الآية بآية السيف، فإنه لا منافاة بينهما، لأن هذه في رفع لحاق الإثم وهو لا ينافي الجهاد. ولما قسمهم إلى هذين القسمين، قسم القسم الأخير إلى قسمين فقال: ﴿ومنهم﴾ أي المكذبين ﴿من﴾ ولما كان المستمع إليه أكثر لأنهم أشهى الناس إلى تعرف حاله، وكان طريق ذلك السمع والبصر، وكان تحديق العين إليه لا يخفى، فكان أكثرهم يتركه إظهاراً لبغضه وخوفاً من إنكار من يراه عليه، وكان إلقاء السمع بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار، عبر هنا بالافتعال، وجمع دالاً على كثرتهم نظراً إلى معنى «من» وأفرد في النظر اعتباراً للفظها ودالاً على قلة الناظر بما ذكر فقال: ﴿يستمعون﴾ وضمن الاستماع الإصغاء ليؤدي مؤدي الفعلين، ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال انتزعت منه فكأنه: قال مصغين ﴿إليك﴾ أي عند قراءة القرآن وبيانه بالسنة، ولكنهم وإن كانوا قسمين بالنسبة إلى الاستماع والنظر فهم

стр. 4176

قسم واحد بالنسبة إلى الضلال، فكان تعقيب ذلك بحشرهم بعد قصر الهداية عليه سبحانه كذكر حشرهم فيما مضى تقسيمهم إلى قسمين بعد قوله ﴿ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ . ولما كان ﷺ يريد - بإسماعه لهم ما أنزل الله - هدايتهم به، سبب عن استماعهم إنكار إسماعهم الإسماع المترتب عليه الهدى فقال: ﴿أفأنت﴾ أي وحدك ﴿تسمع الصم﴾ أي في آذان قلوبهم لأنهم يستمعون إليك وقد ختم على أسماعهم فهم لا ينتفعون باستماعهم لأنهم يطلبون السمع للرد لا للفهم؛ والسمع إدراك الشيء بما يكون به مسموعاً، فكانوا بعدم انتفاعهم كأنهم هم مجانين، لأن الأصم العاقل ربما فهم بالتفرس في تحريك الشفاه وغيرها فلذا قال: ﴿ولو كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿لا يعقلون*﴾ أي لا يتجدد لهم عقل أصلاً فصاروا بحيث لا يمكن إسماعهم لأنه لا يمكن إلا بسماع الصوت الدال على المعنى وبفهم المعنى، والمانع من الأول الصمم، ومن الثاني عدم العقل، فصاروا شراً من البهائم لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع، والأصم: المنسد السمع بما يمنع من إدراك الصوت ﴿ومنهم من ينظر﴾ محدقاً أو رامياً ببصره من بعيد ﴿إليك﴾ فهو من التضمين كما سبق في ﴿يستمعون﴾ ؛ نقل عن التفتازاني أنه قال في حاشية الكشاف: وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه

стр. 4177

وهو كثير في كلام العرب، وذلك مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، ويتعين جعل الفعل المذكرو أصلاً والمذكور حاله تبعاً، لأن حذفه والدلالة عليه بصلته يدل على اعتباره في الجملة لا على زيادة القصد إليه، ومن أمثلته: أحمد إليك الله، أي منهياً إليك حمده، ويقلب كفيه على كذا، أي نادماً عليه، ﴿ولا تعد عيناك عنهم﴾ [الكهف: ٢٨] أي مجاوزتين عنهم إلى غيرهم، ﴿ولا تأكلوا أموالهم﴾ -ضاميها ﴿إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] ، ﴿الرفث - مفضين - إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ﴿ولا تعزموا﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي على النكاح وأنتم تنوون عقدته ﴿ولا يسمعون﴾ مصغين ﴿إلى الملإ الأعلى﴾ [الصافات: ٨] ، سمع الله - أي مستجيباً - لمن حمده، ﴿والله يعلم المفسد﴾ [البقرة: ٢٢٠] مميزاً له - ﴿من المصلح﴾ ، ﴿والذين يؤلون﴾ - ممتنعين ﴿من﴾ وطء ﴿نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦] . ولما كان المعنى أنك يا أكرم الخلق تريد بنظر هذا الناظر إليك ان ينظر إلى ما تأتي به من باهر الآيات فيهتدي وهو غير منتفع بنظره لما جعل عليه من الغشاوة فكان كالأعمى الذي زاد على عدم بصره عدم العقل فلا بصر ولا بصيرة، قال منكراً لذلك: ﴿أفأنت تهدي العمي﴾

