← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

﴿فلولا كانت قرية آمنت﴾ قال: فلم تكن قرية آمنت، وهذا تفسير معنى الكلام، وأما «لولا» فهو بمعنى هلا، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث، أي توبيخ، وهي هنا للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى «لولا» ، ويلزم كلا من المعنيين النفي؛ والنفع: إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه، وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به، وأصله التعب. ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسول ﷺ على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلاّ بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم، ولو كان ذلك وحده كافياً لآمنوا بهذا السورة فإنها أزالت شبهاتهم وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح وموسى ﵉ ضعفهم ووهن مدافعاتهم فقال تعالى: ﴿ولو شآء﴾ أي إيمان الناس ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بإقبال من أقبل لعلمه الخير فيه وإدبار من أدبر لعدم قابليته للخير ﴿لأمن من في الأرض﴾ من الكفار. ولما كان هذا ظاهراً في الكل، صرح به مؤكداً لأن المقام يقتضيه فقال:

стр. 4272

﴿كلهم جميعاً﴾ أي مجتمعين في آن واحد لا يختلفون في شيء منه، ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما جبلتك عليه من الخير تريد ذلك ﴿أفأنت تكره الناس﴾ أي الذين لم يرد الله إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب ﴿حتى يكونوا﴾ أي كوناً جبلياً ﴿مؤمنين﴾ أي راسخين في الإيمان، وإيلاء الاستفهام الاسم مقدماً على الفعل للإعلام بأن الفعل - وهو هنا الإكراه - ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا الله وحده القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء ومشيئته نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع خلاف المشيئة مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا غيره، والمشيئة معنى يكون به الفعل مراداً أخذت من الشيء، والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي ﷺ من التحسر للحرص على إيمانهم ﴿وما كان﴾ أي وما ينبغي ولا يتأتى ﴿لنفس﴾ أي واحدة فما فوقها ﴿أن تؤمن﴾ أي يقع منها إيمان في وقت ما ﴿إلاّ بإذن الله﴾ أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه، فيجعل الثبات والطمأنينة - اللازمين للإيمان الذي هو أبعد شيء عن السحر - على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان ﴿ويجعل الرجس﴾ أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما

стр. 4273

لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء عنه. ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج فيه إلى غير مجرد العقل قال: ﴿على الذين لا يعقلون﴾ أي لا يوجد لهم عقل، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون في مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ والنفس: خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء، ونفسه وذاته واحد.

стр. 4274

ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإصغاء إليهم في طلب الآيات، وختم بتعليق الأمر بمجرد المشيئة، كان كأنه قيل: فماذا يقال لهم إذا طلبوا؟ فقال: ﴿قل﴾ أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبهاً لهم على إبطال مذهب الجبر المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمور ببذل الجهد في الطاعة بما له من القدرة والاختبار. ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة، نبه على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو - كما قال الإمام علي ﵁ أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال معلماً أن من حكم بشقائه لا ينفعه شيء: ﴿انظروا﴾ أي بأبصاركم وبصائركم لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن عداد البهائم؛ قال الإمام: ولو أن الإنسان تفكر في كيفية حكمة الله تعالى في خلق جناح بعوضة لانقطاع

стр. 4275

فكره قبل أن يصل إلى أول مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد، فلذلك أبهم في قوله: ﴿ماذا﴾ أي الذي ﴿في السماوات والأرض﴾ أي من الآيات وواضح الدلالات التي أخرجتموها - بإلفكم لها - عن عداد الآيات، وهي عند التأمل من أعظم خوارق العادات، وقال الإمام: فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكليه حتى ينتبه لأقسامها، وقال أبو حيان أخذاً من الإمام: السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته، ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان وخصوصاً حال الإنسان - انتهى. ولما كان ما فيها من الآيات في غايه الدلالة، نبه سبحانه على أن التوقف عن الإيمان بعد التنبيه على كيفية الاستدلال معاندة فقال: ﴿وما﴾ وهي نافية أو استفهامية ﴿تغني الآيات﴾ أي وإن كانت في غاية الوضوح ﴿والنذر﴾ أي والإنذارات أو الرسل المنذرون ﴿عن قوم﴾ أي وإن كانت فيهم قوة ﴿لا يؤمنون*﴾ أي للحكم بشقائهم، فكان ذلك سبباً لتهديدهم بقوله: ﴿فهل ينتظرون﴾ أي بجميع قواهم في تكذيبهم للرسول وتخلفهم عن الإيمان ﴿إلا﴾

