← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ولما كان الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير المستتر، عطف عليه قوله: ﴿ومن﴾ أي وليستقم أيضاً من ﴿تاب﴾ عن الكفر مؤمناً ﴿معك﴾ على ما أمروا تاركين القلق من استبطائهم للنصرة كما روى البخاري وابو داود والنسائي عن خباب بن الأرت ﵁ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمر وجهه فقال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» ؛ وعن ابن عباس ﵄: ما نزلت على النبي ﷺ آية أشد ولا أشق من هذه الآية. والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة. ولما كانت وسطاً بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر، وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله، وكان الإفراط يورث إعجاباً، وربما

стр. 4482

أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال: ﴿ولا تطغوا﴾ أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطاً، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه، فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد، ويجوز أن يكون المعنى: ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة. ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحاً، فأفهم النهي عن التفريط، وهو النقص عن المأمور تلويحاً من باب الأولى، على ذلك مؤكداً تنزيلاً لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال: ﴿إنه بما تعملون﴾ قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار ﴿بصير*﴾ ومادة «طغى» واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو، فالغطاء: ما ستر به الشيء عالياً عليه، ولا يكون ساتراً لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده، وغطى الليل - إذا غشي، وكل شي ارتفع فهو غاط. وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير، والبحر: هاجت أمواجه،

стр. 4483

والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان، والغائط والغيط: المطمئن من الأرض، لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريّاً فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلك، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر.

стр. 4484

ولما نهي عن الإفراط في الدين، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه بسفول الهمم على وجه عام، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان، إشارة إلى ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان فقال: ﴿ولا تركنوا﴾ أي شيئاً من ركون، وقال: ﴿إلى الذين ظلموا﴾ أي وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى به والتشبه بهم والتزيّي بزيهم، وحاصل الآيتين: لا تظلموا بأنفسكم ولا تستحسنوا أفعال الظالمين، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير، وهو حسن من جهة المعنى لكني لن أره لغيره من أهل اللغة، وقال الرماني - وهو أقرب: الركون: السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه، ونقيضه النفور عنه. وهو على التفسير الثاني في ﴿تطغوا﴾ من عطف الخاص على العام، والآية ملتفتة إلى قوله تعالى ﴿فلعلك تارك

стр. 4485

بعض ما يُوحى إليك﴾ ﴿فتمسكم النار﴾ أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسُّها لكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم؛ ومن إجلال النبي ﷺ إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره، قال تعالى: ﴿وما لكم﴾ ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه، أدخل الجار تبعيضاً فقال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك لأعظم، وأعرق في النفي فقال: ﴿من أولياء﴾ أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن ﴿دون﴾ من الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل؛ والولي: المختص بأن من شأنه تولي المعونة عند الحاجة، وأشار إلى أن نصر مَنْ لا ناصر له من الله محال بأداة البعد وبناء للمفعول فقال: ﴿ثم لا تنصرون*﴾ أي ثم إذاً فإنكم هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة! ولما كان العلم حاصلاً بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز والتقصير، أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن من الصغائر وأعمه وأجلبه للاستقامة، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل العبادات، فقال تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾

стр. 4486

أي اعملها على استواء ﴿طرفي النهار﴾ بالصبح والعصر كما كان مفروضاً بمكة في أول الأمر قبل الإسراء، ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني ﴿وزُلفاً﴾ أي طوائف ودرجات وأوقات، جمع زلفة ﴿من الَّيل﴾ يمكن أن يكون المراد به التهجد، فقد كان مفروضاً في أول الإسلام، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر أو التهجد؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الحسنات﴾ أي الطاعات كلها الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان ﴿يذهبن السيئات﴾ أي الصغائر، وأما الكبائر التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب ﵇ عند قوله ﴿ثم توبوا إليه﴾ أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من الإشعار بالتهاون بالدين، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله ﴿إن تجتنبوا﴾ [النساء: ٣٠] ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود ﵁ «أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك فأنزل الله عليه ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ - الآية، قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي» وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس ﵄: إن هذه الآية من هذه السورة المكية المدنية. ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى، قال تعالى

