Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
فكأنه قيل: هل هذا أمر أحدثتموه الآن أو هو مشروع لكم؟ فقالوا: ﴿كذلك﴾ أي بل هو سنة لنا، مثل ذلك الجزاء الشديد ﴿نجزي الظالمين *﴾ أي بالظلم دائماً، نرقّه في سرقته؛ فحينئذ فتش أوعيتهم ﴿فبدأ﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه بدأ المؤذن أو غيره ممن أمر بذلك ﴿بأوعيتهم﴾ .
ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلاً، فكانت بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهما من الزمان، لم يأت بجار، فقال ﴿قبل وعاء أخيه﴾ أي أخي يوسف ﵊ شقيقه، إبعاداً عن التهمة ﴿ثم﴾ أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك ﴿استخرجها﴾ أي أوجد إخراج السقاية التي تقدم أنه جعلها في وعاء أخيه ﴿من وعاء أخيه﴾ .
ولما كان هذا كيداً عظيماً في أخذ أخيه بحكمهم، مع ما توثق منهم أبوهم، عظمه تعالى بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه قال: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الكيد العظيم ﴿كدنا ليوسف﴾ خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف ﵊، ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت يوسف ﵊ وألجأت
стр. 4692
إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل أمره إلى المجيء إليه إلى أن كان آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ما كان﴾ أو هو استئناف تفسير للكيد، وأكد النفي باللام فقال: ﴿ليأخذ أخاه﴾ .
ولما كان الأخذ على جهات مختلفة، قيده بقوله: ﴿في دين الملك﴾ يعني ملك مصر، على حالة من الحالات، لأن جزاء السارق عندهم غير هذا ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي الذي له الأمر كله، ذلك بسبب يقيمه كهذا السبب الذي هو حكم السارق وأهله على أنفسهم، فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم وما حكموا به على نفوسهم.
ومادة «سرق» بتراكيبها الأربعة: سرق، وسقر، وقسر، وقرس - تدور على الغلبة المحرقة والموجعة، وتارة تكون بحر، وتارة ببرد، وتارة بغير ذلك، وتلازمها القوة والضعف والكثرة والقلة والمخادعة، فيأتي الخفاء والليل، فمن مطلق الغلبة: القسر، وهو الغلبة والقهر، وقال ابن دريد: القسر: الأخذ بالغلبة والاضطهاد، والقسورة: الأسد، والعزيز كالقسور، والرماة من الصيادين، واحده قسور،
стр. 4693
ونبات سهلي - كأنه يكثر فيه الصيد، فتنتابه القساورة، وقسور النبت: كثر، وركز الناس، أي صوتهم الخفي وحسهم - لأن الصيادين يتخافتون؛ والسقر لغة في الصقر - لطير يصيد؛ وقسر: جبل السراة - كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة، والقيسري: الكثير - لأنه ملزوم للغلبة، وضرب من الجعلان - كأنه سمي لمطلق الكثرة ولأذاه بما يعانيه من النجاسات، والقيسري - أيضاً من الإبل: العظيم أو الصلب أو الضخم الشديد: وجمل قراسية - بالضم وتخفيف الياء: ضخم، والقرس - بالكسر: صغار البعوض؛ والقسورة أيضاً من الغلمان: الشاب القوي، والرامي - لأنه أهل لأن يغلب، ولقسور أيضاً: الصياد مطلقاً؛ ويلزمه المخادعة والاستخفاء، ومنه القسورة: نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه محل الاستخفاء والمقاهرة؛ ومنه السرق، وهو الأخذ في خفية، وعبارة القزاز: في ختل وغفلة، وسرق - كفرح: خفي، والسوارق: الزوائد في فراش القفل - لغرابتها وخفاء
стр. 4694
أمرها، أو لسلبها السرقة بمنعها السارق من فتح القفل، والمسترق: المستمع مختفياً، وانسرق عنهم: خنس ليذهب، ويلزم المخادعة والاختفاء نوع ضعف، ومنه: سرقت مفاصله - كفرح: ضعفت، والمسترق: الناقص الضعيف الخلق؛ وانسرق: فتر وضعف - إما منه وإما من السلب، لأن من فتر أو ضعف يكف عن السرقة والأذى؛ وقسور الرجل: أسن، وكان منه القارس والقريس أي القديم، ومسترق العنق: قصيرها - كأنه سرق منها شيء، وهو يسارق النظر إليه، أي يطلب غفلته لينظر إليه، وتسرق: سرق شيئاً فشيئاً، وسُرَّق - كسكر - كان اسمه الحباب فابتاع من بدوي راحلتين، ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه بثمنهما فخرج من الباب الآخر فهرب بهما، فسماه النبي ﷺ سرقاً، وكان لا يحب أن يسمى بغيره، والسرق - محركاً: أجود الحرير أو الحرير الأبيض، أو الحرير عامة، فارسي معرب أصله سره، قال القزاز: ومعناه: جيد، لأنه
стр. 4695
أهل لأن يقصد بالسرقة لخفة محمله وكثرة تمنه، والسرقين معرب سركين يمكن أن يكون من الضعف، ولعل المعرب يكون خارجاً عن أصل المادة، لأنه لا أصل له في العربية؛ ومن الأذى بالحر السفر: حر الشمس وأذاه، يقال: سقرته الشمس - بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه، ومنه اشتقاق سقر، وهو اسم إحدى طبقات النار، والسقر: القيادة على الحرم، والسقر: ما يسيل من الرطب - من التسمية باسم السبب، لأن الحر سببه، والقوسرة: القوصرة - ويخففان - لأنه يوضع فيه التمر الذي قد يكون منه السقر، والساقر: الكافر واللعان لغير المستحقين - لكثرة الأذى، أو لاستحقاق الكون في سقر، والساقور: الحر والحديدة يكوى بها الحمار؛ ومن الأذى بالبرد: القرس - وهو البرد الشديد والبارد، والقرس - ويحرك: أبرد الصقيع وأكثفه، والقرس - بالتحريك: الجامد، وأقرس العود جمد ماءه، ومنه القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد، وقرس الماء: جمد، والبرد: اشتد كقرس كفرح، وآل قرايس ويقال: نبات قراس -
стр. 4696
كسحاب: أجبل باردة أو هضاب بناحية السراة، وقرسنا الماء: بردناه.
إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن «إنكم لسارقون» إن نظر إلى الغلبة في خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم يوسف من أبيه ﵉ على هذه الحالة، وإن نظر إلى مطلق الأخذ في خفاء فيكون إطلاق ذلك عليهم مجازاً، لأن معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - شيئاً ليس هو لهم هم ذاهبون به في خفاء، أي أنتم في هذه الحالة فاعلون فعل السارق، ويقوي إرادة الأول قوله تعالى ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ وقوله تعالى: ﴿من وجدنا متاعنا عنده﴾ كما سيأتي.
ولما كان يوسف ﵊ إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته، بعد ما كان فيه عندهم من الصغار، كان ذلك محل عجب، فقال تعالى - التفاتاً إلى مقام التكلم تقوية للكلام بمقام الغيبة والتكلم، وزاده إشعاراً بعظمة، هذا الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبهاً لمن قد يغفل: ﴿نرفع﴾ أي لنا من العظمة، وكان الأصل: درجاته، ولكنه عمم لأنه أدل على العظمة، فكان أليق بمظهرها،
стр. 4697
فقال منبهاً على أنه كان حصل ليوسف ﵊ من الهضم ما ظن كما ظن أنه لا يرتفع بعده: ﴿درجات من نشاء﴾ أي بالعلم.
ولما كان سبب الرفعة هو الأعلمية بالأسباب، وذلك أن الخلق لو اجتهدوا في خفض أحد فنصبوا له كل سبب علموه وقدروا عليه، وأراد الله ضد ذلك، لقيّض بعلمه سبباً واحداً إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته، نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿وفوق كل ذي علم﴾ أي من الخلق ﴿عليم﴾ عظيم العلم، لا تكتنه عظمة علمه العقول، ولا تتخيلها الفهوم، فهو يسبب من الأسباب ما تطيح له أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء، وهو الله تعالى - كما نقله الرماني عن ابن عباس ﵄ والحسن وسعيد بن جبير، فالتنوين للتعظيم.
стр. 4698
ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: إن انتزاع أخيهم منهم - بعد تلك المواثيق التي أكدوها لأبيهم - لداهية تطيش لها الحلوم، فماذا كان فعلهم عندها؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ تسلية لأنفسهم ودفعاً للعار عن خاصتهم ﴿إن يسرق﴾ فلم يجزموا بسرقته، لعلمهم بأمانته، وظنهم هذا الصواع دس في رحله وهو لا يشعر، كما دست بضاعتهم في رحالهم
стр. 4699
وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن الاعتذار به، على أنه قد ورد أنهم لاموه فقال لهم: وضعه في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالهم ﴿فقد سرق أخ﴾ أي شقيق ﴿له﴾ ولما كان ما ظنوه كذلك في زمن يسير، أدخلوا الجار فقالوا: ﴿من قبل﴾ يعنون يوسف ﵊، وذلك أنه قيل: إن عمته كانت لا تصبر عنه، وكان أبوه لا يسمح بمكثه عندها، لأنه لا يصبرعنه، فحزمته من تحت ثيابه بمنطقة أبيها إسحاق ﵇ وكانت عندها، ثم قالت: فقدت منطقة أبي، فاكشفوا أهل البيت، فوجدوها مع يوسف ﵊، فسمح يعقوب ﵊ حينئذ لها ببقائه عندها ﴿فأسرها﴾ أي إجابتهم عن هذه القولة القبيحة ﴿يوسف في نفسه﴾ على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام.
ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك، نفى هذا الظن بقوله تعالى: ﴿ولم يبدها﴾ أي أصلاً ﴿لهم﴾ فكأنه قيل: فما قولته التي أسرها في نفسه؟ فقيل: ﴿قال أنتم شر مكاناً﴾ أي من يوسف وأخيه، لأن ما نسب إليهما من الشر إنما هو ظاهراً لأمر خير اقتضاه، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر مقصود منكم ظاهراً وباطناً، ونسبة الشر إلى
стр. 4700
مكانهم أعظم من نسبته إليهم، وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر، لئلا يظن بادىء بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿أعلم بما تصفون *﴾ منكم، وأنه ليس كما قلتم؛ والوصف: كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما، فكأنه قيل: إن ذلك القول على فحشه ليس مغنياً عنهم ولا عن أبيهم شيئاً، فهل اقتصروا عليه؟ فقيل: لا، بل ﴿قالوا﴾ التماساً لما يغنيهم: ﴿ياأيها العزيز﴾ فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم ﴿إن له﴾ أي هذا الذي وجد الصواع في رحله ﴿أباً شيخاً كبيراً﴾ أي في سنه وقدره وهو مغرم به، لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه ﴿إنا نراك﴾ أي نعلمك علماً هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه ﴿من المحسنين *﴾ أي العريقين في صفة الإحسان، فأجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: ﴿قال معاذ الله﴾ أي نعوذ بالذي لا مثل معاذاً عظيماً ﴿أن نأخذ﴾ أي لأجل هذا الأمر ﴿إلا من﴾ أي الشخص الذي ﴿وجدنا متاعنا عنده﴾ ولم يقل: سرق متاعنا، لأنه - كما أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق - لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف عليه؛ علل ذلك بقوله: ﴿إنا إذاً﴾ أي إذا أخذنا أحداً مكانه ﴿لظالمون *﴾ أي عريقون في الظلم في دينكم،
стр. 4701
فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم.
ذكر ما بعد ما سلف من هذه القصة من التوراة
قال: وكان القهم - وفي نسخة: الجوع - والإرجاف على جميع وجه الأرض، ففتح يوسف الأهراء، وأقبل يبيع المصريين، واشتد الجوع بأرض مصر، وأقبل جميع أهل الأرض يأتون للامتيار من يوسف.
