Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
وعقب به قوله: ﴿فتحسسوا﴾ أي بجميع جهدكم ﴿من يوسف وأخيه﴾ أي اطلبوا من أخبارهما بحواسكم لعلكم تظفرون بهما، وهذا يؤكد ما تقدم من احتمال ظنه أن فاعل ذلك يوسف - عليهم الصلاة والسلام.
ولما لم يكن عندهم من العلم ما عنده، قال: ﴿ولا تيأسوا﴾ أي تقنطوا ﴿من روح الله﴾ أي الذي له الكمال كله؛ والروح - قال الرماني - يقع بريح تلذ، وكأن هذا أصله فالمراد: من رحمته وفرجه وتيسيره ولطفه في جمع الشتات وتيسير المراد؛ ثم علل هذا النهي بقوله: ﴿إنه لا يبأس﴾ أي لا يقنط ﴿من روح الله﴾ أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام ﴿إلا القوم﴾ أي الذين لهم قوة المحاولة ﴿الكافرون *﴾ أي العريقون في الكفر، فأجابوه إلى ما أراد، قتوجهوا إلى مصر لذلك ولقصد الميرة لما كان اشتد بهم من القحط، وقصدوا العزيز؛ وقوله: ﴿فلما دخلوا عليه﴾ بالفاء يدل على أنهم أسرعوا الكرة في هذه المرة ﴿قالوا﴾ منادين بالأداة التي تنبه على أن ما بعدها له وقع عظيم ﴿يا أيها العزيز﴾ .
ولما تلطفوا بتعظيمه، ترققوا بقولهم: ﴿مسنا﴾ أي أيتها العصابة التي تراها ﴿وأهلنا﴾ أي الذين تركناهم في بلادنا ﴿الضر﴾ أي لابسنا
стр. 4727
ملابسة نحسها ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ أي تافهة غير مرغوب فيها بوجه، ثم سببوا عن هذا الاعتراف - لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم - قولهم: ﴿فأوف لنا﴾ أي شفقة علينا بسبب ضعفنا ﴿الكيل وتصدق﴾ أي تفضيل ﴿علينا﴾ زيادة على الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه.
ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله، عللوا ذلك بقولهم: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿يجزي المتصدقين *﴾ أي مطلقاً وإن أظهرت - بما أفاد الإظهار - وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف.
стр. 4728
فلما رأى أن الأمر بلغ الغاية ولم يبق شيء يتخوفه، عرفهم بنفسه فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله حكاية: ﴿قال هل علمتم﴾ مقرراً لهم بعد أن اجترؤوا عليه واستأنسوا به، والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان ﴿ما﴾ أي قبح الذي ﴿فعلتم بيوسف﴾ أي أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه ﴿وأخيه﴾ في جعلكم إياه فريداً منه ذليلاً بينكم، ثم في قولكم له لما وجدوا الصواع في رحله: لا يزال يأتينا البلاء
стр. 4729
من قبلكم يا بني راحيل! وأعلمهم بأن ظنه فيهم الآن جميل تسكيناً لهم فقال: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أنتم جاهلون *﴾ أي فاعلون فعلهم - تلويحاً لهم إلى معرفته وتذكيراً بالذنب ليتوبوا، وتلطفاً معهم في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث فيه المصدور، ويشتفي فيه المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، بتخصيص جهلهم - بمقتضى «إذا» - بذلك الزمان إفهاماً لهم أنهم الآن على خلاف ذلك، فكأنه قيل: إنه قد قرب لهم الكشف عن أمره، لأنه لا يستفهم ملك مثله - لم ينشأ بينهم ولا تتبع أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا سيما وقد روى أنه لما قال هذا تبسم، وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله معه من رآه ولو مرة واحدة، فهل عرفوه؟ فقيل: ظنوه ظناً غالباً، ولذلك ﴿قالوا﴾ مستفهمين ﴿أإنك﴾ وأكدوا بقولهم: ﴿لأنت يوسف﴾ .
ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من العظمة أن يجازيهم على سوء صنيعهم إليه، استأنف بيان كرمه فقال: ﴿قال أنا يوسف﴾ وزادهم قوله: ﴿وهذا أخي﴾ أي بنيامين شقيقي لذكره لهم في قوله ﴿وأخيه﴾ وليزيدهم ذلك معرفة له، وثبتها في أمره بتصديقه له مع
стр. 4730
مكثه عنده مدة ذهابهم وإيابهم، وليبني عليه قوله: ﴿قد منَّ الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿علينا﴾ بأن جمع بيننا على خير حال تكون؛ ثم تعليله بقوله: ﴿إنه من يتق﴾ وهو مجزوم لأنه فعل الشرط، وأثبت قنبل - بخلافه عنه - ياءه في الحالين معاملاً له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة الكاملة والمكنة الزائدة والملازمة لها في كل حال ﴿ويصبر﴾ أي يوفه الله أجره لإحسانه ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لا يضيع﴾ أي أدنى إضاعة - أجره، هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر من الإحسان، فقال: ﴿أجر المحسنين *﴾ والتقوى: دفع البلاء بسلوك طريق الهدى؛ والصبر: حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي، ولعله إنما ستر أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل الملك لم يأمن كيد إخوته، ولو تعرف إليهم بعده أو أول
стр. 4731
ما رآهم لم يأمن من أن تقطع أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما هو فيه من العز، فإنهم فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهم، فهم لا يشكون في أنه إذا قدر عليهم يهلكهم لما تقدم لهم إليه من سوء الصنيعة، وعلى تقدير سلامتهم لا يأمنونه وإن بالغ في إكرامهم، فإن الأمور العظام - إن لم تكن بالتدريج - عظم خطرها، وتعدى ضررها، فإن أرسلهم ليأتوا بأبيهم خيف أن يختلوا أباهما من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده، فيذهبوا إلى حيث لا يعلمه، وإن أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر، وإن سجنهم وأرسل إلى أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه، ويحصل له وحشة بحبس أولاده، وتعظم القاله بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك، ففعل معهم ما تقدم ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره، وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم بالتدريج، ويقفوا على ذلك منه قولاً وفعلاً من أخيه الذي ربى معهم وهم به آنسون وله ألفون، فتسكن روعتهم، وتهون زلتهم، ومما يدل على ذلك أنه لما انتفى عن أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر، تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه أن يخبرهم بحقيقة الأمر، وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي
стр. 4732
أرادها، فلما ظن أن الأمر قد بلغ مداه، لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن عقله وبديع جماله وشكله ورائع قوله وفعله، فكان موضع الوجل والخجل، وموضع اليأس الرجاء، فحصل المراد على وفق السداد - والله الموفق؛ وذلك تنبيه لمن قيل لهم أول السورة
﴿لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: ٢] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني والاتئاد وتفويض الأمور إلى الحكيم، وأن لا يستعجلوه في أمر، وأن يعلموا أن سنته الإلهية جرت بأن الأمور الصعاب لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب شيئاً فشيئاً على وجه الإحكام، وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى الطاعة والعصيان - كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله؛ ﴿حتى إذا استيئس الرسل﴾ [يوسف: ١١٠] الآية والله أعلم.
ولما كان ما ذكر، كان كأنه قيل: لقد أتاهم ما لم يكونوا يحتسبون فما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ متعجبين غاية التعجب. ولذلك أقسموا بما يدل على ذلك: ﴿تالله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لقد آثرك الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿علينا﴾ أي جعل لك أثراً يغطي آثارنا بعلوه فالمعنى: فضلك علينا أي بالعلم والعقل والحكم والحسن والملك والتقوى
стр. 4733
وغير ذلك ﴿وإن﴾ خففوها من الثقيلة تأكيداً بالإيجاز للدلالة على الاهتمام بالإبلاغ في الاعتذار في أسرع وقت ﴿كنا﴾ أي كوناً هو جبلة لنا ﴿لخاطئين *﴾ أي عريقين في الخطأ، وهو تعمد الإثم، فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم؟ فقيل: ﴿قال﴾ قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ﴿لا تثريب﴾ أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك ﴿عليكم اليوم﴾ وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده!
ومادة «ثرب» تدور على البرث - بتقديم الموحدة، وهو أسهل الأرض وأحسنها؛ ولثبرة - بتقديم المثلثة: أرض ذات حجارة بيض، فإنه يلزمه الإخلاد، والدعة، ومنه: ثابر على الأمر: دوام، والمثبر - كمنزل: لمسقط الولد أي موضع ولادته، والمقطع والمفصل، فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد، ومنه الثبور للهلاك، والبثر بتقديم الموحدة: خراج معروف: والماء البثر: الذي بقى منه على الأرض شيء قليل؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضاً: حبس الإنسان،
стр. 4734
وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضاً؛ والتثريب: التقرير بالذنب، فهو إزالة ما على الإنسان من ساتر العفو، من الثرب وهو شحم يغشى الكرش والأمعاء ويسترهما، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها، فالتثريب إزالته، وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك، فأغلب مدار المادة الهلاك.
ولما أعفاهم من الترثيب، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: ﴿يغفر الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿لكم﴾ أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا؛ ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص التوبه، ورغبهم في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿أرحم الراحمين *﴾ أي لجميع العباد ولا سيما التائب، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من النقم، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشياً ونحن نستحي لما فرط منا، فقال: إن أهل مصر ينظرونني - وإن ملكت فيهم - بعين العبودية فيقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن
стр. 4735
بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من ذرية إبراهيم ﵊.