стр. 4487

مادحاً له ليعرف مقداره فيلزم: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء ﴿ذكرى﴾ أي ذكر عظيم ﴿للذاكرين*﴾ أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور القلب وصفاء الفكر ونفوذ الفهم. ولما كان الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة، أتبع ذلك قوله: ﴿واصبر﴾ أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به مهما كان ولا تخفهم، فإن العاقبة لك إذا فعلت؛ ولما كان المقام الصبر صعباً والاستقامة على المحمود منه خاصة خطراً، وكانت النفس - لما لها من الجزع في كثير من الأحوال - كالمنكرة، أكدَّ قوله: ﴿فإن﴾ الصبر هو الإحسان كل الإحسان وإن ﴿الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿لا يضيع﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿أجر المحسنين*﴾ أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، فلذلك يهون عليهم الصبر، ولذلك لأن الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر، وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه، فالدين كله صبر «حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات» ولذا فضل ثواب الصابر ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] والصبر المحمود: حبس النفس عن

стр. 4488

الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق، ونقيضه الجزع، قال الشاعر: إن تصبر فالصبر خير مغبةً ... وإن تجزعا فالأمر ما تريان وهو من الصبر الذي هو المر المعروف لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى مع الزاجر المعتبر من الشرع والعقل، فهو أكره شيء إلى النفس، والمعين عليه ما في استشعار لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة والعلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له، وقد غلب إطلاقه على الحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه - قاله الرماني. ولما كان ما تقدم كله مشيراً إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة، وكل ذلك فطماً عن طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من الإنذار، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة، كان ذلك ربما أوجب أن يقال: لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما رجعوا عن كثير مما هم فيه، فدعاهم ذلك إلى الرشاد، فتسبب عنه أن يقال دفعاً له: ﴿فلولا كان﴾ ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة

стр. 4489

بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن النمكر، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال: ما الموجب لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى: ﴿فلولا﴾ بصيغة تحتمل التخصيص، وفيها معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل حالهم ﴿من القرون﴾ أي المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما. ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها، وكانت أزمنتهم بعض الزمان الماضي، أتى بالجار فقال: ﴿من قبلكم أولوا﴾ أي أصحاب ﴿بقية﴾ أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم، لأن مادة «بقي» تدور على الجمع، ويلزمه القوة والثبات والحفظ، من قولهم: ابقه بقوتك مالك - وزن ادعه - أي احفظه حفظك مالك، ويلزمه النظر والمراقبة: بقيت الشيء - إذا نظرت إليه ورصدته، ويلزمه الثبات: بقي بقاء - إذا دام، والخير والجودة؛ قال الزمخشري: لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، ويقال: فلان من بقية قوم، أي

стр. 4490

من خيارهم، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى ﴿وجعلنا بينهم موبقاً﴾ إن شاء الله تعالى ﴿ينهون﴾ أي يجددون النهي في كل حين إشارة إلى كثرة المفسدين ﴿عن الفساد﴾ الكائن ﴿في الأرض﴾ و «لولا» هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال الزمخشري، ويكون للسامع لا للمهلك، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى ﴿إنما أنت نذير﴾ . ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي، كان المعنى: لم يكن من يفعل ذلك، فاتصل الاستثناء في قوله: ﴿إلا قليلاً﴾ أي صالحين ﴿ممن أنجينا منهم﴾ والظاهر أن «من» بيانية، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد، عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى ﴿واتبع﴾ الأكثر وهم ﴿الذين ظلموا﴾

стр. 4491

أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب ﴿منهم﴾ ﴿ما﴾ ولما كان المبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: ﴿أُترفوا فيه﴾ فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا ﴿وكانوا مجرمين*﴾ أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام، وهو قطع حبل الله على الدوام، فأهلكهم ربك لإجرامهم، ولولا ذلك لما فعل، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلماً على ما يتعارفون. ولما لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر، قرره وأكده وبينه بقوله: ﴿وما كان ربك﴾ ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان تثبيتاً له وتأميناً ﴿ليهلك القرى﴾ أي إهلاكاً عاماً ﴿بظلم﴾ أي أيّ ظلم كان، صغير أو كبير ﴿وأهلها مصلحون*﴾ أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال إصلاحهم الذي هم عريقون فيه، فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف العباد مع العلم بأن له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل؛ والإهلاك: إيجاب ما يبطل الإحساس، والهلاك: ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا يدري أين هو؛ والإصلاح: إيجاب ما يستقيم به الأمر على ما يدعو إليه العقل.