стр. 4276

أي أياماً أي وقائع ﴿مثل أيام﴾ أي وقائع ﴿الذين خلوا﴾ ولما كان أهل الأيام الهائلة بعض من كان قبل، أتى بالجار فقال: ﴿من قبلهم﴾ أي من مكذبي الأمم وهم القبط وقوم نوح ومن طوي بينهما من الأمم، أي من حقوق الكلمة عليهم فنحل بهم بأسنا ثم ننجيكم لإيمانكم كما كنا نحل بأولئك إذا كذبوا رسلنا، ثم ننجي الرسل ومن آمن بهم حقاً علينا ذلك للعدل بين العباد. ولما تقدمت الإشارة إلى أن الكلمة حقت على الكافرين بعدم الإيمان والرجس الذي هو العقاب، زاد في تهديدهم بالاعتراض بما سببه عن فعلهم فعل من ينتظر العذاب بقوله: ﴿قل فانتظروا﴾ أي بجميع جهدكم ما ترونه واقعاً بكم بسبب ما تقرر عندكم مما كان يقع بالماضين في أيام الله، وزاد التحذير استئنافه قوله مؤكداً لما لهم من التكذيب: ﴿إني﴾ وأعلمهم بالنصفة بقوله: ﴿معكم من المنتظرين*﴾ . ولما كان التقدير: فإنا كنا في أيام الذين خلوا نوقع الرجس بالمكذبين، عطف عليه بياناً لم كان يفعل بالرسل وأتباعهم إذا أهلك الظالمين قوله: ﴿ثم ننجي﴾ أي تنجية عظيمة وننجيهم إنجاء عظيماً وجاء به مضارعاً حكاية للأحوال الماضية وتصويراً لها تحذيراً لهم من مثلها وإعلاماً بأنه كذلك يفعل بهذا الرسول ﷺ وأتباعه ﵃، وأشار بأداة التراخي إلى طول زمان الابتلاء وعظيم رتبة التنجية، وحذف مقابل الإنجاء لأن المقام بعد آية

стр. 4277

﴿ألا إن أولياء الله﴾ ناظر إلى البشارة أكثر من النظر إلى النذارة ﴿رسلنا﴾ أي الذين عظمتهم من عظمتنا ﴿والذين آمنوا﴾ أي بالرسل وهم معهم في زمانهم ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان تشريفاً للرسل فإنهم بصدد الرسوخ بملازمتهم؛ ثم وصل بذلك تشريفاً للراسخين وترغيباً في مثل حالهم قوله: ﴿كذلك﴾ أي كما حق علينا إهلاك الكافرين هذا الإهلاك العظيم ﴿حقاً علينا﴾ أي بما أوجبناه على جنابنا الأعظم ﴿ننج المؤمنين﴾ أي العريقين في الإيمان ولو كانوا بعد موت الرسل تنجية عظيمة وتنجيهم إنجاء عظيماً، فالآية من الاحتباك لما أشارت إليه القراءتان بالتخفيف والتثقيل، أو يكون ذلك بني على سؤال من لعله يقول: هل حقوق النجاة مختص بالرسل ومن معهم؟ فقيل: لا، بل ﴿كذلك﴾ أي الحقوق ﴿حقاً علينا﴾ على ما لنا من العظمة ﴿ننج المؤمنين﴾ في كل زمن وإن لم يكن بين ظهرانيهم رسول، لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت، فيكون الكاف مبتدأ «وننج» خبره؛ والنظر: طلب المعنى بالقلب من جهة الذكر كما يطلب إدراك المحسوس بالعين؛ والغنى: حصول ما ينافي الضر وصفة النقص، ونقيضه الحاجة؛ والنذر: جمع نذير، من النذارة وهي الإعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة؛ والانتظار: الثبات لتوقع ما يكون من الحال؛ والمثل إن كان من الجنس فهو ما سد مسد غيره

стр. 4278

في الحس، وإن كان من غيره فالمراد ما كان فيه معنى يقرب به من غيره كقربه من جنسه كتشبيه أعمال الكافر بالسراب؛ والنجاة من النجوة وهي الارتفاع من الهلاك. ولما تقدم الفطام عن الميل يطلب الآيات، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه الشك، وإن لم يكن على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالباً وتقدمت أجوبة لهم، وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم، ناسبه كل المناسبة أن اتبعت الأمر بجواب آخر دال على ثباته ﷺ وأنه مظهر دينه رضي من رضي وسخط من سخط، لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس﴾ أي الذين هم في حيز الاضطراب، لم ترقهم هممهم إلى رتبة الثبات ﴿إن كنتم﴾ أي كوناً هو كالجبلة منغمسين ﴿في شك﴾ كائن ﴿من﴾ جهة ﴿ديني﴾ تطلبون لنزوله - بعد تكفل العقل بالدلالة عليه - إنزال الآيات، فأنا لست على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقلوكم وانظروا ما فيه من الحكم مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق﴾ [يونس: ٥٩] ونحوه ﴿فلا أعبد﴾ أي الآن ولا في المستقبل الزمان ﴿الذين تعبدون﴾ أي الآن أو بعد الآن ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري، فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب حصول الشك

стр. 4279

لكم، فإذاً لا أعبد غير الله أصلاً. ولما كان سلب عبادته عن غيره ليس صريحاً في إثباتها له قال: ﴿ولكن أعبد الله﴾ أي الجامع لأوصاف الكمال عبادة مستمرة؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه ويدل على كمال قدرته ﴿الذي يتوفاكم﴾ بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها. فلا تطمعون - عند إرادنه لنزعها - في المحاولة لتوجيه دفاع عن ذلك. وفي هذا الوصف - مع ما فيه من الترهيب - إشارة إلى الدلالة على الإبداء والإعادة، فكأنه قيل: الذي أوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون بعدمكم بعد هذا الإيجاد وأنتم صاغرون، فثبت قطعاً أنه قادر على إعادتكم بعد هذا الإعدام بطريق الأولي فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنه قد أمرني بذلك وأنتم تعرفون غائلة الملك إذا خولف، وقال ﴿إن كنتم في شك﴾ مع أنهم يصرحون ببطلان دينه، لأنهم في حكم الشاك لاضطرابهم عند ورود الآيات، أو لأن فيهم الشاك فغلب لأنه أقرب إلى الحيز؛ والشك: وقوف بين المعنى ونقيضه، وضده الاعتقاد فإنه قطع بصحة المعنى دون نقيضه، وعبر ب «من» إشارة إلى أن فعلهم ذلك ابتدأ من الدين، ولو عبر ب «في» لأفهم أنهم دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين، والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك الشيء، وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منها كاف على حياله.