فبلغ يعقوب ﵊ أن بمصر طعام ميرة، فقال يعقوب ﵇ لبنيه: لا خوف عليكم، لأنه قد بلغني أن بمصر ميرة فاهبطوا إلى هناك، فامتاروا لنا فنحيى ولا نموت. فهبط بنو يعقوب ﵊ العشرة ليمتاروا ميرة من مصر، فأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع إخوته، لأنه قال: لعله أن يعرض له عارض، فأتى بنو إسرائيل ليمتاروا مع الذين كانوا ينطلقون، لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، وكان يوسف هو المسلط على الأرض، وكان يميز جميع شعب الأرض، فأتى إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام
стр. 4702
فخروا له سجداً على الأرض، فرأى يوسف إخوته فأثبتهم وتناكر عليهم وكلمهم بفظاظة وقساوة، وقال لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: أتينا من أرض كنعان لنمتار ميرة، فذكر يوسف ﵊ الرؤيا التي قصها عليهم وقال لهم: إنكم جواسيس، وإنما أتيتم لتفحصوا وتطلعوا الأرض. فقالوا: كلا يا سيدنا! إن عبيدك إنما أتوا ليمتاروا، نحن أجمعون بنو رجل واحد، ونحن أبرياء، وليس عبيدك بطلائع، فقال لهم يوسف: ليس الأمر كما تقولون، بل إنما أتيتم لتجسسوا أرضنا. فقالوا له: نحن اثنا عشر رجلاً إخوة عبيدك بنو رجل واحد بأرض كنعان، والآخر هو عند أبينا يومنا هذا، والآخر فقدناه، فقال لهم يوسف: إني إنما قلت لكم: إنكم جواسيس، من أجل هذا بهذه تمتحنون، وحق فرعون! لا أخرجنكم من هاهنا حتى يأتي أخوكم الأصغر إلى
стр. 4703
هاهنا. فنفحص عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط، وإلا وحق فرعون! إنكم طلائع، فقذفهم في الحبس ثلاثة أيام، ودعا بهم يوسف ﵊ في اليوم الثالث، وقال لهم: افعلوا ما آمركم به فتحيوا، فإني أراقب الله فيكم، إن كنتم أبرياء فليحبس أحدكم في محبسكم وانطلقوا أنتم بالميرة للجوع الذي في بيوتكم، فأتوني بأخيكم الأصغر فأصدق قولكم ولا تموتوا، ففعلوا كما أمرهم، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: حقاً إنا قد استوجبنا السجن على أخينا إذ رأينا كرب نفسه إذا كان يتضرع إلينا فلم نرحمه ولم نتراءف عليه، فمن أجل ذلك نزلت بنا هذه البلية والشر، فأجاب روبيل وقال لهم: ألم أقل لكم: لا تأثموا بالغلام، فلم تقبلوا، وهو ذا الآن نحن مطالبون بدمه.
ولم يعلموا أن يوسف يفهم كلامهم، لأنه أوقف ترجماناً بينه وبينهم، فتنحى عنهم فبكى، ثم رجع إليهم يكلمهم، ثم أخذ منهم شمعون فأوثقه تجاههم.
وأمر يوسف بملء أوعيتهم ميرة، وأمر برد ورق كل امرىء منهم في وعائه، وأن يزودوا زاداً للطريق، ففعل ذلك بهم كما أمر يوسف ﵇، فحملوا ميرتهم على حميرهم وانطلقوا، ففتح بعضهم وعاءه
стр. 4704
ليلقي قضيماً لحماره في مبيتهم. فرأى ورقه موضوعاً على طرف حمولته. فقال لإخوته: ورقي رد إليّ وهو ذا على طرف حمولتي، فارتجفت قلوبهم وفزعت نفوسهم، وتعجب كل امرىء منهم، فقالوا: يا ليت شعري ما هذا الذي صنعه الله بنا! فأتوا يعقوب أباهم إلى أرض كنعان، فأخبروه بجميع ما عرض لهم وقالوا: إن الرجل سيد الأرض كلمنا بفظاظة وقساوة. وحسبنا بمنزلة الجواسيس أتينا لنطالع الأرض، فقلنا: إنا أبرياء عدول، فلسنا بطلائع، فنحن اثنا عشر أخاً بنو أب واحد، فقد واحد منا والآخر عند أبينا يومنا هذا بأرض كنعان، فقال لنا الرجل سيد الأرض ورئيسها: بهذا أعلم بأنكم أبرار عدول، خلفوا عندي أحد إخوتكم، واحملوا ميرة للجوع الذي في بيوتكم. وانصرفوا فأتوني بأخيكم الأصغر معكم، فأعلم حينئذ أنكم لستم بطلائع، بل أنتم أبرياء عدول، وآمر بدفع أخيكم إليكم، وتتجرون في الأرض، فبينما هم يفرغون أوعيتهم فإذا هم بصرة كل امرىء منهم على طرف وعائه فرأوا ورقهم مصروراً ففزعوا هم وأبوهم. فقال لهم أبوهم: إنكم قد أثكلتموني ولدي وأفقدتموني إياهما، لأن يوسف فقدته. وشمعان محبوس،
стр. 4705
وتنطلقون ببنيامين أيضاً وقد كملت علي المصائب كلها، فقال روبيل لأبيه: ثكلتُ ابني جميعاً إن لم آتك به! ادفعه إليّ وأنا أرده إليك، فقال: لا يهبط ابني معكم، لأن أخاه يوسف توفي وهو وحده الباقي لأمه، فتعرض له آفة في الطريق الذي تسلكونه فتنزلون شيبتي إلى الجدث بالشقاء والشحب.
فاشتد الجوع على الأرض، فلما أكلوا الذي أتوا به من مصر وأفنوه قال لهم يعقوب أبوهم ﵇: اهبطوا فامتاروا لنا شيئاً من قمح، فقال له يهوذا: إن الرجل أنذرنا وتقدم إلينا وقال: لا تعاينوا وجهي إلا وأخوكم معكم، فإن أنت أرسلت أخانا معنا فإنا نهبط فنمتار، وإن لم تبعثه لم ننطلق، فقال لهم أبوهم: ولم أسأتم إلي فأخبرتم الرجل أن لكم أخاً؟ فقالوا: الرجل سأل عنا وعن رهطنا وقال: إن أباكم في الحياة بعد؟ وهل لكم أخ؟ فأخبرناه من أجل هذا الكلام، أكنا نعلم أنه يقول: اهبطوا معكم بأخيكم؟ وقال يهوذا لإسرائيل أبيه: سرح الغلام فننطلق فنحيى ولا نموت نحن وأنت أيضاً وحشمنا، أنا أكفل به.
