← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته، فكان حينئذٍ أبعد شيء عن السجن لو كان الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم، أخبر تعالى أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغيّ بالرشاد، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - إجابة لغالب أمر الله وإظهاراً لعليّ قدره بمخالفة العوائد مرة بعد مرة، وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة؛ فقال: ﴿ثم﴾ لهذا المعنى، وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في

стр. 4587

غاية البعد ﴿بدا﴾ أي ظهر بعد الخفاء كما هي عادتهم ﴿لهم﴾ والبداء في الرأي: التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه. ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر، أدخل الجار دلالة على ذلك فقال: ﴿من بعد ما رأوا﴾ أي رؤيتهم ﴿الأيات﴾ القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك. ولما كان فاعل «بداء» رأى، فسره بقوله مؤكداً، لأنه لا يصدق أن الإنسان يفعل ما ظهر له المانع منه: ﴿ليسجننه﴾ فيمكث في السجن ﴿حتى حين﴾ أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه، وقيل: إن ذلك الحين سبع سنين، قيل: كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز: إن هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب، وأنا محبوسة، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تسويه بي في السجن؛ قال أبو حيان: قال ابن عباس ﵄:

стр. 4588

فأمر به فحمل على حمار وضرب أمامه بالطبل، ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد سيدته، فهذا جزاءه أن يسجن! قال أبو صالح: ما ذكر ابن عباس ﵄ هذا الحديث إلاّ بكى - انتهى. وهذا دليل على قوله ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٨] . قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع: وعلى الجملة فكل أحوال يوسف ﵊ لطف في عنف، ونعمة في طي بلية ونقمة، ويسر في عسر، ورجاء في يأس، وخلاص بعد لات مناص، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف، وربما يسوقه بلطف، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - انتهى. ولما ذكر السجن، وكان سبباً ظاهراً في الإهانة، شرع سبحانه يقص من أمره فيه ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة، كل ذلك بياناً للغلبة على الأمر والاتصاف بصقات القهر، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ليوسف ﵊ وغير ذلك من الحكم، فقال تعالى: ﴿ودخل﴾ أي فسجنوه كما بدا لهم

стр. 4589

ودخل ﴿معه السجن فتيان﴾ : خباز الملك وساقيه، ورفع إليه أن الخباز أراد أن يسمه، وظن أن الساقي مالأه على ذلك، و «مع» تدل على الصحبة واستحداثها، فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد - قاله أبو حيان، فلما دخلوا السجن كان يوسف ﵊ يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم، ويعود مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويهديهم إلى الخير، ويذكرهم بالله، فمالت إليه القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما جباه الله به من الفضل والنبل وحسن الخَلق والخُلق، وكان في السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد بلاءهم، فلم يزل يرفق بهم حتى قالوا: بارك الله فيك! ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والثواب والطهارة، من أنت يا فتى؟ فأخبرهم بنسبه الشريف، فقال عامل السجن: لو استطعت لخليت سبيلك! ولكن سأحسن جوارك وإيثارك، وأحبه الفتيان ولزماه فقال: أنشد كما الله أن تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلاّ دخل على من جهته بلاء! لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من جهتها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من جهته بلاء،

стр. 4590

ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عليّ من جهتها بلاء، فلا تحباني، فأبيا إلاّ حبه، فكأنه قيل: أيّ شيء اتفقى لهما بعد الدخول معه؟ فقيل: ﴿قال أحدهمآ﴾ ليوسف ﵊، ولعل التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح، وإما لأنهما ما رأيا شيئاً - كما قال الشعبي - وإنما صنفا هذا ليختبراه به ﴿إني أراني﴾ حكى الحال الماضية في المنام ﴿أعصر﴾ والعصر: الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب منه ﴿خمراً﴾ أي عنباً يؤل إلى الخمر ﴿وقال الآخر﴾ مؤكداً لمثل ما مضى ﴿إني أراني أحمل﴾ والحمل: رفع الشيء بعماد نقله ﴿فوق رأسي خبزاً﴾ أي طعاماً مهيأ للأكل بالخبز، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق في حامٍ بالنار حتى يصلح للأكل ﴿تأكل الطير منه﴾ وسيأتي شرح الرؤيا من التوراة، فكأنه قيل: فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا: ﴿نبئنا﴾ أي أخبرنا إخباراً عظيماً ﴿بتأويله﴾ أي ما يرجع أمره ويصير إليه، فكأنه قيل: وما يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا: ﴿إنا نراك﴾ على حالٍ علمنا بها علماً هو كالرؤية أنك ﴿من المحسنين *﴾ أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر تعانيه، فلذلك لاح لنا أنك تحسن التأويل قياساً، فلما رآهما بصيرين بالأمور ﴿قال﴾ إشارة إلى أنه يعرف

стр. 4591

ذلك وأدق منه، ليقبلا نصحه فيما هو أهم المهم لكل أحد، - وهو ما خلق العباد له من الاجتماع على الله - لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ما يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما، مؤكداً ما وصفاه به من الإحسان بما اتبعه من وصف نفسه بالعلم، انتهازاً لفرصة النصيحة عند هذا الإذعان بأعظم ما يكون النصح به من الأمر بالإخلاص في عبادة الخالق والإعراض عن الشرك، فعلى كل ذي علم إذا احتاج إلى سؤاله أحد أن يقدم على جوابه نصحه بما هو الأهم له، ويصف له نفسه بما يرغبه في قبول علمه إن كان الحال محتاجاً إلى ذلك، ولا يكون ذلك من باب التزكية بل من الإرشاد إلى الإئتمام به بما يقرب إلى الله فيكون له مثل أجره: ﴿لا يأتيكما﴾ أي في اليقظة ﴿طعام﴾ وبين أنه خاص بهما دون أهل السجن بقوله: ﴿ترزقانه﴾ بناه للمفعول تعميماً ﴿إلاّ نبأتكما﴾ أي أخبرتكما إخباراً جليلاً عظيماً ﴿بتأويله﴾ أي به وبما يؤل ويرجع إليه أمره. ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه وبين الطعام الذي قبله، نزع الخافض فقال: ﴿قبل أن يأتيكما﴾ أي أخبرتكما بأنه يأتيكما طعام كذا، فيكون سبباً لكذا، فإن المسبب الناشىء عن

