← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

مهموزه الأرش، وهي الدية، لأنها يلج في طلبها والرضى بها وأكثر ما يتعاطى من أمرها، وهو أيضاً الرشوة، وما نقص العيب من الشيء - قال في القاموس، لأنه سبب للارش والخصومة، وبينهما أرش، أي اختلاف وخصومة، والأرش: الإغراء والإعطاء، لأن المعطي يغلب نفسه، فكأنه خاصمها فلج حتى غلبها، والأرش: الخلق، لأنه منشأ اللجاج، يقال: ما أدري أي الأرش هو؟ أي الخلق، والمأروش: المخلوق، وآرش - كصاحب: جبل - انقضى المهموز. والروش: الأكل الكثير، والأكل القليل - ضد، وفهو من التمادي والضعف الذي ربما نشأ من التمادي مع شبهه بالريش، وجمل راش: كثير شعر الأذن؛ ومن التبيين: شار الدابة - إذا ركبها عند العرض على مشتريها، وشورها: نظر كيف مشوارها، أي سيرها، أو بلاها ينظر ما عندها

стр. 4552

أو قلبها وكذا الأمة، واستشار الفحل الناقة: كرفها فنظر إليها ألاقح هي أم لا؟ واستشار أمر فلان: تبين، والمستشير: من يعرف الحائل من غيرها، وهو يرجع إلى التمادي، لأنه لولاه ما عرف الأمر؛ ومن الضعف: راشاه: حاباه وصانعه، وترشاه: لاينه، وإنك لمسترش لفلان: مطيع له تابع لمسرته، وهو من الرشوة، وجمل راش: ضعيف الصلب، وكذا رمح راش، وهي بهاء، وراشه المرض: ضعفه، كأنه من الريش، وكل ذلك يرجع بعد التأمل إلى التمادي - والله أعلم. ومادة «بخس» بكل ترتيب من بخس وخبس وسبخ وسخب تدور على القلة، ويلزمها الأخذ بالكف: بخسته حقه: نقصته فجعلته أقل مما كان، والبخس: فقء العين، فهو نقص خاص، والبخس: أرض تنبت بلا سقي، كأنه لقلة ما نبت بها بالنسبة إلى أرض السقي، والبخس: المكس، وسبخت عن فلان: خففت عنه، والسبخة: أرض ملحة، لقلة نبتها ونفعها، وسبخت القطن - إذا قطعته،

стр. 4553

فصارت جملته قليلة؛ والتسبيخ: ما يسقط من ريش الطائر - لنقصه منه، والتسبيخ: النوم الشديد - لنقصه صاحبه وتخفيفه ما عنده من الثقل؛ ومن ذلك الخبس، وهو الأخذ بالكف - وهو لازم للقلة، ومنه قيل للأسد: الخابس، لأخذه ما يريده بكفه؛ والسخاب: قلادة من قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. ولما كان البخس القليل الناقص، أبدل منه - تأكيداً للمعنى تسفيهاً لرأيهم وتعجيباً من حالهم - قوله: ﴿دراهم﴾ أي لا دنانير ﴿معدودة﴾ أي أهل لأن تعد، لأنه لا كثره لها يعسر معها ذلك، روى عن ابن عباس ﵄ أنها كانت عشرين درهماً ﴿وكانوا﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿فيه﴾ أي خاصة دون بقية متاعهم، انتهازاً للفرصة فيه قبل أن يعرف عليهم فينزع من أيديهم ﴿من الزاهدين *﴾ أي كمال الزهد حتى رغبوا عنه فباعوه بما طف، والزهد: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه عند الزاهد، وهذا يعين أن الضمير للسيارة لأن حال إخوته في أمره فوق الزهد بمراحل، فلو كان لهم لقيل: وكانوا له من المبعدين أو المبغضين، ونحو ذلك.

стр. 4554

ولما كانت العادة جارية بأن القن يمتهن، أخبر تعالى أنه أكرمه عن هذه العادة فقال منبهاً على أن شراءه كان بمصر: ﴿وقال الذي اشتراه﴾ أي أخذه برغبة عظيمة، ولو توقفوا عليه غالى في ثمنه ﴿من مصر﴾ أي البلدة المعروفة، والتعبير بهذا دون ما هو أخصر منه للتنبيه على أن بيعه ظلم، وأنه لم يدخل في ملك أحد أصلاً ﴿لامرأته﴾ آمراً لها بإكرامه على أبلغ وجه ﴿أكرمي مثواه﴾ أي موضع مقامه، وذلك أعظم من الأمر بإكرامه نفسه، فالمعنى: أكرميه إكراماً عظيماً بحيث يكون ممن يكرم كل ما لابسه لأجله، ليرغب في المقام عندنا. ولما كانت كأنها قالت: ما سبب إيصائك لي بهذا دون غيره؟ استأنف قوله: ﴿عسى أن﴾ أي إن حاله خليق وجدير بأن ﴿ينفعنا﴾ أي وهو على اسم المشتري ﴿أو نتخذه﴾ أي برغبة عظيمة إن رأيناه أهلاً ﴿ولداً﴾ فأنا طامع في ذلك. ولما أخبر تعالى بمبدأ أمره، وكان من المعلوم أن هذا إنما هو لما مكن له في القلوب مما أوجب توقيره وإجلاله وتعظيمه، أخبر تعالى بمنتهى أمره، مشبهاً له بهذا المضمون المعلم به فقال: ﴿وكذلك﴾ أي مثل ما مكنا ليوسف بتزهيد السيارة: أهل البدو تارة، وإكرام مشتريه ومنافسته فيه أخرى ﴿مكنا ليوسف في الأرض﴾