стр. 4280

ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل، أتبعه بما رود من النقل بتأييده وإيجابه بقوله: ﴿وأمرت﴾ أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد معه، وعظم المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال: ﴿أن أكون﴾ أي دائماً كوناً جبلياً، ولما كان السياق لما يحتمل الشك من الأمر الباطن، عبر بالإيمان الذي هو للقلب فقال: ﴿من المؤمنين﴾ أي الراسخين في هذا الوصف ﴿وأن أقم﴾ أي أيها الرسول ﴿وجهك﴾ أي كليتك على سبيل الإخلاص الذي لا شوب فيه ﴿للدين﴾ فوصل أولاً كلمه «أن» بمعنى الأمر أي ﴿أن أكون﴾ دون «أكن» وثانياً بلفظه وهو ﴿أقم﴾ جمعاً بين الأسلوبين، وكلاهما بمعنى المصدر، وخص الثاني بذلك لطوله لأنه كالتفصيل للأول فالخطاب فيه أوكد وألذ، وقوله: ﴿حنيفاً﴾ حال من فاعل «أقم» ومعناه: مسلماً ميالاً مع الدليل - كما أوضحته في البقرة، أي أجمع بين الإيمان بالقلب والإسلام بالجوارح ﴿ولا تكونن﴾ أي في وقت من الأوقات ﴿من المشركين*﴾ الذين هم على ضد صفة الإسلام من الجفاء والغلظة والجمود والقسوة.

стр. 4281

ولما نهاه عن الشرك، أكده بما هو كالتعليل له بما يلزمه من العبث بالخضوع لما لا ضر فيه ولا نفع بقوله تعالى: ﴿ولا تدع﴾ أي في رتبة من الرتب الكائنة ﴿من دون الله﴾ أي الذي

стр. 4282

بيده كل شيء ﴿ما لا ينفعك﴾ أي إن فعلت شيئاً من ذلك فأتاك بأسنا ﴿ولا يضرك﴾ أي إن أقمت على طاعتنا مع نصرنا ﴿فإن فعلت﴾ أي شيئاً مما نهيناك عنه ﴿فإنك إذاً﴾ إذا دعوت ذلك الغير بسبب ذلك ﴿من الظالمين*﴾ أي العريقين في وضع الدعوة في غير محلها لأن ما هو كذلك في غاية البعد عن منصب الإلهية؛ ثم قال تعالى عاطفاً على قوله ﴿فإن فعلت﴾ : ﴿وإن يمسسك الله﴾ أي الذي لا راد لأمره ﴿بضر﴾ أي أيّ ضر كان على أي وجه كان وإن كان ظاهراً جداً بما أنبأ عنه الإظهار ﴿فلا كاشف له﴾ أي أصلاً بوجه من الوجوه ﴿إلا هو﴾ لأنه أراده وما أراده لا يكون غيره فلا ترج سواه في أن يبذله بخير، وعبر بالمس لأنه أخوف ﴿وإن يردك﴾ أي مطلق إرادة ﴿بخير فلا﴾ أي أصابك لا محالة فإنه لا ﴿رآد﴾ ونبه على أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بأن وضع مكان الضمير قوله: ﴿لفضله﴾ أي عمن يريده به كما يفعل بعض العاتين من أتباع ملوك الدنيا في رد بعض ما يريدون، بل هو بحيث لا ينطق أحد إلا بإذنه فلا تخش غيره، فالآيه من الاحتباك: ذكر المس أولاً دليلاً على إرادته ثانياً، والإرادة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً، ولم يستثن في الإرادة كما استثنى في الكشف لأن دفع المراد محال، وعبر بالإرادة في الخير

стр. 4283

وبالمس في الضير تنبيهاً على أنه ﷺ مراد بالخير بالذات وبالضر بالعرض تطييباً لقلبه لما تكرر في هذه السورة من الإخبار بإحقاق العذاب على الفاسقين والإيئاس من الظالمين، فلما تقرر ذلك حسن موقع قوله مبيناً لحال ذلك الفضل: ﴿يصيب به﴾ أي بذلك الفضل أو بالذي تقدم من الخير والضير ﴿من يشاء﴾ أي كائناً من كان من أدنى وأعلى، وبين العلة في كونهم مقهورين بقوله: ﴿من عباده﴾ وهذا كله إشارة إلى أن ما أوجب الإعراض عن معبوداتهم بانسلاله عنها أوجب الإقبال عليه بثبوته له واختصاصه به، وختم الآية بقوله: ﴿وهو الغفور﴾ أي البليغ الستر للذنوب ﴿الرحيم*﴾ أي البالغ في الإكرام إشارة إلى أن إصابته بالخير لا يمكن أن يكون إلا فضلاً منه بعد الستر للذنوب والرحمة للضعف، فهو الحقيق بأن يعبد؛ والمس: اجتماع التباين من غير نقص، ونظيره المطابقة، والمجامعة نقيضها المباينة؛ والكشف: رفع الستار، جعل الضر كأنه مانع من إدراك الإنسان وساتر له. ولما كثرت في هذه السورة الأوامر والنواهي والأجوبة بسبب ما يقترحونه على وجه التعنت، وختم بأن من دعا غيره كان راسخاً في الظلم لا مجير له منه، ختم ذلك بجواب معلم بأن فائدة الطاعة ليست راجعة إلا إليهم، وضرر النفور ليس عائداً إلا عليهم فقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس﴾ أي غاية كل من له قابلية التحرك والاضطراب