стр. 4178

أي عيوناً وقلوباً ﴿ولو كانوا﴾ أي بما جبلوا عليه ﴿لا يبصرون*﴾ أي لا يتجدد لهم بصر ولا بصيرة، فلا تمكن هدايتهم، لأن هداية الطريق الحسي لا تمكن إلا بالبصر، وهداية الطريق المعنوي لا تمكن إلا بالبصيرة؛ والنظر: طلب الرؤية بتقليب البصر، ونظر القلب طلب العلم بالفكر؛ والعمى: آفة تمنع الرؤية عن العين والقلب؛ والإبصار: إدراك الشيء بما به يكون مبصراً، فكأنه قيل: ما له فعل بهم هذا والأمر بيده؟ فقيل: لأنه تام المُلك والمِلك وهو متفضل في جميع نعمة لا يجب عليه لأحد شيء فهو لا يسأل عما يفعل، وبنى عليه قوله: ﴿إن الله﴾ وأحسن منه أن يقال: ولما كان التقدير: إذا علمت ذلك فخفف عنك بعض ما أنت فيه، فإنك لا تقدر على إسماعهم ولا هدايتهم لأن الله تعالى أراد ما هم عليه منهم لاستحقاقهم ذلك لظلمهم أنفسهم، علله بقوله: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بجميع الكمال ﴿لا يظلم الناس شيئاً﴾ وإن كان هو الذي جبلهم على الشر ﴿ولكن الناس﴾ أي لما عندهم من شدة الاضطراب والتقلب ﴿أنفسهم﴾ أي خاصة ﴿يظلمون*﴾ بحملهم لها على الشر وصرف قواهم فيه باختيارهم مع زجرهم عن ذلك وحجبهم عما جبلوا عليه وإن كان الكل بيده سبحانه ولا يكون إلا بخلقه.

стр. 4179

ولما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين جدالهم في أباطيلهم وضلالهم، وكان فعل ذلك - ممن لا يرى حشراً ولا جزاء ولا نعيماً وراء نعيم هذه الدار - فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل الحدثان، حسن تعقيبه بأنهم يرون يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة لبثهم في الدنيا، فقد خسروا إذن دنياهم بالنزاع، وآخرتهم بالعذاب الذي لا يستطاع، وليس له انقطاع، فقال تعالى مهدداً لهؤلاء الكفار الذين يعاندون فلا يسمعون ولا يبصرون عاطفاً على ﴿ويوم نحشرهم﴾ الأولى: ﴿ويوم يحشرهم﴾ أي واستقصروا مدة لبثهم في الدنيا يوم الحشر لما يستقبلهم من الأهوال والزلازل الطوال، فكأنه قيل: إلى أي غاية؟ فقيل: ﴿كأن﴾ أي كأنهم ﴿لم يلبثوا﴾ في دنياهم، والجملة في موضع الحال من ضمير ﴿يحشرهم﴾ البارز أي مشبهين بمن لم يلبثوا ﴿إلا ساعة﴾ أي حقيرة ﴿من النهار﴾ وقوله: ﴿يتعارفون بينهم﴾ حال ثانية، أي لم يفدهم تلك الساعة أكثر من أن عرف فيها بعضهم بعضاً ليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة على التناصر والتعاون والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا. ولما كانت حالهم هذه هي الخسارة التي ليس معها تجارة، فكان السامع متوقعاً للخبر عنها، قال متعجباً منهم موضع: ما أخسرهم:

стр. 4180

﴿قد خسر﴾ أي حقاً ﴿الذين كذبوا﴾ أظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف مستهينين ﴿بلقاء الله﴾ أي الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من الخسيس الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي؛ ولما كان الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي، قال عاطفاً على الصلة: ﴿وما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿مهتدين*﴾ مشيراً إلى تسفيههم فيما يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية.

стр. 4181

ولما كان إخبار الصادق بهلاك الأعداء مقراً لعين، وكانت مشاهدة هلاكهم أقر لها، عطف على قوله ﴿قد خسر﴾ : ﴿وإما نرينك﴾ أي إراءة عظيمة قبل وفاتك ﴿بعض الذي نعدهم﴾ أي في الدنيا بما لنا من العظمة فهو أقر لعينك ﴿أو نتوفينك﴾ قبل ذلك ﴿فإلينا مرجعهم﴾ فنريك فيما هنالك ما هو أقر لعينك وأسر لقلبك، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الإراءة دليلاً على حذفها ثانياً، والوفاة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً؛ و «ثم» في قوله: ﴿ثم الله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿شهيد﴾ أي بالغ الشهادة ﴿على ما يفعلون*﴾ في الدارين - يمكن أن يكون على بابها، فتكون مشيرة إلى التراخي بين ابتداء رجوعهم بالموت وآخره بالقيامة، ليس المراد بقوله ﴿شهيد﴾ ظاهره، بل العذاب الناشىء عن الشهادة في الآخرة إلى أن الله يعاقبهم بعد مرجعهم، فيريك ما بعدهم لأنه عالم بما يفعلون.