стр. 4555

أي أرض مصر التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من الحكم بالعدل ﴿و﴾ بالنبوة ﴿لنعلمه﴾ بما لنا من العظمة ﴿من تأويل الأحاديث﴾ أي بترجيعها من ظواهرها إلى بواطنها، فأشار تعالى إلى المشبه به مع عدم التصريح به لما دل عليه من السياق، وأثبت التمكين في الأرض ليدل على لازمه من الملك والتمكين من العدل، وذكر التعليم ليدل على ملزومه وهو النبوة، فدل أولاً بالملزوم على اللازم، وثانياً باللازم على الملزوم، وهو كقوله تعالى: ﴿فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾ [آل عمران: ١٣] فهو احتباك أو قريب منه. ولما كان من أعجب العجب أن من وقع له التمكين من أن يفعل به مثل هذه الأفعال يتمكن من أرض هو فيها مع كونه غريباً مستبعداً فرداً لا عشيرة له فيها ولا أعوان، قال تعالى نافياً لهذا العجب: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم ﴿غالب على أمره﴾ أي الأمر الذي يريده، غلبة ظاهر أمرها لكل من له بصيرة: أمر يعقوب يوسف عليهما

стр. 4556

الصلاة والسلام أن لا يقص رؤياه حذراً عليه من إخوته، فغلب أمره سبحانه حتى وقع ما حذره، فأراد إخوته قتله فغلب أمره عليهم، وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه فغلب أمره سبحانه وظهر اسمه واشتهر، ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب أمره تعالى حتى صار ملكاً وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يغروا أباهم ويطيّبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم، واحتالت عليه امراة العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره سبحانه فعصمه حتى لم يهم بسوء، بل هرب منه غاية الهرب، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله إلا إعزازه وبراءته، ثم أراد يوسف ﵊ ذكر الساقي له فغلب أمره سبحانه فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه سبحانه، وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أن لا أمر لغيره سبحانه! ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي الذين هم أهل الاضطراب ﴿لا يعلمون﴾ لعدم التأمل أنه تعالى عالٍ على كل أمر، وأن الحكم له وحده، لاشتغالهم بالنظر في الظواهر للأسباب التي يقيمها، فهو سبحانه محتجب عنهم بحجاب الأسباب. ذكر ما مضى من قصة يوسف ﵊ من التوراة:

стр. 4557

قال في أواخر السفر الثاني منها: كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنه، وكان يرعى الغنم مع إخوته، وكان إسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته، لأنه ولد على كبر سنه، فاتخذ له قميصاً ذا كمين، فرأى إخوته أن والدهم أشد حباً له منهم، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام، فرأى رؤيا قصها على إخوته فقال لهم: اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت، رأيت كأنا نحزم حزماً من الزرع في الزراعة، فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت، وإذا حزمكم قد أحاطت بها تسجد لها، قال له إخوته: أترى تملكنا وتتسلط علينا؟ وازدادوا له بغضاً لرؤياه وكلامه، فرأى رؤيا أخرى فقال: إني رأيت رؤيا أخرى، رأيت كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً يسجدون لي، فقصها على أبيه وإخوته، فزجره أبوه وقال له: ما هذه الرؤيا؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟

стр. 4558

فحسده إخوته، وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل. وانطلق إخوة يوسف يرعون غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف: هو ذا إخوتك يرعون في نابلس، هلم أرسلك إليهم! فقال: هأنذا! فقال أبوه: انطلق فانظر كيف إخوتك وكيف الغنم؟ وائتني بالخبر، فأرسله يعقوب ﵊ من قاع حبرون، فأتى إلى نابلس، فوجده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل وقال: ما الذي تطلب في الحقل؟ فقال أطلب إخوتي، دلني عليهم أين يرعون؟ قال له الرجل: قد ارتحلوا من هاهنا، وسمعتهم يقولون: ننطلق إلى دوثان، فتبع يوسف إخوته فوجدهم بدوثان، فرأوه من بعيد، ومن قبل أن يقترب إليهم هموا بقتله، فقال بعضهم لبعض: هو ذا حالم الأحلام قد جاء، تعالوا نقتله ونطرحه في بعض الجباب، ونقول: قد افترسه سبع خبيث، فننظر ما يكون من أحلامه! فسمع روبيل فأنقذه من أيديهم وقال لهم: لا تقتلوا نفساً، ولا تسفكوا دماً، بل ألقوه في هذا الجب الذي في البرية، ولا تمدوا أيديكم إليه، وأراد أن ينجيه من أيديهم ويرده إلى أبيه. فلما أتى يوسف إخوته خلعوا عنه القميص ذا الكمين الذي

стр. 4559

لابِسَه، وأخذوه فطرحوه في الجب فارغاً لا ماء فيه، فجلسوا يأكلون خبزاً فمدوا أبصارهم فرأوا فإذا رفقة من العرب مقبلة من جلعاد - وفي نسخة: من الجرش - وكانت إبلهم موقرة سمناً ولبناً وبطماً، وكانوا معتمدين إلى مصر فقال يهوذا لإخوته: ما متعتنا بقتل أخينا وسفك دمه؟ تعالوا نبيعه من العرب، ولا نبسط أيدينا إليه لأنه أخونا: لحمنا ودمنا، فأطاعه إخوته، فمر بهم قوم تجار مدينيون، فأصعدوا يوسف من الجب وباعوه من الأعراب بعشرين درهماً، فأتوا به إلى مصر. فرجع روبيل إلى الجب فإذا ليس فيه يوسف، فشق ثيابه ورجع إلى إخوته وقال لهم: أين الغلام؟ إلى أين أذهب أنا الآن؟ فأخذوا قميص يوسف ﵊ فذبحوا عتوداً من المعز ولوّثوا القميص بدمه وأرسلوا به مع من أتى به أباهم وقالوا: وجدنا هذا، أثبته هل هو قميص ابنك أم لا؟ فعرفه وقال: القميص قميص ابني، سبع خبيث افترس ابني يوسف افتراساً، فحزن على ابنه أياماً كثيرة، فقام جميع بنيه وبناته ليعزوه فأبى أن يقبل العزاء وقال: أنزل إلى القبر وأنا حزين

стр. 4560

على يوسف، فبكى عليه أبوه. وباع المدينيون يوسف من قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون - انتهى، وفيه ما يخالف ظاهرة القرآن ويمكن تأويله - والله أعلم.

