← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة. وقد علم من هذا السياق أنه كان قبل الأرض خلق فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب آخر قريب أو بعيد، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا تتناهى، وهذا زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس ﵇ من أمر العرش لأن هذه السورة التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقاً ب «خلق» : ﴿ليبلوكم﴾ أي أنه خلق ذلك كله لكم سكناً كاملاً بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم معاملة المختبر، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام في قوله: ﴿أيكم﴾ أي أيها العباد ﴿أحسن عملاً﴾ على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : أنفق أنفق عليك» ، وقال: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في

стр. 4307

يده، وكان عرشه على الماء،. وبيده الميزان يخفض ويرفع» وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائماً في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان. ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به معترفون - القدرة على إعادته، وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك. عجب من إنكارهم له وأكده لذلك فقال: ﴿ولئن قلت﴾ أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا لابتلائهم ﴿إنكم مبعوثون﴾ أي موجودون، بعثكم ثابت قطعاً لا بد منه. ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال: ﴿من بعد الموت﴾ الذي هو في غاية الابتداء ﴿ليقولن﴾ أكده دلالة على العلم بالعواقب علماً من أعلام النبوة ﴿الذين كفروا إن﴾ أي ما ﴿هذا﴾ أي القول بالبعث ﴿إلا سحر مبين*﴾ أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر. ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم

стр. 4308

بالأخذ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلاً منه وكرماً، حكى مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال: ﴿ولئن أخرنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء ﴿عنهم﴾ أي الكفار ﴿العذاب﴾ أي المتوعد به ﴿إلى أمة﴾ أي مدة من الزمان ليس فيها كدر ﴿معدودة﴾ أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد الأنفاس ﴿ليقولن﴾ على سبيل التكرار ﴿ما يحبسه﴾ أي العذاب عن الوقوع استعجلاً له تكذيباً واستهزاء، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك. ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع، أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاماً بأنهم عكسوا في السؤال، وتحقيقاً لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة، فقال مؤكداً لشديد إنكارهم: ﴿ألا يوم﴾ وهو منصوب بخبر «ليس» الدال على جواز تقدم الخبر ﴿يأتيهم ليس﴾ أي العذاب ﴿مصروفاً عنهم﴾ أي بوجه من الوجوه؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد فقال: ﴿وحاق بهم﴾ أي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة ﴿ما كانوا﴾ أي بجبلاتهم وسيىء طبائعهم، وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره فقال: ﴿به﴾ ولما كان استعجالهم استهزاء، وضع موضع يستعجلون قوله:

стр. 4309

﴿يستهزءون﴾ أي يوجدون الهزء به إيجاداً عظيماً حتى كأنهم يطلبون ذلك.

стр. 4310

ولما كان قولهم ذلك ناشئاً عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة، بين ذلك ليعلم أن طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم. وبعلم ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم بقوله مؤكداً لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك: ﴿ولئن أذقنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿الإنسان﴾ أي هذا النوع المستأنس بنفسه؛ ولما كان من أقبح الخلال استملاك المستعار. وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده، قدم الصلة دليلاً على العارية فقال: ﴿منا رحمة﴾ أي نعمة فضلاً منا عليه لا بحوله ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك ومكناه من التلذذ بها تمكين الذائق من المذوق ﴿ثم نزعناها﴾ أي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك ﴿منه﴾ أخذاً لحقنا ﴿إنه ليئوس﴾ أي شديد اليأس من أن يعود له مثلها ﴿كفور*﴾ أي عظيم الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك ﴿ولئن أذقناه نعماء﴾ من فضلنا. ولما كان استملاكه العارية طبعاً له، لا ينفك عنه إلا بمعونة شديد من الله. دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في الضر ثم نال حالة

стр. 4311

يرضاها عقب زمن الضر سواء بادر إلى اعتقاد أنها هي الحالة الأصلية له وأنها لا تفارقه أصلاً ولا يشوبها نوع ضرر ولا يخالط صفوها شيء من كدر. فقال دالاًّ على اتصال زمن الضر بالقول بنزع الخافض من الظرف: ﴿بعد ضراء﴾ أي فقر شديد مضر ببدنه، ولم يسند المس إليه سبحانه كما فعل في النعماء تعليماً للأدب فقال: ﴿مسته﴾ أي بما كسبت يداه ﴿ليقولن﴾ مع قرب عهده بالضراء خفة وطيشاً ﴿ذهب السيِّئات﴾ أي كل ما يسوءني ﴿عني﴾ وقوله ﴿إنه﴾ الضمير فيه للإنسان، المعنى أن الإنسان. فهي كلية مشهورة بمستغرق، أي أن كل إنسان ﴿لفرح فخور﴾ أي خارج عن الحد في فرحه شديد الإفراط في فخره على غيره بكل نعمة تفضل الله عليه بها. لا يملك ضر نفسه ومنعها من ذلك فلذا اتصل بها قوله مستثنياً من الإنسان المراد به اسم الجنس: ﴿إلا الذين صبروا﴾ في وقت الشدائد وزوال النعم رجاء لمولاهم وحسن ظن به بسبب إيمانهم الموجب لتقيدهم بالشرع ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي من أقوال الشكر وأفعاله عند حلول النعم، فهم دائماً مشغولون بمولاهم شكراً وصبراً، وهم الذين أتم عليهم سبحانه نعمه، وخلقهم في أحسن تقويم. وهم أقل من القليل لعظيم جهادهم لنفوسهم