стр. 4592

السبب هو المال. ولما وصف نفسه من العلم بما يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب التي حصل له ذلك بها ليصير مثله أو يقرب منه، وكان محل أن يقال: من علمك ذلك؟ قال مرشداً إلى الله داعياً إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من الطمع في الفضل: ﴿ذلكما﴾ أي الأمر العظيم؛ ونبه على غزارة علمه بالتبعيض في قوله: ﴿مما علمني ربي﴾ أي الموجد لي والمربي لي والمحسن إليّ، ولم أقله عن تكهن ولا تنجم، فكأنه قيل: ما لغيرك لا يعلّمه مثل ما علمك؟ فقال معللاً له مطمعاً كل من فعل فعله في فضل الله، مؤكداً إعلاماً بأن ذلك أمر عظيم يحق لمثله أن يفعل: ﴿إني تركت ملة قوم﴾ أي وإن كانوا أقوياء على محاولة ما يريدون، فلذلك قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية الآيات الشاهدة لي، ونبه على أن ذلك لا يقدم عليه إلاّ من لا يحسب العاقبة بوجه، فقال: ﴿لا يؤمنون﴾ أي يجددون الإيمان لما لهم من العراقة في الكفر ﴿بالله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يخفى أمره على ذي لب من أهل مصر وغيرهم؛ ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي

стр. 4593

لا يغنى فيه أحد عن أحد، منبهاً على أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن كل خير، فقال مؤكداً تأكيداً عظيماً، إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من يسمعه، ولا يصدقه، لما على الآخرة من الدلائل الواضحة جداً الموجبة لئلا يكذب به أحد: ﴿وهم بالآخرة﴾ أي الدار التي لا بد من الجمع إليها، لأنها محط الحكمة ﴿هم﴾ أي بضمائرهم كما هم بظواهرهم، وفي تكرير الضمير تنبيه على أن هؤلاء اختصوا بهذا الجهل، وأن غيرهم وقفوا على الهدى ﴿كافرون﴾ أي عريقون في التغطية لها، فلذلك أظلمت قلوبهم فكانوا صوراً لا معاني لها؛ والملة: مذهب جماعة يحمي بعضها لبعض في الديانة، وأصله من المليلة، وهي حمى تلحق الإنسان - قاله الرماني. وفي القاموس إن المليلة: الحر الكامن في العظم. وعبر ب ﴿تركت﴾ موضع «تجنبت» مثلاً مع كونه لم يلابس تلك الملة قط، تأنيساً لهما واستدراجاً إلى تركهما؛ ثم اتبع ذلك بما يدل على شرف أصله وقدم فضله بأنه من بيت النبوة ومعدن الفتوة، ليكون ذلك أدعى إلى قبول كلامه وإصابة

стр. 4594

سهامه وإفضاء مرامه، فقال: ﴿واتبعت﴾ أي بغاية جهدي ورغبتي ﴿ملة آباءي إبراهيم﴾ خليل الله، وهو جد أبيه ﴿وإسحاق﴾ ابنه نبي الله وهو جده ﴿ويعقوب﴾ أبيه إسرائيل: الله. وهو أبوه حقيقة، وتلك هي الحنيفية السمحة التي هي الميل مع الدليل من غير جمود مع هوى بوجه من الوجوه؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ : أيّ الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله: ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» فكأنه قيل: ما تلك الملة؟ فقال: ﴿ما كان لنا﴾ أي ما صح وما استقام بوجه من الوجوه، لما عندنا من نور العلم الذي لم يدع عندنا لبساً بوجه أصلاً ﴿أن نشرك﴾ أي نجدد في وقت ما شيئاً من إشراك ﴿بالله﴾ أي الذي له الأمر كله، وأعرق في النفي فقال:

стр. 4595

﴿من شيء﴾ أي بما شرعه لنا من الدين القويم كانت ملتنا التوحيد، ومن التأكيد العموم في سياق النفي، ليعم ذلك كل شيء من عاقل ملك أو إنسي أو جنى أو غيره؛ ثم علل ذلك بما يعرف به أنه كما وجب عليهم ذلك وجب على كل أحد فقال: ﴿ذلك﴾ أي كان هذا الانتفاء أو ذلك التشريع - للملة الحنيفية وتسهيلها وجعل الفطر الأولى منقادة لها مقبلة عليها - العلي الشأن العظيم المقدار ﴿من﴾ أجل ﴿فضل الله﴾ أي المحيط بالجلال والإكرام ﴿علينا﴾ خاصة ﴿وعلى الناس﴾ الذين هم إخواننا في النسب عامة، فنحن وبعض الناس شكرنا الله، فقبلنا ما تفضل به علينا، فلم نشرك به شيئاً؛ والفضل: النفع الزائد على مقدار الواجب، فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجباً على كل أحد إخلاص التوحيد له شكراً على فضله لما تظافر عليه دليلاً العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي لما لهم من الاضطراب مع الهوى عموا عن هذا الواجب، فهم ﴿لا يشكرون *﴾ فضله بإخلاص العمل له ويشركون به إكراهاً لفطرهم الأولى، فالآية من الاحتباك: ذكر نفي الشرك أولاً يدل على وجوده ثانياً، وذكر نفي الشكر ثانياً يدل على

стр. 4596

حذف إثباته أولاً.