стр. 4561

ولما أخبر تعالى يوسف عما يريد بيوسف ﵊ بما ختمه بالإخبارعن قدرته، أتبعه الإعلام بإيجاد ذلك الفعل دلالة على تمام القدرة وشمول العلم فقال: ﴿ولما بلغ أشده﴾ أي مجتمع قواه ﴿آتيناه﴾ أي بعظمتنا ﴿حكماً﴾ أي نبوة أو ملكة يكف بها النفس عن هواها، من حكمة الفرس، فلا يقول ولا يفعل إلا أمراً فصلاً تدعو إليه الحكمة؛ قال الرماني: والأصل في الحكم تبيين ما يشهد به الدليل، لأن الدليل حكمة من أجل أنه يقود إلى المعرفة ﴿وعلماً﴾ أي تبييناً للشيء على ما هو عليه جزاء له لأنه محسن ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به ﴿نجزي المحسنين *﴾ أي العريقين في الإحسان كلهم الذين رأسهم محمد ﷺ الذي أسرى به فأعلاه ما لم يعل غيره؛ وعن الحسن: من أحسن عبادة الله في

стр. 4562

شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله، والأشد: كمال القوة، وهو جمع شدة عند سيبوبه مثل نعمة وأنعم، وقال غيره: جمع شد؛ قال ابن فارس في المجمل: وبعضهم يقول: لا واحد لها، ويقال: واحدها شد - انتهى. قيل: وهذا هو القياس نحو ضب وأضب، وصك وأصك، وحظ وأحظ، وضر وأضر، وشر وأشر قال الرماني: قال الشاعر: هل غير أن كثر الأشرّ وأهلكت ... حرب الملوك أكاثر الأموال انتهى. واختلفوا في حد الأشد فقيل: هو من الحلم، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه من عشرين سنة، وروى غير ذلك، والمادة تدور على الصعوبة، وهي ضد الرخاوة، ويلزمها القوة، فالشد على العدو منها، وشد الحبل وغيره: أحكم فتله، والشديد والمتشدد: البخيل - لصعوبة البذل عليه، والشدة: صعوبة الزمان، وشد النهار: ارتفاعه، وهو قوته، وشددت فلاناً: قويت يده ودبرت أمره، وأشد القوم - إذا كانت دوابهم شداداً فهم مشدون ضد مضعفين.

стр. 4563

ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة عليه إحسانه، أتبعه دليله فقال: ﴿وراودته﴾ أي راجعته الخطاب ودارت عليه بالحيل، فهو كناية عن المخادعة التي هي لازم معنى راد يرود - إذا جاء وذهب ﴿التي﴾ هي متمكنة منه غاية المكنة بكونه ﴿هو في بيتها﴾ وهو في عنفوان الشباب ﴿عن نفسه﴾ أي مراودة لم تكن لها سبب إلا نفسه، لأن المراودة لا يمكن أن تتجاورز نفسه إلاّ بعد مخالطتها - كما تقول: كان هذا عن أمره، وذلك بأن دارت عليه بكل حيلة ونصبت له أشراك الخداع وأقامت حيناً تفتل له في الذروة والغارب، وذلك لأن مادة «راد» واوية ويائية بجميع تقاليبها السبعة: رود، ودور، وورد، «ودير» وردي، وريد، ودري - تدور على الدوران، وهو الرجوع إلى موضع الابتداء، ويلزم منه القصد والإتيان والإقبال والإدبار والرفق والمهلة وإعمال الحيلة وحسن النظر، وربما يكون عن غير قصد فتأتي منه الحيرة فيلزم الفساد والهلاك، يقال: دار فلان يدور - إذا مشى على هيئة الخلقة، والدهر دواري - لدورانه باهله بالرفع والحط، والدوار: شبه دوران في الرأس، ودارة القمر معروفة، والدائرة: الحلقة والدار

стр. 4564

تجمع العرصة والبناء - لدوران بنائها وللدوران فيها وللذهاب منها والرجوع إليها، والداري: الملاح الذي يلي الشراع، وهو القلع - لأنه يديره على عمود المركب، أو لأنه يلزم دار السفينة؛ والرائد: الذي يرتاد الكلأ، أي يذهب ويجيء في طلبه - لمّا لم يكن له مقصد من الأرض معين كأنه يدور فيها، والذي لا يكذب أهله، وكل طالب حاجة - قاله ابن دريد. وراودت الرجل: أردته على فعل؛ ورائد الرحى: يدها، أي العود الذي تدار به ويقبض عليه الطاحن، والرياد: اختلاف الإبل في المرعى مقبلة ومدبرة، ورادت المرأة - إذا اختلفت إلى بيوت جاراتها، وراد وساده - إذا لم يستقر، والرود: الطلب والذهاب والمجيء، وامش على رود - بالضم، أي مهل، وتصغيره رويد، والمرود: الذي يكتحل به، لأنه يدار في العين، وحديدة تدور في اللجام، ومحور البكرة من حديد، والدير: معروف، ويقال لرجل إذا كان رأس أصحابه: هو رأس الدير - كأنه من إرادة أصحابه به، وترديت الرداء وارتديت - كأنه من الإدارة، والرداء: السيف - لأنه