стр. 4312

فيما جبلت عليه من الحظوظ والشهوات وغيرها وشياطينهم. ولما كان كأنه قيل: فما لهم لم يكونوا كذلك! أنتج السياق مدحهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو المراتب ﴿لهم مغفرة﴾ إذا وقعت منهم هفوة ﴿وأجر كبير*﴾ على صبرهم وشكرهم؛ والذوق: تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم كما أن الشم ملابسة الشيء الأنف لإدراك الرائحة؛ والنزع: رفع الشيء عن غيره مما كان مشابكاً له كالقلع والقشط؛ واليأس: القطع بأن الشيء لا يكون، وهو ضد الرجاء، ويؤوس: كثير اليأس، وهو ذم لأنه للجهل بسعة الرحمة الموجبة لقوة الأمل في كل ما يجوز في الحكمة فعله؛ والنعماء: إنعام يظهر أثره على صاحبه، كما أن الضراء مضرة تظهر الحال بها، لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من حمراء وعوراء مع ما في مفهومها من المبالغة؛ والسيئة: ما يسوء من جهة نفور طبع أو عقل، وهي هنا المرض والفقر ونحوه؛ والفرح: انفتاح القلب بما يلتذ به؛ وعبارة البغوي: هو لذة في القلب بنيل المشتهى وهو أعظم من ملاذ الحواس؛ والفخر: التطاول بتعديد المناقب؛ والصبر: حبس النفس عن المشتهى من المحارم ونحوها، والصبر على مر الحق يؤدي إلى الفوز في الآخرة مع ما فيه من جمال في الدنيا؛ والكبير واحد يقصر مقدار غيره عنه؛ والكثير: جمع يزيد على عدد غيره.

стр. 4313

ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين في الهوى من تحلى برزانة الصبر الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل، وكان ﷺ رأس الصابرين، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم ﴿ما يحبسه﴾ وتثنيهم صدورهم أسباباً لضيق صدره ﷺ ، فربما كانت مظنة لرجائهم تركه ﷺ بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعاً في إقبالهم أو خوفاً من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون: ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر، قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في صيغة الخبر: ﴿فلعلك تارك﴾ أي إشفاقاً أو طمعاً ﴿بعض ما﴾ ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله: ﴿يوحى إليك﴾ كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم ﴿وضآئق به﴾ أي بذلك البعض ﴿صدرك﴾ مخافة ردهم له إذا بلغته لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿أن﴾ أي مخافة أو لأجل أن ﴿يقولوا﴾ تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿أنزل عليه كنز﴾ يستغني به ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه آية عناداً ومكابرة ﴿أو جاء معه ملك﴾ أي ليؤيد كلامه وليشهد له، فكان النبي ﷺ يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون

стр. 4314

منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائناً فيها ما كان، فكان المعنى: فإذا تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من التقلبات، فلا تكن موضع رجائهم في أن تكون تاركاً ما يغيظهم مما نأمرك به، بل كن من الصابرين؛ قال أهل السير: فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه الله؛ وعن ابن عباس ﵄ أم المشركين قالوا للنبي ﷺ : ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا. ولما أفهم هذا السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار، كان كأنه قيل له: هذا الرجاء المرجو منكر، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة على النفوس، وأما البشارة فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال: ﴿إنما أنت نذير﴾ فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة. ولما كان السياق لإحاطته سبحانه، قدم قوله: ﴿على كل شيء﴾ منهم ومن غيرهم ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره ﴿وكيل*﴾ فهو يدبر الأمور على ما يعلمه من الحكم، فإنشاء جاء

стр. 4315

بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها وأنها هي التي يطعمون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة؛ والصدر: مسكن القلب، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من الناس؛ والكنز: المدفون، وقد صار في الدين صفة ذم لكل مال لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفوناً، والآية من الاحتباك: نفي أولاً قدرته ﷺ على الإتيان بما سألوا دليلاً على قدرة مرسله على ذلك وغيره ثانياً. وأثبت الوكالة ثانياً دليلاً على نفيها أولاً.

стр. 4316

ولما كانوا ذوو الهمم العوال، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال، وكان الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر. وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة، كان موضع الإنكار له، فكان كأنه قيل: أيقولون ذلك تعنتاً منهم واقتراحاً وإعراضاً عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل ﴿أم يقولون﴾ أي مكررين ﴿افتراه﴾ فكان ذلك موضع أن يقال: نعم، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال لهم؟ فقيل: ﴿قل﴾ أي لهم على سبيل التنزل ﴿فأتوا﴾ يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان

стр. 4317

والمولد والزمن وفيكم من يزيد عليَّ بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر ﴿بعشر سور﴾ أي قطع، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه ﴿مثله﴾ أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها ﴿مفتريات﴾ أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني - ذكره البغوي عن المبرد، وقد مضى في البقرة عند ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ عن الجاحظ وغيره ما يؤيده؛ قال أبو حيان: وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو، ثم إذا تبين عجزه قال: افعل مثلاً واحداً - انتهى. فكأنهم تحدوا أولاً بجميع القرآن في مثل قوله: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ [الطور: ٣٤] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد شيئاً في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى: ﴿قل لو اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨] تبكيتاً لهم وإخزاء وبعثاً على ذلك وإغراء، ثم تحدوا

стр. 4318

في سورة يونس ﵇ بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها بالتفصيل إلى السور تخفيفاً عليهم واستهانة بأمرهم، فلما عجزوا تحدوا بعشر مفتراه، ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني، ألزمهم بما خففه عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط، فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة، أي قطعة واحدة مقروناً ذلك بالإخبار بدوام عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤] ، فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى، وقد مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به فهم هذا المقام، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأوسطها وأدناها ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمراً بالافتراء لأنه تحدّ فهو للتعجيز وقوله: ﴿وادعوا من استطعتم﴾ أي طلبتم أن يطيعكم ففعل، ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى. وأشار إلى عجزهم بقوله: ﴿إن كنتم صادقين*﴾ وفي ذلك زيادة بيان وتثبيت للدليل، فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة، فعجزهم عجز لغيرهم بطريق الأولى. ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام غيره من