стр. 4284

﴿قد جاءكم الحق﴾ أي الكامل بهذا الرسول ﷺ وهذا الكتاب، وذلكم خير عظيم أصابكم الله به، وزاد الرغبة فيه بقوله: ﴿من ربكم﴾ أي المحسن إليكم ﴿فمن﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه من ﴿اهتدى﴾ أي آمن بمحمد ﷺ وعمل بما في الكتاب ﴿فإنما يهتدي لنفسه﴾ أي لأنه تبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة ﴿ومن ضل﴾ أي كفر بهما أو بشيء منهما ﴿فإنما يضل عليها﴾ لأنه ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده منه شيء لأنه فانٍ فقد غر نفسه ﴿وما أنا﴾ ولما كان السياق لنفي تصرفه فيهم وأن ذلك إنما هو إلى الله تعالى، كان تقديم ضميرهم أهم فقال: ﴿عليكم بوكيل*﴾ فيطلب مني حفظكم مما يؤدي إلى الهلاك ومنعه عنكم كما يطلب من الوكيل. ولما كان أكثر ذلك وعظاً لهم وتذكيراً ختمه بأمره ﷺ بما يفعله في خاصة نفسه أجابوا أو لمن يجيبوا، فقال عطفاً على قوله ﴿قل يا أيها الناس﴾ : ﴿واتبع﴾ أي بجميع جهدك ﴿ما يوحى إليك﴾ وبناه للمفعول لأن ذلك كان بعد أن تقررت عصمته ﷺ وعلم أن كل ما يأتيه من عند الله، فكان ذلك أمكن في أمره باتباع كل ما يأتيه منه سبحانه وفي الإيذان بأنه لا ينطق عن الهوى ﴿واصبر﴾ في تبليغ الرسالة على ما أصابك في ذلك من عظيم الضرر وبليغ الخطر

стр. 4285

من ضلال من لم يهتد وإعراضه وجفوته وأذاه ﴿حتى يحكم الله﴾ أي الملك الأعظم بين من ضل من أمتك ومن اهتدى ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿خير الحاكمين﴾ لأنه يوقع الحكم في أولى مواقعه وأحقها وأحسنها وأعدلها، وهو المطلع على السرائر فاعمل أنت بما تؤمر به وبشر وأنذر وأخبر وادع إلى الله بجميع ما أمرك به واترك المدعوين حتى يأمرك فيهم بأمره؛ قال الزمخشري: وروى أنها لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله ﷺ الأنصار قال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» وتبعه على ذلك أبو حيان وغيره، فإن صح فالسر فيه - والله أعلم - أنه لما أعلمت هذه الآية أن من اتبع الوحي ابتلى بما ينبغي الصبر عليه وأفهمت أن من كان له أشد اتباعاً كان أشد بلاء، وكان الأنصار ﵃ أجمعين أحق بهذا الوصف من غيرهم من حيث إنهم كانوا أول قبيلة جمعها الإيمان ومن حيث كانوا له أسهل قياداً وألين عريكة مع كونهم لم يتقدم لهم عشرة بالنبي ﷺ ولا خبرة بأحواله توجب لهم من اتباعه ما يوجب لمن كان من بني عمه قريش يخالطه ويأنس به ويرى منه معالي الأخلاق وكريم الشمائل ما يوفر داعيته على اتباعه، فلما كان ذلك كذلك، خص النبي ﷺ الأنصار ﵃ لهذا الأمر، فتفضيلهم في ذلك من الجهتين المذكورتين فلا يتوهم

стр. 4286

تفضيلهم على المهاجرين بل المهاجرون أفضل لأنهم جمعوا إلى النصرة الهجرة مع أن أكثرهم له من قرب النسب من رسول الله ﷺ والسبق في الإسلام حظ وافر. هذا ما ظهر لي من مناسبته على تقدير الصحة. والذي في الصحيح عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ أراد أن يقطع للأنصار من البحرين فقالت الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، وقال: سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» فهذا فيه أن السبب حرصهم على الإنصاف وهو يدل على أن المنصف يقل إنصاف الناس له وهو أمر مستقرى: والوحي: إلقاء المعنى غلى النفس في خفاء. وهو هنا ما يجيء به الملك إلى النبي ﵉ عن الله تعالى فيلقيه إليه على اختصاصه به من غير أن يرى ذلك سواه من الناس؛ والصبر: تجرع مرارة الامتناع من المشتهي إلى الوقت الذي ينبغي فيه تعاطيه ويعين عليه العلم بعاقبته وكثرة الفكر في الخبر الذي ينال به، واعتياد الصبر في خصلة يسهل الصبر في خصلة أخرى لأن الخير يدعو إلى الخير فتمكن الإنسان في خصلة يصير له ملكة تدعوه إلى ماشاكلها، وقد ختم سبحانه السورة بما ابتدأها به من أمر الكتاب والإشارة إلى الإرشاد لما ينفع من ثمرة إنزاله وهو العمل بما دل

стр. 4287

عليه أو أشار إليه إلى أن ينجلي الحكيم الذي انزله للحكم في الدنيا أو في الآخرة بما لا مرد له مما برزت به مواعيده الصادقة في كلماته التامة، وهذا لعينه هو أول التي بعدها، فكان ختم هذه السورة وسطاً بين أولها وأول التي تليها، ففيه رد المقطع على المطلع وتتبع لما استتبع والله الموفق.