стр. 4565

يتقلد به في موضع الردى، والرديان - محركاً: مشى الحمار بين آريه ومتمعكه، وراديت فلاناً، مثل: راودته، وردت الجارية - إذا رفعت إحدى رجليها وقفزت بواحدة، لأت مشيها حينئذٍ يشبه الدوران، والريد - بالكسر: الترب، لأنه يراودك، أي يمشي معك من أول زمانك؛ ومن الإتيان: الورود، وهو إتيان المورد من ماء وطريق، والوارد: الصائر إلى الماء للاستقاء منه، وهو الذي ينزل إلى الماء ليتناول منه، والورد معروف، ونور كل شجرة ورد، لأنه يقصد للشم وغيره، ويخرج هو منها فهو وارد أي آتٍ، وهو أيضاً مع ذلك مستدير، والورد - بالكسر: يوم الحمى إذا أخذت صاحبَها لوقت لأنها تأتيه، وهو من الدوران أيضاً لأنها تدور في ذلك الوقت بعينه، وهذا كله يصلح للإقبال، ومنه: أرنبة واردة، أي مقبلة على السبلة، والريد: أنف الجبل - قاله ابن فارس، وقال ابن دريد: والريد: الحيد الناتىء من الجبل، والجمع ريود؛ وفي القاموس: الحيد من الجبل شاخص

стр. 4566

كأنه جناح، ويسمى الشجاع الوارد، لإقباله على كل ما يريده واستعلائه عليه، والوريدان: عرقان مكتنفا صفحتي العنق مما يلي مقدمة غليظان، والورد: النصيب من القرآن، لأنه يقصد بالقراءة ويقبل عليه ويدار عليه، ودريت الشيء: علمته، فأنت مقبل عليه وارد إليه، والدرئة - مهموزة: حلقة يتعلم عليها الطعن والرمي، والدرية - مهموزة وغير مهموزة: دابة يستتر بها رامي الصيد فيختله، فهي من الإقبال والخداع، وإن بنى فلان أدورا مكاناً، أي اعتمدوا بالغزو والغارة، والدريّ: شبيه بمدرى الثور وهو قرنه، لأنه يقصد به الشيء ويقبل به على مراده فيصلحه به، وما أدري أين ردي؟ أي أين ذهب؟ والإرواد: المهلة في الشيء؛ وامش رويداً: على مهل، والرادة والريدة: السهلة من الرياح، فكأنها تأتي على مهل؛ ومن الحيرة والفساد والهلاك: ردي الرجل - إذا هللك، وأرداه الله،

стр. 4567

وتردى في هوة: تهور فيها، ورديته بالحجارة: رميته، والرداة: الصخرة، يكسر بها الشيء، والمرادي: المرامي؛ ومن حسن النظر: أرديت على الخمسين: زدت، لأنه يلزم حسن النظر الزيادة، وأراد الشيء على غيره، أي ربا عليه، وسيأتي بيان المهموز من هذه المادة في ﴿سنراود﴾ [يوسف: ٦١] من هذه السورة إن شاء الله تعالى ﴿وغلقت﴾ أي تغليقاً كثيراً ﴿الأبواب﴾ زيادة في المكنة، قالوا: وكانت سبعة؛ والإغلاق: إطباق الباب بما يعسر معه فتحه ﴿وقالت هيت﴾ أي تهيأت وتصنعت ﴿لك﴾ خاصة فأقبل إليّ وامتثل أمري؛ والمادة - على تقدير إصالة التاء وزيادتها بجميع تقاليبها: يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة - تدور على إرادة امتثال الأمر: هيت لك - مثلثة الآخر وقد يكسر أوله، أي هلم، وهيت تهييتاً: صاح ودعاه، وهات - بكسر التاء أعطني - قال في القاموس، والمهاياة مفاعلة منه، والهيت: الغامض من الأرض، كأنه يدعو ذا الهمة إلى الوقوف على حقيقته، والتيه - بالكسر: الكبرياء والصلف، فالتائه داع بالقوة إلى امتثال أمره، والمفازة، فإنها تقهر سالكها، والضلال من المفازة - تسمية للشي باسم موضعه، ومنه: تها - بمعنى غفل، ومنه: مضى تهواء

стр. 4568

من الليل - بالكسر، أي طائفة، لأنها محل الغفلة، أو لأنها تدعو ساهرها إلى النوم ونائمها إلى الانتباه، هذا على تقدير إصالة التاء، وأما على تقدير أنها زائدة فهاءَ بنفسه إلى المعالي: رفعها، فهو يراه أهلاً لأن يمتثل أمرها، والهوء: الهمة والأمر الماضي، والهوء أيضاً: الظن، ويضم، وهؤت به: فرحت، ولا يكون ذلك إلاّ لفعل ما يشتهي، فكأنه امتثل أمرك، وهوىء إليه - كفرح: همّ، وهاء كجاء: لبى، أي امتثل الأمر، وهاء - بالكسر: هات، وهاء - كجاء، أي هاك، بمعنى خذ، والهيئة: حال الشيء وكيفيته الداعية إلى تركه أو لزومه، وتهايؤوا: توافقوا، وهاء إليه: اشتاق، فكأنه دعاه إلى رؤيته، وتهيأ للشيء: أخذ له هيئته، فكأنه صار قابلاً للأمر، أو لأن يمتثل أمره، وهيأه: أصلحه، والهيء - بالفتح والكسر: الدعاء إلى الطعام والشراب ودعاء الإبل للشرب، وإيه - بكسر الهمزة: كلمة استزاده واستنطاق، وبإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، وهأهأ: قهقه في ضحكه، ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده. ولما قالت ما قالت وفعلت ما فعلت، مع ما هي عليه

стр. 4569

من القدرة في نفسها ولها عليه من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب، كان كأنه قيل: إن هذا لموطن لا يكاد ينجو منه أحد، فماذا كان منه؟ فقيل: ﴿قال﴾ أي يوسف مستعملاً للحكم بالعلم ﴿معاذ﴾ أي أعوذ من هذا الأمر معاذ ﴿الله﴾ أي ألزم حصن الذي له صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علماً وقدرة، وملجأة الذي ينبغي الاعتصام به واللجاء إليه؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه﴾ أي الله ﴿ربي﴾ أي موجدي ومدبري والمحسن إليّ في كل أمر، فأنا أرجو إحسانه في هذا ﴿أحسن مثواي﴾ بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما يملك وائتمنني على كل ما لديه، فإن خالفت أمر ربي فخنت مَن جعلني موضعاً للأمانة كنت ظالماً واضعاً للشيء في غير موضعه، وهذا التقدير - مع كونه أليق بالصالحين المراقبين - أحسن، لأنه يستلزم نصح العزيز، ولو أعدنا الضمير على العزيز لم يستلزم التقوى. ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول: وإذا كان ظلماً كان ماذا؟ قال ما تقديره: إني إذن لا أفلح، وعلله بقوله: ﴿أنه لا يفلح﴾ أي لا يظفر بمراده أصلاً ﴿الظالمون *﴾ أي العريقون