стр. 4319

غير علمه، وكان عجزهم عن المعارضة دليلاً قاطعاً على أنهم لم يصلوا إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئاً له يأتيهم بمثله ثبت قطعاً أن هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطباً للجميع بخلاف ما في القصص إشارة إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في أثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت شفة: ﴿فإن لم يستجيبوا لكم﴾ أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها ﴿فاعلموا﴾ أيها الناس كافة ﴿أنما أنزل﴾ أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبساً ﴿بعلم الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بمقتضى أن محمداً واحد منهم تمع العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلاً عن أن يكون مخترعاً له، ويجوز أن يكون ضمير ﴿يستجيبوا﴾ ل «من» ﴿من استطعتم﴾ و ﴿لكم﴾ للمشركين، وكذا في قوله: فاعلموا و ﴿أنتم﴾ ﴿وأن﴾ أي واعلموا أن ﴿لا إله إلا هو﴾ فإنه لو كان معه إله آخر لكافأة في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم. ولما كان هذا دليلاً قطعياً على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله

стр. 4320

مرغباً مرهباً: ﴿فهل أنتم مسلمون*﴾ أي منقادون أتم انقياد. ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه، وكان حق المسلم الإعراض عن الدنيا لسوء عاقبتها، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء أحوال الدنيا عليهم، ولذلك تعنتوا بالكنز، أشار إلى عواقب ذلك بقوله: ﴿من كان يريد﴾ أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره ﴿الحياة الدنيا﴾ أي ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها ﴿وزينتها﴾ فأخلد إليها لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها ﴿نوف﴾ موصلين ﴿إليهم أعمالهم﴾ أي جزاءها ﴿فيها﴾ أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك ﴿وهم فيها﴾ أي في الأعمال أو الدنيا ﴿لا يبخسون*﴾ أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها، وأما أبدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في الدارين معاً، وفي الجملتين بيان سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم.

стр. 4321

ولما بين حالهم في الدنيا، بين حالهم في الأخرى مشيراً بأداة البعد إلى أنهم أهل البعد واللعنة والطرد في قوله نتيجة لما قبله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿الذين ليس لهم﴾ أي شيء من الأشياء ﴿في الآخرة إلا النار﴾ أي لسوء أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا ﴿وحبط﴾ أي بطل وفسد ﴿ما صنعوا فيها﴾

стр. 4322

أي مصنوعهم أو صنعهم أي لبنائه على غير أساس؛ ولما كان تقييد الحبوط بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال: ﴿وباطل﴾ أي ثابت البطلان في كل من الدارين ﴿ما كانوا يعملون*﴾ أي معمولهم أو عملهم وإن دأبوا فيه دأب من هو مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه على غير أساس؛ والزينة: تحسين الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة؛ والتوفية: تأدية الحق على تمام؛ وحبوط العمل: بطلانه، من قولهم: حبط بطنه - إذا فسد بالمأكل الرديء. ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج، كان ذلك موضع الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي، فكيف يفضل إما باعتبار النظر إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عناداً كمن قال من اليهود للمشركين: أنتم أهدى منهم، فقال: ﴿أفمن كان على بينة﴾ أي برهان وحجة ﴿من ربه﴾ بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني أفعاله على أساس ثابت ﴿ويتلوه﴾ أي ويتبع هذه البينة ﴿شاهد﴾ هو القرآن ﴿منه﴾ أي من ربه، أو تأيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي بكلام معجز وكان ﴿من قبله﴾ أي هذا الشاهد مؤيداً له ﴿كتاب موسى﴾ أي شاهد أيضاً وهو التوارة حال كونه ﴿إماماً﴾ يحق الاقتداء به ﴿ورحمة﴾ أي لكل من اتبعه.

стр. 4323

ولما كان الجواب ظاهراً حذفه، وتقديره - والله أعلم: كمن هو على الضلالة فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنياً على أساس صحيح، فيكون في دار البقاء والسعادة هباء منثوراً؛ ولما كان هذا الذي على البينة عظيماً، ولم يكن يراد به واحداً بعينه، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده مصدق له ﴿يؤمنون به﴾ أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون الآتي به إلى أنه افتراه ﴿ومن يكفر به﴾ أي بهذا الشاهد ﴿من الأحزاب﴾ من جميع الفرق وأهل الملل سواء، سوى بين الفريقين جهلاً أو عناداً ﴿فالنار موعده﴾ أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها. ولما عم بوعيد النار، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت من ذلك بالإيجاز، فاقتضى الأمر حذف نون «تَكن» فقيل: ﴿فلا تكُ﴾ أي أيها المخاطب الأعظم ﴿في مرية﴾ أي شك عظيم ووهم ﴿منه﴾ أي من القرآن ولا يضيق صدرك عن إبلاغه، أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ونعمناه في الدنيا؛ ثم علل النهي بقوله: ﴿إنه﴾ القرآن