стр. 4288

سورة هود مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة المقتضي ذلك لمنزلة سبحانه وضع كل شيء في أتم محاله وإنفاذه مهما أريد الموجب للقدرة على كل شيء، وأنسب ما فيها لهذاالمقصد ما ذكر في سياق قصة هو ﵇ من أحكام البشارة والنذارة بالعاجل والآجل والتصريح بالجزم بالمعالجة بالمبادرة الناظر إلى أعظم مدارات السورة (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) والعناية بكل دابة والقدرة على كل شيء من البعث وغيره المقتضي للعلم بكل معلوم اللازم منه التفرد بالملك. وسيأتي في الأحاف وجه اختصاص كل منهما باسمهما (بسم الله) أي الذي له تمام العلم وكمال الحكمة وجميه القدرة) الرحمن (لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة (الرحيم) لأهل ولايته بالحفظ في سلوك سبيله (الر) .

стр. 4289

لما ختمت السورة التي قبلها - كما ترى - بالحث على اتباع الكتاب ولزومه والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتماداً على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال. ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه، فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف

стр. 4290

في البقرة: ﴿كتاب﴾ أي عظيم جامع لكل خير، ثم وصفه بقوله: ﴿أحكمت﴾ بناه للمفعول بياناً لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن إتقاناً لا مزيد عليه ﴿آياته﴾ أي أتقنت إتقاناً لا نقص معه فلا ينقصها الذي أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره، ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل، والمراد ب ﴿محكمات﴾ في آل عمران عدم التشابه. ولما كان للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة، أتي بأداة التراخي فقال: ﴿ثم﴾ أي وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة أعلى منها جداً بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه ﴿فصلت﴾ أي جعلت لها - مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال - فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها، يفهم منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية، وموارد عذبة صافية، ومقامات من كل علة شافية، كما تفصل القلائد بالفرائد، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب السالفة، بل هي مدمجة إدماجاً لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب،

стр. 4291

وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله: ﴿من لدن﴾ أي نزلت آياته محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله ﴿حكيم خبير﴾ منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا تفصيلها، أرسلناك به قائلاً: ﴿ألا تعبدوا﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿إلا الله﴾ أي الإله الأعظم. ولما كان هذا معظم ما أرسل به ﷺ ومداره، استأنف الإخبار بأنه أرسله سبحانه مؤكداً له لأجل إنكارهم فقال: ﴿إنني﴾ ولما كان إرساله ﷺ لأجل رحمة العالمين، قدم ضميرهم فقال: ﴿لكم منه﴾ أي خاصة، ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلى الله عليه مسلم بقوله: مفدماً ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر: ﴿نذير وبشير﴾ كامل في كل من الوصفين غاية الكمال، وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول التي قبلها ﴿أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ [يونس: ٢] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه أن﴾ [هود: ٢٥] عطفناه عليه، وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويرجح أن «لا» ناهية جازمة ل ﴿تعبدوا﴾ عطف ﴿أن استغفروا﴾ عليه، فقد ظهر من

стр. 4292

تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل العلم كامل القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل فوجب إفراده بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال أحد ولا خوف إدباره، ولا يخشى غيره. ولا يركن إلى سواه، على ذلك مضى جميع النبيين ودرج سائر المرسلين ﷺ أجمعين. ولما تقدم أنه نذير وبشير. أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفاً على ﴿ألا تعبدوا﴾ مشيراً إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره: ﴿وأن استغفروا ربكم﴾ أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ما فرطتم فيه؛ وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل إلى طلب الغفران إلا بها فقال: ﴿ثم توبوا إليه﴾ أي ارجعوا بالظاهر والباطن رجوعاً لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل رتبته غير خفي ﴿يمتعكم﴾ أي يمد في تلذيذكم بالعيش مداً، من متع النهار: ارتفع، والضحى: بلغ غايته، وأمتعه الله بكذا: أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه؛ ولما، كان التمتيع - وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر - لا يكون إلا في الجنة فلذلك جعل المصدر ﴿متاعاً﴾ وأنه وضع موضع «تمتيعاً» ، هذا المصدر

стр. 4293

ووصفه بقوله: ﴿حسناً﴾ ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار، ولقد كان ما أوتيه الصحابة ﵃ في زمن عمر ﵁ من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك ﴿إلى﴾ أي ممتداً إلى ﴿أجل مسمى﴾ أي في علمه إما بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل للنعمة التي أشار إليها ﴿ويؤت كل ذي فضل﴾ أي عمل فاضل ﴿فضله﴾ أي جزاء ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء، وهو مع ذلك على حسب التفضيل: الحسنة بعشرة أمثالها؛ قال ابن مسعود: وهلك من غلبت آحاده عشراته. ولما انقضى التبشير مجزوماً به، أتبعه التحذير مخوفاً منه لطفاً بالعباد واستعطافاً لهم فقال: ﴿وإن تولوا﴾ اي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما اشار إليه حذف التاء ﴿فإني أخاف عليكم﴾ أي والعاقل من أبعد عن المخاوف ﴿عذاب يوم كبير*﴾ أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم، وخص اسم الرب تذكيراً بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية؛ ولما كان الاستغفار - وهو طلب الغفران - مطلوباً في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة، عطف عليه

