← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف بالمبين أبدل من قوله «أحسن القصص» قوله: ﴿إذ﴾ أي نقص عليك خبر إذ، أي خبر يوسف إذ ﴿قال يوسف﴾ أي ابن يعقوب إسرائيل الله عليهما الصلاة والسلام ﴿لأبيه﴾ وبين أدبه بقوله - مشيراً بأداة البعد إلى أن أباه عالي المنزلة جداً، وإلى أن الكلام الآتي مما له وقع عظيم، فينبغي أن يهتم بسماعه والجواب عليه، وغير ذلك من أمره: ﴿يأبت﴾ تاءه للتأنيث لأنه يوقف عليها عند بعض القراء بالهاء، وكسرتها عند من كسر دالة على ياء الإضافة التي عوض عنها تاء التأنيث، واجتماع الكسرة معها كاجتماعها مع الياء، وفتحها عند من فتح عوض عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة. ولما كان صغيراً، وكان المنام عظيماً خطيراً، اقتضى المقام التأكيد فقال: ﴿إني رأيت﴾ أي في منامي، فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام،

стр. 4517

فرق بين حال النوم واليقظة في ذلك بألف التأنيث ﴿أحد عشر كوكباً﴾ أي نجماً كبيراً ظاهراً جداً مضيئاً براقاً، وفي عدم تكرار هذه القصة في القرآن رد على من قال: كررت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمكيناً لفصاحتها بترادف السياق، وفي تكرير قصصهم رد على من قال: إن هذه لم تكرر لئلا تفتر فصاحتها، فكأن عدم تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك - والله أعلم. ولما كان للنيرين اسمان يخصانهما هما في غاية الشهرة، قال معظماً لهما: ﴿والشمس والقمر﴾ ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها، فكان كأنه قيل: على أيّ حال؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر، فكان التعبير بها للإشارة إلى غرابة هذا الأمر، زاد في الإشارة إلى ذلك بإعادة الفعل، وألحقه ضمير العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر الرؤيا ومن فعل المرتى الذي لا يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل: ﴿رأيتهم لي﴾

стр. 4518

أي خاصة ﴿ساجدين *﴾ أجراهم مجرى العقلاء لفعل العقلاء. فكأنه قيل: ماذا قال له أبوه؟ فقيل: ﴿قال﴾ عالماً بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل عليه هذه الرؤيا إن سمعوها ﴿يابني﴾ فبين شفقته عليه، وأكد النهي بإظهار الإدغام فقال: ﴿لا تقصص رؤياك﴾ أي هذه ﴿على إخوتك﴾ ثم سبب عن النهي قوله: ﴿فيكيدوا﴾ أي فيوقعوا ﴿لك كيداً﴾ أي يخصك، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة، بل هي مما يندب إليه؛ قال الرماني: والرؤيا: تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار، وذلك أن العقل مغمور بالنوم، فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه؛ وقال الإمام الرازي في اللوامع: هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس، وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك، فإن للنفس الإنسانية حواسَّ ظاهرة ومشاعر باطنة، فإذا سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنة في إدراك الأمور الغائبة، فربما تدركها على الصورة التي هي عليها، فلا يحتاج إلى تعبير، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير، مثال الأول رؤيا النبي ﷺ أنه دخل المسجد الحرام،

стр. 4519

والثاني كرؤيا يوسف ﵊ هذه. وقال الرماني: والرؤيا الصادقة لها تأويل، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها - انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك، علله تقريباً له بقوله: ﴿إن الشيطان﴾ أي المحترق المبعد ﴿للإنسان﴾ أي عامة ولا سيما الأكابر منهم ﴿عدو مبين *﴾ أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها، وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل، فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح.

стр. 4520

ولما علم يعقوب ﵊ من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال: ﴿وكذلك﴾ أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، ومثل ما اجتباك لها ﴿يجتبيك﴾ أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور ﴿ربك﴾ المربي لك بالإحسان للملك والنبوة ﴿ويعلمك من﴾ أي بعض ﴿تأويل الاحاديث﴾ من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية،

стр. 4521

لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما عليه معتمد فائدته، وأكثر استعماله في الرؤيا ﴿ويتم نعمته﴾ بالنبوة ﴿عليك﴾ بالعدل ولزوم المنهج السوي ﴿وعلى آل يعقوب﴾ أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ذريتهم، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة، لأنه عبر عنهم في هذه الرؤيا بالنجوم المهتدي بها، ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر وشرف، وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين، قال الراغب: وأما آل الصليب إن صح نقله فشاذ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل ﴿كما أتمها على أبويك﴾ . ولما كان وجودهما لم يستغرق الماضي، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي من قبل هذا الزمان؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال: ﴿إبراهيم﴾ أي بالخلة وغيرها من الكرامة ﴿و﴾ ولده ﴿إسحاق﴾ بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ولده، وإتمام النعمة: الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها. ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ما يصلح، والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن

стр. 4522

يقاومه سبب غيره، وكان السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ما تقدم من قوله آخر تلك ﴿ولله غيب السماوات والأرض﴾ [هود: ١٢٣] الآية وما شاكل ذلك أول هذه، قال: ﴿إن ربك عليم﴾ أي بليغ العلم ﴿حكيم *﴾ أي بليغ الحكمة، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. ولما كان ذلك، توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا أو يعلمهم بها؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون؟ فقال جواباً لمن كأنه قال: ما كان من أمرهم؟ - مفتتحاً له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم تأكيداً للأمر وإعلاماً بأنه على أتقن وجه -: ﴿لقد كان﴾ أي كوناً هو في أحكم مواضعه ﴿في يوسف وإخوته﴾ أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها وأسباب ذلك ﴿آيات﴾ أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد ﷺ وغير ذلك مما تضمنته القصة ﴿للسائلين *﴾ أي الذين يسألون عنها من قريش واليهود وغيرهم، وآيات عظمة الله وقدرته في تصديق رؤيا يوسف ﵊ ونجاته ممن كاده وعصمته

стр. 4523

وإعلاء أمره، والمراد بإخوته هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم: روبيل وشمعان - بمعجمة أوله، ولاوي، ويهوذا، وزيلون - بزاي وموحدة، وإيساخار، بهمزة مكسورة وتحتانية وسين مهملة وخاء معجمة، ودان - بمهملة، وجاد بجيم. بينها وبين الكاف، وآشير - بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة. ونفتالي - بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء. وشقيقه بنيامين - بضم الموحدة، هكذا ذكرهم في التوراة، وحررت التلفظ بهم من العلماء بها، وقد تقدم ذلك في البقرة بزيادة. والآية: الدلالة على ما كان من الأمور العظيمة، ومثلها العلامة والعبرة، والحجة أخص منها، لأنها معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة. ولما تقرر ذلك، ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف هذا الكون فقال: ﴿إذ قالوا﴾ أي كان ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسوّل لهم الشيطان - كما ظن يعقوب ﵊ مقسمين دلالة على غاية الاهتمام بهذا الكلام، وأنه مما حركهم غاية التحريك،

стр. 4524

أو هي لام الابتداء المؤكدة المحققة لمضمون الجملة ﴿ليوسف وأخوه﴾ أي شقيقه بنيامين ﴿أحب﴾ وحددا لأن أفعل ما يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكراً كان أو مؤنثاً إذا لم يعرف أو يضف ﴿إلى أبينا منا﴾ أي يحبهما أكثر مما يحبنا؛ والحب: ميل يدعو إلى إرادة الخير والنفع للمحبوب بخلاف الشهوة، فإنها ميل النفس ومنازعتها إلى ما فيه لذتها ﴿و﴾ الحال أنا ﴿نحن عصبة﴾ أي أشداء في أنفسنا ويشد بعضنا بعضاً، وأما هما فصغيران لا كفاية عندهما؛ والعصبة من العشرة إلى الأربعين، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ - على تقدير أن يكونا أحب إليه، فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما في الاستقامة والهداية داع إلى تكذيبهم: ﴿إن أبانا لفي ضلال﴾ أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك ﴿مبين *﴾ حيث فضلهما علينا، والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد، لأنا في البنوة سواء، ولنا مزية تقتضي تفضيلنا، وهي أنا عصبة، لنا من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما؛ قال الإمام أبو حيان: وأحب أفعل التفضيل، وهو مبني من المفعول

стр. 4525

شذوذاً، ولذلك عدي ب «إلى» لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلاً من حيث المعنى عدي إليه ب «إلى» وإذا كان مفعولاً عدي إلية ب «في» ، تقول زيد أحب إلى عمرو من خالد، فالضمير في «أحب» مفعول من حيث المعنى، وعمرو هو المحب، وإذا قلت: زيد أحب في عمرو من خالد، كان الضمير فاعلاً وعمرو هو المحبوب، ومن خالد - في المثال الأول محبوب، وفي المثال الثاني فاعل، قال: والضلال هنا هو الهدى - قاله ابن عباس ﵄ انتهى.

стр. 4526

ولما كان ذلك، وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم عنهم إنما هو حب يوسف ﵊، وحب أخيه إنما هو تابع، كان كأنهم تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد تقرر هذا، فما أنتم صانعون؟ فقالوا أو ما شاء الله منهم: ﴿اقتلوا يوسف﴾ أصل القتل: إماتة الحركة بالسكون ﴿أو اطرحوه أرضاً﴾ أوصلوا الفعل بدون حرف ونكروها دلالة على أنها منكورة مجهولة بحيث يهلك فيها، وعنى قائلهم بذلك: إن تورعتم عن مباشرة قتله بأيديكم. ولما كان التقدير: إن تفعلوا ذلك، أجابه بقوله: ﴿يخل لكم﴾ أي خاصاً بكم ﴿وجه أبيكم﴾ أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم

стр. 4527

ونيتكم. ولما كان أهل الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط أمرهم، قالوا: ﴿وتكونوا﴾ أي كوناً هو في غاية التمكن، ولما كانوا عالمين بأن الموت لا بد منه. فهو مانع من استغراقهم للزمان الآتي، أدخلوا الجار فقالوا: ﴿من بعده﴾ أي يوسف ﵊ ﴿قوماً﴾ أي ذوي نشاط وقوة على محاولة الأمور ﴿صالحين﴾ أي عريقين في وصف الصلاح مستقيمين على طريقة تدعو إلى الحكمة بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة في بره وبالتوبة من ذنب واحد يكون سبباً لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم لذنوب متصلة من البغضاء والمقاطعة والشحناء، فعزموا على التوبة قبل وقوع الذنب فكأنه قيل: إن هذا لمن أعجب العجب من مطلق الأقارب فضلاً عن الإخوة، فماذا قالوا عند سماعه؟ فقيل: ﴿قال﴾ ولما كان السياق لأن الأمر كله لله، فهو ينجي من يشاء بما يشاء، لم يتعلق القصد ببيان الذي كانت على يده النجاة، فقال مبهماً إشعاراً بأنه يجب قول النصح من أيّ قائل كان، وأن الإنسان لا يحقر نفسه في بذل النصح على أيّ حال كان: ﴿قائل﴾ ثم عينه بعض التعيين فقال: ﴿منهم﴾ أي إخوة يوسف ﵊ ﴿لا تقتلوا يوسف﴾ لا بأيديكم ولا بالإلقاء في المهالك، فإن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك، وكأنه لم يكن في ناحيتهم تلك غير جب واحد فعرفه فقال: ﴿وألقوه﴾ وكأنه كان فيه ماء