стр. 4324

أو الموعد ﴿الحق﴾ أي الكامل، وزاد في الترغيب فيه بقوله: ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بانزاله عليك. ولما كان كونه حقاً سبباً يعلق الأمل بإيمان كل من سمعه، قال: ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي الذين هم في حيز الاضطراب ﴿لا يؤمنون﴾ بأنه حق لا لكون الريب يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه، والقصد بهذا الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ من الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين وركاكة آرائهم. ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدين من غير دليل وما نسبوا إليه النبي ﷺ من الافتراء، أتبع ذلك سبحانه قوله: ﴿ومن أظلم﴾ أي لا أحد أظلم ﴿ممن افترى﴾ أي تعمد أن اختلق متكبراً ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿كذباً﴾ الآية، وهو موضع ضمير لو أتى به لقيل: لا يؤمنون ظلماً منهم، ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين، فأتى بهذا الظاهر بياناً لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على أنه علته. ولما بين أنهم أظلم، أتبعه جزاءهم بقوله استئنافاً: ﴿أولئك﴾ المستحقو البعد؛ ولما كان نفس العرض مخوفاً، بنى للمجهول قوله:

стр. 4325

﴿يعرضون﴾ أي لذلك ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض، فعرضهم في غاية السهولة ﴿على ربهم﴾ أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه، العالم بالخفايا فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم ﴿ويقول﴾ على سبيل التكرار ﴿الأشهاد﴾ وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار إليه بقوله ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن أعضائهم حين يختم على أفواههم ﴿هؤلاء﴾ إشارة بأداة القرب إلى تحقيرهم ﴿الذين كذبوا﴾ متكبرين ﴿على ربهم﴾ في ادعاء الشريك والولد والتحليل والتحريم وغير ذلك بما عراهم من إحسانه وطول حلمه، وفي الإتيان بصفة الربوبية غاية التشنيع عليهم، فتكررت بهذا القول فضيحتهم عند جنسهم وبعدهم عن كل من سمع هذا الكلام لأنه لا أبعد عن القلوب من الكاذب فكيف بالمجترىء بالكذب على الرؤساء فكيف بملك الملوك الذي رباهم وكل من أهل الموقف مرتقب برّه خائف من انتقامه، وكأنه قيل: فما لهم بعد هذا العذاب العظيم بهذه الفضيحة؟ فقيل: ﴿ألا لعنة الله﴾ وهي طرد الملك الأعظم وإبعاده، وانظر إلى تهويل الأمر باسم الذات ما أشده ﴿على الظالمين﴾ فكيف بأظلم الظالمين، ثم فصل ظلمهم بقوله: ﴿الذين يصدون﴾ أي يعرضون في أنفسهم ويمنعون غيرهم ﴿عن سبيل﴾

стр. 4326

أي دين ﴿الله﴾ أي الملك الذي له الكمال كله مع أنه الولي الحميد ﴿ويبغونها﴾ أي يريدون بطريق الدين الواسعة السهلة ﴿عوجاً﴾ بإلقاء الشبهات والطعن في الدلائل مع كونها في غاية الاستقامة. ولما كان النظر شديداً إلى بيان كذبهم وتكذيبهم، بولغ في تأكيد قوله: ﴿وهم﴾ أي بضمائرهم وظواهرهم؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديداً، قدم قوله: ﴿بالآخرة﴾ وأعاد الضمير تأكيداً لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم واختصاصهم بمزيد الكفر فقال: ﴿هم كافرون﴾ أي عريقون في هذا الوصف؛ والعرض: إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة، والصد: المنع بالإغراء الصارف عن الأمر؛ والبغية: طلب أمر من الأمور، وهي إرادة وجدان المعنى بما يطمه فيه؛ والعوج: العدول عن طريق الصواب، وهو في المعنى كالدين بالكسر، وفي غيره كالعود بالفتح فرقاً بين ما يرى وما لا يرى، جعلوا السهل للسهل والصعب للصعب؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في النجوى: «يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف رب أعرف - مرتين، ويقول: سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم يطوي صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار فينادي على رؤوس الأشهاد ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ » .

стр. 4327

ولما هددهم بأمور الآخرة، أشار إلى بيان قدرته على ذلك في الدارين بقوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء عن حضرة الرحمة ﴿لم يكونوا﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿معجزين﴾ وأشار إلى عجزهم بأنهم لا يقدرون على بلوغ العالم العلوي بقوله: ﴿في الأرض﴾ أي ما كان الإعجاز - وهو الامتناع من مراد الله - لهم ولا هو في قدرتهم، لأن قدره على جميع الممكنات على حد سواء. ولما نفى التعذر بأنفسهم، نفاه من جهة غيرهم فقال: ﴿وما كان لهم﴾ ولما كانت الرتب التي هي دون عظمته سبحانه متكاثرة جداً، بين أنهم معزولون عن كل منها بإثبات الجار فقال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعظم، وأغرق في النفي بقوله: ﴿من أوليآء﴾ أي يفعلون معهم ما يفعل القريب من تولي المصالح والحماية من المصائب، ومن لم يقدر على الامتناع وهو حي لم يمتنع بعد موته فكأنه قيل: ماذا يفعل بهم؟ فقيل: ﴿يضاعف﴾ أي يفعل فيه فعل من يناظر آخر في الزيادة، وبناه للمفعول لأن المرجع وجود المضاعفة مطلقاً ﴿لهم العذاب﴾ أي بما كانوا يضاعفون المعاصي؛ ثم علل سبب المضاعفة بأنه خلق لهم سمعاً وبصراً فضيعوهما بتصامّهم عن الحق وتعاميهم عنه، فكأن لا فرق بينهم وبين فاقدهما فقال: ﴿ما كانوا﴾ أي بما لهم من فساد الجبلات