فإن لم آتك به فأقيمه بين يديك فأنا مخطىء
стр. 4706
بين يدي أبي جميع الأيام.
فقال أبوهم إسرائيل: إذا كان الأمر هكذا فافعلوا ما آمركم به: احملوا في أوعيتكم من ثمار هذه الأرض شيئاً من صنوبر وعسل وعلك البطم وخروب وحب السرو وبطم ولوز، وخذوا من الورق ضعف الذي في أوعيتكم، لعل ذلك أن يكون وهماً منهم، وانطلقوا بأخيكم إلى الرجل، وارجعوا إليّ كلكم، وإله المواعيد يظفركم من الرجل برحمة ورأفة، فيرسل بأخيكم الآخر معكم وبنيامين أيضاً، فأخذ القوم هذه الهدية وضعفاً من الفضة، وانطلقوا معهم ببنيامين وأتوا يوسف فوقفوا بين يديه. فرأى يوسف بنيامين معهم فقال لحاجبه: أدخل القوم إلى المنزل، واذبح ذبيحاً، وهيىء الغداء، لأن القوم يتغدون معي ظهراً، ففعل العبد كما أمره يوسف ﵇، وأدخل القوم إلى منزل يوسف ﵇ وقالوا: إنهم إنما يدخلوننا لسبب الورق الذي وجدنا في أعدالنا من قبل، فيريدون أن يتطاولوا علينا ويمكروا بنا، فيجعلونا عبيداً ودوابنا ملكاً، فدنوا من الرجل حاجب - وفي نسخة: خازن - يوسف ﵇. فكلموه على باب المنزل، وقالوا له: إنا نطلب إليك يا سيدنا أنا هبطنا أولاً إلى هاهنا فامترنا قمحاً، فلما
стр. 4707
طلعنا وصرنا في البيت إذا نحن بورق كل واحد منا في عدله، فقد رددنا أوراقنا بوزنها معنا وأتينا معها بأوراق أخر لنمتار بها، ولا نعلم من الذي صيّر أوراقنا في أوعيتنا؟ فقال لهم: السلام لكم، لا تخافوا ولا تستوفضوا، إلهكم إله المواعيد إله أبيكم ذخر لكم هذه الذخيرة في أوعيتكم، لأن ورقكم قد صار في قبضتي، وأخرج إليهم شمعون، فأدخل العبد القوم إلى منزل يوسف ﵇، وأتاهم بماء فغسلوا أيديهم وأقدامهم، وألقى قضمياً لدوابهم، فأعد القوم هديتهم قبل دخول يوسف ﵇ وقت القائلة لأنه بلغهم أن غداءهم يكون هناك، فدخل يوسف إلى منزله، فأدخلوا هديتهم فوضعوها بين يديه في منزله، وخروا له سجداً على الأرض، فسألهم عن سلامتهم وقال: أسالم هو؟ أبوكم الذي أخبرتموني عنه أنه الحياة هو بعد؟ فقالوا: إن أبانا عبدك سالم، ثم جثوا فسجدوا فرفع بصره فأبصر بنيامين أخاه ابن أمه فقال لهم: هذا أخوكم الذي أخبرتموني عنه؟ فقالوا: نعم؟ فقال له: الله يترأف عليكم يا بني، فاستعجل يوسف عليه
стр. 4708
السلام لأنه رق له وتحنن عليه فأراد البكاء، فدخل إلى مكانه فبكى هناك، ثم غسل وجهه وخرج فصبر نفسه، فأمر أن يأتوهم بالغداء، فوضعوا بين يديه وحده، وقربوا إليهم وحدهم، لأنه لا يستطيع أهل مصر أن يأكلوا مع العبرانيين، لأن هذه نجاسة عند المصريين، فأمر فاتكأ الأكبر على قدر سنه والأصغر على قدر سنه، فتعجب القوم ومكثوا محيرين مشدوهين، فأعطى كل واحد منهم من بين يديه جزءاً، وأعطى بنيامين أكثر منهم: خمسة أنصبة، فشربوا.
فأمر خازنه وقال له: أوقر أوعية القوم من البر ما أمكنهم حمله، وصير ورق كل امرىء منهم على طرف وعائه، وخذ طاسي طاس الفضة وصيره في وعاء الأصغر مع ورق ميرته، ففعل العبد كما أمر يوسف ﵇، فلما كان من الغد سرح القوم لينطلقوا هم وحميرهم، فخرجوا من القرية، وقبل أن يخرجوا منها قال يوسف لخازنه: قم فامض في طلب القوم وألحقهم وقل لهم: لم كافيتم الشر بدل الخير، فأخذتم الطاس الذي يشرب فيه سيدي ويعتاف فيه اعتيافاً، فأسأتم فيما جاء منكم، فلحقهم وقال لهم هذه الأقاويل، فقالوا له:
стр. 4709
لا تقولن يا سيدنا هذه الأقاويل، معاذ الله أن يفعل عبيدك هذه الفعال! نحن رددنا أوراقنا التي وجدنا في أوعيتنا من أرض كنعان، فكيف نسرق من بيت سيدك ذهباً أو فضة، من وجد عنده من عبيدك فليمت ونكن نحن عبيداً لسيدنا! قال لهم: هو على ما تقولون، من وجد عنده فهو يكون لي عبداً، وأنتم تكونون فلحين طاهين، فاستعجل كل منهم وعاءه، ففتشوا ابتداء بالأكبر وانتهاء إلى الأصغر، فوجدوا الطاس في وعاء بنيامين، فمزقوا ثيابهم وخرقوها. وحمل كل امرىء منهم وعاءه على حماره، ورجعوا إلى القرية، فدخل يهوذا وإخوته على يوسف وكان في منزله بعد، فخرجوا بين يديه على الأرض، فقال لهم يوسف: ما هذا الفعل الذي جاء منكم؟ أما تعلمون أن رجلاً مثلي يعتاف - وفي نسخة: يمتحن - بكأس اعتيافاً؟ لم تتعدون عليه وتأخذونه؟ فقال يهوذا: بماذا نكلم سيدنا! وبماذا ننطق! وبماذا نفلح - وفي نسخة: نحتج - من عند الله نزلت هذه الخطيئة بعبيدك، هوذا نحن عبيد لسيدنا نحن ومن أصيب الكأس عنده، فقال: معاذ الله
стр. 4710
أن أفعل هذا! بل الرجل الذي وجد الكأس عنده يكون لي عبداً، وأنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم.