стр. 4492

ولما كان مثل هذه الآيات ربما أوهم أن إيمان مثل هؤلاء مما لا يدخل تحت المشيئة، نفى ذلك الوهم مبيناً انفكاك المشيئة عن الأمر بقوله: ﴿ولو شاء ربك﴾ أي المحسن إليك بكل إحسان يزيدك رفعة ﴿لجعل الناس﴾ أي كلهم ﴿أمة واحدة﴾ على الإصلاح، فهو قادر على أن يجعلهم كلهم مصلحين متفقين على الإيمان فلا يهلكهم، ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء اختلافهم والأمر تابع لمشيئته فاختلفوا ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ أي ثابتاً اختلافهم لكونهم على أديان شتى ﴿إلا من رحم ربك﴾ أي المحسن إليك بالتأليف بينهم في جعلهم من أهل طاعتك فإنهم لا يختلفون في أصول الحق. ولما كان ما تقدم ربما أوجب أن يقال: لمَ لم يُقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم عن موجبات الردى إذا كان قادراً؟ قال تعالى مجيباً عن ذلك: ﴿ولذلك﴾ أي الاختلاف ﴿خلقهم﴾ أي اخترعهم وأوجدهم من العدم وقدرهم، وذلك أنه لما طبعهم سبحانه على خلائق من الخير والشر تقتضي الاختلاف لتفاوتهم فيها، جعلوا كأنهم خُلقوا له فجروا مع القضاء والقدر، ولم يمكنهم الجري على ما تدعو إليه العقول في أن الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة، فاستحق فريق منهم النار وفريق جنة، وليس ذلك مخالفاً لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]

стр. 4493

بل هو من شكله، أي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ومنحهم العقول مع نصب الأدلة، كان ذلك مهيئاً للعبادة فكانوا كأنهم ما خلقوا إلا لها أي ما خلقتهم إلا ليعرفون بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم فيعبدون، أي يخضعوا لي فمن كان منهم طائعاً فهو عابد حقيقة، ومن كان عاصياً كان عابداً مجازاً، أي خاضعاً للأمر لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال تعالى ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ [الرعد: ١٥] ، فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي خلقهم للاختلاف، لأن جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسجود لغة، وذلك أن مادتي عبد وسجد تدوران على الخضوع والذل والانقياد، وبذلك كان الكل عبيد الله، أو الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ويظهر عدله فيمن خذلهم. ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي أرسل رسله بالقتال عليه، كان ربما ظن أنه بغير مشيئته، فبين أنه إنما هو بمراده ولا اعتراض عليه فقال: ﴿وتمت﴾ أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم معرضين عن أوامره ولم تغن عنهم عقولهم، وتمت حينئذ ﴿كلمة ربك﴾ أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي سبقت في الأزل وهي وعزتي ﴿لأملأن جهنم﴾

стр. 4494

أي التي تلقى المعذب فيها بالتجهم والعبوسة ﴿من الجنة﴾ أي قبيل الجن، قدمهم لأنهم أصل في الشر، ثم عم فقال: ﴿والناس أجمعين*﴾ فمشوا على ما أراد ولم يمكنهم مع عقولهم الجيدة الاستعدد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد، فمن قال: إنه يخلق فعله أو له قدرة على شيء فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ثم يفعله ليتم قوله. وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه إليه بقالبه وقلبه. ولما أخبر سبحانه بما فعل بالقرى الظالمة، وحذر كل من فعل أفعالهم بسطواته في الدنيا والآخرة، وأمر باتباع أمره والاعراض عن اختلافهم الذي حكم به وأراده، عطف على قوله ﴿نقصه عليك﴾ قوله: ﴿وكلاًّ نقص﴾ أي ونقص ﴿عليك﴾ كل نبأ أي خبر عظيم جداً ﴿من أنباء الرسل﴾ مع أممهم: صالحيهم وفاسديهم، فعم تفخيماً للأمر، ولما كان الذي جرّ هذه القصص ما مضى من قوله: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك﴾ ، وكان ساكن الصدر القلب، وهو الفؤاد الذي به قوام الإنسان بل الحيوان، وهو أحرّ ما فيه، ولذا عبر عنه بما اشتق من الفأد وهو

стр. 4495

الحرق، وكان من لازم الحرارة الاضطراب والتقلب الذي اشتق منه القلب فيضيق به الصدر، أبدل من ﴿كلاًّ﴾ قوله: ﴿ما نثبت﴾ أي تثبيتاً عظيماً ﴿به فؤادك﴾ أي فيسكن في موضعه ويطمئن أو يزداد يقينه فلا يضيق الصدر من قولهم ﴿لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ ونحوه، وبهذا تبين أن المراد بذلك العام خاص لحصوله المقصود له، وهو التسلية نظراً إلى قوله تعالى ﴿وضائق به صدرك﴾ لأن المشاركة في الأمور الصعبة تهون على الإنسان ما يلقى من الأذى، والإعلام بعقوبات المكذبين فيها تأنيس للمكروب؛ والتثبيت: تمكين إقامة الشيء؛ والفؤاد: العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب الحال فيه، من المفتأد وهو المستوي. ولما بين أن كل ما قص عليه من أخبارهم يستلزم هذا المقصود، بين أنه ليس كما يعلل به غالباً من الأخبار الفارغة والأحاديث المزخرفة الباطلة ولا مما ينقله المؤرخون مشوباً بالتحريف فقال: ﴿وجاءك في هذه﴾ أي الأخبار ﴿الحق﴾ أي الكامل في الثبات الذي لا مرية فيه، وفائدة الظرف التأكيد لعظم المقصود من آية ﴿فلعلك﴾ وصعوبته. ولما كان الحق حقاً بالنسبة إلى كل أحد عرفه ونكر ما هو خاص بقوم دون قوم فقال: ﴿وموعظة﴾ أي مرقق للقلوب ﴿وذكرى﴾ أي تذكير عظيم جداً ﴿للمؤمنين*﴾ أي الراسخين في الإيمان، وقد