стр. 4528

ومكان يمكن الاستقرار فيه ولا ماء به، فأراده بقوله: ﴿في غيابت الجب﴾ أي غوره الغائب عن الأعين، فإن ذلك كافٍ في المقصود، وإنكم إن تفعلوا ﴿يلتقطْهُ بعض السيارة﴾ جمع سيار، وهو المبالغ في السير، هذا ﴿إن كنتم﴾ ولا بد ﴿فاعلين *﴾ ما أردتم من تغييبه عن أبيه ليخلو لكم وجهه؛ والجب: البئر التي لم تطو، لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء، وعن أبي عمرو: إن هذا كان قبل أن يكونوا أنبياء، فكأنه قيل: إن هذا لحسن من حيث إنه صرفهم عن قتله، فهل استمروا عليه أو قام منهم قائم في استنزالهم عنه بعاطفة الرحم وود القرابة؟ فقيل: بل استمروا لأنهم ﴿قالوا﴾ إعمالاً للحيلة في الوصول إليه، مستفهمين على وجه التعجب لأنه كان أحس منهم الشر، فكان يحذرهم عليه ﴿يا أبانا ما لك﴾ أيّ أي شيء لك في حال كونك ﴿لا تأمنا على يوسف و﴾ الحال ﴿إنا له لناصحون *﴾ والنصح دليل الأمانة وسببها، ولهذا قرنا في قوله ﴿ناصح أمين﴾ [الأعراف: ٦٨] والأمن: سكون النفس إلى انتفاء الشر، وسببه طول الإمهال في الأمر الذي يجوز قطعة بالمكروة فيقع الاغترار بذلك الإمهال من الجهال، وضده الخوف، وهو

стр. 4529

انزعاج النفس لما يتوقع من الضر؛ والنصح: إخلاص العمل من فساد يتعمد، وضده الغش، وأجمع القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد إسكانه تبعاً للرسم، بعضهم إدغاماً محضاً وبعضهم مع الإشمام، وبعضهم مع الروم، دلالة على نفي سكون قلبه عليه عليهما الصلاة والسلام بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية السكون، ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات هذا الإيماء إلى هذه النكتة البديعة.

стр. 4530

ولما كان هذا موضع أن يقال: لأيّ غرض يكون ذلك؟ قالوا في جوابه: ﴿أرسله معنا غداً﴾ إلى مرعانا، إن ترسله معنا ﴿يرتع﴾ أي نأكل ونشرب في الريف ونتسع في الخصب ﴿ويلعب﴾ أي نعمل ما تشتهي الأنفس من المباحات تاركين الجد، وهو كل ما فيه كلفة ومشقة، فإن ذلك له سار ﴿وإنا له لحافظون *﴾ أي بليغون في الحفظ؛ قال أبو حيان: وانتصب ﴿غداً﴾ على الظرف، وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد، وأصل غد غدو، فحذفت لامه - أنتهى. فكأنه قيل: ماذا

стр. 4531

قال لهم؟ فقيل: ﴿قال﴾ ما زاد صدورهم توغراً لأن ما قالوه له هو بحيث يسر به لسرور يوسف ﵊ به ﴿إني ليحزنني﴾ أي حزناً ظاهراً محققاً - بما أشار إليه إظهار النون وإثباته لام الابتداء ﴿أن تذهبوا به﴾ أي يتجدد الذهاب به مطلقاً - لأني لا أطيق فراقه - ولا لحظة، وفتح لهم باباً يحتجون به عند فعل المراد بقوله جامعاً بين مشقتي الباطن، والبلاء - كما قالوا - مؤكل بالمنطق: ﴿وأخاف﴾ أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم ﴿أن يأكله الذئب﴾ أي هذا النوع كأنه كان كثيراً بأرضهم ﴿وأنتم عنه﴾ أي خاصة ﴿غافلين *﴾ أي عريقون في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي؛ والحزن: ألم القلب مما كان من فراق المحبوب، ويعظم إذا مان فراقه إلى ما يبغض؛ والأكل: تقطيع الطعام بالمضغ الذي بعده البلع؛ فكأنه قيل: إن تلقيهم لمثل هذا لعجب، فماذا قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله، مؤكدين ليطيب خاطره، دالين على القسم بلامه: ﴿لئن أكله الذئب ونحن﴾ أي والحال أنا ﴿عصبة﴾ أي أشداء تعصب بعضنا لبعض؛ وأجابوا القسم بما أغنى عن جواب الشرط: ﴿إنا إذاً﴾ أي إذا كان هذا ﴿لخاسرون *﴾ أي كاملون