стр. 4182

ولما كان في هذه الآية التهديد بالعذاب إما في الدنيا أو في الآخرة غير معين له ﷺ واحدةً منهما، أتبعها بما هو صالح للأمرين بالنسبة إلى كل رسول إشارة إلى أن أحوال الأمم على غير نظام فلذلك لم يجزم بتعيين واحدة من الدارين للجزاء، وجعل الأمر منوطاً بالقسط، ففي أي دار أحكم جعله فيها، فقال تعالى: دالاً على أنه نشر ذكر الإسلام وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر من عهد آدم ﵇ إلى آخر الدهر على وجه لم يحصل له اندراس في دهر من الدهور، فمن تركه استحق العذاب سواء كان ممن بين عيسى ومحمد ﵉ أم لا، فلا تغتر بما يقال من غير هذا: ﴿ولكل أمة﴾ أي من الأمم التي خلت قبلك ﴿رسول﴾ يدعوهم إلى الله؛ ثم سبب عن إتيان رسولهم بيان القضاء فيهم فقال: ﴿فإذا جاء﴾ أي إليهم ﴿رسولهم﴾ في الدنيا بالبينات والهدى؛ وفي الآخرة في الموقف بالإخبار بما صنعوا به في الدنيا من تكذيب أو تصديق ﴿قضي بينهم﴾ أي في جميع الأمور بما أفاده نزع الخافض على أسهل وجه من غير شك بما أفاده البناء للمفعول؛ ولما كان السياق بالترهيب أجدر، قال ﴿بالقسط﴾ أي أظهر خفياً من استحقاقهم في القضاء بالعدل والقسمة المنصفة بينهم كلهم بالسوية فأعطى كل أحد منهم مقدار ما يخصه من تعجيل العذاب وتأخيره كما فعل معك؛ ولما كان ذلك لا يستلزم الدوام، قال: ﴿وهم لا يظلمون*﴾

стр. 4183

أي لا يتجدد لهم ظلم منه سبحانه ولا من غيره. ولما تقدم في هذه الآيات تهديدهم بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، حكى سبحانه جوابهم عن ذلك عطفاً على قوله: ﴿ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ فقال: ﴿ويقولون﴾ أي هؤلاء المشركون مجددين لهذا القول مستمرين على ذلك استهزاء: ﴿متى هذا الوعد﴾ أي بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، وألهبوا وهيجوا بقولهم: ﴿إن كنتم﴾ أي أنت ومن قال بقولك ﴿صادقين*﴾ والقول كلام مضمن في ذكره بالحكاية وقد يكون كلام لا يعبر عنه فلا يكون له ذكر مضمن بالحكاية، فلا يكون قولاً لأنه إنما يكون قولاً من أجل تضمن ذكره بالحكاية - قاله الرماني، ولتضمين جعل الشيء في وعاء؛ والوعد: خبر بما يعطي من الخير، والوعيد: خبر بما يعطى من الشر، وقد يراد الإجمال كما هنا فيطلق الوعد على المعنيين: وعد المحسن بالثواب والمسيء بالعقاب؛ والصدق: الخبر عن الشيء على ما هو به؛ والكذب: الخبر عنه على خلاف ما هو به. ولما تضمن قولهم هذا استعجاله ﷺ بما يتوعدهم به، أمره بأن يتبرأ من القدرة على شيء لم يقدره الله عليه بقوله: ﴿قل﴾ أي لقومك المستهزئين ﴿لا أملك لنفسي﴾ فضلاً عن غيري؛ ولما كان السياق للنقمة، قدم الضر منبهاً على أن نعمه أكثر من نقمة؛

стр. 4184

وأنهم في نعمه، عليهم أن يقيدوها بالشكر خوفاً من زوالها فضلاً عن أن يتمنوه فقال: ﴿ضراً ولا نفعاً﴾ . ولما كان من المشاهد أن كل حيوان يتصرف في نفسه وغيره ببعض ذلك قال: ﴿إلا ما شاء الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة أن أملكه من ذلك، فكأنه قيل: فما لك لا تدعوه بأن يشاء ذلك ويقدرك عليه؟ فقيل: ﴿لكل أمة أجل﴾ فكأنه قيل: وماذا يكون فيه؟ فقيل: ﴿إذا جاء أجلهم﴾ هلكوا؛ ولما كان قطع رجائهم من الفسحة في الأجل من أشد عذابهم، قدم قوله: ﴿فلا يستأخرون﴾ أي عنه ﴿ساعة﴾ ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها ﴿ولا يستقدمون*﴾ فلا تستعجلوه فإن الوفاء بالوعد لا بد منه. والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي لا يوجد لهم المعنى الذي صيغ منه الفعل مثل: استشكل الشيء واستثقله، ويجوز كون المعنى: لا يوجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن بها من تصريف الشيء أتم تصريف، والنفع: إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي إليها؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب إليه؛ والأجل: الوقت المضروب لوقوع أمر.

стр. 4185

ولما كان جل قصدهم بذلك الاستهزاء، وكان وقوعه أمراً ممكناً، وكان من شأن العاقل أن يبعد عن كل خطر ممكن، أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 4186