стр. 4496

تضمنت الآية الاعتبار من قصص الرسل بما فيها من حسن صبرهم على أممهم واجتهادهم على دعائهم إلى عبادة الله بالحق وتذكير الخير والشر وما يدعو إليه كل منهما من عاقبة النفع والضر للثبات على ذلك جميعه اقتداء بهم. ولما ذكر نفع هذا الحق، كان كأنه قيل: فعظهم بذلك وذكرهم به، فعطف عليه قوله: ﴿وقل﴾ ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله ﴿واصبر﴾ أي اصبر على ما أمرناك به من تبليغ وحينا وامتثاله، وقل ﴿للذين﴾ أي لم تؤثر فيهم هذه الموعظة فهم ﴿لا يؤمنون﴾ أي لا يتجدد لهم إيمان منذراً لهم ﴿اعملوا﴾ متمكنين ﴿على مكانتكم﴾ أي طريقتكم التي تتمكنون من العمل عليها. ولما كان العمل واجباً عليه ﷺ وعلى كل من تبعه فهم عاملون لا محالة سواء عمل الكفار أو لا، قال مؤكداً لأجل إنكار الكفار أن يدوموا على العمل المخالف لهم مع ما يصل إليهم لأجله من الضر، معرياً له عن فاء السبب لذلك والاستئناف: ﴿إنا﴾ أي أنا ومن معي ﴿عاملون*﴾ أي ثابت عملنا لا نحول عنه لأن ما كان لله فهو دائم بدوامه سبحانه، وحذف النون

стр. 4497

الثانية اكتفاء بمطلق التأكيد لأنه كافٍ في الإعلام بالجزم في النية، وفيه تأدب بالإشارة إلى أن المستقبل أمر لا اطلاع عليه لغير الله فينبغي أن لا يبلغ في التأكيد فيه غيره، وهذا بخلاف ما في سورة فصلت مما هو جارٍ على ألسنة الكفرة ﴿وانتظروا﴾ أي ما أنتم منتظرون له من قهرنا ﴿إنا منتظرون*﴾ أي ما وعدنا الله في أمركم، فإن الله مهلكهم ومنجيك لأنه عالم بغيب حالك وحالهم وقادر عليكم؛ والانتظار: طلب الإدراك لما يأتي من الأمر الذي يقدر النظر إليه؛ والتوقع: طلب ما يقدر أنه يقع، وهما يكونان في الخير والشر ومع العلم والشك، والترجي لا يكون إلا مع الخير والشك.

стр. 4498

ولما تضمن هذا التهديد العلم والقدرة، قال عاطفاً على ما تقديره: فلله كل ما شوهد من أمرنا وأمركم وأمر عالم الغيب والشهادة كله ما كان من ابتداء أمورنا ﴿ولله﴾ أي المحيط وحده بكل شيء مع ذلك ﴿غيب السماوات والأرض﴾ أي جميع ما غاب علمه عن العباد فهو تام العلم، ومنه ما ينهى عنه وإن ظن الجهلة أنه خارج عن قدرته لما أظهر من الزجر عنه ومن كراهيته. ولما كان السياق هنا لأنه سبحانه خلق الخلق ذواتهم ومعانيهم للاختلاف، وكان تهديدهم على المعاصي ربما أوهم أنه بغير إرادته، فكان ربما قال جاهل: أنا بريء من المخالفين لأوليائه كثيراً جداً، وعادة الخلق أن من خالفهم خارج عن أمرهم، كان الجواب على تقدير التسليم لهذا الأمر