стр. 4328

﴿يستطيعون السمع﴾ أي يقدرون لما غلب على فطرهم الأولى السليمة بانقيادهم للهوى من التخلق بنقائص الشهوات على أن توجد طاعته لهم فما كانوا يسمعون ﴿وما كانوا﴾ يستطيعون، الإبصار فما كانوا ﴿يبصرون﴾ حتى يعرضوا عن الشهوات فتوجد استطاعتهم للسمع والإبصار، وهو كناية عن عدم قبولهم للحق وأن شدة إعراضهم عنه وصلت إلى حد صارت فيه توصف بعدم الاستطاعة كما يقول الإنسان لما تشتد كراهته له: هذا مما لا أستطيع أن أسمعه، وتكون المضاعفة بالكفر والصد، ونفي الاستطاعة أعرق في العيب وأدل على النقص وأنكأ من نفي السمع لأنهم قد يحملونه على الإجابة، وأما نفي البصر فغير منفك عن النقص سواء كان للعين أو للقلب، هذا إن لم تخرج الآية على الاحتباك، وإن خرجت عليه استوى الأمران، وصار نفي الاستطاعة أولاً دالاًّ على نفيها ثانياً، ونفي الإبصار يدل على نفي السمع أولاً. ولما ثبت أنهم لا سمع ولا بصر، ثبت أنهم لا شيء فقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿الذين خسروآ أنفسهم﴾ أي بتضييع الفطرة الأولى التي هي سهولة الانقياد للخير وصعوبة الانقياد للشر؛ ولما كان العاجز ربما نفعه من كان يخدمه فيكسبه قوة بعد الضعف ونشاطاً بعد العجز، نفى ذلك بقوله عائداً إلى نفي النفع ممن عذرهم أولاً

стр. 4329

على أحسن وجه: ﴿وضل عنهم ما كانوا﴾ أي كوناً جبلوا عليه فصاروا لا ينفكون عنه ﴿يفترون﴾ أي يتعمدون كذبه مما ادعوا كونهم آلهة، ولا شك أن من خسر نفسه ومن خسرها من أجله بادعاء أنه شريك لخالقه ونحو ذلك كان أخسر الناس، فلذلك قال: ﴿لا جرم﴾ أي لا شك ﴿أنهم﴾ أي هؤلاء الذي بالغوا في إنكار الآخرة ﴿في الآخرة﴾ ولما كان المقام جديراً بالمبالغة في وصفهم بالخسارة، أعاد الضمير فقال: ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الأخسرون﴾ أي الأكثرون خسراناً من كل من يمكن وصفه بالخسران؛ والإعجاز: الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ والمضاعفة: الزيادة على المقدار بمثله أو أكثر؛ والاستطاعة: قوة ينطاع بها الجوارح للفعل؛ وأما «لا جرم» فقد اضطرب علماء العربية في تفسيرها، قال الرضي في شرح الحاجبية والبرهان السفاقسي في إعرابه ما حاصله: والغالب بعد ﴿لا جرم﴾ الفتح، أي في ﴿أن﴾ ، ف ﴿لا﴾ إما رد الكلام السابق - على ما هو مذهب الخليل - أو زائدة كما في ﴿لا أقسم﴾ لأن في جرم معنى القسم، وهي فعل ماض عند سيبويه والخليل مركبة مع «لا» ، وجعلها سيبويه فعلاً بمعنى حق، ف «أن» «فاعله» ، وقيل: «جرم» بمعنى حق، وهو اسم لا و «أنهم» خبره؛ وقال الكسائي معناها: لا صد ولا منع؛ وعن الزجاج أنها غير مركبة، ولا نفي لما قيل من أن لهم أصناماً تنفعهم، وجرم - فعل ماض بمعنى كسب وفاعله

стр. 4330

مضمر معبر به عن فعلهم، و ﴿أنهم﴾ مفعولة؛ وقال الفراهي: كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة، لأنه يروي عن العرب «لا جرم» - يعني بضم ثم سكون، والفعل - يعني هكذا، والفعل - يعني محركاً، يشتركان في المصادر كالرشد والرعد والبخل؛ والجرم: القطع، أي لا قطع من هذا كما أنه لا بد بمعنى لا قطع، فكثرت وجرت على ذلك حتى صارت بمعنى القسم، فلذلك يجاب بما يجاب به القسم، فيقال: لا جرم لآتينك، ولا جرم أنك قائم، فمن فتح فللنظر إلى أصل ﴿لا جرم﴾ كما نقول: لا بد أن نفعل كذا وأنك تفعل، أي من أن ومن أنك تفعل، ومن كسر فلمعنى القسم العارض في ﴿لا جرم﴾ - انتهى. فتفسيره لها بالقطع نظر منه إلى أن مادة «جرم» بخصوصها دائرة على القطع، والأصنع تفسيرها بالظن نظراً إلى ما تدور عليه المادة من حيث هي - بأي ترتيب كان - من جرم وجمر ورجم ورمج ومجر ومرج، وإنما جعلتها كذلك لأنهم قالوا جرم النخل: خرصها، وأجمر النخل أيضاً: خرصها، ورجم - إذا ظن، والمجر: العقل، ويلزم الظن اتقاد الذهن ومنه جمرة النار، والجرم - للأرض الشديدة الجر، ويلزم الظن أيضاً اجتماع الفكر، ومنه الجمرة للقلبية وكل ما شاكلها في الجمع، ومنه الجرم بالكسر وهو الجسد فإنه بالنظر إلى جميعه، والصوت أو جهارته فإنه يجمع فيه الحلق لقطعه، ويلزم الاجتماع أيضاً العظمة، ومنه أجرم - إذا عظم،