стр. 4294

ب ﴿ثم﴾ إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإن كان المراد بها الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي، وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى أنه لم يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق، لأن الفضل في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل، وما كان كذلك فهو في الذروة من الإحكام، لأنه منع الفعل من الفساد؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقض، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد من الصحيح، وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ [المائدة: ٦٦] وأن الإعراض سبب الضيق، كما قال ﷺ : «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ إشارة إلى ثواب الآخرة، فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة. وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي قبلها. ولما كانت سورة يونس ﵇ قد تضمنت - من آي التنبيه والتحريك للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب

стр. 4295

والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم - ما لم تشمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب تكرر ذلك فيها - والله أعلم - أنها أعقبت بها السبع الطوال، وقد مر التنبيه على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاط أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كما تقدم وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم اتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله ﷺ وحذروا وأنذروا، وكشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من المنافقين، وتم المقصود من هذا في سورتي الأنفال وبراءة، ثم عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء إلى الله والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة تأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس مضمنة من هذا ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله: ﴿إن ربكم الله﴾ [يونس: ٣] الآيات. ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله﴾ [يونس: ٣٨] ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين والمعاندين،

стр. 4296

فمن التنبيه ﴿إن ربكم الله﴾ [يونس: ٣] ، ﴿هو الذي جعل الشمس﴾ [سورة يونس، آية: ٥] ، ﴿إن في اختلاف الليل والنهار﴾ [سورة يونس، آية: ٦] ، ﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ [يونس: ٣٤] ، ﴿قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق﴾ [سورة يونس، آية: ٣٥] ، ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ [سورة يونس، آية: ١٠١]- إلى غير هذا، وعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى قوله: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم﴾ [سورة يونس، آية: ١٠٨] فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله أتبع المجموع بقوله: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما ﴿الحكيم الخبير﴾ ثم تأمل تلاؤم صدر السورة بقوله: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم﴾ [سورة يونس، آية: ١٠٨] وقد كان تقدم قوله تعالى: ﴿قد جاءتكم موعظة من ربكم﴾ [يونس: ٥٧] فأتبع قوله: ﴿قد جاءكم الحق من ربكم﴾ بقوله في صدر سورة هود ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [هود: ٤١] فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ [يونس: ٣٩] والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن ﴿الذين حقت عليهم

стр. 4297

كلمت ربك لا يؤمنون﴾ [يونس: ٩٦] وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة ﴿وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ [هود: ١٢٠] ، و ﴿جاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ [هود: ١٢٠] فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة - والله أعلم - بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم وملتزمات متبعيه أخذاً وتركاً، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم، واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرُّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في إخبار الله تعالى ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاماً وتركاً ما أوضح طريقهم، وعين حزبهم وفريقهم ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ [الأنعام: ٩٠] وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلاً، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم ﵇ وحال الملائكة في التسليم والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعاً فيه ورحمة وإعلام الخلق بما هو علبه سبحانه وما يجب

стр. 4298

له من الصفات العلى والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعملوا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤] فما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها. أعقب ذلك بقوله: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود: ١] ثم أتبع هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آي كتب، وهي فصل الإلهية، وفصل الرسالة، وفصل التاكليف، أما الأول فأشار إليه قوله: ﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ [هود: ٢] وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله سبحانه: ﴿إنني لكم منه نذير وبشير﴾ [هود: ٢] وأما فصل التالكيف فأشار إليه قوله سبحانه ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٣] . وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة، فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد واتضح الحق وبان قال : ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ [هود: ١٢٠] إشارة إلى كمال المقصود وبيان المطلوب واستيفاء التعريف بوضوح الطريق وقد وضح من هذا تلاء السورة الكريمة لما تقدمها، ومما يشهد لهذا - والله أعلم - قوله تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾ [هود: ١٧] وقوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا﴾ [هود: ١١٢]

стр. 4299

فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ [هود: ١١٣] فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق، وكيف ينكب من جزم سلوكه من الخلق! ونظيره قوله سبحانه ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ [هود: ١٢٠] عقب ما ذكر سبحانه ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله﴾ [الانفطار: ١٩] فتأمل ذلك والله المستعان - انتهى.