стр. 4499

الظاهر: فله كان الأمر كله ظاهراً وباطناً ﴿وإليه﴾ أي وحده ﴿يرجع﴾ بعد أن كان ظهر للجاهل أن خرج عنه؛ والرجوع: ذهاب الشيء إلى حيث ابتدأ منه ﴿الأمر كله﴾ في الحال على لبس وخفاء، وفي المال على ظهور واتضاح وجلاء، فهو شامل القدرة كما هو شامل العلم، فلا بد من أن يرجع إليه أمرك وأمر أعدائك، أي يعمل فيه عمل من يرجع إليه الأمر فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذلك سبب عن إسناد الأمور كلها إليه قوله: ﴿فاعبده﴾ أي وحده عبادة لا شوب فيها ﴿وتوكل﴾ معتمداً في أمورك كلها ﴿عليه﴾ فإنه القوي المتين، وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد. ولما كانت العادة جارية بأن العالم قد يغفل، نزه عن ذلك سبحانه نفسه فقال مرغباً مرهباً: ﴿وما ربك﴾ أي المحسن إليك بما يعمله بإحاطة عمله إحساناً، وأغرق في النفي فقال: ﴿بغافل عما تعملون*﴾ ولا تهديد أبلغ من العلم، وهذا بعينه مضمون قوله تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير الا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير﴾ [هود ١ - ٢] .

стр. 4500

سورة يوسف مقصودها وصف الكتاب بالإبانة لكل ما يوجب الهدى لما ثبتفيما مضى ويأتي في هذه السورة من تمام علم منزله غيبا وشهادة وشمول قدرته قولا وفعلا، وهذه القصة - كما ترى - أنسب الأشياء لهذا المقصود، فلذلك سميت سورة يوسف - والله أعلم.

стр. 4501

﴿بسم الله﴾ الذي وسع كل شيء قدرة وعلماً ﴿الرحمن﴾ الذي لم يدع لبساً لعموم رحمته في طريق الهدى ﴿الرحيم *﴾ الذي خص حزبه بالإبعاد عن موطىء الردى. لما خلل سبحانه تلك مما خللها به من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن من عنده وبإذنه نزل، وأنه لا يؤمن إلاّ من شاء إيمانه، وأنه مهما شاءه كان، وبيّن عظيم قدرته على مثل ما عذب به الأمم

стр. 4502

وعلى التأليف بين من أراد وإيقاع الخلاف بين من شاء، وأشار إلى أنه حكم بالنصرة لعابديه فلا بد أن يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله، تلاها بهذه السورة لبيان هذه الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي لقي فيها يوسف علية الصلاة والسلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ومن الغربة وشتات الشمل، ثم كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع به من الصبر على شديد البلاء والتفويض لأمر الله جلَّ وعلا تسلية لهذا النبي الأمين وتأسية بمن مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه الكافرين وبعد وفاته ممن دخل منهم في الدين في آل بيته كما وقع ليوسف ﵇ من تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم، وقد وقع ليوسف ﵇ بالفعل ما همّ الكفار من أقارب النبي ﷺ بفعله به كما حكاه سبحانه في قوله ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ [الأنفال: ٣٠] فنجا منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلاّ ما كان من الحصر في شعب أبي طالب ومن الهجرة بأمر الحكيم العليم، ثم نصر الله يوسف ﵇ على إخوته الذين فعلوا به ذلك وملكه قيادهم، فكان في سوق قصته عقب الإخبار بأن المراد بهذه القصص تثبيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 4503

وتسلية فؤاده إشارة إلى البشارة بما وقع له ﷺ يوم الفتح من ملك قيادهم ورد عنادهم ومنّه عليهم وإحسانه إليهم، وفي إشارتها بشارة بأن المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى، ومن فوائد ذكرها التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح ألاّ من بادر منهم بالتوبة داعي الفلاح، وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صوناً للأكابر عن ذكر ما ربما أوجب اعتقاد نقص، أو توجيه طعن أو غمص، أو هون داء الحسد، عند ذي تهور ولدد، وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر القرآن ونفي التهمة عن هذا النبي العظيم. هذا مناسبة ما بين السورتين، وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما أخبر في آخر تلك بتمام علمه وشمول قدرته، دل على ذلك أهل السبق من الفصاحة والفوت في البلاغة في أول هذه بما فعل في