بجواب آخر حذف منه واو العطف لئلا يظن أنه لا يكفي في كونه جواباً إلا بضمنه إلى ما عطف عليه فقال: ﴿قل﴾ أي لمن استبطأ وعيدنا بالعذاب في الدنيا أو في الأخرى، وهو لا يكون إلا بعد الأخذ في الدنيا إعلاماً بأن الذي يطلبونه ضرر لهم محض لا نفع فيه بوجه، فهو مما لا يتوجه إليه قصد عاقل ﴿أرءيتم﴾ وهي من رؤية القلب لأنها دخلت على الجملة من الاستفهام ﴿إن أتاكم عذابه﴾ في الدنيا. ولما كان أخذ الليل أنكى وأسرع، قدمه فقال: ﴿بياتاً﴾ أي في الليل بغتة وأنتم نائمون كما يفعل العدو؛ ولما كان الظفر ليلاً لا يستلزم الظفر نهاراً مجاهرة قال: ﴿أو نهاراً﴾ أي مكاشفة وأنتم مستيقظون، أتستمرون على عنادكم فلا تؤمنوا؟ فكأنهم قالوا: لا، فليجعل به ليرى، فقيل: إنكم لا تدرون ما تطلبون! إنه لا لمخلوق بنوع منه، ولا يجترىء على مثل هذا الكلام إلا مجرم ﴿ماذا﴾ أي ما الذي؟ ويجوز أن يكون هذا جواب الشرط ﴿يستعجل﴾ أي يطلب العجله ﴿منه﴾ أي من عذابه، وعذابه كله مكروه لا يحتمل شيء منه ﴿المجرمون*﴾ إذ سنة الله قد استمرت بأن المكذب لا يثبت إلا عند مخايله، وأما إذا برك بكلكه وأناخ بثقله فإنه يؤمن حيث لا ينفعه الإيمان ﴿ولن تجد لسنةِ الله تحويلاً﴾ [فاطر: ٤٣] وهذا معنى التراخي في قوله: ﴿أثُمَّ إذا ما وقع﴾

стр. 4187

أي عذابه وانتفى كل ما يضاده ﴿آمنتم به﴾ وذلك أنه كانت عادتهم كمن قبلهم الاستعجال بالعذاب عند التوعد به، وكانت سنة الله قد جرت بأن المكذبين إذا أتاهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجىء مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم صدماته لشدة معاندتهم فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغياً وعتواً كقوم صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضاً ولم يؤمنوا. وجرت بأنهم إذا ذاقوا مس العذاب وأخذتهم فواجئه الصعاب شغلتهم دواهيه عن العناد واضطرتهم أهواله إلى سهل الانقياد، فكان في غاية الحسن وضع تقريعهم على الاستعجال عقب الوعيد، ثم وضع التراخي عن الإيمان بالعناد بعد الإشراف على الهلاك ومعاينة التلف، فكان كأنه قيل: أخبروني على تقدير أان يأتيكم عذابه الذي لا عذاب أعظم منه - كما دل ذلك إضافته إليه - فبيتكم أو كاشفكم، ما تفعلون؟ ألا تؤمنون؟ فقالوا لا، فليعجل به ليرى، فناسب لما كان استعجالهم بعد هذا الإنذار تسفيههم على ذلك فقيل ﴿ماذا﴾ أي أي نوع منه يطلب عجلته ﴿المجرمون﴾ ، ولا نوع منه الإ وهو فوق الطاقة ووراء الوسع، إن هذا لمنكر من الآراء، أفبعد تراخي إيمانكم عن مخايل صدمته ومشاهدة مبادىء عظمته وشدته أوجدتم الإيمان به عند وقوعه؟ يقال لكم حين اضطرتكم فواجئه إلى الإيمان وحملتكم

стр. 4188

قوارعه على صيورة الإذعان: ﴿آلآن﴾ تؤمنون به - أي بسببه - بعد أن أزال بطشاً قواكم وحل عزائم هممكم وأوهاكم ﴿وقد كنتم﴾ أي كوناً كأنكم مجبولون عليه ﴿به تستعجلون*﴾ أي تطلبون تعجيله طلباً عظيماً حتى كأنكم لاتطلبون عجلة شيء غيره تكذيباً وعزماً على الثبات على العناد، لو وقع فلم نقبل إيمانكم هذا منكم ولا كف عذابنا عنكم، بل صيركم كأمس الدابر. ولما كان ما ذكر هو العذاب الدنيوي، أتبعه ما بعده إعلاماً بأنه لا يقتصر عليه في جزائهم فقال: ﴿ثم قيل﴾ أي من أيّ قائل كان استهانة ﴿للذين ظلموا﴾ أي وبعد أزّكم في الدنيا والبرزخ بالعذاب وهزّكم بشديد العقاب قيل لكم يوم الدين بظلمكم بالآيات وبما أمرتم به فيها بوضعكم كلاًّ من ذلك في غير موضعه: ﴿ذوقوا عذاب الخلد﴾ فالإتيان ب «ثم» إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن عذابه أدنى من عذاب يوم الدين ﴿هل تجزون﴾ بناه للمفعول لأن المخيف مطلق الجزاء؛ ولما كان الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، وكان المعنى: بشيء، استثنى منه فقال: ﴿إلا بما كنتم﴾ أي بجبلاتكم ﴿تكسبون*﴾ أي في الدنيا من العزم على الاستمرار على الكفر