стр. 4570

في الظلم - وهو وضع الشيء في غير موضعه - الذين صرت في عدادهم على تقدير الفعل، فيا له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه، فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه المباعد عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح. ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلاّ إذا كان عند غلبة الهوى وترامي الشهوة كما هو شأن الرجولية، قال تعالى رداً على من يتوهم ضد ذلك: ﴿ولقد همت به﴾ أي أوقعت الهم، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته، ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها ﴿وهمَّ بها﴾ كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب ﴿لولا أن رءآ﴾ أي بعين قلبه ﴿برهان ربه﴾ الذي آتاه إياه من الحكم والعلم، أي لهمّ بها، لكنه لما كان البرهان حاضراً لديه حضور من يراه بالعين، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى، فلم يهم أصلاً مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهمّ بها التوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلاً، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل

стр. 4571

عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء، وأن السجن أحب إليه من ذلك، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ [يوسف: ٢٥]- الآية، من مطلق الإرادة، ومع ما تحتم تقدير ما ذكر بعد «لولا» في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل قوله تعالى ﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾ [القصص: ١٠] أي لأبدت به، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت، ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب «لولا» المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام أبو حيان، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال: إن هذا قول المحققين من المفسرين، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب الأسماع، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل، وأنه ما منعه منه إلاّ العلم بالله، فكأنه قيل: إن هذا التثبيت عظيم، فقيل إشارة إلى

стр. 4572

أنه لازم له كما هو شأن العصمة: ﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر ﴿لنصرف عنه السوء﴾ أي الهمّ بالزنا وغيره ﴿والفحشاء﴾ أي الزنا وغيره، فكأنه قيل: لِمَ فعل به هذا؟ فقيل ﴿إنه من عبادنا﴾ أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة ﴿المخلصين *﴾ أي هو في عداد الذين هم خير صرف، لا يخالطهم غش، ومن ذريتهم أيضاً، وهذا مع قول إبليس ﴿لأغوينهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: ٨٣] شهادة من إبليس أن يوسف ﵊ بريء من الهمّ في هذه الواقعة؛ قال الإمام: فمن نسبه إلى الهمّ إن كان من أتباع دين الله فليقبل شهادة الله، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس بطهارته، قال: ولعلهم يقولون: كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل: وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... من الأمر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طراييق فسق ليس يحسنها بعدي

стр. 4573

ثم ذكر مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلاً على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلاً فقال: ﴿واستبقا الباب﴾ أي أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما، هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فأوصل الفعل إلى المفعول بدون «إلى» ، دليلاً على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى الله، ولكن عاقة إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه، وهو ما كان من ورائه خوف فواته، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها، ففتحه وأراد الخروج فمنعته ﴿و﴾ لم تزل تنازعه حتى ﴿قدت قميصه﴾ وكان القد ﴿من دبر﴾ أي الناحية الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها ﴿وألفيا﴾ أي وجدا مع ما بهما من الغبار والهيئة التي لا تليق بهما ﴿سيدها﴾ أي زوجها، ولم يقل: سيدهما، لأن يوسف ﵊ لم يدخل في رق - كما مضى - لأن المسلم لا يملك وهو السيد ﴿لدا﴾ أي عند ذلك ﴿الباب﴾ أي الخارج، على كيفية غريبة جداً، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام لأن السيد لا يقدر على

стр. 4574

فتحه فضلاً عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع. ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذه الحالة كان كأنه قيل: فما اتفق؟ فقيل: ﴿قالت﴾ مبادرة من غير حياء ولا تلعثم ﴿ما﴾ نافية، ويجوز أن تكون استفهامية ﴿جزاء من أراد﴾ أي منه ومن غيره كائناً من كان، لما لك من العظمة ﴿بأهلك سوءاً﴾ أي ولو أنه غير الزنا ﴿إلا أن يسجن﴾ أي يودع في السجن إلى وقت ما، ليحكم فيه بما يليق ﴿أو عذاب أليم﴾ أي دائم ثابت غير السجن؛ والجزاء: مقابلة العمل بما هو حقه، هذا كان حالها عند المفاجأة، وأما هو ﵊ فجرى على سجايا الكرام بأن سكت ستراً عليها وتنزهاً عن ذكر الفحشاء، فكأنه قيل: فماذا قال حين قذفته بهذا؟ فقيل ﴿قال﴾ دافعاً عن نفسه لا هاتكاً لها ﴿هي﴾ بضمير الغيبة لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب ﴿راودتني عن نفسي﴾ وما قال ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كانا فيه، وهو

стр. 4575

أنهما عند الباب، ولو كان الطلب منه لما كانا إلا في محلها الذي تجلس فيه، وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه ﴿وشهد﴾ ولما كان كل صالح للشهادة كافياً، فلم تدع ضرورة إلى تعيينه، قال: ﴿شاهد﴾ أي عظيم ﴿من أهلها﴾ لأن الأهل أعظم في الشهادة، رضيع ببراءته - نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ وسعيد ابن جبير، كما شهد للنبي ﷺ في حجة الوداع صبي من أهل اليمامة يوم ولد بأنه رسول الله، فكان يدعي: مبارك اليمامة. فقال ذلك الشاهد ﴿إن كان﴾ أي حال المراوغة ﴿قميصه﴾ أي فيما يتبين لكم ﴿قدَّ﴾ أي شق شقاً مستأصلاً ﴿من قبل﴾ أي من جهة ما أقبل من جسده ﴿فصدقت﴾ ولا بد من تقدير فعل التبين، لأن الشروط لا تكون معانيها إلا مستقبلة ولو كانت ألفاظها ماضية. ولما كان صدقها ليس قاطعاً في منع صدقه، قال: ﴿وهو من الكاذبين *﴾ لأنه لولا إقباله - وهي تدفعه عنها أو تهرب منه