стр. 4300

ولما خوف المنذرون باليوم الكبير كانوا كأنهم قالوا: ما هذا اليوم؟ فكان الجواب: يوم يرجعون إليه، ولما كانوا ربما حملوا الرجوع على مجرد الموت والصيرورة تراباً، نبههم على أنه بغير المعنى الذي يتوهمه بل بمعنى إعادتهم كما كانوا فقال: ﴿إلى الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وحده ﴿مرجعكم﴾ أي رجوعكم ووقته ومكانه لأجل الحساب لا إلى التراب ولا غيره، وهو بكل شيء عليم، ومنه بدؤكم لأخذ الزاد للمعاد، وجعل فاصلة الآية حكماً على المراد فقال: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿على كل شيء﴾ أي ممكن ﴿قدير*﴾ أي بالغ القدرة لأنهم يقرون بقدرته على أشياء هي أعظم من الإعادة، فهو قادر على الإعادة كما قدر على البداءة، فالآية من الاحتباك: ذكر المرجع أولاً دليلاً على المبدأ ثانياً، وتمام القدرة ثانياً دليلاً على تمام العلم أولاً لأنهما متلازمان. ولما تقدم من التخويف والإطماع ما هو مظنة لإقبالهم ورهبهم

стр. 4301

على التولي بخصوصه، فكان موضع أن يقال: هل أقبلوا؟ فقيل: لا قال مبيناً أن التولي باطناً كالتوالي ظاهراً لأن الباطن هو العمدة، مؤكداً لأنه امر لا يكاد أن يصدق، والتأكيد أقعد في تبكيتهم: ﴿ألا إنهم﴾ أي الكفار المعاندين ﴿يثنون صدورهم﴾ أي يطوونها وينحرفون عن الحق على غل من غيرِ إقبال لأن من أقبل على الشيء عليه بصدره ﴿ليستخفوا منه﴾ أي يريدون أن يوجدوا إخفاء سرهم على غاية ما يكون من أمره. فإن كان مرادهم بالثني الاستتار من الله تعالى فالأمر في عود الضمير إليه سبحانه واضح، وإن كان من النبي ﷺ فالاستخفاء منه استخفاء ممن أرسله، ثم أعلم أن ذلك غير مغن عنهم لأنه يعلم سرهم وعلنهم في أخفى أحوالهم عندهم، وهو حين استغشاهم ثيابهم، فيغطون الوجوه التي تستقر عن بعض ما في القلوب للمتوسمين فقال: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ أي يوجدون غشيانها أي تغطيتها لرؤوسهم، لاستخفاء كراهية لسماع كلام الله وأخبار رسوله ﷺ ﴿يعلم ما يسرون﴾ أي يوقعون إسراره في أيّ وقت كان ومن أيّ نوع كان من غير بطء لتدبر أو تأمل، ولما لم يكن بين علم السر والعلن ملازمة لاختصاص العلن بما يكون لغيبة أو اختلاف بأصوات ولفظ أو اختلاف لغة ونحو ذلك قال تصريحاً: ﴿وما يعلنون﴾ أي يوقعون إعلانه لا تفاوت في

стр. 4302

علمه بين إسرار وإعلان، فلا وجه لاستخفائهم نفاقاً، فإن سوق نفاقهم غير نافق عنده سبحانه. ثم علله بما هو أدق من ذلك كله مع شموله للنوعين فقال: ﴿إنه عليم﴾ أي بالغ العلم جداً ﴿بذات الصدور*﴾ أي بضمائر قلوبهم التي في دواخل صدورهم التي يثنونها من قبل أن يقع لهم إضمارها، بل من قبل أن يخلقهم؛ وأصل الثني العطف، ومنه الاثنان - لعطف أحدهما على الآخر، والثناء - لعطف المناقب في المدح. ولهذا لما قال العبد في الفاتحة ﴿الرحمن الرحيم﴾ بعد الحمد قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي - كما في حديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والاستثناء - لعطف الثاني على الأول بالاستخراج منه؛ والاستخفاء: طلب خفاء الشيء: ثم أتبع ذلك بما يدل على شمول العلم والقدرة معاً فقال:

стр. 4303

﴿وما﴾ وأغرق في العموم بقوله: ﴿من دآبة﴾ ودل على أن الانتفاع بالأموال مخصوص بأهل العالم السفلي بقوله: ﴿في الأرض﴾ أي صغرت أو كبرت ﴿إلا على الله﴾ أي الملك الأعلى الذي، له الإحاطة وحده لا على غيره ﴿رزقها﴾ أي قوتها وما تنتفع وتعيش به بمقتضى ما أوجبه على نفسه، تحقيقاً لوصوله وحملاً على التوكل فيه، لأن الإفصال على كل نفس بما لا تعيش إلا به ولا يلائمها إلا هو مدة حياتها أدق مما مضى في العلم مع تضمنه لتمام القدرة، والآية مع ذلك ناظرة إلى ترغيب آية ﴿وأن استغفروا ربكم﴾ فالمراد: أخلصوا العبادة له ولا تفتروا عن عبادته للاشتغال بالرزق فإنه ضمنه لكم وهو عالم بكل نفس فلا تخشوا من أنه ينسى أحداً، وقال: ﴿وفي الأرض﴾ ليعم ما يمشي على وجهها وما في أطباقها من الديدان ونحوها مما لا يعلمه إلا هو، لقد شاهدت داخل حصاة من شاطىء بحر قبرس شديدة الصلابة كأنها العقيق الأبيض دودة عندها ما تأكل، وأخبرني الفاضل عز الدين محمد بن أحمد التكروري الكتبي أنه شاهد غير مرة في دواخل حجارة تقطع من جبل مصر الدود عنده ما يأكل من الحشيش الأخضر وما يشرب من الماء؛ ونبه بقوله: ﴿ويعلم مستقرها﴾ أي مكانها الذي تستقر فيه ﴿ومستودعها﴾ أي موضعها الذي تودع فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة او بعده من قبر أو فلاة أو غير ذلك على ما يحيط به علمه من تفاصيل