стр. 4189

ولو طال المدى لاتنفكون عنه بشيء من الأشياء وإن عظم، فكان جزاءكم الخلود في العذاب طبق النعل بالنعل؛ والعذاب: الألم المستمر، وأصله الاستمرار، ومنه العذوبة لاستمرارها في الحلق؛ والبيات: إتيان الشيء ليلاً؛ والذوق: طلب الطعم بالفم في ابتداء الأخذ. ولما انقضى ما اشتملت عليه الآية من التهديد وصادع الوعيد، أخبر تعالى أنهم صاروا إلى ما هو جدير بسامع ذلك من النزول عن ذلك العناد إلى مبادىء الانقياد بقوله تعالى: ﴿ويستنبئونك﴾ عطفاً على قوله «ويقولون متى هذا الوعد» أي ويطلبون منك الإنباء وهو الإخبار العظيم عن حقيقة هذا الوعد الجسيم، ويمكن أن يكون ذلك منهم على طريق الاستهزاء كالأول، فيكون التعجيب والتوبيخ فيه بعد ما مضى من الأدلة أشد ﴿أحق هو﴾ أي أثابت هذا الذي تتوعدنا به أم هو كالسحر لا حقيقية له كما تقدم أنهم قالوه ﴿قل﴾ أي في جوابهم ﴿إي وربي﴾ أي المحسن إليّ المدبر لي والمصدق لجميع ما آتي به؛ ولما كانوا منكرين، أكد قوله: ﴿إنه لحق﴾ أي كائن ثابت لا بد من نزوله بكم. ولما كان الشيء قد يكون حقاً، ويكون الإنسان قادراً على دفعه فلا يهوله، قال نفياً ذلك: ﴿وما أنتم﴾ أي لمن توعدكم ﴿بمعجزين*﴾ فيما يراد بكم.

стр. 4190

ولما أخبرهم بحقيقته، أخبرهم بما يكون منهم من الظلم أيضاً عند معياينته بالسماح ببذل جميع ما في الأرض حيث لا ينفع البذل بعد ترك المأمور به

стр. 4191

وهو من أيسر الأشياء وأحسنها فقال: ﴿ولو أن لكل نفس ظلمت﴾ أي عند المعاينة ﴿ما في الأرض﴾ أي كلها من خزائنها ونفائسها ﴿لافتدت به﴾ أي جعلت فدية لها من العذاب لكنه ليس لهم ذلك، ولو كان من قبل منهم، فإذا وقع ما يوعدون استسلموا ﴿وأسروا الندامة﴾ أي اشتد ندمهم ولم يقدروا على الكلام ﴿لما رأوا العذاب﴾ لأنهم بهتوا لعظم ما دهمهم فكان فعلهم فعل المسر، لأنهم لم يطيقوا بكاء ولا شكاية ولا شيئاً مما يفعله الجازع؛ والاستنباء: طلب النبأ كما أن الاستفهام طلب الفهم؛ والنبأ: خبر عن يقين في أمر كبير؛ والحق: عقد على المعنى على ماهو به تدعو لحكمة إليه، وكل ما بنى على هذا العقد فهو حق لأجله، والحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه العلم، والقوة فيما طريقة غالب الأمر، وذلك فيما يحتمل أمرين أحدهما أشبه بألاصل الذي جاء به النص؛ والافتداء: إيقاع الشيء بدل غيره لرفع المكروه، فداه فدية وأفداه وافتداه افتداء وفاداه مفاداة وفداه تفدية وتفادى منه تفادياً؛ والإسرار: إخفاء الشيء في النفس؛ والندامة: الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن أوقعها، وهي حال معقولة يتأسف صاحبها على ما وقع منها ويود أنه لم يكن أوقعها. ولما اشتملت الآيات الماضيات على تحتم إنجاز الوعد والعدل في الحكم، وختمت بقوه: ﴿وقضي﴾ أي وأوقع القضاء على أيسر وجه وأسهله؛

стр. 4192

ولما استغرق القضاء جميع وقائعهم. دل بنزع الجار فقال: ﴿بينهم﴾ أي الظالمين والمظلومين والظالمين والأظلمين ﴿بالقسط﴾ أي العدل؛ ولما كان وقوع ذلك لا ينفي وقوع الظلم في وقت آخر قال: ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿لا يظلمون*﴾ أي لا يقع فيهم ظلم من أحد أصلاً كائناً من كان في وقت ما. ولما كان السبب الحامل لملوك الدنيا على الكذب والجور والظلم العجز أو طلب التزيد في الملك، أشار إلى تنزهه عن ذلك بقوله مؤكداً سوقاً لهم مساق المنكر لأن فعلهم في عبادة الأصنام فعل من ينكر مضمون الكلام: ﴿ألا إن لله﴾ أي الملك الأعظم وحده ﴿ما في السماوات﴾ بدأ بها لعلوها معنى وحساً وعظمتها؛ ولما كان المقام للغنى عن الظلم لم يحوج الحال إلى تأكيد بإعادة النافي فقال: ﴿والأرض﴾ أي من جوهر وعرض صامت وناطق، فلا شيء خارج عن ملك يحوجه إلى ظلم أو إخلاف وعد لحيازته، والحاصل أنه لا يظلم إلا ناقص الملك وأما من له الملك كله فهو الحكم العدل: لأن جميع الأشياء بالنسبة إليه على حد سواء، ولا يخلف الوعد إلا ناقص القدرة وأما من له كل شيء ولا يخرج عن قبضته شيء فهو المحق في الوعد العدل في الحكم، وفي الآية زيادة تحسير وتنديم للنفس الظالمة حيث أخبرت بأن ما تود أن تفتدي به ليس لها منه شيء ولا تقدر على التوصل إليه، ولو قدرت ما قبل