стр. 4504

كلامه من أنه تعالى يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول - على كرِّ الأزمان وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي - في معناه كل مذهب وتطير كل مطار مع توفر الدواعي واستجماع القوى، ولا تقف من ذلك على أمر محقق ولا مراد معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم بأوائل النظر أدنى معناه فهما يوثق بأنه مراد، ثم لا يزال يبرز منه من دقائق المعاني كلما كرر التأمل وتغلغل الفهم إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف مبانيه فقال تعالى: ﴿الر﴾ قال الروماني: لم تعد الفواصل لأنها لا تشاكل رؤوس الآيات لأنها على حرفين، فأجريت مجرى الأسماء الناقصة، وإنما يؤم بالفواصل التمام، وأما «طه» فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها - انتهى. وهذا قول من ذهب سهواً إلى أن السجع مقصود في القرآن، وهو قول مردود غير معتد به كما مضى القول فيه في آخر سورة براءة، فإنه لا فرق بين نسبته إلى أنه شعر وبين نسبته إلى أنه سجع، لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ادعاء أنه كهانة وذلك كفر لا شك فيه، وقد أطنبت فيه في كتابي مصاعد النظر، وبينت مذاهب

стр. 4505

العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات سواء - والله الهادي. ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم، وختمت بالحكمة المقصودة من قص أنباء الرسل، وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم به في قوله ﴿أم يقولون افتراه﴾ [سجدة: ٣] ودل على أنه أنزل بعلمه، ابتدئت هذه لإتمام تلك الدالة بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة، فعقب سبحانه هذه المشكلة التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إِشكالها عند التأمل واضحة بقوله مشيراً إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة: ﴿تلك﴾ أي الآيات العظيمة العالية ﴿آيات الكتاب﴾ أي الجامع لجميع المرادات. ولما تقدم أول سورتي يونس وهود وصفة بالحكمة والإحكام والتفصيل، وصف هنا بأخص من ذلك فقال تعالى: ﴿المبين*﴾ أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا يشتبه على العرب بوجه، والموضح لجميع ما حوى، وهو جميع المرادات لمن أمعن التدبر وأنعم التفكير، ولأنه من عند الله ﴿ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه﴾ [يوسف: ١١١] و ﴿موعظه وذكرى للمؤمنين﴾ [هود: ١٢٠] ؛ والبيان: إظهار المعنى للنفس بما يفصله

стр. 4506

عن غيره وهو غرض كل حكيم في كلامه، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد به، وأبان - لازم متعد؛ ثم علل المبين بقوله معبراً بالإنزال لأنه في سياق تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في الزخرف: ﴿إنا أنزلناه﴾ بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو بالقرآن كله ﴿قرآنا﴾ سمي بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض ﴿عربياً﴾ وعلل إنزاله كذلك بقوله: ﴿لعلكم تعقلون *﴾ أي لتكونوا على رجاء من أن تكونوا من ذوي العقل أو من أن تعقلوا ما يراد منكم؛ قال: أبو حيان و «لعل» ترجّ فيه معنى التعليل. وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة وأوسعها وأقوامها وأعدلها، لأن من المقرر أن القول - وإن خص بخطابه قوم - يكون عاماً لمن سواهم. ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده، قال مثبتاً ومعللاً بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول: ﴿نحن نقص عليك﴾ وعظم هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿أحسن القصص﴾ أي الاقتصاص

стр. 4507

أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضاً فنبينه أحسن البيان - لأنه من قص الأثر - تثبيتاً لفؤادك وتصديقاً لنبوتك وتأييداً على أحسن ترتيب وأحكم نظام وأكمل أسلوب وأوفى تحرير وأبدع طريقة مع ما نفصلها به من جواهر الحكم وبدائع المعاني من الأصول والفروع، وهي قصة يوسف ﵇ قصة طويلة هي في التوراة في نيف وعشرين ورقة لا يضبطها إلاّ حذاق أحبارهم، من تأمل اقتصاصها فيها أو في غيرها من تواريخهم ذاق معنى قوله تعالى ﴿أحسن القصص﴾ [يونس: ٣] حتى لقد أسلم قوم من اليهود لما رأوا من حسن اقتصاصها، روى البيهقي في أواخر الدلائل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن حبراً من اليهود دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم وكان قارئاً للتوراة فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف ﵇ كما أنزلت على موسى ﵇ في التوراة فقال له الحبر: يا محمد! من علمكها؟ قال: الله علمنيها، فرجع إلى اليهود فقال لهم: أتعلمون والله أن محمداً ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة! فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف، فتعجبوا منه وقالوا: يا محمد! من علمكها؟ فقال رسول الله ﷺ : علمنيها الله، فأسلم