стр. 4331

والجمير كأمير: مجتمع القوم، ومن الجمع الرياء والعقل، فينشأ منه الصفاء، ومنه ﴿مارج من نار﴾ أي لا دخان فيه، ومنه أجرم لونه: صفا، ومن الاجتماع المجر - بالتحريك، وهو أن يملأ بطنه من الماء ولم يرو، والكسب، جرم لأهله - إذا كسب، ومنه الذنب فإنه كسب خاص، ويمكن أن يكون من القطع لأنه يقطع صاحبه عن الخير، ويلزم الاجتماع أيضاً الاستتار ومنه أجمرت الليلة - استتر فيها الهلال، والمجر لما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، أو يجعل هذا مما يلزم نفس الظن من الخفاء، ومن الاجتماع الضمور، أجمر الخيل: أضمرها، وشاة مجمرة: مهزولة، ويلزم الاجتماع الصلابة والتمام، ومنه حول مجرم كمعظم: تام، فينشأ الافتراق، ومنه تجرم الليل: ذهب، وابنا جمير كأمير: الليل والنهار، أو يكون ذلك من لوازم القطع كما يأتي؛ ومن الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم، ويلزم الظن الفصل بين الأشياء، ومنه جرام النخل لصرامها؛ والجمرة: الحصاة، فيلزم مطلق الرمي فينشأ الرمي بالجمار، وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم، وهو يرجع أيضاً إلى نفس القطع، فإنه قطع النفس عما كانت عليه، ويلزم الفصل القذف والعيب؛ والرماج كسحاب: كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض، والرمج بالفتح وهو إلقاء الطير ذرقه، ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي المبالغة في الكلام والعزيمة، ومنه المرجام للماد

стр. 4332

عنقه في السير من الإبل، وأجمر: أسرع في السير، وقد يلزم الظن الحيرة، ومنه حديث مرجم كمعظم: لا يوقف على حقيقته، فيلزم حينئذٍ الذنب والفساد والقلق والاضطراب، ومنه أمرج العهد: لم يف به، أي جعله مارجاً مزلزلاً، وعلى الاضطراب تدور مادة «مرج» بخصوص هذا الترتيب، أو الترميج: إفساد سطور بعد كتبتها، ويلزم الظن الاختلاط، ومنه الجرم للون لأنه لا يخلو عن شوب، وأجرم الدم به: لصق، والإجرام: متاع الراعي، أو هي من الكسب، والجرام كرمان: السمك؛ والمرج: موضع الرعي، وقد علم من هذا أن جميع تصاريف المادة تدور على الاضطراب وهو بين في غير العقل، وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون اضطراب الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر انفتح له ما كان مغلقاً فيعدل إليه، فإذا ظهر هذا ظهر أن معنى «لا جرم» أنهم لا ظن ولا اضطراب في أنهم، ويكون نفي الظن في مثل هذا السياق نفياً لجميع ما يقابله إلاّ العلم الذي هو بمعنى القطع كما إذا قيل: لا شك في كذا ولا ريب، فاتضح أن تفسيرهم لها ب «حقاً» تفسير معنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في مثل هذا السياق الظن ثبت اليقين والقطع، وإليه يرجع تفسير سيبويه لا حق لأنه يريد - والله أعلم - أن لا صلة، وموضوعها في الأصل النفي، فهي نافية لضد ما دخلت عليه، فكأنه

стр. 4333

قيل: حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده، فهذا وجه كونها صلة مؤكدة، وقريب من ذلك ما قيل في «إنما» نحو إنما زيد قائم، أي أن زيداً قائم، ما هو إلاّ كذلك، فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد - والله الموفق.

стр. 4334

ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه، كان موضع أن يسأل عن حال المؤمنين فقال: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذه الحقيقة ﴿وعملوا الصالحات﴾ ولما كان الحاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة، وصف المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال: ﴿وأخبتوا﴾ أي خشعوا متوجهين منقطعين ﴿إلى ربهم﴾ أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة السمع والأبصار. ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿أصحاب الجنة﴾ ولما كانوا مختصين بها أول أو بالخلود من أول الأمر، أعاد الضمير فقال: ﴿هم فيها﴾ أي خاصة لا في غيرها ﴿خالدون﴾ . ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم، ضرب للكل مثلاً بقوله: ﴿مثل الفريقين﴾ أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف

стр. 4335

والنشر المرتب، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولاً ﴿كالأعمى﴾ أي العام العمى في بصره وبصيرته ﴿والأصم﴾ في سمعه كذلك، فهذا للكافرين ﴿والبصير﴾ بعينه وقلبه ﴿والسميع﴾ على أتم أحوالهما، وهذا للمؤمنين، وفي أفراد المثل طباق أيضاً ﴿هل يستويان﴾ أي الفريقان ﴿مثلاً﴾ أي من جهة المثل. ولما كان الجواب قطعاً لمن له أدنى تأمل: لا يستويان مثلاً فلا يستويان ممثولاً، حسن تسبب الإنكار عنه في قوله: ﴿أفلا تذكرون﴾ أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم، وذلك ما قدم في حق الكفار من قوله: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع﴾ الآية؛ والإخبات: الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرص المستوية الواسعة، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي إخباتاً ينتهي إلى ربهم من غير أن يحجب عنه؛ والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول، والأمثال لا تغير عن صورتها. ولما تم ذلك على أوضح المسالك، وختم بالحث على التذكر، وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركاً لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل، عطف - مقروناً بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله: ﴿ألا تعبدوا