стр. 4597

ولما أقام لهم الدليل على ما هو عليه من الدين الحنيفي تبعاً لخلاصة الخلق، بما تقرر في الأذهان من أن الله تعالى هو المنعم وحده سبحانه فيجب شكره، بعد أن قرر لهم أمر نبوته وأقام دليلها بما يخبرهم به من المغيبات، ودعاهم إلى ما يجب عليهم من التوحيد وهو الإسلام، وكان أكثر الخلق إلاّ الفذ النادر يقرون بالإله الحق، ولكنهم يشركون به بعض خلقه، أتبعه برهان التمانع على فساد كل ملة غير الإسلام الذي يطابق عليه الأنبياء والرسل كلهم، تأييداً لأدلة النقل بقاطع العقل، فقال منادياً لهما باسم الصحبة بالأداة التي تقال عند ما له وقع عظيم في النفوس في المكان الذي تخلص فيه والمودة، وتمحض فيه النصيحة، وتصفي فيه القلوب، ويتعمد الإخلاص رجاء الخلاص -: ﴿ياصاحبي السجن﴾ والصحبة: ملازمة اختصاص كأصحاب الشافعي مثلاً، لملازمة الاختصاص بمذهبه، وهي خلاف ملازمة الاتصال. ولما فرغ أفهامهما بالنداء لما يلقيه، قرع أسماعهما بالإنكار مع التقرير فقال: ﴿أرباب﴾ أي آلهة ﴿متفرقون﴾ متباينون بالذوات والحقائق تشاهدونهم محتاجين إلى المكان مع كونهم جماداً، ولو كانوا أحياء لأمكن تمانعهم، فأدى إلى إمكان عجز كل منهم القاطع بعدم صلاحيته للإلهية

стр. 4598

﴿خير﴾ أي أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة ﴿أم الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿الواحد﴾ بالذات، فهو لا يحتاج إلى شيء أصلاً ﴿القهار *﴾ لكل شيء، لا يزال قهره يتكرر أبداً، فهذا برهان لا خطأ به كما ظن، وأبرزه ﷺ على وجه الاستفهام استجلاباً للسامع برد العلم إليه، وسماها أرباباً لمثل ذلك بناء على زعمهم، وكذا المشاركة في أفعل التفضيل، لأن ذلك أقرب إلى الإنصاف، لكونه ألين في القول، فيكون أدعى إلى القبول. ولما كان الجواب لكل من يعقل: الله خير، أشار إلى ذلك بجزم القول بعد ذلك الاستفهام في سلب صلاحيتهم قبل هذا الإمكان بعدم حياتهم، وعلى تقدير حياتهم بعجزهم، فقال: ﴿ما تعبدون﴾ والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع، وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله: ﴿من دونه﴾ أي الله الذي قام برهان التمانع - الذي هو البرهان الأعظم - على إلهية وعلى اختصاصه بذلك ﴿إلا أسماء﴾ وبين ما يريد وأوضحه بقوله: ﴿سميتموها﴾ أي ذوات أوجدتم لها أسماء ﴿أنتم وآباؤكم﴾ لا معاني لها، لأنه لا أرواح لها فضلاً عن أن تتحقق بمعنى ما سميتموها به من الإلهية، وإن كان لها أرواح فهي منتف عنها خاصة الإلهية، وهي الكمال المطلق الذي يستلزم

стр. 4599

إحاطة العلم والقدرة. ولما كان مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى، وكان نفي الإنزال كافياً في الإبانة، لأن عبادة الأصنام باطلة، ولم يكن في السياق كالأعراف مجادلة توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة، قال نافياً للإنزال بأي وصف كان: ﴿ما أنزل الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة. فلا أمر لأحد معه ﴿بها﴾ وأعرق في النفي فقال: ﴿من سلطان﴾ أي برهان تتسلط به على تعظيمها، فانتفى تعظيمها لذاتها أو لغيرها، وصار حاصل الدليل: لو كانوا أحياء يحكمون لم يصلحوا للإلهية، لإمكان تمانعهم المؤدي إلى إمكان عجز كل منهم الملزوم لأنهم لأ صلاحية فيهم للإلهية، لكنهم ليسوا أحياء، فهم أجدر بعدم الصلاحية، فعلم قطعاً أنه لا حكم لمقهور، وأن كل من يمكن أن يكون له ثان مقهور؛ فأنتج هذا قطعاً أن الحكم إنما هو لله الواحد القهار، وهو لم يحكم بتعظيمها؛ وذلك معنى قوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿الحكم إلاّ لله﴾ أي المختص بصفات الكمال؛ والحكم: فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة. ولما انتقى الحكم عن غيره، وكان ذلك كافياً في وجوب توحيده، رغبة فيما عنده، ورهبة مما بيده، أتبعه تأكيداً لذلك وإلزاماً به

стр. 4600

أنه حكم به، فقال: ﴿أمر ألا تعبدوا﴾ أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على حال من الأحوال ﴿إلا إياه﴾ أي وهو النافذ الأمر المطاع الحكم. ولما قام هذا الدليل على هذا الوجه البين، كان جديراً بالإشارة إلى فضله، فأشار إليه بأداة البعد، تنبيهاً على علو مقامه وعظيم شأنه فقال: ﴿ذلك﴾ أي الشأن الأعظم، وهو توحيده وإفراده عن خلقه ﴿الدين القيم﴾ أي الذي لا عوج فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه، الظاهر أمره لمن كان له قلب ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي لما لهم الاضطراب مع الحظوظ ﴿لا يعلمون *﴾ أي ليس لهم علم، لأنهم لا ينتفعون بعقولهم، فكأنهم في عداد البهائم العجم، فلأجل ذلك هم لا يفردون الله بالعبادة.

стр. 4601

ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهمّ لهما لو علما لمآله إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية. أقبل على حاجتهما تمكيناً لما ذكره وتأكيداً للذي قرره، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير، فقال: ﴿ياصاحبي السجن﴾ أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب فتتخلص فيه المودة.