стр. 4532

في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعاً؛ وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف منه أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف، وأقله أن يقولوا: ما وجه الشح بفراقه يوماً والسماح بفراقنا كل يوم، وذلك مما يحول بينهم وبين المراد، فكأنه قيل: إن هذا الكيد عظيم وخطب جسيم، فما فعل أبوهم؟ فقيل: أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم ﴿فلما ذهبوا﴾ ملصقين ذهابهم ﴿به وأجمعوا﴾ أي كلهم، وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزماً صادقاً؛ والإجماع على الفعل: العزم عليه باجتماع الدواعي كلها ﴿أن يجعلوه﴾ والجعل: إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه، ونظيره التصيير والعمل ﴿في غيابت الجب﴾ فعلوا ذلك من غير مانع، ولكن لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم لا مانع لهم منه؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله: ﴿وأوحينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إليه﴾ أي إلى يوسف ﵊. ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جداً، أكد له قوله:

стр. 4533

﴿لتنبئنهم﴾ أي لتخبرنهم إخباراً عظيماً على وجه يقل وجود مثله في الجلالة ﴿بأمرهم هذا﴾ أي الذي فعلوه بك ﴿وهم لا يشعرون﴾ - لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك يوسف - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما نقله الرماني؛ والشعور: إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة، ومنه المشاعر في البدن، وكان يوسف ﵊ حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة سنة - قاله الحسن، قالوا: وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فرضعه على يديه ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان أبوكم يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم: أكله الذئب.

стр. 4534

ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار، عطف

стр. 4535

على الجواب المقدر قوله: ﴿وجاؤوا أباهم﴾ دون يوسف ﵊ ﴿عشاء﴾ في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبيهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار. والآية دالة على أن البكاء لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع ﴿يبكون *﴾ والبكاء: جريان الدمع في العين عند حال الحزن، فكأنه قيل: إنهم إذا بكوا حق لهم البكاء خوفاً من الله وشفقة على الأخ، ولكن ماذا يقولون إذا سألهم أبوهم عن سببه؟ فقيل: ﴿قالوا ياأبانا﴾ . ولما كانوا عالمين بأنه ﵊ لا يصدقهم لما له من نور القلب وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة، أكدوا فقالوا: ﴿إنا ذهبنا نستبق﴾ أي نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك ﴿وتركنا يوسف﴾ أخانا ﴿عند متاعنا﴾ أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحوه ﴿فأكله﴾ أي فتسبب عن انفراده أن أكله ﴿الذئب وما﴾ أي والحال أنك ما ﴿أنت بمؤمن لنا﴾ أي من التكذيب، أي بمصدق ﴿ولو كنا﴾ أي كوناً هو جبلة لنا ﴿صادقين *﴾ أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك،

стр. 4536

لأنك لم تجرب علينا قط كذباً، ولا حفظت عنا شيئاً منه جداً ولا لعباً. ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه، ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه، أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم. فقال تعالى حاكياً عنهم: ﴿وجاؤوا على قميصه﴾ أي يوسف ﵊ ﴿بدم كذب﴾ أي مكذوب، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف ﵊ والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها - نقله الرماني عن ابن عباس ﵄ وعن مجاهد. قال: والدم: جسم أحمر سيال، من شأنه أن يكون في عروق الحيوان، وله خواص تدرك بالعيان من ترجرج وتلزج وسهوكة، وروي أن يعقوب ﵊ أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، وكان

стр. 4537

القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم، ودلالته على صدق يوسف ﵊ في قده من دبر، وعود البصر إلى أبيه به، فكأنه قيل: هل صدقهم؟ فقيل: لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله، فلا بد من أن يبقى منه شيء يعرف معه أنه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادراً على مطالبتهم بذلك، ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق، فخاف من أن يفتح البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور، بدليل قوله بعد ذلك ﴿فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ [يوسف: ٨٧] ونحو ذلك، فكأنه قيل: فماذا قال؟ فقيل: ﴿قال بل﴾ أي لم يأكله الذئب، بل ﴿سولت﴾ أي زينت وسهلت، من السول وهو الاسترخاء ﴿لكم أنفسكم أمراً﴾ أي عظيماً أبعدتم به يوسف ﴿فصبر﴾ أي فتسبب عن ذلك الفادح العظيم أنه يكون صبر ﴿جميل﴾ منى، وهو الذي لا شكوى معه للخلق ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿المستعان﴾ أي المطلوب منه العون ﴿على﴾ احتمال ﴿ما تصفون *﴾ من هلاك يوسف ﵊، ولا يقال: إنهم بهذا أجمعوا أوصاف المنافق «إذا وعد

стр. 4538

أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان» لأن هذا وقع منهم مرة، والمنافق يكون ذلك فعله دائماً أو في أغلب أحواله، ومادتا سول بتقاليبها الخمسة: ولس وسلاً ووسل ولوس وسول، وسيل بتقاليبها الخمسة: لسي ويسل وسيل وسلي وليس، تدوران على ما يطمع فيه من المراد، ويلزمه رغد العيش والزينة وبرد القلب والشدة والرخاوة والعلاج والمخادعة والملازمة، فمن الرجاء للمراد: السول - بالواو، وقد يهمز، وهو المطلوب؛ والوسيلة: الدرجة والمنزلة عند الملك، قال القزاز: وقيل: توسلت وتوصلت - بمعنى، والوسيلة: الحاجة، ووسل فلان - إذا طلب الوسيلة؛ واللؤس: الظفر؛ ومن العمل والعلاج: توسل بكذا - أي تقرب، واللوس: الأكل، ولاس الشيء في فيه بلسانه - إذا أداره، وولست الناقة في مشيتها تلس ولساناً: تضرب من العنق؛ ومن رغد العيش: فلان في سلوة من العيش، أي رغد يسليه الهم، ومنه السلوى، وهي طائر معروف، وهي أيضاً العسل، وأسلي القوم: إذا أمنوا السبع:

стр. 4539

ومن الزينة: سولت له نفسه كذا، أي زينته فطلبه؛ ومن برد القلب: سلوت عن الشيء: إذا تركه قلبك وكان قد صبا به، وسقيتني منك سلوة، أي طيبت نفسي عنك، والليس - محركاً: الغفلة، والأليس: الديوث لا يغار، والحسن الخلق، وتلايس عنه: أغمض؛ ومن الرخاوة: السلي الذي يكون فيه الولد، وهو يائي تقول منه: سليت الشاة كرضى سلي: انقطع سلاها، ومنه السول، وهو استرخاء في مفاصل الشاة، والسحاب الأسول: الذي فيه استرخاء لكثرة مائه، والأسول: المسترخي، ومنه: ليس أخت كان - لأن الشيء إذا زاد في الرخاوة ربما عد عدماً، ومنه: سال - بمعنى: جرى، والسائلة من الغرر: المعتدلة في قصبة الأنف، وأسال غرار النصل: أطاله، والسيلان - بالكسر: سنخ قائم السيف، والسيالة: نبات له شوك أبيض طويل، إذا نزع خرج منه اللبن، أو ما طال من السمر؛ ومن المخادعة: الولس، وهي الخيانة، والموالسة: المداهنة، والتوسل: السرقة؛ ومن اللزوم: الليس - محركاً والمتلايس: البطيء، وهو أيضاً من الرخاوة، والأليس: من لا يبرح منزله؛ ومن الشدة:

стр. 4540

الليس - محركاً وهو الشجاعة، وهو أليس، والأليس: البعير يحمل ما حمل، والأسد، ووقعوا في سلي جمل: أمر صعب، لأن الجمل لا سلي له، وانقطع السلي في البطن مثل كبلغ السكين العظم، ويمكن أن يكون من الشدة أيضاً: اليسل - بفتح وسكون - وهم يد أي جماعة من قريش الظواهر، والبسل - بالباء الموحدة: اليد الأخرى، ولسا: أكل أكلاً شديداً.

стр. 4541

ولما تم أمرهم هذا وشبوا على أبيهم ﵇ نار الحزن، التفتت النفس إلى الخبر عن يوسف ﵊ فيما أشار إليه قوله: ﴿لتنبئنهم﴾ [يوسف: ١٥] الآية، فقال تعالى مخبراً عن ذلك في أسبابه: ﴿وجاءت سيارة﴾ أي قوم بليغو السير إلى الأرض التي ألقوا يوسف ﵊ في جبها ﴿فأرسلوا واردهم﴾ أي رسولهم الذي يرسلونه لأجل الإشراف على الماء إلى الجب ليستقي لهم ﴿فأدلى﴾ فيه ﴿دلوه﴾ أي أرسلها في البئر ليملأها - وأما «دلى» فأخرجها ملأى - فاستمسك بها يوسف ﵊ فأخرجه، فكأنه

стр. 4542

قيل: ماذا قال حين أدلى للماء فتعلق يوسف بالحبل فأطلعه فإذا هو بإنسان أجمل ما يكون؟ فقيل: ﴿قال﴾ أي الوارد يعلم أصحابه بالبشرى ﴿يابشرى﴾ أي هذا أوانك فاحضري، فكأنه قيل: لم تدعوا البشرى؟ فقال: ﴿هذا غلام﴾ فأتى به إلى جماعته فسروا به كما سر ﴿وأسروه﴾ أي الوارد وأصحابه ﴿بضاعة﴾ أي حال كونه متاعاً بزعمهم يتجرون فيه ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم ﴿بما يعملون *﴾ وإن أسروه؛ قال أبو حيان ونعم ما قال: وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالباً، ولفظة «غلام» ترجع ذلك إذ تطلق عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة، وقد تطلق على الرجل الكامل - انتهى. ولما كان سرورهم به - مع ما هو عليه من الجمال والهيبة والجلال - مقتضياً لأن ينافسوا في أمره ويغالوا بثمنه، أخبر تعالى أنهم لم يفعلوا ذلك ليعلم أن جميع أموره على نسق واحد في خرقها

стр. 4543

للعوائد فقال: ﴿وشروه﴾ أي تمادي السيارة ولجوا في إسرارهم أياه بضاعة حتى باعوه من العزيز، ولمعنى التمادي عبر ب «شرى» دون «باع» ، ويمكن أن يكون «شرى» بمعنى اشترى، أي واشتراه السيارة من إخوته ﴿بثمن﴾ وهو البدل من الذهب أو الفضة، وقد يقال على غيره تشبيهاً به ﴿بخس﴾ أي قليل، ومادة «شرى» - يائية بتقاليبها الثلاثة: شرى، وشير، وريش، وواويه بتراكيبها الستة: شور، وشرو، ووشر، وورش، ورشو، وروش، ومهموزة بتراكيبها الثلاثة: أرش، وأشر، ورشأ - تدور على اللجاجة، وهي التمادي في الانتشار، ويلزمه تبيين ذلك الأمر، ويلزمها القوة تارة والضعف أخرى، فمن مطلقة: شريت الشيء، بمعنى ملكته بالبيع، وشريته، بمعنى: أزلت ملكي عنه به، وكذا اشتريت فيهما، والاسم الشراء بالمد ويقصر، فحصل التمادي والانتشار تارة بالإزالة وتارة بالتحصيل، وكل من ترك شيئاً وتمسك بغيره فقد اشتراه، وشاراه مشاراه: بايعه، وشروى الشيء: مثله واوه مبدلة من ياء كأنه مأخوذ من بدل المبيع لأنه يتحرى فيه المماثلة، وهو أوسع مما لم يوجد له مثل، وشرى