فدنا منه يهوذا فقال: أنا أطلب إليك يا سيدي أن تأذن لعبدك بالكلام بين يديك، يا سيد! ولا تشعل غضبك على عبيدك، لأنك مثل فرعون، سأل سيدي عبيده فقال لهم: هل لكم أب أو أخ؟ فقلنا لسيدنا: إن لنا أباً شيخاً وابناً له صغيراً ولد على كبر سنه، وإن أخاه مات، وهو الباقي وحده لأمه، وأبوه يحبه، وأمرت عبيدك وقلت: اهبطوا به إليّ حتى أعرفه وأعاينه، فقلنا لسيدنا: لا يقدر الغلام على مفارقة أبيه، لأنه إن فارقه أبوه توفي، فقلت لعبيدك: إنه لم يهبط أخوكم الأصغر معكم فلا تعودوا أن تعاينوا وجهي، فلما صعدنا إلى عبدك أبينا أخبرناه بقول سيدنا فقال لنا عبدك أبونا: ارجعوا فامتاروا شيئاً من بر، فقلنا لأبينا: لا نقدر على الهبوط إلى أن نهبط بأخينا الأصغر معنا، لأنا لا نقدر على معاينة وجه الرجل إن لم يكن أخونا معنا، فقال لنا عبدك أبونا: أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي ابنين، فخرج واحد من عندي فقلتم: إنه قتل قتلاً، فلم أعاينه إلى يوم الناس هذا، فتحملون أيضاً هذا من عندي فيعرض له صيد
стр. 4711
فتهبطون بشيخوختي بحزن وشر القبر، والآن إذا نحن انطلقنا إلى عبدك أبينا وليس الغلام معنا ونفسه حبيبة إليه، فإذا علم أن الغلام ليس هو معنا يموت فيهبط عبدك شيبة أبينا بالشقاء والتشحيب، لأن عبدك ضمن الغلام لأبينا، وقلت: إني إذا لم آتك به أخطىء باقي جميع الأيام، والآن فليبق عبدك بدل الغلام عبداً لسيدي، وليصعد الغلام مع إخوته، لأني أفكر كيف أصعد إلى أبي وليس الغلام معي كيلا أعاين الشر الذي ينزل بأبي.
стр. 4712
ولما أياسهم بما قال عن إطلاق بنيامين، حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك من الرأي فقال: ﴿فلما﴾ دالاً بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات ﴿استيئسوا منه﴾ أي تحول رجاءهم لتخلية سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأساً شديداً بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله ﴿خلصوا﴾ أي انفردوا من غيرهم حال كونهم ﴿نجياً﴾ أي ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضاً، من المناجاة وهي رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه في خفاء، من النجو وهو الارتفاع عن الأرض - قاله الرماني، أو تمحضوا تناجياً لإفاضتهم فيه
стр. 4713
بجد كأنهم صورة التناجي، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: ﴿قال كبيرهم﴾ في السن وهو روبيل: ﴿ألم تعلموا﴾ مقرراً لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتد توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم ﴿أن أباكم﴾ أي الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه.
ولما كان المقام بالتقرير ومعرفة صورة الحال لتوقع ما يأتي من الكلام، قال: ﴿قد أخذ عليكم﴾ أي قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر ﴿موثقاً﴾ ولما كان الله تعالى هو الذي شرعه - كما مضى - كان كأنه منه، فقال: ﴿من الله﴾ أي أيمان الملك الأعظم: لتأتنه به إلا أن يحاط بكم ﴿ومن قبل﴾ أي قبل هذا ﴿ما فرطتم﴾ أي قصرتم بترك التقدم بما يحق لكم في ظن أبيكم أو فيما ادعيتم لأبيكم تفريطاً عظيماً، فإن زيادة «ما» تدل على إرادته لذلك ﴿في﴾ ضياع ﴿يوسف﴾ فلا يصدقكم أبوكم أصلاً، بل يضم هذه إلى تلك فيعلم بها خيانتكم قطعاً، وأصل معنى التفريط،: التقدم، من قوله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض» .
ولما كان الموضع موضع التأسف والتفجع والتلهف، أكده ب «ما» النافية لنقيض المثبت كما سلف غير مرة، أي أن فعلكم في يوسف ما كان إلا تفريطاً لا شك فيه ﴿فلن أبرح﴾ أي أفارق هذه
стр. 4714
﴿الأرض﴾ بسبب هذا، وإيصاله الفعل بدون حرف دليل على أنه صار شديد الالتصاق بها ﴿حتى يأذن لي أبي﴾ في الذهاب منها ﴿أو يحكم الله﴾ أي الذي له الكمال كله ووثقنا به ﴿لي﴾ بخلاص أخي أو بالذهاب منها بوجه من الوجوه التي يعلمها ويقدر على التسبب لها ﴿وهو﴾ أي ظاهراً وباطناً ﴿خير الحاكمين *﴾ إذا أراد أمراً بلغه بإحاطة علمه وشمول قدرته، وجعله على أحسن الوجود وأتقنها، فكأنه قيل: هذا ما رأى أن يفعل في نفسه، فماذا رأى لإخوته؟ فقيل: أمرهم بالرجوع ليعلموا أباهم لإمكان أن يريد القدوم إلى مصر ليرى ابنه أو يكون عنده رأي فيه فرج، فقال: ﴿ارجعوا إلى أبيكم﴾ أي دوني ﴿فقولوا﴾ أي له متلطفين في خطابكم ﴿ياأبانا﴾ وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها لكم فقولوا: ﴿إن ابنك﴾ أي شقيق يوسف ﵊ الذي هو أكملنا في البنوة عندك ﴿سرق﴾ .