стр. 4336

إلا الله﴾ أو على قوله: ﴿إنما أنت نذير﴾ وهو أحسن وأقرب - قوله: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿نوحاً إلى قومه﴾ أي الذين هم على لسانه؛ وما بعد ذلك من القصص تقريراً لمضمون هذا المثل وتثبيتاً وتسلية وتأييداً وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصاً على إيمان أحد وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ وقوله: ﴿وضائق به صدرك﴾ ويأتي في قوله: ﴿وكُلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ فوضح أن هذه القصص لهذا المعنى سيقت، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعاً وأمكن أمراً وأقوى عناداً وأعظم فساداً وأحدّ شوكة وما اتفق في ديارهم من الطامات والأهوال المفظعات تحذيراً من مثل حالهم بارتكاب أفعالهم، ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم منه الشيء، ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم يطوله في غيرها، وصدرت بقوله: ﴿إني﴾ أي قائلاً على قراءة الجمهور بالكسر، والتقدير عند ابن كثير وأبي عمرو والكسائي: ملتبساً بأني ﴿لكم﴾ أي خاصة ﴿نذير مبين﴾ أي مخوف بليغ التحذير، أبين ما أرسلت به غاية البيان، وذكر فيها أنه طالت مجادلته لهم وأنه لما أوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه وفي كل ما يشبهه، وخللت

стр. 4337

قصته بقوله: ﴿أم يقولون افتراه﴾ خطاباً لهذا النبي الكريم وختمت بقوله: ﴿فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ وذكرت قصة إبراهيم ﵇ لما ضمنته من أنه بشر الولد بما لم يجر بمثله عادة فلم يتردد فيه، وأنه جادل الرسل في قوم ابن أخيه لوط، وأنه لما تحقق حتم الأمر وبت الحكم سلم لربه مع كونه حليماً أواهاً منيباً إلى غير ذلك مما يؤمىء إليه سياق القصص، فكأنه قيل: إنما أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من الإنذار وإن شق عليهم وعزتنا لقد أرسلنا من قبلك رسلاً منذرين فدعوا إلى ما أمرت بالدعوة إليه وأنذروهم ما يشق عليهم من بأسنا امتثالاً لأمرنا وما تركوا شيئاً منه خوفاً من إعراض ولا رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما قالت لك أمتك كما يشير إليه قوله تعالى عن نوح: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ - الآية، وقد كان في المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه والعزيز عليهم أمره من ابن وصاحبة وغيرهما، هذا مع أن قصصهم دليل على قوله تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم﴾ وزجر لهم عن مثل قولهم: ﴿ما يحبسه﴾ وتأييد لقوله: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة﴾ - وغير ذلك مما تقدم، فقد علم من هذا الوجهُ في تكرير هذه القصص، وأنه في كل سورة لمقصد يخالف المقصد في غيرها وإن كان يستفاد

стр. 4338

من ذلك فوائد أخر: منها إظهار القدرة في بيان الإعجاز بتصريف المعنى في الوجوه المختلفة لما في ذلك من علو الطبقة في البلاغة لأنه ربما قال متعنت عند التحدي: قد استوفى اللفظ البليغ على الأسلوب الأكمل البديع في هذه القصص فلم تبق لنا ألفاظ نعبر بها عن هذه المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة؛ فأتى بها ثانياً إظهاراً لعجزه وقطعاً لحجته، وربما كررت ثالثاً ورابعاً توكيداً لذلك وتمكيناً للاعتبار بضروب البيان وتصبيراً للنبي ﷺ على أذى قومه حالاً فحالاً، فإن قيل: فما بالها تأتي تارة في غاية البسط وتارة في غاية الإيجاز وتارة على الوسط؟ قيل: هذا من أعلى درجات البلاغة وأجل مراتب الفصاحة والبراعة، فإن قبل: فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور غاية البسط ثم توجز في غيرها غاية الإيجاز ويؤتي فيها ما لم يؤت في المبسوطة كما في العنكبوت فإنه عين فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم لا استوعبت جميع المعاني في الموضع المبسوط كما هو الأليق بمقام البسط لا سيما لمن لا يخفى عليه شيء ولا ينسى، وإذا وقع حذف كان في الموجزة، قيل: قال شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن حجر: إن الإمام أبا حاتم بن حبان البستي ذكر في كتابه التقاسيم والأنواع: إنما لم يرتبه ليحفظ إذ لو رتبه ترتيباً سهلاً لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه فلا يتحفظه، وإذا وعر طريق الكشف

стр. 4339

كان أدعى إلى حفظه ليكون على ذكر من جميعه، وذكر أنه فعل ذلك اقتداء بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير مرتبة، قال شيخنا: ومن هنا يظهر أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس في المبسوط الحث على حفظ الجميع - انتهى. وهذه فوائد ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن، والعمدة في المناسبة الوجه الأول وهو أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة، ثم يراعي في البسط وغيره المعاني المناسبة للمقصد الذي سيقت له القصة - والله الموفق. واللام في «لقد» للقسم: قال الإمام أبو الحسن على بن عيسى الرماني: لأنها تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه. ولام الابتداء للاسم خاصة، ومعنى (قد) توقع الخبر للتقريب من الحال، يقال: قد ركب الأمير - لقوم يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى ﴿ولقد أرسلنا﴾ والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما يمكن إدراكه. وأصله القطع، فالإبانة قطع المعنى من غيره ليظهر في نفسه - انتهى. والمقصود من الرسالة قوله سبحانه: ﴿أن﴾ أي نذير لأجل أن ﴿لا تعبدوا﴾ أي شيئاً أصلاً ﴿إلا الله﴾ أي الملك الأعظم - ومعنى النذارة قوله: ﴿إني أخاف عليكم﴾ وعظم العذاب المحذر منه بقوله: ﴿عذاب يوم أليم*﴾ وإذا كان اليوم مؤلماً فما الظن بما فيه من العذاب! فهو إسناد مجازي مثل نهاره صائم، ولم يذكر بشارة