стр. 4602

ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز، أبهم ليجوّز كل واحد أنه الفائز، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال: ﴿أما أحدكما﴾ وهو الساقي فيلخص ويقرب ﴿فيسقي ربه﴾ أي سيده الذي في خدمته ﴿خمراً﴾ كما كان ﴿وأما الآخر﴾ وهو الخباز. ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك، بنى للمفعول قوله: ﴿فيصلب﴾ ويعطب ﴿فتأكل﴾ أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل ﴿الطير من رأسه﴾ والآية من الاحتباك: ذكر ملزوم السلامة والقرب أولاً دليلاً على العطب ثانياً، وملزوم العطب ثانياً دليلاً على السلامة أولاً، وسيأتي شرح تعبيره من التوراة، فكأنه قيل: انظر جيداً ما الذي تقول! وروى أنهما قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب، فقال مشيراً بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه: ﴿قضي الأمر﴾ وبينه بقوله: ﴿الذي فيه﴾ أي لا في غيره ﴿تستفتيان *﴾ أي تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة، فسألتما عن تأويله، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما، لم أقله عن جهل ولا غلط. وما أحسن

стр. 4603

إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر، والأحد: المختص من المضاف إليه بمبهم له مثل صفة المضاف، ولا كذلك «البعض» فلا يصدق: رأيت أحد الرجلين - ألا برجل منهما، بخلاف «بعض» والفتيا: الجواب بحكم المعنى، وهو غير الجواب بعلته - ذكره الرماني. ولعل رؤيتهما تشيران إلى ما تشير إليه رؤيا الملك، فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر السمان، لأنه لا يكون إلا عن فضل، والخبز - الذي طارت به الأطيار، وسارت بروح صاحبه الأقدار -يشير إلى اليابسة والعجاف - والله أعلم. ولما كان كل علم بالنسبة إلى علم الله عدماً، عبر عن علمه بالظن، ويمكن أن يكون الظن على بابه لكونه قال ما مضى اجتهاداً بقرائن فيؤخذ منه أنه يسوغ الجزم بما أدى إلى ظن، فقال: ﴿وقال﴾ أي يوسف ﵊ ﴿للذي ظن﴾ مع الجزم بأنه أراد به العلم لقوله: ﴿قضى الأمر﴾ ، ويجوز أن يكون ضمير «ظن» للساقي، فهو حينئذ على بابه ﴿أنه ناج منهما﴾ وهو الساقي ﴿اذكرني عند ربك﴾

стр. 4604

أي سيدك ملك مصر، بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما رُميت به، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله: ﴿أرباب متفرقون﴾ [يوسف: ٣٩] . فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قال لهما يوسف ﵊ ﴿فأنساه﴾ أي الساقي ﴿الشيطان﴾ أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنه ﴿ذكر﴾ يوسف ﵊ عند ﴿ربه﴾ أي بسبب اعتماده عليه في ذلك ﴿فلبث﴾ أي يوسف ﵊ بسبب هذا النسيان ﴿في السجن﴾ من حين دخل إلى أن خرج ﴿بضع سنين *﴾ ليعلم أن جميع الأسباب إنما أثرها بالله تعالى، وحقيقة البضع من الثلاث إلى التسع، والمروي هنا أنه كان سبعاً. ذكر ما مضى من هذه القصة من التوراة قال بعد ما مضى: فأهبط المدينيون يوسف إلى مصر، فاشتراه قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون - رجل مصري - من يد الأعراب الذين أهبطوه إلى هناك، فكان الرب بعونه مع يوسف، وكان رجلاً منجحاً، وأقام في منزل المصري سيده، فرأى

стр. 4605

سيده أن الرب بعونه معه، وأن الرب ينجح جميع أفعاله، فظفر يوسف منه برحمة ورأفة فخدمه، وسلطه على بيته، وخوله جميع ما له، ومن اليوم الذي سلطه على بيته وخوله جميع ما له بارك الرب في بيت المصري من أجل يوسف وفي سببه، فحلَّت بركة الرب في جميع ما له في البيت والحقل، فخول كل شيء له، ولم يكن يعلم بشيء مما له في يده لثقته به ما خلا الخبز الذي كان يأكله، وكان يوسف حسن المنظر صبيح الوجه. فلما كان بعد هذه الأمور لمحت امرأة سيده بنظرها إلى يوسف فقالت له: ضاجعني: فأبى ذلك وقال لامرأة سيده: إن سيدي لثقته بي ليس يعلم ما في بيته، وقد سلطني على جميع ما له، وليس في هذا البيت أعظم مني، ولم يمنعني شيئاً ما خلاك أنت لأنك امرأته، فكيف أرتكب هذا الشر العظيم، فأخطئي بين يدي الله، وإذا كانت تراوده كل يوم لم يطعها ليضاجعها ويصير معها، فبينا هو ذات يوم دخل يوسف إلى البيت ليعمل عملاً، ولم يكن أحد من أهل البيت هناك،

стр. 4606

فتعلقت بقميصه وقالت له: ضاجعني، فترك قميصه في يدها وهرب، فخرج إلى السوق، فلما رأت أنه قد ترك قميصه في يدها وخرج هارباً إلى السوق، دعت بأهل بيتها وقالت لهم: انظروا، إنه أتانا رجل عبراني ليفضحنا، لأنه دخل عليّ يريد مضاجعتي، وهتفت بصوت عال، فلما رآني قد رفعت صوتي وهتفت، ترك قميصه في يدي وهرب إلى السوق. فصيرت قميصه عندها حتى دخل سيدها البيت، فقالت: له مثل هذه الأقاويل: دخل عليّ هذا العبد العبراني الذي جلبته علينا يريد يفضحني، فلما رفعت صوتي فصحت ترك قميصه في يدي وهرب فخرج إلى السوق؛ فلما سمع سيده كلام امرأته استشاط غيظاً، فأمر به سيده فقذف في الحبس الذي كان أسرى الملك فيه محبوسين فمكث هناك في السجن، وكان الرب يبصره، ورزقه المحبة والرحمة، وألقى له في قلب السجان رحمة، فولى يوسف جميع المسجونين الذين في الحبس، وكل فعل كانوا يفعلونه هناك كان عن أمره، ولم يكن رئيس السجن