стр. 4576

وهو يتبعها ويعثر في قميصه - ما كان القد من القبل ﴿وإن كان﴾ أي فيما يظهر لكم ﴿قميصه﴾ أي يوسف ﵊ ﴿قدَّ من دبر﴾ أي من جهة ما أدبر منه، وبنى «قُدَّ» للمجهول للنزاع في القادّ ﴿فكذبت﴾ ولما كان كذلك كذبُها في إرادته السوء لا يعين صدقه في إرادتها له، قال: ﴿وهو من الصادقين *﴾ لأنه لولا إدباره عنها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة، لأن معنى «إن» هنا الشرط في جهة التقرير للمعنى الذي يوجب غيره لا على الشك، وقدم أمارة صدقها لأنه مما يحبه سيدها، فهو في الظاهر اهتمام بها، وفي الحقيقة تقرير لكذبها مرتين: الأولى باللزوم، والثانية بالمطابقة. ولما كان المعنى: فنظر، بنى عليه قوله: ﴿فلما رءا﴾ أي سيدها ﴿قميصه﴾ أي يوسف ﵊ ﴿قدَّ من دبر قال﴾ لها وقد قطع بصدقه وكذبها، مؤكداً لأجل إنكارها ﴿إنه﴾ أي هذا القذف له ﴿من كيدكن﴾ معشر النساء؛ والكيد: طلب الإنسان بما يكرهه ﴿إن كيدكن عظيم *﴾ والعظيم: ما ينقص مقدار غيره عنه حساً أو معنى، فاستعظمه لأنه أدق من مكر الرجل وألطف وأخفى، لأن الشيطان

стр. 4577

عليهن لنقصهن أقدر، وكيدهن الذي هو من كيد الشيطان أضعفُ ضعيف بالنسبة إلى ما يدبره الله في إبطاله؛ ثم قال العزيز آمراً له ﵇ مسقطاً لحرف النداء دلالة على أن قربه من قلبه على حاله: ﴿يوسف أعرض﴾ أي انصرف بكليتك مجاوزاً ﴿عن هذا﴾ أي اجعله بمنزلة ما تصرف وجهك عنه إلى جهة العرض بأن لا تذكره لأحد ولا تهتم به، فإني لم أتأثر منك بوجه، لأن عذرك قد بان، وأقبل إليها فقال: ﴿واستغفري﴾ أي اطلبي الغفران ﴿لذنبك﴾ في أن لا يحصل لك عقوبة مني ولا من الله؛ واستأنف بيان ما أشار إليه بقوله: ﴿إنك كنت﴾ أي كوناً جبلياً ﴿من الخاطئين﴾ أي العريقين في الخطأ بغاية القوة، يقال: خطىء يخطأ - إذا أذنب متعمداً.

стр. 4578

ولما كان في هذا من شرف العفة ما يدل على كمال العصمة، وأكده تعالى بما يدل على تسامي حسنه وتعالي جماله ولطفه، لأن العادة جرت بأن ذلك كان بعضه لأحد كان مظنة لميله، لتوفير الدواعي على الميل إليه، فقال تعالى: ﴿وقال نسوة﴾ أي جماعة من النساء لما شاع الحديت؛ ولما كانت البلدة كلما عظمت كان أهلها أعقل وأقرب إلى الحكمة، قال: ﴿في المدينة﴾ أي التي فيها امرأة العزيز ساكنة ﴿امرأت العزيز﴾ فأضفنها إلى زوجها إرادة الإشاعة للخبر، لأن النفس

стр. 4579

إلى سماع أخبار أولى الأخطار أميل؛ والعزيز: المنيع بقدرته من أن يضام، فالعزة أخص من مطلق القدرة، وعبرن بالمضارع في ﴿تراود فتاها﴾ أي عبدها نازلة من افتراش العزيز إلى افتراشه ﴿عن نفسه﴾ إفهاماً لأن الإصرار على المراودة صار لها كالسجية؛ والفتى: الشاب، وقيده الرماني بالقوي، قال: وقال الزجاج: وكانوا يسمون المملوك فتى شيخاً كان أو شاباً، ففيه اشتراك على هذا ﴿قد شغفها﴾ ذلك الفتى ﴿حباً﴾ أي من جهة الحب، قال الرماني: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه، يقال: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب، عن السدى وأبي عبيدة وعن الحسن أنه باطن القلب، وعن أبي علي: وسط القلب -انتهى. والذي قال في المجمل وغيره أنه غلاف القلب، وأحسن من توجيه أبي عبيدة له أن حبه صار شغافاً لها، أي حجاباً، أي ظرفاً محيطاً بها، وأما «شعفها» - بالمهملة فمعناه: غشى شعفة قلبها، وهي رأسه عند معلق النياط، وقال الرماني: أي ذهب بها كل مذهب، من شعف الجبال، وهي رؤوسها. ولما قيل ذلك، كان كأنه قد قيل: فكان ماذا؟ فقيل -