стр. 4340

كما تقدم عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إنني لكم منه نذير وبشير﴾ [هود: ٢] إرشاداً إلى ما سيقت له القصة من تقرير معنى ﴿إنما أنت نذير﴾ [هود: ١٢] ولذلك صرح بالألم بخلاف الأعراف، وكذا ما أمر به النبي ﷺ أول هذه من عذاب يوم كبير، وهما متقاربان؛ ثم ساق سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله: ﴿فقال﴾ أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال؛ ولما كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال: ﴿الملأ﴾ وبين أن الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله: ﴿الذين كفروا﴾ وبين أنهم اقارب أعزة بقوله: ﴿من قومه﴾ أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به ﴿ما نراك﴾ أي شيئاً من الأشياء ﴿إلا بشراً﴾ اي آدمياً ﴿مثلنا﴾ أي في مطلق البشرية، لست بملك تصلح لما لا تصلح له من الرسالة، وهذا قول البراهمة، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشراً ويجعل الإله حجراً. ولما كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالوا: ﴿وما نراك﴾ ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا: ﴿اتبعك﴾ أي

стр. 4341

تكلف اتباعك ﴿إلا الذين هم﴾ أي خاصة ﴿أراذلنا﴾ أي كالحائك ونحوه، وليس منا رذل غيرهم، وهو جمع أرذل كأكلب جمع رذل ككلب، والرذل: الخسيس الدنيء، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر؛ قالوا: و ﴿اتبعك﴾ عامل في قوله: ﴿بادي الرأي﴾ وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين: رذالتهم في أنفسهم، وأنهم لم يفكروا فيه، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة، فالأحسن إسناده - كما قالوه أيضاً - إلى أراذل. أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط، ويجوز أن يكون المراد «بادي رأيك» أي أنك تظن أنهم اتبعوك، ولم يتبعوك. ولما كانوا لا يعظون إلا بالتوسع في الدنيا، قالوا: ﴿وما نرى لكم﴾ أي لك ولمن تبعك ﴿علينا﴾ وأغرقوا في النفي بقولهم: ﴿من فضل﴾ أي شرف ولا مال، وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقاً بعظمة متبعه في الدنيا، وعلى كونه باطلاً بحقارته فيها، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون: لو صح كون النبوة في البشر لكانت في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض، وعمل ﴿اتبعك﴾ في ﴿بادي﴾ يمنعه تمادي

стр. 4342

الاتباع على الإيمان، فانتفى الطعن بعدم التأمل ﴿بل نظنكم كاذبين*﴾ أي لكم هذا الوصف لازماً دائماً لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه؛ فكان داؤهم بطر الحق وغمط الناس، وهو احتقارهم، وهذا قد سرى إلى أكثر أهل الإسلام، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه! وهذا افظع مما حكى هنا من قوله قريش ﴿لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ وأبشع؛ والبشر: الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش؛ والمثل: الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده؛ والرذل: الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه؛ والفضل: الزيادة من الخير، والإفضال: مضاعفة الخير التي توجب الشكر.

стр. 4343

ولما كان ختام جوابهم أشده، بدأ في جوابه برده مبيناً لضلالاتهم مغضياً عن شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم، فقال تعالى

стр. 4344

حكاية عنه: ﴿قال يا قوم﴾ وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيراً لهم أنه منهم لتعطفهم الأرحام وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من الكلام، وأشار بأداة البعد - مع قربهم - إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية القرب ﴿أرأيتم﴾ أي أخبروني ﴿إن كنت﴾ على سبيل الفرض منكم والتقدير ﴿على بينة﴾ أي برهان ساطع، وزاد ترغيباً فيه بقوله: ﴿من ربي﴾ أي الذي أوجدني وأحسن إليّ بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها عند المنصف شبهة فكيف بالظن! ﴿وآتاني﴾ فضلاً منه عليّ لا لمعنى فيّ أزيد عليكم به، بل ﴿رحمة﴾ أي إكراماً بالرسالة بعد النبوة، وعظمها بقوله: ﴿من عنده﴾ فيها فضل عظيم النور واضح الظهور. ولما كانت البينة من الرحمة، وحد الضمير فقال: ﴿فعميت﴾ أي فتسبب عن تخصيصي بها أن أظلمت، ووقع ظلامها ﴿عليكم﴾ أي فعميتم انتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها، وذلك أن الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على التابع بالحيرة والضلال، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالبناء للمفعول مشددة ﴿أنلزمكموها﴾ وقوله: ﴿وأنتم لها كارهون﴾ مع تسميته لها بينة - إشاره إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها، وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه، والتعبير عن ذلك بالجملة الاسمية

стр. 4345

واسم الفاعل إشارة إلى أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة، وكأنه لم يكن مأموراً بالقتال كما كان نبينا ﷺ في أول الأمر، والآية ناظرة إلى قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ [يونس: ٩٩] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن الجهاد وغيره فإن الأنبياء ﵈ مأمرون بالمجادلة للمعاندين إلى أن يلزموهم الحجة، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار والكراهة في الباطن، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين، وبالموعظة والخطابة للمنافقين الذي لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي، فيكون المعنى أن البينة لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم، فلم يبق إلا الموعظة وهي لا تفيد إلا مع حسن الظن، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح، فلا فائدة في المجادلة إلا الإلزام، وهو مع الكراهة غير نافع لكم. ولما كان نفي ذلك عاماً للفضل الدنيوي، وكان الاتصاف بقلة ما في اليد إنما يكون ضاراً إذا كان صاحبه يسأل غيره، نفى عنه هذا اللازم العائب فقال مجيباً عن نفيهم الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ثواباً دنيوياً: ﴿ويا قوم﴾ استعطافاً لهم ﴿لا أسئلكم﴾ أي في وقت من الأوقات ﴿عليه﴾ أي الإنذار كما يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم من ينذركم أمر من يريد بكم بعض ما تكرهون
следующие страницы →