ولما كانوا في غاية الثقة من أن أحداً منهم لا يلم بمثل ذلك، أشاروا إليه بقولهم: ﴿وما شهدنا﴾ أي في ذلك ﴿إلا بما علمنا﴾ ظاهراً من رؤيتنا الصواع يخرج من وعائه؛ والشهادة: الخبر عن إحساس قول أو فعل، وتجوز الشهادة بما أدى إليه الدليل القطعي ﴿وما كنا للغيب﴾ أي الأمر الذي غاب عنا ﴿حافظين *﴾ فلعل حيلة دبرت في ذلك غاب
стр. 4715
عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها وجدرانها إن كانت تنطق ﴿التي كنا فيها﴾ وهي مصر، عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن الأمر قد اشتهر عندهم ﴿و﴾ اسأل ﴿العير﴾ أي أصحابها وهم قوم من كنعان جيران يعقوب ﵊ ﴿التي أقبلنا فيها﴾ والسؤال: طلب الإخبار بأداته من الهمزة وهل ونحوهما، والقرية: الأرض الجامعة لحدود فاصلة، وأصلها من قريت الماء، أي جمعته، وسيأتي شرح لفظها آخر السورة، والعير: قافلة الحمير، من العير - بالفتح، وهو الحمار، هذا الأصل - كما تقدم ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير.
ولما كان ذلك جديراً بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم، أكدوه بقولهم: ﴿وإنا﴾ أي والله ﴿لصادقون *﴾ فكأنه قيل: فرجعوا إلى أبيهم وقالوا ما قال لهم كبيرهم، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: ﴿قال بل﴾ أي ليس الأمر كذلك، لم تصح نسبة ابني إلى السرقة ظاهراً ولا باطناً، أي لم يأخذ شيئاً من صاحبه في خفاء بل ﴿سولت﴾ أي زينت تزييناً فيه غي ﴿لكم أنفسكم أمراً﴾ أي حدثتكم بأمر ترتب عليه ذلك، والأمر: الشيء الذي من شأنه أن تأمر
стр. 4716
النفس به، وكلا الأمرين صحيح، أما النفي فواضح، لأن بنيامين لم يسرق الصواع ولا همّ بذلك، ولذلك لم ينسبه يوسف ﵊ ولا مناديه إلى ذلك بمفرده، وأما الإثبات فأوضح، لأنه لولا فعلهم بيوسف ﵊ لما سولت لهم فيه أنفسهم لم يقع هذا الأمر لبنيامين ﵇ ﴿فصبر جميل﴾ مني، لأن ظني في الله جميل، وفي قوله: ﴿عسى الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿أن يأتيني بهم﴾ أي بيوسف وشقيقه بنيامين وروبيل ﴿جميعاً﴾ ما يدل الفطن على أنه تفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف ﵊، وأن الأمر إلى سلامة واجتماع؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه هو﴾ أي وحده ﴿العليم﴾ أي البليغ العلم بما خفي علينا من ذلك، فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد ﴿الحكيم *﴾ أي البليغ في إحكام الأمور في ترتيب الأسباب بحيث لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها، وترتيب الوصفين على غاية الإحكام - كما ترى - لأن الحال داع إلى العلم بما غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى معرفة حكمتها؛ قال هذه المقالة ﴿وتولى﴾ أي انصرف بوجهه ﴿عنهم﴾ لما تفاقم عليه من الحزن، وبلغ به من الجهد، وهاج به
стр. 4717
باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالاً على من إليه الأمر ﴿وقال﴾ مشتكياً إلى الله لا غيره، فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء: ﴿ياأسفي﴾ أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له، وجناس «الأسف» مع «يوسف» مما لم يتعمد، فيكون مطبوعاً، فيصل إلى نهاية الإبداع، وأمثاله في القرآن كثير ﴿على يوسف﴾ هذا أوانك الذي ملأني بك فنادمني كما أنادمك، وخصه لأنه قاعدة إخوانه، انبنى عليها وتفرع منها ما بعدها ﴿وابيضت عينه﴾ أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار، فعمى البصر ﴿من الحزن﴾ الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض، فذكر السبب الأول، يقال: بلغ حزنه ﵇ حزن سبعين ثكلى وما ساء ظنه قط.
ثم علل ذلك بقوله: ﴿فهو﴾ أي بسبب الحزن ﴿كظيم *﴾ أي شديد الكظم لامتلائه من الكرب، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه الله من العلم والحكمة، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن، فهو فعيل بمعنى مفعول، وهو
стр. 4718
أبلغ منه، من كظم السقاء - إذا شده على ملئه.
ومادة «كظم» تدور على المنع من الإظهار، يلزمه الكرب - لأنه من شأن الممنوع مما قد امتلأ منه، ويلزمه الامتلاء، لأن ما دونه ليس فيه قوة الظهور، كظم غيظه -إذا سكت بعد امتلائه منه، وكظمت السقاء - إذا ملأته وسددته، وكظم البعير جرته - إذا ردها وكف، والكظم: مخرج النفس، لأنه به يمنع من الجري في هواه؛ والكظامة: حبل يشد به خرطوم البعير، لمنعه مما يريد، وأيضاً يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا، منعاً له من الانحلال وأيضاً قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء، لأنه يمنع الماء من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض، وخرق يجري فيه الماء من بئر إلى بئر، لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى البئرين، فلولاه لفاضت القوية، فهو تصريف لمائها في غير وجهه، وكظامة الميزان: المسمار الذي يدور فيه اللسان، لأنه يربطه فيمنعه
стр. 4719
من الانفكاك، ويقال: ما زلت كاظماً يومي كله، أي ممسكاً عن الأكل وقد امتلأت جوعاً، وقد يطلق على مطلق النبع، ومنه كاظمة - لقرية على شاطىء البحر، لأن البحر قد كظمها عن الانفساح وكذا هي منعته عن الانسياح.