стр. 4304

السكنات والحركات ما كان منها وما يكون من كل ذلك مما يحير الفكر ويدهش الألباب، ثم جعل فاصلة الآية ما هو في غاية العظمة عند الحق وهو ﴿كل﴾ أي من ذلك ﴿في كتاب مبين*﴾ فإنه ليس كل ما يعلمه العبد يقدر على كتابته ولا كل ما يكتبه يكون مبيناً بحيث إنه كلما أراد الكشف منه وجد ما يريده، وإذا وجده كان مفهماً له؛ والدابة: الحي الذي من شأنه الدبيب؛ والمستقر: الموضع الذي يقر فيه الشيء، وهو قراره ومكانه الذي يأوي إليه؛ والمستودع: المعنى المجعول في قراره كالولد الذي يكون في البطن والنطفة التي في الظهر، وقد جعل سبحانه في كتابه ما ذكر حكماً منها ما للملائكة فيه من العبرة عند المقابلة بما يكون من الأمور المكتوبة قبل وجودها.

стр. 4305

ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول العلم والقدرة معاً، تلاه بقوله: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي خلق﴾ أي أوجد وقدر ﴿السماوات والأرض﴾ وحده لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون ﴿في ستة أيام﴾ ولما كان خلق العرش أعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة. وأعظم من ذلك أن يكون محمولاً على الماء الذي لا يمكن حمله في العادة إلا في وعاء ضابط محكم، تلاه بقوله: ﴿وكان﴾ أي قبل خلقه لذلك ﴿عرشه﴾ مستعلياً ﴿على الماء﴾ ولا يلزم من ذلك

стр. 4306

الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة. وقد علم من هذا السياق أنه كان قبل الأرض خلق فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب آخر قريب أو بعيد، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا تتناهى، وهذا زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس ﵇ من أمر العرش لأن هذه السورة التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقاً ب «خلق» : ﴿ليبلوكم﴾ أي أنه خلق ذلك كله لكم سكناً كاملاً بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم معاملة المختبر، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام في قوله: ﴿أيكم﴾ أي أيها العباد ﴿أحسن عملاً﴾ على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : أنفق أنفق عليك» ، وقال: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في

стр. 4307

يده، وكان عرشه على الماء،. وبيده الميزان يخفض ويرفع» وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائماً في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان. ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به معترفون - القدرة على إعادته، وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك. عجب من إنكارهم له وأكده لذلك فقال: ﴿ولئن قلت﴾ أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا لابتلائهم ﴿إنكم مبعوثون﴾ أي موجودون، بعثكم ثابت قطعاً لا بد منه. ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال: ﴿من بعد الموت﴾ الذي هو في غاية الابتداء ﴿ليقولن﴾ أكده دلالة على العلم بالعواقب علماً من أعلام النبوة ﴿الذين كفروا إن﴾ أي ما ﴿هذا﴾ أي القول بالبعث ﴿إلا سحر مبين*﴾ أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر. ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم

стр. 4308

بالأخذ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلاً منه وكرماً، حكى مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال: ﴿ولئن أخرنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء ﴿عنهم﴾ أي الكفار ﴿العذاب﴾ أي المتوعد به ﴿إلى أمة﴾ أي مدة من الزمان ليس فيها كدر ﴿معدودة﴾ أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد الأنفاس ﴿ليقولن﴾ على سبيل التكرار ﴿ما يحبسه﴾ أي العذاب عن الوقوع استعجلاً له تكذيباً واستهزاء، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك. ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع، أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاماً بأنهم عكسوا في السؤال، وتحقيقاً لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة، فقال مؤكداً لشديد إنكارهم: ﴿ألا يوم﴾ وهو منصوب بخبر «ليس» الدال على جواز تقدم الخبر ﴿يأتيهم ليس﴾ أي العذاب ﴿مصروفاً عنهم﴾ أي بوجه من الوجوه؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد فقال: ﴿وحاق بهم﴾ أي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة ﴿ما كانوا﴾ أي بجبلاتهم وسيىء طبائعهم، وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره فقال: ﴿به﴾ ولما كان استعجالهم استهزاء، وضع موضع يستعجلون قوله:

стр. 4309

﴿يستهزءون﴾ أي يوجدون الهزء به إيجاداً عظيماً حتى كأنهم يطلبون ذلك.

стр. 4310

ولما كان قولهم ذلك ناشئاً عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة، بين ذلك ليعلم أن طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم. وبعلم ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم بقوله مؤكداً لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك: ﴿ولئن أذقنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿الإنسان﴾ أي هذا النوع المستأنس بنفسه؛ ولما كان من أقبح الخلال استملاك المستعار. وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده، قدم الصلة دليلاً على العارية فقال: ﴿منا رحمة﴾ أي نعمة فضلاً منا عليه لا بحوله ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك ومكناه من التلذذ بها تمكين الذائق من المذوق ﴿ثم نزعناها﴾ أي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك ﴿منه﴾ أخذاً لحقنا ﴿إنه ليئوس﴾ أي شديد اليأس من أن يعود له مثلها ﴿كفور*﴾ أي عظيم الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك ﴿ولئن أذقناه نعماء﴾ من فضلنا. ولما كان استملاكه العارية طبعاً له، لا ينفك عنه إلا بمعونة شديد من الله. دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في الضر ثم نال حالة
следующие страницы →