стр. 4193

منها، وإنما هو لمن رضي منها بالقليل منه فضلاً منه عليها على ما أمر به على لسان رسله، وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير: لو أن لها ذلك لافتدت به، لكنه ليس لها بل لله؛ فلما ثبت بذلك حكمه بالعدل وتنزهه عن إخلاف الوعد. صرح بمضمون ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم: ﴿ألا إن وعد الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿حق﴾ لأنه تام القدرة والغنى، فلا حامل له على الإخلاف ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي الذين تدعوهم وهم يدعون دقة الأفهام وسعة العقول ﴿لا يعلمون*﴾ أي لا علم لهم فهم لا يتدبرون ما نصبنا من الأدلة فلا ينقادون لما أمرنا به من الشريعة فهم باقون على الجهل معدودون مع البهائم؛ و ﴿ألا﴾ مركبة من همزة الاستفهام و «لا» وكانت تقريراً وتذكيراً فصارت تنبيهاً، وكسرت إن بعدها لأنها استئنافيه ينبه بها على معنى يبتدأ به ولذا يقع بعدها الأمر والدعاء بخلاف «لو» و «إلا» للاستقبال فلم يجز بعدها إلا كسر «إن» «أما» قد تكون بمعنى «حقاً» في قولهم: أما إنه منطلق، وهي للحال فجاز في «أن» بعدها الوجهان - ذكره الرماني؛ والسماوات طبقات مرفوعه أولها سقف مزين بالكواكب. وهي من سما بمعنى علا. ولما تقرر أنه لا شيء خارج عن ملكه، وأنه تام القدرة لأنه لا منجي من عذابه، شامل العلم لقضائه بالعدل، صادق الوعد لأنه

стр. 4194

لا حامل له على غيره، وثبت تفرده بأنه يحي ويميت؛ ثبت أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، فثبت أنه لا يكون الرد إلا إليه فنبه على ذلك بقوله: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿يحيي﴾ أي كما أنتم به مقرون ﴿ويميت﴾ كما أنتم له مشاهدون ﴿وإليه﴾ أي لا إلى غيره ﴿ترجعون*﴾ لأنه وعد بذلك في قوله: ﴿إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً﴾ [يونس: ٤] وفي قوله: ﴿فإلينا مرجعهم﴾ [يونس: ٤٦] وفي قوله ﴿إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣] وغير ذلك ولا مانع له منه؛ والحياة معنى يوجب صحة العلم والقدرة ويضاد الموت، وهو يحل سائر أجزاء الحيوان فيكون بجميعه حياً واحداً، والحي هو الذي يصح أن يكون قادراً، والقادر هو الذي يصح أن يذم ويحمد بما فعل، والموت معنى يضاد الحياة على البنية الحيوانية، وليس كذلك الجمادية. ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل، أقبل على الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله: أكان للناس عجباً أنهم قالوا إنه سحر، فقال: ﴿يا أيها الناس﴾ أي الذين قالوا: إن وعدنا والإخبار به سحر؛ ولما كان بين الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق، والتذ الروح لذلك بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم يأته نور العقل حتى تعود النقائص بقوة التعلق

стр. 4195

فحدثت له أخلاق ذميمة هي أمراض روحانية، فأرسل ربه الذي أوجده ودبره وأحسن إليه طبيباً حاذقاً هو الرسول ﷺ لعلاج هذه الأمراض. وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية، فكان أحكم الطب منع المريض عن أسباب المرض، قال تعالى: ﴿قد جاءتكم موعظة﴾ أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما يشغل القلب عن الله من المحظورات وغيرها من كل ما لا ينبغي، وذلك هو الشريعة. ولما كان تناول المؤذي شديد الخطر، وهو لذيذ إلى النفس بينهما من ملاءمة النقص، وكان الانكفاف عنه أشق شيء عليها، رغبها في القبول بقوله: ﴿من ربكم﴾ أي المحسن إليكم المدبر لمصالحكم بهذا القرآن؛ ولما كان أليق ما يعمل بعد الحمية تعاطي الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن، قال: ﴿وشفاء﴾ أي عظيم جداً ﴿لما في الصدور﴾ من أدواء الجهل، وذلك الشفاء يحصل بتطهير الباطن بعد التخلي عن الأخلاق الذميمة بالتحلي بالصفات الحميدة ليصير الباطن سالماً عن العقائد الفاسدة والأخلاق الناقصة كما سلم البدن من الأفعال الدنية، وهذا هو الطريق. ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها بفيض البروق الإلهية والنفخات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها دائمة اللمعان كما قال ﷺ فيما رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة ﵁: «إن لربكم أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا له» الحديث.