стр. 4544

البرق: استطار، وزيد: غضب ولج حتى استطار غضباً، والفرس في سيره: بالغ، واستشرى الرجل: لج، والبرق: لمع، والمشاراة: الملاّحة والمجادلة والمبايعة، والشرية - كغنية: الطريقة والطبيعة، وكأن هذا أصل المعنى الذي عنه تفرعت أغصانه، لأن الطبع مظنة الدجاج، وشرى الثوب واللحم والإقط: شررها، أي وضعها على خصفة أو غيرها منشورة لتجف، وشرى فلاناً: سخر به أو أرغمه، كأنه تمادى معه حتى قهره، وشرى بنفسه عن القوم: تقدم بين أيديدهم فقاتل عنهم، أو إلى السلطان فتكلم عنهم، والشرى - كعلي: الجبل - لانتشاره علواً، والطريق - للانتشار فيه، وطريق بسلمى كثيرة الأسد، وجبل بتهامه كثير السباع - لانتشارها فيه أو لأن الساتر فيه أقوى الناس وألجهم، وجبل بنجد لطيىء، والناحية، ويمد، وأشراه: ملاه، وأماله - لما يلزم من انتشار ما فيه، وأشرى الجمل: تفلقت عقيقته، أي صوفه، وبينهم: أغرى، وشرى البعير في سيره؛ أسرع،

стр. 4545

وشرى الفرس في لجامه - إذا جذبه، والشرية كغنية: من النساء اللاتي يلدن الإناث، كأنها تمادت في الميل مع طبعها: الأنوثة، فلجت فيه، أو هو راجع إلى الضعف اللازم للحاجة، والمشتري: نجم لتلألؤه، وطائر - للمعه بجناحه وانتشاره، واشرورى: اضطرب، وشرى زمام الناقة: كثر اضطرابه، هو من الانتشار ومن الضعف، واستشرت الأمور: تفاقمت وعظمت، وشرى جلده: أصابه بثور صغار حمر حكاكة مكربة تحدث دفعة غالباً وتشتد ليلاً، كأنها سميت لانتشارها في جميع البدن وقوتها، وتشرى القوم: افترقوا، وتشرى السحاب: تفرق، والشرى: شجر الحنظل أو الحنظل نفسه، والنخل ينبت من النواة، كأنه لنباته بغير سبب آدمي لجوج، والشريان من شجر القسي، كأنه لقوته ونشره السهام إذا رميت عنه، وواحد الشرايين للعروف النابضة، لقوتها وانتشارها؛ وشيار - بالكسر: يوم السبت، لأنه أول يوم ابتدئت فيه

стр. 4546

الخلائق، فكأنها انتشرت عنه؛ والريش بالكسر - من الطائر معروف كالراش - لأنه منتشر في جميع بدنه، وله قوة نشره متى شاء، وهو سبب صلاحه وقوته على الانتشار في الهواء، ومنه الريش والرياش: اللباس الفاخر، والخصب والمعاش، وذات الريش: نبات كالقيصوم، وراش الصديق: أطعمة وسقاه وكساه وأصلح حاله، وكلاً ريش - كهين وهيّن: كثير الورق، والريش - محركاً: كثرة الشعر في الأذنين والوجه، والمريش - كمعظم: البعير الأزب، ورشت السهم: فوقته، أي ألزقت عليه الريش عند فوقه، فكان له بذلك قوة الانتشار، ورمح راش: خوار شبه بالريش صعفاً، والمريش: الرجل الضعيف الصلب، وهو أيضاً: البرد الموشى، لتلونه كالريش، وهو أيضاً: القليل اللحم، وناقة مريشة: قليلة اللحم، لأن ذلك أقوى لها على

стр. 4547

السير، والمريش أيضاً: الهودج المصلح بالقد، لأن ذلك سبب قوته، وهو له كالريش والعصب، والشوار والشورة والشارة: الحسن والجمال والهيئة واللباس والسمن والزينة، واستشار فلان: لبس لباساً حسناً، كأنه من الريش، ولأنها ملزومة اللجاج والانتشار غالباً، واستشارات الإبل وأخذت مشوارها: سمنت، والمشوار - بالكسر: المكان تعرض فيه الدواب، وشارها: راضها، أي انتشر بها لتقوى على ما يراد منها، وشار العسل واستشاره: استخرجه من الوقبة - للمبالغة في ذلك، والشرو - مقدّم الراء بالفتح ويكسر: العسل، والمشوار: ما شاره به، وما أبقت الدابة من علفها - معرب، كأنه شبه بما يبقى من مشار العسل مما لا يعتد به، أو أصله: نشوار - بالنون، فأبدلت منها الميم لتقاربهما، فإن كان كذلك فهو نشر، والشوار - مثلثة: متاع البيت، لانتشاره فيه، وذكر الرجل وخصياه واسته، لما ينتشر من كل منها، وشور بفلان: فعل به فعلاً يستحي منه، كأنه لج في ذلك حتى قطع انتشاره في الاعتذار، وتشور الرجل: خجل،