стр. 4607

يضرب على يديه في شيء، لأن الرب كان بعونه معه، وكل شيء كان يفعله ينجحه الرب. فلما كان بعد هذه الأمور، أذنب صاحب شراب ملك مصر والخباز - وفي نسخة موضع الخباز: ورئيس الطباخين - بين يدي سيدهما ملك مصر، فغضب فرعون على خادميه: على رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فأمر بحبسهما في سجن صاحب الشرط في الحبس الذي كان فيه يوسف، فسلط صاحب السجن يوسف عليهما فخدمهما، فلبثا في السجن أياماً، فرأيا رؤيا جميعاً، كل واحد منهما رئيا بكل في ليلة واحدة، وكل واحد منهما أحب تعبير حلمه،: الساقي وخباز - وفي نسخة: وطباخ - ملك مصر، فدخل عليهما يوسف بالغداة، فرآهما عابسين مكتئبين فسألهما وقال: ما بالكما يومكما هذا عابسي مكتئبين؟ فقالا له: إنا رأينا رؤيا وليس لها معبر، فقال لهما يوسف: إن علم التعبير عند الله، قصا عليّ. فقص رئيس أصحاب الشراب على يوسف وقال له: إني رأيت في الرؤيا كأن حبلة بين يدي، في الحبلة ثلاثة قضبان، فبينا هي

стр. 4608

كذلك إذ فرعت ونبت ورقها، وأينعت عناقيدها، فصارت عنباً، وكأن كأس فرعون في يدي، فتناولت من العنب، فعصرته في كأس فرعون، وناولت الكأس فرعون، فقال له يوسف ﵇: هذا تفسير رؤياك: الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام، ومن بعد ثلاثة أيام يذكرك فرعون فيردك على عملك، وتناول فرعون الكأس في يده على العادة الأولى التي لم تزل تسقيه، فاذكرني حينئذ إذا أنعم عليك، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط، فاذكرني بين يدي فرعون، وأخرجني من هذا الحبس، لأني إنما سرقت من أرض العبرانين سرقة، وحصلت في الحبس هاهنا أيضاً بلا جرم جاء مني. فرأى رئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - أنه قد فسر تفسيراً حسناً فقال يوسف: رأيت أنا أيضاً في منامي كأن ثلاثة أطباق فيها خبز درمك على رأسي، وفي الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما يصنعه الخباز - وفي نسخة: عمل طباخ حاذق - وكان السباع والطير تأكلها من الطبق من فوق رأسي؛ فأجاب يوسف وقال له: هذا تفسير رؤياك: ثلاثة أطباق هي ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام يأمر فرعون بضرب عنقك وصلبك على خشبة، ويأكل الطير لحمك. فلما كان اليوم الثالث - وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ فرعون

стр. 4609

وليمة، فجمع عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فأمر برد رئيس أصحاب الشراب على موضعه، وسقى فرعون الكأس كعادته، وأمر بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة والسلام، فلم يذكر رئيس أصحاب الشراب يوسف ﵊ ونسيه.

стр. 4610

ولما بطل هذا السبب الذي أمر به يوسف ﵊، وهو تذكير الشرابي به، أثار الله سبحانه سبباً ينفذ به ما أراد من رئاسته وقضى به من سجود من دلت عليه الكواكب فقال دالاً على ذلك: ﴿وقال الملك﴾ وهو شخص قادر واسع المقدور إليه السياسه والتدبير، لملاه وهم السحرة والكهنة والحزرة والقافة والحكماء، وأكد ليعلم أنه محق في كلامه غير ممتحن: ﴿إني أرى﴾ عبر بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله من ذلك ﴿سبع بقرات سمان﴾ والسمن: زيادة البدن من اللحم والشحم ﴿يأكلهن سبع﴾ أي بقرات ﴿عجاف﴾ والعجف: يبس الهزال ﴿و﴾ إني أرى ﴿سبع﴾ . ولما كان تأويل المنام الجدب والقحط والشدة، أضاف العدد إلى جمع القلة بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله ﴿أنبتت سبع

стр. 4611

سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] فقال: ﴿سنبلات خضر و﴾ إني أرى سبع سنبلات ﴿أخر يابسات﴾ التوت على الخضر فغلبت عليها، وكأنه حذف هذا لدلالة العجاف عليه؛ والسنبلة: نبات كالقصبة حملة حبوب منتظمة، وكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال الملك: ﴿ياأيها الملأ﴾ أي الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مخابرهم ومآثرهم ﴿أفتوني﴾ أي أجيبوني وبينوا لي كرماً منكم بقوة وفهم ثاقب. ولما كان مراده أن لا يخرجوا بالجواب عن القصد ولا يبعدوا به، عبر بما يفهم الظرف فقال: ﴿في رؤياي﴾ ومنعهم من الكلام بغير علم بقوله: ﴿إن كنتم للرؤيا﴾ أي جنسها ﴿تعبرون *﴾ وعبارة الرؤيا: تأويلها بالعبور من علنها إلى سرها كما تعبر، من عبر النهر - أي شطه - إلى عبره الآخر، ومثله أولت الرؤيا - إذا ذكرت مالها ومرجعها المقصود بضرب المثال. والمادة - بتراكيبها الستة: عرب، وعبر، ورعب، وربع، وبعر، وبرع - تدور على الجواز من محل إلى محل ومن حال إلى حال، وأكثر ذلك إلى أجود، فالعرب سموا لأن مبنى أمرهم على الارتحال لاستجادة المنازل، وأعرب - إذا أفصح، أي تكلم بكلام العرب فأبان عن مراده، أي أجازه من العجمة والإبهام إلى البيان، وأعرب الفرس - إذا