стр. 4508

القوم عند ذلك» . وقد ضمنها سبحانه من النكت والعبر والحكم أمراً عظيماً، وذكر فيها حسن مجاورة يوسف ﵊ لإخوته وصبره على أذاهم وحلمه عنهم وإغضاءه عند لقائهم عن تبكيتهم وكرمه في العفو، والأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن والتوحيد والنبوة والإعجاز والتعبير والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش وجميع الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب، ولم يدخل فيها شيئاً من غيرها دون سائر القصص، وكان عقابها إلى خير وسلامة واجتماع شمل وعفو من الله وتجاوز عن الكل ﴿بما أوحينا﴾ أي بسبب إيحائنا ﴿إليك﴾ . ولما كان إنزال القرآن مجمع الخيرات، عين المراد بالإشارة واسم العلم فقال: ﴿هذا القرآن﴾ الذي قالوا فيه: إنه مفترى، فنحن نتابع فيه القصص بعد قصة بعد قصة والحكم حكمة في أثر حكمة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر في أنه من عندنا وبإذننا ويكون أمره في البعد من اللبس أظهر من الشمس. ولما كانوا مع معرفتهم به ﷺ عارفين بأنه كان

стр. 4509

مباعداً للعلم والعلماء، وكان فعلهم في التكذيب فعل من ينكر ذلك، قال: ﴿وإن﴾ أي وإن الشأن والحديث ﴿كنت﴾ ولما كان كونه لم يستغرق الزمان الماضي، أثبت الجار فقال: ﴿من قبله﴾ أي هذا الكتاب أو إيحائنا إليك به ﴿لمن الغافلين﴾ أي عن هذه القصة وغيرها، مؤكداً له بأنواع التأكيد، وهو ناظر إلى قوله آخرها ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾ بعد التفاته عن كثب إلى آخر التي قبلها ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ والحسن: معنى يتقبله العقل ويطرق إلى طلب المتصف به أنواع الحيل، ومادة، غفل، بكل ترتيب تدور على الستر والحجب، من الغلاف الذي يوضع فيه الشيء فلا ينظر منه شيئاً ولا ينظره شيء ما دام فيه، ومنه الغفلة - للجلدة التي التي على الكمرة، والغفل - بالضم: ما لا علاقة له من الأرض، ودابة غفل، لا سمة لها، لأن عدم العلامة مؤدٍ إلى الجهل بها فكأنها في غلاف لا ينظر منه، ومنه رجل غفل: لا حسب عنده، لأن ذلك أقرب إلى جهله، والتغفل: الختل، أي أخذ الشيء من غير أن يشعر، فقد ظهر أن مقصود السورة وصف الكتاب بعد الحكمة والتفصيل بالإبانة عن جميع المقاصد المنزل لها؛ وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ما قص

стр. 4510

عليه ﷺ من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ [هود: ١٢٠] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام - كما تقدم - وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم الصلاة والسلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب ﵊ بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف ﵊ بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن، ثم امتحن جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد ﴿مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا﴾ [يوسف: ٨٨] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف ﵊ من كيد كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوه، وكل ذلك مما أعقبه جميل صبره وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة، ثم انجرَّ في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة

стр. 4511

امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف ﵊ بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه - إلى ما انجرّ في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وما جرى في أممهم، فلهذا فصلت عنهم، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طيّ ذلك، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ [النور: ٥٥]- إلى قوله ﴿آمنا﴾ [النور: ٥٥] وكانت قصة يوسف ﵊ بجملتها أشبه شيء بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم ﴿اذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ [آل عمران: ١٠٣] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - والله أعلم، وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عند ما حد له، فلم يضره

стр. 4512

ما كان، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر، فأخرت إلى عقب سورة هود ﵊ لمجموع هذا - والله تعالى أعلم؛ ثم ناسبت سورة يوسف ﵊ أيضاً أن تذكر إثر قوله تعالى ﴿إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤] ، وقوله ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ [هود: ١١٥] وقول ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ -[هود: ١١٨] الآية، وقوله ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾ [هود: ١٢١] فتدبر ذلك، إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف ﵊ واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف ﵊ عليهم ﴿لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ [يوسف: ٩١] وعفوه عنهم ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾ [يوسف: ٩٢] وندم امرأة العزيز وقولها ﴿الآن حصحص الحق﴾ [يوسف: ٥١]- الآية، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال

стр. 4513

لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة؛ وأما نسبة السورة لقوله تعالى ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه ﵊ بالصبر على قومه، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى امتحان يوسف ﵊ بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف ﵊ فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال «» ولو لبثتُ في السجن ما لبث اخي يوسف لأجبت الداعي «فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما الصلاة والسلام ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ [هود: ١٢٠] . لما قيل له ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ [هود: ١١٥] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام من المحسنين ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب﴾ [الأنعام: ٨٤]- إلى قوله ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ [الأنعام: ٨٤] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له ﴿فاصبر

стр. 4514

كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥] ويوسف ﵊ من أولي العزم؛ ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام - في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب - أنسب شيء لحال نبينا ﵊ في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك، ويوضح ما ذكرنا ختم السورة بقوله تعالى ﴿حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاء نصرنا﴾ [يوسف: ١١٠] الآيه فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء الله فيه؛ وأما النسبة لقوله ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾ [هود: ١١٨] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولي الألباب؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة ﴿اعملوا على مكانتكم - وانتظروا﴾ [هود: ١٢١]

стр. 4515

فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، فقد وضح بفضل الله وجهُ ورود هذه السورة عقب سورة هود - والله أعلم. انتهى.