стр. 4548

كأنه مطاوع شوّرته، وشور إليه: أومأ كأشار - لنشر ما أشار به، وأشار النار: رفعها، والشوران: العصفر - للمعه، وجبل قرب عقيق المدينة، فيه مياه سماء كثيرة، لقوته على إمساكها وقوة من يقيم فيه بها على الانتشار فيه، وخيل شياء: سمان حسان، والشورة - بالضم الناقة السمينة، لقوتها على الانتشار، وبالفتح: الخجلة، لانتشارها وعلوها، وأشرت عليه بكذا: أمرته للانتشار في الكلام قبل الإشارة للوقوع على الرأي، والاسم: المشورة، أو هو من الإشارة التي هي تحريك اليد أو الحاجب ونحوهما نحو المشار إليه، والرشوة - مثلثة: الجعل، ورشاه: أعطاه إياها، فنشره للفعل، ولا يفعل ذلك إلا من لج في الأمر، ويمكن رده إلى الضعف، والرائش: السفير بين الراشي والمرتشي، واسترشى: طلب الرشوة، والفصيل: طلب الرضاع، وأرشية اليقطين والحنظل: خيوطهما،

стр. 4549

لانتشارها، وشبهها بالرشاء - بالكسر والمد، وهو الحبل، والرشى كغنى، الفصيل والبعير يقف فيصيح الراعي: ارشه ارشه، أو أرشه أرشه، فيحك خورانه، أي مبعره بيده فيعدو، وقال ابن فارس: والخوران: مجرى الروث في الدابة، وأرشى: فعل ذلك، والقوم في دمه: شركوا، لأن ذلك انتشار، وبسلاحهم فيه: أشرعوه، والرشاة: نبت يشرب للمشي؛ ومن مهموزه: رشأ: جامع، ولا ألج من المتهيىء للجماع، وفيه الانتشار أيضاً، ورشأت الظبية: ولدت، والرشأ - بالتحريك اسم للظبي إذا قوي ومشى مع أمه، فيكون حينئذ أهلاً للانتشار واللجاج في الجري، والرشأ أيضاً: شجرة تسمو فوق القامة، وعشبة كالقرنوة، بالقاف، كأنها شديدة الحرافة فشبهت باللجوج، لأن القرنوة يدبغ بها - انتهى المهموز. ووشر الخشبة بالميشار - غير مهموز، لغة في: أشرها - إذا نشرها، أي فرقها باثنين أو أكثر، والوشر أيضاً: تحديد المرأة أسنانها وترقيقها،

стр. 4550

وهو من القوة واللمعان والتفريق، والمؤتشرة التي تسأل أن يفعل بها ذلك، وموشر العضدين - ويهمز: الجعل، لأن أعضاده كالمنشرة حزوزاً؛ ومن مهموزه: أشر - بالكسر، أي مرح، أي ازدرى الخلق وعاملهم معاملة المستهين بهم، فظلمهم ولج في عتوه، وناقة مئشير: نشيطة، وأشر الاسنان: تحزيزها - تشبيهاً لها بأسنان المئشار الذي يقطع به الخشب ونحوه قطعاً سريعاً، فهو كفعل اللجوج - انتهى المهموز؛ وورش الطعام: تناوله وأكل شديداً حريصاً، وطمع وأسف لمداق الأمور، لأن ذلك لا يكون إلا عن تمادٍ ولجاج، وورش فلان بفلان: أغراه، وورش عليهم: دخل وهم يأكلون ولم يدع، وورش اسم شيء يصنع من اللبن، لأنه انتشر عن أصل خلقته، والورش - بالتحريك: وجع في الجوف، وككتف: النشيط الخفيف من الإبل وغيرها، وهي بهاء، والتوريش: التحريش، والورشان: طائر. ومن

стр. 4551

مهموزه الأرش، وهي الدية، لأنها يلج في طلبها والرضى بها وأكثر ما يتعاطى من أمرها، وهو أيضاً الرشوة، وما نقص العيب من الشيء - قال في القاموس، لأنه سبب للارش والخصومة، وبينهما أرش، أي اختلاف وخصومة، والأرش: الإغراء والإعطاء، لأن المعطي يغلب نفسه، فكأنه خاصمها فلج حتى غلبها، والأرش: الخلق، لأنه منشأ اللجاج، يقال: ما أدري أي الأرش هو؟ أي الخلق، والمأروش: المخلوق، وآرش - كصاحب: جبل - انقضى المهموز. والروش: الأكل الكثير، والأكل القليل - ضد، وفهو من التمادي والضعف الذي ربما نشأ من التمادي مع شبهه بالريش، وجمل راش: كثير شعر الأذن؛ ومن التبيين: شار الدابة - إذا ركبها عند العرض على مشتريها، وشورها: نظر كيف مشوارها، أي سيرها، أو بلاها ينظر ما عندها