стр. 4720
فلما رأوا أنه قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم، ووقع لأبيهم هذا الفادح العظيم، تشوف السامع إلى قولهم له، فاستأنف الإخبار عنه بقوله: ﴿قالوا﴾ أي حنقاً من ذلك ﴿تالله﴾ أي الملك الأعظم، يميناً فيها تعجب ﴿تفتئوا﴾ أي ما تزال ﴿تذكر يوسف﴾ حريصاً على ذكره قوياً عليه حرص الفتى الشاب الجلد الصبور على مراده ﴿حتى﴾ أي إلى أن ﴿تكون حرضاً﴾ أي حاضر الهلاك مشرفاً عليه متهيئاً له بدنف الجسم وخبل العقل - كما مضى بيانه في الأنفال عند ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ ﴿أو تكون﴾ أي كوناً لازماً هو كالجبلة ﴿من الهالكين *﴾ .
стр. 4721
ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلطة بنيه، شفى عيّها بقوله: ﴿قال إنما﴾ أي نعم لا أزال كذلك لأنه من صفات الكمال للإنسان، لدلالته على الرقة والوفاء، وإنما يكون مذموماً إذا كان على وجه الشكاية إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق، إنما ﴿أشكوا بثي﴾ والبث أشد الحزن، سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر ﴿وحزني﴾ مطلقاً وإن كان سببه خفيفاً يقدر الخلق على إزالته ﴿إلى الله﴾ أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة تعرضاً لنفحات كرمه، لا إلى أحد غيره، وهذا - الذي سمعتوه مني فقلقتم له - قليل من كثير.
ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخاً دماً، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستنداً إلى ذلك، وكان يعقوب ﵇ يغلب على ظنه أن يوسف ﵇ حي ويظن في الله أن يجمع شمله به، قال: ﴿وأعلم من الله﴾ أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ومن التفريج عن المكروبين والتفريح للمغمومين ﴿ما لا تعلمون *﴾
стр. 4722
ومادة «فتا» يائية وواوية مهموزة وغير ومهموزة بكل ترتيب وهي فتأ، وفأت وتفأ وأفت، وفتى وفوت وتوف وتفو تدور على الشباب، وتلزمه القوة وشدة العزيمة وسلامة الانقياد: ما فتأ يفعل كذا - مثلثة العين: ما زال كما أفتا، أي إنه ما زال فاعلاً في ذلك فعل الشاب الجلد الماضي العزم، وما فتىء أن فعل، ما برح أي أنه بادر إلى ذلك بسهولة انقياد وشدة عزيمة، وحقيقته: ما فتىء عن فعل كذا، أي ما تجاوزه إلى غيره وما نسيه بل قصر فتاءه وهمته وجلده عليه، وعن ابن مالك في جمع اللغات المشكلة وعزاه للفراء - وصححه في القاموس: فتأ - كمنع: كسر وأطفأ، وهو واضح في القوة، وفتىء عنه - كسمع: نسيه وانقذع عنه، أي انكف أو خاص بالجحد، أي بأن يكون قبله حرف نفي، ومعناه أن قوته تجاوزته فلم تخالطه؛ ومن يائيه: الفتاء - كسماء: الشباب، وكأنه
стр. 4723
أصل المادة، والفتي - بالقصر؛ السخي والكريم، أي الجواد الشريف النفس، والفتى: السيد الشجاع - لأن ذلك يلزم الشباب، والفتى: المملوك وإن كان بخيلاً أو شيخاً - لأنه غالباً لا يشتري إلا الشباب، والفتى: التلميذ، والتابع كذلك، والفتى - كغنى: الشاب أيضاً، والفتوة: الكرم، وقد تفتى وتفاتى، وفتوتهم: غلبتهم فيها، وأفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا - بالضم والفتوى - ويفتح: ما أفتى به الفقيه، وهو يرجع إلى الجود وحسن الخلق، والفتيان: الليل والنهار، ولذلك يسميان الجديدين، وفتيت البنت تفتية: منعت اللعب مع الصبيان، فهو من سلب الشباب، أي فعله ومن مقلوبه مهموزاً: افتأت عليّ الباطل: اختلقه، وبرأيه: استبد، وكلاهما يدل على جرأة وطيش، وهو بالشاب الذي لم يحنكه الدهر أجدر، وافتئت - على البناء للمفعول: مات فجأة - كأن ذلك أشد الموت؛ ومن واوية: فات الشيء فوتاً وفواتاً: ذهب فسبق فلم يدرك، وفاته وافتاته: ذهب عنه فسبقه،
стр. 4724
وذلك يدل على قوة السابق، وبينهما فوت، أي بون - كأن كلاً منهما سابق للآخر، وتفاوت الشيئان وتفوتا: تباعد ما بينهما، ويلزم ذلك الاختلاف والاضطراب، ويلزمه العيب ﴿فما ترى في خلق الرحمن من تفوت﴾ : من عيب، يقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن، وموت الفوات: الفجأة، وهو فوت رمحه ويده، أي حيث يراه ولا يصل إليه، والفوت: الفرجة بين إصبعين، وافتأت عليه برأيه: سبقه به، وفاته به وعليه: غلبه، ولا يفتات عليه أي لا يعمل دون أمره، أي لا أحد أشد منه فيسبقه، وافتات الكلام: ابتدعه - كما تقدم في المهموز، وافتات عليه: حكم - لقوته، والفويت - كزبير: المنفرد برأيه - للمذكر والمؤنث، وذلك لعدة نفسه شديداً، وتفوت عليه في ماله: فاته به؛ ومن مقلوبه مهموزاً: تفىء كفرح: احتد وغضب - وذلك لشدته، وتفيئة الشيء: حينه وزمانه، وذلك أحسن أحواله، ودخل على تفيئته أي أثره أي لم يسبقه بكثير، وذلك أشد له؛
стр. 4725
ومن واوية: التفة كقفة: عناق الأرض وهي تصيد، وفيها خلاف يبين إن شاء الله تعالى في قوله: ﴿جزاء موفوراً﴾ من سورة سبحان؛ ومن مقلوبه واوياً: تاف بصره يتوف: تاه - كأنه لسلب الشدة أو المعنى أنه وقع في توقة، أي شدة، وما فيه توفة - بالضم - ولا تافة: عيب أو مزيد أو حاجة وأبطأ وكل ذلك يدل على شدته، وطلب علي توفة بالفتح،: عثرة وذنباً - من ذلك لأن العثرة والذنب لا يصيبان شيئاً إلا عن شدتهما وضعفه؛ ومن مقلوبه مهموزاً: الأفت - بالفتح: النافة التي عندها من الصبر والبقاء ما ليس عند غيرها، والسريع الذي يغلب الإبل على السير، والكريم من الإبل - ويكسر - والداهية والعجب، وكل ذلك واضح في القوة، والإفت - بالكسر: الأول - لأنه أصل كل معدود، وأفته عن كذا: صرفه.