стр. 4516

ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف بالمبين أبدل من قوله «أحسن القصص» قوله: ﴿إذ﴾ أي نقص عليك خبر إذ، أي خبر يوسف إذ ﴿قال يوسف﴾ أي ابن يعقوب إسرائيل الله عليهما الصلاة والسلام ﴿لأبيه﴾ وبين أدبه بقوله - مشيراً بأداة البعد إلى أن أباه عالي المنزلة جداً، وإلى أن الكلام الآتي مما له وقع عظيم، فينبغي أن يهتم بسماعه والجواب عليه، وغير ذلك من أمره: ﴿يأبت﴾ تاءه للتأنيث لأنه يوقف عليها عند بعض القراء بالهاء، وكسرتها عند من كسر دالة على ياء الإضافة التي عوض عنها تاء التأنيث، واجتماع الكسرة معها كاجتماعها مع الياء، وفتحها عند من فتح عوض عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة. ولما كان صغيراً، وكان المنام عظيماً خطيراً، اقتضى المقام التأكيد فقال: ﴿إني رأيت﴾ أي في منامي، فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام،

стр. 4517

فرق بين حال النوم واليقظة في ذلك بألف التأنيث ﴿أحد عشر كوكباً﴾ أي نجماً كبيراً ظاهراً جداً مضيئاً براقاً، وفي عدم تكرار هذه القصة في القرآن رد على من قال: كررت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمكيناً لفصاحتها بترادف السياق، وفي تكرير قصصهم رد على من قال: إن هذه لم تكرر لئلا تفتر فصاحتها، فكأن عدم تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك - والله أعلم. ولما كان للنيرين اسمان يخصانهما هما في غاية الشهرة، قال معظماً لهما: ﴿والشمس والقمر﴾ ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها، فكان كأنه قيل: على أيّ حال؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر، فكان التعبير بها للإشارة إلى غرابة هذا الأمر، زاد في الإشارة إلى ذلك بإعادة الفعل، وألحقه ضمير العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر الرؤيا ومن فعل المرتى الذي لا يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل: ﴿رأيتهم لي﴾

стр. 4518

أي خاصة ﴿ساجدين *﴾ أجراهم مجرى العقلاء لفعل العقلاء. فكأنه قيل: ماذا قال له أبوه؟ فقيل: ﴿قال﴾ عالماً بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل عليه هذه الرؤيا إن سمعوها ﴿يابني﴾ فبين شفقته عليه، وأكد النهي بإظهار الإدغام فقال: ﴿لا تقصص رؤياك﴾ أي هذه ﴿على إخوتك﴾ ثم سبب عن النهي قوله: ﴿فيكيدوا﴾ أي فيوقعوا ﴿لك كيداً﴾ أي يخصك، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة، بل هي مما يندب إليه؛ قال الرماني: والرؤيا: تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار، وذلك أن العقل مغمور بالنوم، فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه؛ وقال الإمام الرازي في اللوامع: هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس، وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك، فإن للنفس الإنسانية حواسَّ ظاهرة ومشاعر باطنة، فإذا سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنة في إدراك الأمور الغائبة، فربما تدركها على الصورة التي هي عليها، فلا يحتاج إلى تعبير، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير، مثال الأول رؤيا النبي ﷺ أنه دخل المسجد الحرام،

стр. 4519

والثاني كرؤيا يوسف ﵊ هذه. وقال الرماني: والرؤيا الصادقة لها تأويل، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها - انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك، علله تقريباً له بقوله: ﴿إن الشيطان﴾ أي المحترق المبعد ﴿للإنسان﴾ أي عامة ولا سيما الأكابر منهم ﴿عدو مبين *﴾ أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها، وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل، فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح.

стр. 4520

ولما علم يعقوب ﵊ من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال: ﴿وكذلك﴾ أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، ومثل ما اجتباك لها ﴿يجتبيك﴾ أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور ﴿ربك﴾ المربي لك بالإحسان للملك والنبوة ﴿ويعلمك من﴾ أي بعض ﴿تأويل الاحاديث﴾ من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية،
следующие страницы →