стр. 4196

وليس المانع من نزولها في كل قلب إلا عدم القابلية من بعضها لتراكم الظلمات فيها من صداء المخالفة ودين الإعراض والغفلة، فيكون بذلك كالمرايا الصديئة لا تقبل انطباع الصور بها، قال تعالى: ﴿وهدى﴾ إلى الحق لأنه نور عظيم يقود صاحبه - ولابد - إلى الطريق الأقوم، وهذا للصديقين وهو الحقيقة. ولما كان هذا النور إذا زاد عظمة وانتشر إشراقه يفيض - بعد الوصول إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية - على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه، قال تعالى: ﴿ورحمة﴾ أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا مزيد عليه، وهذا للأنبياء ﵈؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم إلا من توجه إليهم، ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم والإقبال عليهم، قال: ﴿للمؤمنين*﴾ الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه إلى المرشدين والاستسلام لهم فكان ذلك سبباً لنجاتهم - أشار إلى هذا الإمام وقال: فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات الأربع القرآنية على وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه، وهذا بخلاف ما نسبوه إليه ﷺ من السحر فإنه داء كله وضلال يجر إلى الشقاء، والموعظة: إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة،

стр. 4197

والوعظ ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم؛ والشفاء: إزالة الداء، وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه أقل، والشفاء منه أجل؛ والصدر: موضع القلب، وهو أجل موضع في الحي لشرف القلب؛ والهدى: بيان عن معنى يؤدي إلى الحق، وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة؛ والرحمة: نعمة على المحتاج.

стр. 4198

ولما ثبت ذلك، حثهم عليه لبعده عن السحر بثباته وعدم القدرة على زلزلته فضلاً عن إزالته وبأن شفاء وموعظة وهدى ورحمة فهو جامع لمراتب القرب الإلهي كلها، وزهدهم فيما هم عليه مقبلون من الحطام: لمشاركته للسحر في سرعة التحول والتبدل بالفناء والاضمحلال فهو أهل للزهد فيه والإعراض عنه فقال تعالى: ﴿قل بفضل الله﴾ الآية، وحسن كل الحسن تعقيب ذلك لقوله: ﴿هو يحيي ويميت﴾ لما ذكر من سرعة الرحيل عنه، ولأن القرآن محيي لميت الجهل، من أقبل عليه أفاده العلم والحكمة، فكان للقلب كالحياة للجسد، ومن أعرض عنه صار في ضلال وخبط فوصل إلى الهلاك الدائم، فكان إعراضه عنه مميتاً له، وجعل أبو حيان متعلق الباء في بفضل محذوفاً تقديره: ﴿قل﴾ ليفرحوا ﴿بفضل الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿وبرحمته﴾ ثم عطف قصر الفرح على ذلك ﴿فبذلك﴾ أي الأمر العظيم جداً وحده إن فرحوا يوماً ما بشيء ﴿فليفرحوا﴾ فهما جملتان وقال: إن ذلك أظهر، وفائدة الثانية قصر الفرح على ذلك دون ما يسرون به من الحطام

стр. 4199

فإن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية. ثم صرح بسبب الفرح فقال: ﴿هو﴾ أي المحدث عنه من الفضل والرحمة ﴿خير مما يجمعون*﴾ أي من حطام الدنيا وإن كان أشرف ما فيها من المتاع دائبين فيه على تعاقب الأوقات، والعاقل يختار لتعبه الأفضل؛ والفضل: الزيادة في النعمة؛ والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى. ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد الشرائع ووضوح المذاهب، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى رذائل الأخلاق فيحط من أوج المعالي، أشار إلى أنهم كما خبطوا في الفرح فخصوه بما يفني معرضين عما يبقى فكذلك خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من الله تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعاً مرضياً وهو في غاية الفساد والبعد عن الصواب والقصور عن مراقي السداد فقال تعالى: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الذين يستهزئون بك استهزاء قاضياً عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئاً بهم وموبخاً لهم توبيخاً هو في أحكم مواضعه، وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم

стр. 4200

لا يقدرون على الجواب أصلاً بغير الإقرار بالافتراء فقال: ﴿أرءيتم﴾ أي أخبروني، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيهاً على أنه شيء لا يمكن ادعاءه لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال: ﴿ما أنزل الله﴾ أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق ﴿لكم﴾ أي خاصاً بكم ﴿من رزق﴾ أي أيّ رزق كان ﴿فجعلتم منه﴾ أي ذلك الرزق الذي خصكم به ﴿حراماً وحلالاً﴾ على النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ظاهر العوج؛ ثم ابتدأ أمراً آخر تأكيداً للإنكار عليهم فقال: ﴿قل﴾ أي من أذن لكم في ذلك؟ ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿أذن لكم﴾ فتوضحوا المستند به ﴿أم﴾ لم يأذن لكم فيه مع نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محلل ومحرم إلا الله، فأنتم ﴿على الله﴾ أي المحيط بكل شيء عظمة وعلماً ﴿تفترون*﴾ مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولاً منه، وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبرؤاً من الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه. ولما كان قد مضى من أدلة المعاد ما صيره كالشمس، وكان افتراءهم قد ثبت بعدم قدرتهم على مستند بإذن الله لهم في ذلك، قال مشيراً