ولما أخبرهم ﵇ أن علمه فوق علمهم، أتبعه استئنافاً ما يدل عليه فقال: ﴿يابني اذهبوا﴾ ثم سبب عن هذا الذهاب
стр. 4726
وعقب به قوله: ﴿فتحسسوا﴾ أي بجميع جهدكم ﴿من يوسف وأخيه﴾ أي اطلبوا من أخبارهما بحواسكم لعلكم تظفرون بهما، وهذا يؤكد ما تقدم من احتمال ظنه أن فاعل ذلك يوسف - عليهم الصلاة والسلام.
ولما لم يكن عندهم من العلم ما عنده، قال: ﴿ولا تيأسوا﴾ أي تقنطوا ﴿من روح الله﴾ أي الذي له الكمال كله؛ والروح - قال الرماني - يقع بريح تلذ، وكأن هذا أصله فالمراد: من رحمته وفرجه وتيسيره ولطفه في جمع الشتات وتيسير المراد؛ ثم علل هذا النهي بقوله: ﴿إنه لا يبأس﴾ أي لا يقنط ﴿من روح الله﴾ أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام ﴿إلا القوم﴾ أي الذين لهم قوة المحاولة ﴿الكافرون *﴾ أي العريقون في الكفر، فأجابوه إلى ما أراد، قتوجهوا إلى مصر لذلك ولقصد الميرة لما كان اشتد بهم من القحط، وقصدوا العزيز؛ وقوله: ﴿فلما دخلوا عليه﴾ بالفاء يدل على أنهم أسرعوا الكرة في هذه المرة ﴿قالوا﴾ منادين بالأداة التي تنبه على أن ما بعدها له وقع عظيم ﴿يا أيها العزيز﴾ .
ولما تلطفوا بتعظيمه، ترققوا بقولهم: ﴿مسنا﴾ أي أيتها العصابة التي تراها ﴿وأهلنا﴾ أي الذين تركناهم في بلادنا ﴿الضر﴾ أي لابسنا
стр. 4727
ملابسة نحسها ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ أي تافهة غير مرغوب فيها بوجه، ثم سببوا عن هذا الاعتراف - لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم - قولهم: ﴿فأوف لنا﴾ أي شفقة علينا بسبب ضعفنا ﴿الكيل وتصدق﴾ أي تفضيل ﴿علينا﴾ زيادة على الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه.
ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله، عللوا ذلك بقولهم: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿يجزي المتصدقين *﴾ أي مطلقاً وإن أظهرت - بما أفاد الإظهار - وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف.
стр. 4728
فلما رأى أن الأمر بلغ الغاية ولم يبق شيء يتخوفه، عرفهم بنفسه فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله حكاية: ﴿قال هل علمتم﴾ مقرراً لهم بعد أن اجترؤوا عليه واستأنسوا به، والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان ﴿ما﴾ أي قبح الذي ﴿فعلتم بيوسف﴾ أي أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه ﴿وأخيه﴾ في جعلكم إياه فريداً منه ذليلاً بينكم، ثم في قولكم له لما وجدوا الصواع في رحله: لا يزال يأتينا البلاء
стр. 4729
من قبلكم يا بني راحيل! وأعلمهم بأن ظنه فيهم الآن جميل تسكيناً لهم فقال: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أنتم جاهلون *﴾ أي فاعلون فعلهم - تلويحاً لهم إلى معرفته وتذكيراً بالذنب ليتوبوا، وتلطفاً معهم في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث فيه المصدور، ويشتفي فيه المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، بتخصيص جهلهم - بمقتضى «إذا» - بذلك الزمان إفهاماً لهم أنهم الآن على خلاف ذلك، فكأنه قيل: إنه قد قرب لهم الكشف عن أمره، لأنه لا يستفهم ملك مثله - لم ينشأ بينهم ولا تتبع أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا سيما وقد روى أنه لما قال هذا تبسم، وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله معه من رآه ولو مرة واحدة، فهل عرفوه؟ فقيل: ظنوه ظناً غالباً، ولذلك ﴿قالوا﴾ مستفهمين ﴿أإنك﴾ وأكدوا بقولهم: ﴿لأنت يوسف﴾ .
ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من العظمة أن يجازيهم على سوء صنيعهم إليه، استأنف بيان كرمه فقال: ﴿قال أنا يوسف﴾ وزادهم قوله: ﴿وهذا أخي﴾ أي بنيامين شقيقي لذكره لهم في قوله ﴿وأخيه﴾ وليزيدهم ذلك معرفة له، وثبتها في أمره بتصديقه له مع
стр. 4730
مكثه عنده مدة ذهابهم وإيابهم، وليبني عليه قوله: ﴿قد منَّ الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿علينا﴾ بأن جمع بيننا على خير حال تكون؛ ثم تعليله بقوله: ﴿إنه من يتق﴾ وهو مجزوم لأنه فعل الشرط، وأثبت قنبل - بخلافه عنه - ياءه في الحالين معاملاً له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة الكاملة والمكنة الزائدة والملازمة لها في كل حال ﴿ويصبر﴾ أي يوفه الله أجره لإحسانه ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لا يضيع﴾ أي أدنى إضاعة - أجره، هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر من الإحسان، فقال: ﴿أجر المحسنين *﴾ والتقوى: دفع البلاء بسلوك طريق الهدى؛ والصبر: حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي، ولعله إنما ستر أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل الملك لم يأمن كيد إخوته، ولو تعرف إليهم بعده أو أول
следующие страницы →