стр. 4580

وأكد لأن من رآه عذرها وقطع بأنهن لو كن في محلها عملن عملها ولم يضللن فعلها: ﴿إنا لنراها﴾ أي نعلم أمرها علماً هو كالرؤية ﴿في ضلال﴾ أي محيط بها ﴿مبين﴾ لرضاها لنفسها بعد عز السيادة بالسفول عن رتبة العبد، ودل بالفاء على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال: ﴿فلما سمعت﴾ أي امرأة العزيز ﴿بمكرهن﴾ وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه، فلذلك سماه مكراً ﴿أرسلت إليهن﴾ لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتُهن ﴿وأعتدت﴾ أي هيأت وأحضرت ﴿لهن متكاً﴾ أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد الفاخرة، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن ﴿وأتت كل واحدة﴾ على العموم ﴿منهن سكيناً﴾ ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا المجلس؛ قال أبو حيان: فقيل: كان لحماً، وكانوا لا ينهشون اللحم، إنما كانوا يأكلونه حزاً بالسكاكين. وقال الرماني: ليقطعن فاكهة قدمت إليهن - انتهى. هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعاً مما يتأثر عن ذلك ﴿وقالت﴾ ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام

стр. 4581

﴿اخرج عليهن﴾ فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية فيه، وبادر الخروج عليهن ﴿فلما رأينه﴾ أي النسوة ﴿أكبرنه﴾ أي أعظمن يوسف ﵊ جداً إعظاماً كربّهن ﴿وقطعن﴾ أي جرحن جراحات كثيرة ﴿أيديهن﴾ وعاد لومهن عذراً، والتضعيف يدل على التكثير، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدها بطبعها، ثم يغلبها الدهش فتقع على موضع آخر وهكذا ﴿وقلن حاش﴾ أي تنزيهاً عظيماً جداً ﴿لله﴾ أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا. ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه، بينه بقولهن: ﴿ما هذا بشراً﴾ لأنه فاق البشر في الحسن جداً، وأعرض عن الشهوة من غير علة، نراها مانعة له لأنه في غاية القوة والفحولية، فكأنه قيل: فما هو؟ فقلن: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هذا﴾ أي في هذا الحسن والجمال، وأعدن الإشارة دفعاً لإمكان الغلط ﴿إلا ملك كريم *﴾ وذلك لما ركز في الطباع من نسبة كل معنى فائق إلى الملائكة من الحسن والعفة وغيرهما

стр. 4582

وإن كانوا غير مرئيين، كما ركز فيها نسبة ضد ذلك إلى الجن والشياطين، فكأنه قيل: فما قالت لهن امرأة العزيز؟ فقيل: ﴿قالت فذالكن﴾ أي الفتى العالي الرتبة جداً ﴿الذي لمتنني فيه﴾ . ولما علمت أنهن عذرنها، قالت مؤكدة استلذاذاً بالتهتك في حبه: ﴿ولقد﴾ أي أقول هذا والحال أني والله لقد تحقق أني ﴿راودته عن نفسه﴾ أي لأصل إليه بما أريد ﴿فاستعصم﴾ أي فأوجد العصمة والامتناع عليّ فاشتد اعتصامه، وما أنا براجعة عنه؛ ثم توعدته وهو يسمع لِيَلين، فقالت لهن مؤكدة لأن حال حبها يوجب الإنكار لأن تفعل ما يؤذي المحبوب: ﴿ولئن لم يفعل﴾ أي هذا الفتى الذي قام عذرى عندكن فيه ﴿ما أمره﴾ أي أمري ﴿ليسجنن﴾ أي ليمنعن من التصرف بالحبس بأيسر سعي مني. ولما كان عزمها على السجن أقوى من العزم على إيقاع الصغار به، أكدته بالنون الثقيلة وقالت: ﴿وليكونا﴾ بالنون الخفيفة ﴿من الصاغرين *﴾ أي الأذلاء، أو أن الزيادة في تأكيد السجن لأنه يلزم منه إبعاده، وإبعاد الحبيب

стр. 4583

أولى بالإنكار من إهانته، فقال له النسوة: أطعها لئلا تسجنك وتهينك، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: ﴿قال﴾ يهتف بمن فنى بشهوده عن كل مشهود، دافعاً عن نفسه ما ورد عليه من وسوسة الشيطان في أمر جمالها وأمر رئاستها ومالها، ومن مكر النسوة اللاتي نوّعن له القول في الترغيب والترهيب عالماً بأن القوة البشرية تضعف عن حمل مثل هذا إلا بتأييد عظيم، مسقطاً للأداة على عادة أهل القرب: ﴿رب السجن﴾ وهو محيط مانع من الاضطراب فيما خرج عنه ﴿أحب إليّ﴾ أي أقل بغضاً ﴿مما يدعونني﴾ أي هؤلاء النسوة كلهن ﴿إليه﴾ لما علم من سوء عاقبة المعصية بعد سرعة انقضاء اللذة، وهذه العبارة تدل على غاية البغض لموافقتها، فإن السجن لا يتصور حبه عادة، وإنما المعنى أنه لو كان يتصور الميل إليه كان ميلي إليه أكثر، لكنه لا يتصور الميل إليه لأنه شر محض، ومع ذلك فأنا أوثره على ما دعونني إليه، لأنه أخف الضررين، والحاصل أنه أطلق المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتزام، فكأنه قيل: السجن أقل بغضاً إلى ما تدعونني إليه، وذلك هو ضد «أحب» الذي معناه أكثر

стр. 4584

حباً، ولكن حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء مقروناً بالدليل، وذلك أنه لما فوضل في المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ببغضه، فُهم قطعاً أن المراد إنما هو أن بغض هذا البغيض دون بغض المفضول، فعلم قطعاً أن ذلك يظن حبه أبغض من هذا المقطوع ببغضه، وكذا كل ما فوضل بينهما في وصف يمنع من حمله على الحقيقة كون المفضل متحققاً بضده - والله الموفق؛ والدعاء: طلب الفعل من المدعو، وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء لمن فوقك، والأمر لمن دونك ﴿وإلا تصرف﴾ أي أنت يا رب الآن وفيما يستقبل من الزمان، مجاوزاً ﴿عني كيدهن﴾ أي ما قد التبس من مكرهن وتدبيرهن الذي يردن به الخبث احتيالاً على الوصول إلى قصدهن خديعة وغروراً ﴿أصب﴾ أي أمل ميلاً عظيماً ﴿إليهن﴾ لما جبل الآدمي عليه من الميل النفساني إلى مثل ذلك، ومتى انخرق سياج صيانته بواحدة تبعها أمثالها، واتسع الخرق على الراقع، ولذلك قال: ﴿وأكن﴾ أي كونا هو كالجبلة ﴿من الجاهلين﴾ أي الغريقين في الجهل بارتكاب مثل أفعالهم ﴿فاستجاب له ربه﴾ أي أوجد المحسن إليه إيجاداً عظيماً