стр. 4612

خلصت عربيته، فكأنه جاز مرتبة الهجن إلى العرب، وكذا الإبل العراب، والعروبة: يوم الجمعة - لعلو قدرها عن بقية الأيام، والعروب: المرأة الضاحكة العاشقة لزوجها المتحببه إليه المظهرة له ذلك، وهي أيضاً العاصية لزوجها - لأن كل ذلك أفعال العرب، فهم أعشق الناس وأقدرهم على الاستمالة بالكلام العذب، وهم أعصى الناس وأجفاهم إذا أرادوا، والعرب - ويحرك: النشاط - لأنه انتقال عن الكسل، وقد عرب - كفرح - إذا نشط وإذا ورم، لأن الوارم يتجاوز هيئة غيره، وعربت البئر: كثر ماءها فارتفع، وعرب - كضرب: أكل، والعربة، محركة: النهر الشديد الجري، والنفس - لكثرة انتقالها بالفكر، والعربون: ما عقد به المبايعة من الثمن، فنقل السلعة من حال إلى حال، واستعربت البقر: اشتهت الفحل، إما من العروب العاشقة لزوجها، وإما لنقل الشهوة لها من حال إلى أخرى، وتعرب: أقام بالبادية، مع الأعراب الذين لا يوطنون مكاناً، وإنما

стр. 4613

هم مع الربيع، وعروباء: اسم السماء السابعة - لارتفاعها عن جميع السماوات، فكأنها جازت الكل، ولأن حركتها حركة للكل، والعرب - بالكسر: يبيس البهمي، لأنه صار أهلاً للنقل ولو بتطيير الهواء، والعربي: شعير أبيض سنبله حرفان - كأنه نسب إلى العرب لجودته، والإعراب: إجراء الفرس ومعرفتك بالفرس العربي من الهجين - لانتقال حال الجهل بذلك إلى حال العلم، وأن لا يلحن في الكلام - كأنه انتقل بذلك من العجمة إلى العربية، وعرب الرجل - بالكسر - إذا أتخم، وكذا الفرس من العلف، ومعدته: فسدت، وجرحه: بقي به أثر بعد البرء، كل ذلك ناقل من حال إلى غيرها، والتعريب: تهذيب المنطق من اللحن - كأنه رفع نفسه إلى العرب، وقطع سعف النخل - لأنه نقلها عن حالها إلى أصلح منه، وأن تكون الدابة على أشاعرها ثم تبزع بمبزع، والتعريب أيضاً والإعراب: ما قبح من الكلام، وتقبيح قول

стр. 4614

القائل كأنه حكم بزوال عربيته، وهما أيضاً الرد عن القبيح، وذلك إدخاله في خصال العرب التي هي معالي الأخلاق، وهما أيضاً النكاح، أو التعريض به لأن نقله من حال إلى حال وفعل إلى فعل قولاً وعملاً، والتعريب: الإكثار من شرب الماء الصافي، واتخاذ فرس عربي، وسما بها عريب، أي أحد يعرب؛ وعبر الرؤيا - إذا فسرها وأخبر بما يؤول إليه أمرها، كأنه جاز ظاهرها إلى بطن منها، وعبرت الكتاب أعبره عبراً: تدبرته ولم ترفع به صوتك، وعبرت النهر: قطعته من عبره - أي شطه - إلى عبره، والعبر أيضاً: الجانب، لأنه يعبر منه وإليه، والمعبر: سفينة يعبر عليها النهر وشط هيىء للعبور، وعبر القوم: ماتوا، والعبرة - بالكسر: العجب، وبالفتح: الدمعة قبل أن تفيض - كأن لها قوة الجري، أو هي تردد البكاء في الصدر أو الحزن بلا بكاء، لأن ذلك مبدأ جري الدمع؛ وفي مختصر العين: وعبرة الدمع: جريه، والعبرة: الدمع نفسه. والعبر - بالضم ويحرك: سخة العين، والكثير من كل شيء، وبالجماعة - لأن ذلك جوازعن حد القلة، ولأنهم

стр. 4615

يجيزون ما شاؤوا، ومجلس عبر - بالكسر والفتح: كثير الأهل - من ذلك، وأيضاً هو أهل لأن يعبر بجماعته من حال إلى حال، وبامرأة مستعبرة - وتفتح الباء: غير محظية، أي هي أهل لجري العبرة، وناقة عبر أسفار - مثلثة قوية، وعبرت عن الرجل فتكلمت عنه - كأنك عبرت من خاطره إلى خاطر المخاطب، وعبرت الدنانير تعبيراً: وزنتها ولم تبالغ في وزنها - كأنك عبرت من الجهل بمقدارها إلى الظن، أو عابر سبيل، أحي مار؛ والشعري: العبور: نجم خلف الجوزاء، والعبور: الجذعة من الغنم - لأنها جازت سنة وتأهلت العبور مع الغنم وكانت في عدادها، والعبور: لأقلف - لأن كمرته عابرة في قلفته، وغلام معبر: لم يختن، ورجل عبر: كاد أن يحتلم ولم يختن بعد، أي كاد أن يصير إلى خذ البالغين على هذه الحال، وهي أن كمرته عابرة في قلفته، وعبر به الأمر تعبيراً: اشتد عليه - كأنه جاز من حالة الرخاء إلى الشدة وعبرت به أهلكته، والمعبرة - بالتخفيف: ناقة لم تنتج ثلاث سنين، فيكون أصلب لها - لأنها صارت أهلاً لأن يعبر عليها في الأسفار، والعبير ضرب من الطيب - لعبور ريحه،