стр. 4201

إلى أن القيامة مما هو معلوم لا يسوغ إنكاره: ﴿وما ظن الذين يفترون﴾ أي يتعمدون ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿الكذب﴾ أي أنه نازل بهم ﴿يوم القيامة﴾ أي هب أنكم لم تستحيوا منه ولم تخافوا عواقبه في الدنيا فما تظنون أنه يكون ذلك اليوم؟ أتظنون أنه لا يحاسبكم فيكون حينئذ قد فعل ما لا يفعله رب مع مربوبه. ولما كان تعالى يعاملهم بالحلم وهم يتمادون في هذا العقوق، قال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لذو فضل﴾ أي عظيم ﴿على الناس﴾ أي بنعم منها إنزال الكتب مفصلاً فيها ما يرضاه وما يسخطه وإرسال الرسل ﵈ لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها طول إمهالهم على سوء أعمالهم فكان شكره واجباً عليهم ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي الناس لاضطراب ضمائرهم ﴿لا يشكرون﴾ أي لا يتجدد منهم شكر فهم لا يتبعون رسله ولا كتبه، فهم يخبطون خبط عشواء فيفعلون ما يغضبه سبحانه؛ والتحريم: عقد معنى النهي عن الفعل؛ والتحليل: حل معنى النهي بالإذن؛ والشكر: حق يجب بالنعمة من الاعتراف به والقيام فيما تدعو إليه على قدرها؛ وافتراء الكذب: تزويره وتنميقه فهو أفحش من مطلق الكذب.

стр. 4202

ولما وصف القرآن بما وصفه به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل

стр. 4203

على إعجازه، وأشار إلى أن ما تدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذباً يقدر كل واحد على تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة، وختم ذلك بتهديدهم على افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع ادعائهم أن القرآن مفترى وهم عاجزون عن معارضته، وبأنهم لم يشكروه على نعمه التي أجلّها تخصيصهم بهذا الذكر الحكيم والشرع القويم، وكان قد أكثر في ذلك كله من الأمر له ﷺ بمحاجتهم ﴿قل لا أملك لنفسي﴾ ، ﴿قل أرأيتم إن أتاكم عذابه﴾ ، ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾ ، ﴿قل بفضل الله﴾ - الآية، ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم﴾ ، ﴿قل الله أذن لكم﴾ ، قال تعالى ناظراً إلى قوله: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى﴾ الآية، تسلية له ﷺ وتقوية لهمته وزيادة في تهديدهم عطفاً على ما تقديره: فقد أنزلت إليهم على لسانك ما هو شرف لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد عن مطلق الكذب فإن كل شيء منه في أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه الباطل بوجه وهم يقابلون نعمته بالكفر: ﴿وما تكون﴾ أنت ﴿في شأن﴾ أي أيّ شأن كان ﴿وما تتلوا منه﴾ أي من القرآن المحدث عنه في جميع هذه السورة، الذي تقدم أنهم كذبوا به من غير شبهة لهم ﴿من قرآن﴾ أي قليل أو كثير ﴿ولا تعملون﴾ أي كلكم طائعكم وعاصيكم، وأغرق في النفي فقال: ﴿من عمل﴾

стр. 4204

صغير أو كبير ﴿إلا كنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عليكم شهوداً﴾ أي عاملين بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا عمل الشاهد ﴿إذ تفيضون فيه﴾ الآية إيذاناً بأنك بعيني في جميع هذه المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا العالم بتدبيرك والقادر على نصرتك، وهي كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى دونه وتقف الأفكار عن مجاراته لأنه حكيم لكونه من عندي فجل عن مطلق المعارضة لفظاً أو معنى فضلاً عن التغيير فضلاً عن الإتيان بما هو مثله فكيف بما هو أحسن منه، لاستقامة أمره وتناسب أحكامه كونها شفاء وهدى ورحمة، وما كان كذلك فهو من عندي قطعاً وبإذني جزماً لأني عالم بالإفاضة فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة منك ومنهم ومن غيرهم. ولما كان ربما ظن ظان من إفهام ﴿كنا﴾ و ﴿شهوداً﴾ للجنود أنه سبحانه محتاج إليهم، نفى ذلك بقوله: ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿يعزب﴾ أي يغيب ويخفى ﴿عن ربك﴾ أي المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف نواله، وأغرق في النفي فقال: ﴿من مثقال ذرة﴾ أي وزن نملة صغيرة جداً وموضع وزنها وزمانه؛ ولما كان «في» بمزون أهل الأرض كان تقديمها أولى فقال: ﴿في الأرض﴾ ولما لم يدع السياق إلى الجمع - كما سيأتي في سبأ - قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنس: ﴿ولا في السماء﴾

стр. 4205

أي ما علا عن الأرض كائناً ما كان. ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ويجهل أن المراد به المبالغة، قال عاطفاً على الجملة من أولها وهو على الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند الباقين: ﴿ولا أصغر من ذلك﴾ أي من مثقال الذرة ﴿ولا أكبر﴾ ولما أتى بهذا الابتداء الشامل الحاصر، أخبر عنه بقوله: ﴿إلا﴾ أي لا شيء من ذلك إلا موجود ﴿في كتاب﴾ أي جامع ﴿مبين*﴾ أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما فيه، وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان، وفي ذلك تهديداً لهم وتثبيت له ﷺ ، ولاح بهذا أن ما بعد ﴿إلا﴾ حال من الفاعل، أي ما يفعل شيئاً إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه، فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه؛ والإفاضة: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل أخذاً من فيض الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه، وأفضتم: تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء؛ والعزوب: ذهاب المعنى عن العلم، وضده الحضور؛ والذر: صغار النمل وهو خفيف الوزن جداً، ومثقاله: وزنه. ولما تقدم أنه سبحانه شامل العلم، وعلم - من وضع الأحوال
следующие страницы →