стр. 4585

إجابة دعائه الذي تضمنه هذا الثناء، لأن الكريم يغنيه التلويح عن التصريح - كما قيل: إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرّضه الثناءُ وفعل ذلك إكراماً له وتحقيقاً لما سبق من وعده في قوله: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء﴾ [يوسف: ٢٤] الآية ﴿فصرف عنه كيدهن﴾ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه هو السميع﴾ أي للأقوال ﴿العليم *﴾ بالضمائر والنيات، فيجيب ما صح فيه القصد وطاب منه العزم.

стр. 4586

ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته، فكان حينئذٍ أبعد شيء عن السجن لو كان الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم، أخبر تعالى أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغيّ بالرشاد، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - إجابة لغالب أمر الله وإظهاراً لعليّ قدره بمخالفة العوائد مرة بعد مرة، وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة؛ فقال: ﴿ثم﴾ لهذا المعنى، وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في

стр. 4587

غاية البعد ﴿بدا﴾ أي ظهر بعد الخفاء كما هي عادتهم ﴿لهم﴾ والبداء في الرأي: التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه. ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر، أدخل الجار دلالة على ذلك فقال: ﴿من بعد ما رأوا﴾ أي رؤيتهم ﴿الأيات﴾ القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك. ولما كان فاعل «بداء» رأى، فسره بقوله مؤكداً، لأنه لا يصدق أن الإنسان يفعل ما ظهر له المانع منه: ﴿ليسجننه﴾ فيمكث في السجن ﴿حتى حين﴾ أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه، وقيل: إن ذلك الحين سبع سنين، قيل: كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز: إن هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب، وأنا محبوسة، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تسويه بي في السجن؛ قال أبو حيان: قال ابن عباس ﵄:

стр. 4588

فأمر به فحمل على حمار وضرب أمامه بالطبل، ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد سيدته، فهذا جزاءه أن يسجن! قال أبو صالح: ما ذكر ابن عباس ﵄ هذا الحديث إلاّ بكى - انتهى. وهذا دليل على قوله ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٨] . قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع: وعلى الجملة فكل أحوال يوسف ﵊ لطف في عنف، ونعمة في طي بلية ونقمة، ويسر في عسر، ورجاء في يأس، وخلاص بعد لات مناص، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف، وربما يسوقه بلطف، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - انتهى. ولما ذكر السجن، وكان سبباً ظاهراً في الإهانة، شرع سبحانه يقص من أمره فيه ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة، كل ذلك بياناً للغلبة على الأمر والاتصاف بصقات القهر، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ليوسف ﵊ وغير ذلك من الحكم، فقال تعالى: ﴿ودخل﴾ أي فسجنوه كما بدا لهم

стр. 4589

ودخل ﴿معه السجن فتيان﴾ : خباز الملك وساقيه، ورفع إليه أن الخباز أراد أن يسمه، وظن أن الساقي مالأه على ذلك، و «مع» تدل على الصحبة واستحداثها، فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد - قاله أبو حيان، فلما دخلوا السجن كان يوسف ﵊ يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم، ويعود مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويهديهم إلى الخير، ويذكرهم بالله، فمالت إليه القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما جباه الله به من الفضل والنبل وحسن الخَلق والخُلق، وكان في السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد بلاءهم، فلم يزل يرفق بهم حتى قالوا: بارك الله فيك! ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والثواب والطهارة، من أنت يا فتى؟ فأخبرهم بنسبه الشريف، فقال عامل السجن: لو استطعت لخليت سبيلك! ولكن سأحسن جوارك وإيثارك، وأحبه الفتيان ولزماه فقال: أنشد كما الله أن تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلاّ دخل على من جهته بلاء! لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من جهتها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من جهته بلاء،

стр. 4590

ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عليّ من جهتها بلاء، فلا تحباني، فأبيا إلاّ حبه، فكأنه قيل: أيّ شيء اتفقى لهما بعد الدخول معه؟ فقيل: ﴿قال أحدهمآ﴾ ليوسف ﵊، ولعل التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح، وإما لأنهما ما رأيا شيئاً - كما قال الشعبي - وإنما صنفا هذا ليختبراه به ﴿إني أراني﴾ حكى الحال الماضية في المنام ﴿أعصر﴾ والعصر: الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب منه ﴿خمراً﴾ أي عنباً يؤل إلى الخمر ﴿وقال الآخر﴾ مؤكداً لمثل ما مضى ﴿إني أراني أحمل﴾ والحمل: رفع الشيء بعماد نقله ﴿فوق رأسي خبزاً﴾ أي طعاماً مهيأ للأكل بالخبز، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق في حامٍ بالنار حتى يصلح للأكل ﴿تأكل الطير منه﴾ وسيأتي شرح الرؤيا من التوراة، فكأنه قيل: فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا: ﴿نبئنا﴾ أي أخبرنا إخباراً عظيماً ﴿بتأويله﴾ أي ما يرجع أمره ويصير إليه، فكأنه قيل: وما يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا: ﴿إنا نراك﴾ على حالٍ علمنا بها علماً هو كالرؤية أنك ﴿من المحسنين *﴾ أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر تعانيه، فلذلك لاح لنا أنك تحسن التأويل قياساً، فلما رآهما بصيرين بالأمور ﴿قال﴾ إشارة إلى أنه يعرف
следующие страницы →