стр. 4616

والزعفران - لعبور لونه وريحه، والعبرى: السدر النهري - لنباته في عبر النهر، والمعبر من الجمال: الكثير الوبر، ومن الشاء: التي لم تجز - كأنه لجواز الصوف عن حد جلدهما، وسهم معبر وعبير: كثير الريش - كأنه عبر عن حد العادة، والعبر - بالضم: الثكلى، لأنها أهل لإرسال العبرة، والسحاب التي تسير شديداً، والعقاب - لقوتها على قطع المسافات، ونبات عبر: الكذب والباطل - لسرعة زواله؛ ورعبت فلاناً: أفزعته، فهو مرعوب - لأنك أجزته من الأمن إلى الخوف، وسيل راعب: أي يملأ الوادي، وراعب: أرض، منها الحمام الراعبية، والحمام أيضاً لها قوة العبور بالرسائل من مكان إلى مكان، ورعبت الحمامة في صوتها ترعيباً: رفعته، ورعبت السنام: قطعته، والرعبوبة: قطعة منه - لأنها جازت مكانها، وجارية رعبوبة ورعبوب: حسنة القوام تامة - كأنها جازت أقرانها حسناً، والرعب: القصار، واحدهم رعيب وأرعب، تشبيه بالقطعة من السنام؛ والبعر: رجيع الخف والظلف إلا البقر الأهلية، لأنها تخثى، والوحشية تبعر بعراً -

стр. 4617

لأنه يجوز من مكانه من غير أن يلوثه، فلا يبقى منه به شيء، والمعبر، مكانه، والبعير: الجمل البازل أو الجذع، وقد يكون الحمار وكل ما يحمل؛ وفي مختصر العين: وإذا رأت العرب ناقة أو جملاً من بعيد قالوا: هذا بعير، فإذا عرفوا قالوا للذكر: جمل، وللأنثى: ناقة، والبعرة - بالتحريك: الكمرة، تشبيهاً بها، والربع: المنزل والدار بعينها، والمحلة - لأنها يخرج منها ويدخل إليها، ولذلك سميت متبوأ، لأنها يتبوأ إليها، أي يرجع، وربع يربع: أقام، وأربع على نفسك: انتظر، كأنه من الربع، أي المنزل، لأنه يقام فيه: وربع - إذا أخصب - للانتقال من حال إلى حال أخرى، وهم على ربعاتهم، أي استقامتهم وأمرهم الأول - كأنه من المنزل، والروبع - كجوهر: الضعيف الدنيء - كأن ذلك يلزم من الإقامة في المنزل، وبهاء: قصير العرقوب، والرجل القصير - كأنه تشبيه بالربعة في مطلق القصر عن الطويل، وربع الحجر: رفعه، والحمل: رفعه على الدابة، والمربوع: المنعوش

стр. 4618

المنفس عنه - لتحول الحال في كل ذلك، والمربعة: خشبة يرفع بها العدل، والمرابعة: أن تأخذ يد صاحبك وترفعا الحمل على الدابة - كأنه مع النقل مأخوذ من الأربعة، وهي أيضاً المعادلة بالربيع، ومنه تربعت الناقة سناماً طويلاً، أي حملته، وربيع الشهور: شهران بعد صفر، وربيع الفصول اثنان الذي فيه النور والكمأة، والذي تدرك فيه الثمار - للانتقال في كل منهما، والربع - كصرد: الفصيل ينتج في الربيع، وناقة مربع: ذات ربع، وأربع القوم: صاروا أربعة، ودخلوا في الربيع، وأقاموا في المربع، وربعت الأرض: أصابها مطر الربيع، والمرابيع: الأمطار أول الربيع، وأربع الرجل - إذا ولد له في شبابه، تشبيهاً للشباب بالربيع، وناقة مرباع - إذا كانت عادتها أن تنتج في ربعية القيظ، والربعية: أول الشتاء، والربيع: الجدول - لجريه وإنبات ما حوله، وجمعه أربعاء، والحجر يشيلونه لتجربة القوى،

стр. 4619

والرابع تلو الثالث - لأنه جاز الجمع، ووتر وحبل مربوع: مفتول على أربع قوى، وربعتُ القوم أربعهم: صرت رابعهم، والأربعاء: يوم، والمرباع: ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس، والرباعية - كثمانية: السن بين الثنية والناب، وعدتها أربع، وكل ما بلغ الأربعة رباع كثمان، ويقول للغنم في الرابعة وللبقر والحافر في الخامسة وللخف في السابعة: أربعت، كأنه لا يجوز في كل نوع من حد الصغر إلى الكبر إلا بذلك، وأربع الفرس: ألقى رباعيته، وحمى ربع: تأتي في اليوم الرابع، وقد ربع الرجل وأربع، وهو معنى ما قال في القاموس: وربعته الحمى: أخذته الحمى يوماً بعد يومين، لأن يومها الثاني هو رابع يومها الأول، والربعة - بالفتح: جونة العطار - لتضوع ريحها، والرجل بين الطويل والقصير - ويحرك - كالمربوع، لجوازه حد كل منهما، هذا إلى الطول، وهذا إلى القصر، وارتبع: صار ربعة، والربعة - محركة: أشد عدو الإبل، والمسافة بين أثافي

стр. 4620

القدر - لعبور كل منهما عن محل صاحبتها، وأربع ماء الركية: كثر، فجاز عن محله الأول، وعلى فلان: سأله ثم ذهب ثم عادوه، وعلى المرأة: كر إلى جماعها، والقوم إبلهم مكان كذا: رعوها وأرسلوها على الماء ترد متى شاءت، ويجوز أن يكون هذا أيضاً من الربيع، وأربعت الناقة - إذا استغلقت رحمها فلم تقبل الماء، كأنها أزالت العبور، أي الانتقال من حال إلى أخرى، والربيعة: البيضة من السلاح - لنقلها صاحبها إلى الحصانة، والروضة - لجواز النبت فيها عن حد الأرض، والمربع: شراع السفينة - لأنه آلة السير، والمربع: الرجل الكثير النكاح - لعبوره عن حالة الأولى، ولجلوسه بين الشعب الأربع، وتربع في جلوسه ضد جثا، إما لأنه صار على شكل المربع، وإما أخذا من الربع إلى المنزل، لأنها جلسة المقيم في منزله، وتربعت النخيل: خرقت وصرمت - لتحول حالها، واستربع الرمل: تراكم، إما لجوازه عن حاله الأولى، وإما من الإقامة في الربع، واستربع الغبار، ارتفع، والبعير للمسير: قوى عليه وصبر،