стр. 4552

أو قلبها وكذا الأمة، واستشار الفحل الناقة: كرفها فنظر إليها ألاقح هي أم لا؟ واستشار أمر فلان: تبين، والمستشير: من يعرف الحائل من غيرها، وهو يرجع إلى التمادي، لأنه لولاه ما عرف الأمر؛ ومن الضعف: راشاه: حاباه وصانعه، وترشاه: لاينه، وإنك لمسترش لفلان: مطيع له تابع لمسرته، وهو من الرشوة، وجمل راش: ضعيف الصلب، وكذا رمح راش، وهي بهاء، وراشه المرض: ضعفه، كأنه من الريش، وكل ذلك يرجع بعد التأمل إلى التمادي - والله أعلم. ومادة «بخس» بكل ترتيب من بخس وخبس وسبخ وسخب تدور على القلة، ويلزمها الأخذ بالكف: بخسته حقه: نقصته فجعلته أقل مما كان، والبخس: فقء العين، فهو نقص خاص، والبخس: أرض تنبت بلا سقي، كأنه لقلة ما نبت بها بالنسبة إلى أرض السقي، والبخس: المكس، وسبخت عن فلان: خففت عنه، والسبخة: أرض ملحة، لقلة نبتها ونفعها، وسبخت القطن - إذا قطعته،

стр. 4553

فصارت جملته قليلة؛ والتسبيخ: ما يسقط من ريش الطائر - لنقصه منه، والتسبيخ: النوم الشديد - لنقصه صاحبه وتخفيفه ما عنده من الثقل؛ ومن ذلك الخبس، وهو الأخذ بالكف - وهو لازم للقلة، ومنه قيل للأسد: الخابس، لأخذه ما يريده بكفه؛ والسخاب: قلادة من قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. ولما كان البخس القليل الناقص، أبدل منه - تأكيداً للمعنى تسفيهاً لرأيهم وتعجيباً من حالهم - قوله: ﴿دراهم﴾ أي لا دنانير ﴿معدودة﴾ أي أهل لأن تعد، لأنه لا كثره لها يعسر معها ذلك، روى عن ابن عباس ﵄ أنها كانت عشرين درهماً ﴿وكانوا﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿فيه﴾ أي خاصة دون بقية متاعهم، انتهازاً للفرصة فيه قبل أن يعرف عليهم فينزع من أيديهم ﴿من الزاهدين *﴾ أي كمال الزهد حتى رغبوا عنه فباعوه بما طف، والزهد: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه عند الزاهد، وهذا يعين أن الضمير للسيارة لأن حال إخوته في أمره فوق الزهد بمراحل، فلو كان لهم لقيل: وكانوا له من المبعدين أو المبغضين، ونحو ذلك.

стр. 4554

ولما كانت العادة جارية بأن القن يمتهن، أخبر تعالى أنه أكرمه عن هذه العادة فقال منبهاً على أن شراءه كان بمصر: ﴿وقال الذي اشتراه﴾ أي أخذه برغبة عظيمة، ولو توقفوا عليه غالى في ثمنه ﴿من مصر﴾ أي البلدة المعروفة، والتعبير بهذا دون ما هو أخصر منه للتنبيه على أن بيعه ظلم، وأنه لم يدخل في ملك أحد أصلاً ﴿لامرأته﴾ آمراً لها بإكرامه على أبلغ وجه ﴿أكرمي مثواه﴾ أي موضع مقامه، وذلك أعظم من الأمر بإكرامه نفسه، فالمعنى: أكرميه إكراماً عظيماً بحيث يكون ممن يكرم كل ما لابسه لأجله، ليرغب في المقام عندنا. ولما كانت كأنها قالت: ما سبب إيصائك لي بهذا دون غيره؟ استأنف قوله: ﴿عسى أن﴾ أي إن حاله خليق وجدير بأن ﴿ينفعنا﴾ أي وهو على اسم المشتري ﴿أو نتخذه﴾ أي برغبة عظيمة إن رأيناه أهلاً ﴿ولداً﴾ فأنا طامع في ذلك. ولما أخبر تعالى بمبدأ أمره، وكان من المعلوم أن هذا إنما هو لما مكن له في القلوب مما أوجب توقيره وإجلاله وتعظيمه، أخبر تعالى بمنتهى أمره، مشبهاً له بهذا المضمون المعلم به فقال: ﴿وكذلك﴾ أي مثل ما مكنا ليوسف بتزهيد السيارة: أهل البدو تارة، وإكرام مشتريه ومنافسته فيه أخرى ﴿مكنا ليوسف في الأرض﴾

стр. 4555

أي أرض مصر التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من الحكم بالعدل ﴿و﴾ بالنبوة ﴿لنعلمه﴾ بما لنا من العظمة ﴿من تأويل الأحاديث﴾ أي بترجيعها من ظواهرها إلى بواطنها، فأشار تعالى إلى المشبه به مع عدم التصريح به لما دل عليه من السياق، وأثبت التمكين في الأرض ليدل على لازمه من الملك والتمكين من العدل، وذكر التعليم ليدل على ملزومه وهو النبوة، فدل أولاً بالملزوم على اللازم، وثانياً باللازم على الملزوم، وهو كقوله تعالى: ﴿فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾ [آل عمران: ١٣] فهو احتباك أو قريب منه. ولما كان من أعجب العجب أن من وقع له التمكين من أن يفعل به مثل هذه الأفعال يتمكن من أرض هو فيها مع كونه غريباً مستبعداً فرداً لا عشيرة له فيها ولا أعوان، قال تعالى نافياً لهذا العجب: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم ﴿غالب على أمره﴾ أي الأمر الذي يريده، غلبة ظاهر أمرها لكل من له بصيرة: أمر يعقوب يوسف عليهما
следующие страницы →