стр. 4621

والرجل بالأمر: استقل وصبر، وفلان يقيم رباعة قومه، أي شأنهم وحالهم أي يجيزهم من حال إلى أخرى، ومضى من بني فلان ربوع بعد ربوع، أي أحياء بعد أحياء، إما لأن ذلك جواز من دار إلى دار وحال إلى حال، وإما على حذف مضاف، أي أهل ربوع منازل، واليربوع: دابة كالفأرة، إما لشدة جريها، وإما لجعلها نافقاءين تهرب من أيهما شاءت، فهي عبارة منتقلة بالقوة وإن كانت ساكنة، واليربوع: لحمة المتن - كأنه مشبه بالدابة؛ وبرع الرجل - مثلثة: فاق أصحابه في علم أو غيره، أو تم في كل فضيلة وجمال، وهذا أبرع منه: أضخم - لأنه جاز مقداره، والبارع: الأصيل الجيد الرأي، وتبرع بالعطاء: تفضل بما لا يجب عليه من عند نفسه كأنه جاز رتبة الواجب - والله أعلم. وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ هذه الرؤيا ﴿أضغاث﴾ أي أخلاط، جمع ضغث - بكسر الضاد وإسكان

стр. 4622

الغين المعجمة، وهو قبضه حشيش مختلطة الرطب باليابس ﴿أحلام﴾ مختلفة مشتبهة، جمع حلم - بضم الحاء وإسكان اللام وضمه، وهو الرؤيا - فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً - لكونه من حديث النفس أو وسوسة الشيطان، لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها، لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحريف الشيطان وتخليطاته، وتارة من حديث النفس؛ ثم قالوا: ﴿وما نحن﴾ أي بأجمعنا ﴿بتأويل﴾ أي ترجيع ﴿الأحلام﴾ أي مطلق الأضغاث وغيرها، وأعرقوا في النفي بقولهم: ﴿بعالمين *﴾ فدلسوا من غير وجه، جمعوا - وهي حلم واحد - ليجعلوها أضغاثاً لا مدلول لها، ونفوا عن أنفسهم «العلم المطلق» المستلزم لنفي «العلم بالمقيد» بعد أن أتوا بالكلام على هذه الصورة، ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثاً - والله أعلم؛ والقول: كلام متضمن بالحكاية في البيان عنه، فإذا ذكر أنه قال، اقتضى الحكاية لما قال، وإذا ذكر أنه تكلم، لم يقتض حكاية لما تكلم به، ومادة «حلم» بجميع تقاليبها تدور على صرف شيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه الجبلة - كما يأتي في الرعد في قوله: ﴿شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] .

стр. 4623

ولما كان هذا حالاً مذكراً للساقي بيوسف عليع الصلاة والسلام -

стр. 4624

أخبر سبحانه بأنه ذكره بعد نسيانه، فقال عادلاً عن الفاء إيذاناً بأنه من الملا: ﴿وقال الذي نجا﴾ أي خلص من الهلاك ﴿منهما﴾ أي من صاحبي السجن، وهو الساقي ﴿و﴾ الحال أنه ﴿ادكر﴾ - بالمهملة، أي طلب الذكر - بالمعجمة، وزنه افتعل ﴿بعد أمة﴾ من الأزمان، أي أزمان مجتمعة طويلة ﴿أنا أنبئكم﴾ أي أخبركم إخباراً عظيماً ﴿بتأويله﴾ أي بتفسير ما يؤول إليه معنى هذا الحلم وحده كما هو الحق، وسبب عن كلامه قوله: ﴿فأرسلون *﴾ أي إلى يوسف ﵊ فإنه أعلم الناس، فأرسلوه إليه؛ قال ابن عباس ﵄: ولم يكن السجن في المدينة، فأتاه فقال الساقي المرسل بعد وصوله إليه منادياً له بالنداء القرب تحبباً إليه: ﴿يوسف﴾ وزاد في التحبب بقوله: ﴿أيها الصديق﴾ أي البليغ في الصدق والتصديق لما يحق تصديقه بما جربناه منه ورأيناه لائحاً عليه ﴿أفتنا﴾ أي اذكر لنا الحكم ﴿في سبع﴾ وميز العدد بجمع السلامة الذي هو للقلة - كما مضى لما مضى - فقال: ﴿بقرات سمان﴾

стр. 4625

أي رآهن الملك ﴿يأكلهن سبع﴾ أي من البقر ﴿عجاف﴾ أي مهازيل جداً ﴿و﴾ في ﴿سبع سنبلات﴾ جمع سنبلة، وهي مجمع الحب من الزرع ﴿خضر و﴾ في سبع ﴿أخر﴾ أي من السنابل ﴿يابسات﴾ وساق جواب السؤال سياق الترجي إما جرياً على العوائد العقلاء في عدم البتّ في الأمور المستقبلة، وإما لأنه ندم بعد إرساله خوفاً من أن يكون التأويل شيئاً لا يواجه به الملك، فعزم على الهرب - على هذا التقدير، وإما استعجالاً ليوسف ﵊ بالإفتاء ليسرع في الرجوع، فإن الناس في غاية التلفت إليه، فقال: ﴿لعلي أرجع إلى الناس﴾ قبل مانع يمنعني. ولما كان تصديقهم ليوسف ﵊ وعلمهم بعد ذلك بفضله وعملهم بما أمرهم به مظنوناً، قال: ﴿لعلهم يعلمون *﴾ أي ليكونوا على رجاء من أن يعلموا فضلك أو ما يدل ذلك عليه من خير أو شر فيعلموا لكل حال ما يمكنهم عمله، فكأنه قيل: فما قال له؟ فقيل: ﴿قال﴾ : تأويله أنكم ﴿تزرعون﴾ أي توجدون الزراعة. فهو إخبار بمغيب، فهو أقعد في معنى الكلام، ويمكن أن يكون خبراً بمعنى الأمر
следующие страницы →