стр. 4736
ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى، بقي ما يخص أباهم من ذلك، فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله: ﴿اذهبوا بقميصي﴾ ولما كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه، احترز عن ذلك بقوله: ﴿هذا فألقوه﴾ أي عقب وصولكم ﴿على وجه أبي يأت﴾ أي يرجع إلى ما كان ﴿بصيراً﴾ أو يأت إلى حالة كونه بصيراً، فإنه إذا رد إليه بصره وعلم مكاني لم يصبر عن القصد إليّ لما عنده من وفور المحبة وعظيم الشوق، وكونه قميصاً من ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على الكرامة؛ والقميص ألصق الثياب بالجسم، فإظهار الكرامة به أدل على كمال دين صاحبه وعراقته في أمور الإيمان، وهو يؤول في المنام بالدين، وذلك أدخل في كمال السرور ليعقوب ﵊ ﴿وأتوني﴾ أي بأبي وأنتم ﴿بأهلكم﴾ أي مصاحبين لهم ﴿أجمعين *﴾ لا يتخلف منهم أحد، فرجعوا بالقميص لهذا القصد، قيل: كان يهوذا هو الذي حمل قميصه لما لطخوه بالدم، فقال: لا يحمل هذا غيري
стр. 4737
لأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما ثمانون فرسخاً ﴿ولما فصلت العير﴾ من العريش آخر بلاد مصر إلى بلاد الشام ﴿قال أبوهم﴾ لولد ولده ومن حوله من أهله، مؤكداً لعلمه أنهم ينكرون قوله: ﴿إني لأجد﴾ أي لأقول: إني لأجد ﴿ريح يوسف﴾ وصدهم عن مواجهته بالإنكار بقوله: ﴿لولا أن تفندون *﴾ أي لقلت غير مستح ولا متوقف، لأن التفنيد لا يمنع الوجدان، وهو كما تقول لصاحبك: لولا أن تنسبني إلى الخفة لقلت كذا، أي إني قائل به مع علمي بأنك لا توافقني عليه، «وفصل» هنا لازم يقال: فصل من البلد يفصل فصولاً، والفصل: القطع بين الشيئين بحاجز، والوجدان: ظهور من جهة إدراك يستحيل معه انتفاء الشيء، والريح: عرض يدرك بحاسة الأنف أي الشم، والتفنيد: تضعيف الرأي بالنسبة إلى الفند، وهو الخوف وإنكار العقل من هرم، يقال: شيخ مفند، ولا يقال: عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فيفندها كبرها؛ ثم استأنف حكاية جوابهم فقال: ﴿قالوا﴾ أي السامعون له ما ظنه بهم، مقسمين بما دل على تعجبهم، وهو ﴿تالله﴾ أي الملك الأعظم، وأكدوا لمعرفتهم أنه ينكر كلامهم وكذا كل من يعرف كماله ﴿إنك لفي ضلالك﴾ أي بحيث صار ظرفاً لك
стр. 4738
﴿القديم *﴾ أي خطئك في ظن حياة يوسف؛ قال الرماني: والضلال: الذهاب عن جهة الصواب. فصحح الله قوله وحقق وجدانه، وعجلوا إليه بشيراً فأسرع بعد الفصول، ولذلك عبر بالفاء في ﴿فلما﴾ وزيدت ﴿أن﴾ لتأكيد مجيئه على تلك الحال وزيادتها قياس مطرد ﴿جاء البشير﴾ وهو يهوذا بذلك، معه القميص ﴿ألقاه﴾ أي القميص حين وصل إلى يعقوب ﵊ من غير فاصل ما بين أول المجيء وبينه كما أفادته زيادة «أن» لتأكيد ما تفيده «لما» من وقوع الفصل الثاني وهو هنا الإلقاء عقب الأول وترتبه عليه وهو هنا المجيء ﴿على وجهه﴾ أي يعقوب ﵊ ﴿فارتد﴾ من حينه ﴿بصيراً﴾ والارتداد: انقلاب الشيء إلى حال كان عليها، فالتفت الخاطر إلى حاله مع فنده، فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً: ﴿قال﴾ أي يعقوب ﵊ ﴿ألم أقل لكم﴾ : إني أجد ريحه؛ ثم علل هذا التقرير بقوله مؤكداً لأن قولهم قول من ينكر: ﴿إني أعلم من الله﴾ أي المختص بصفات الكمال ﴿ما لا تعلمون *﴾ لما خصني به تعالى من أنواع المواهب، وهو عام لأخبار يوسف ﵊ وغيرها، وهو من التحديث بنعمة الله.
стр. 4739
ولما كان ذلك تشوفت النفس إلى علم ما يقع بينه وبين أولاده في ذلك، فدفع عنها هذا العناء بقوله: ﴿قالوا ياأبانا﴾ منادين بالأداة التي تدل على الاهتمام العظيم بما بعدها لما له من عظيم الوقع: ﴿استغفر﴾ أي اطلب من الله أن يغفر ﴿لنا ذنوبنا﴾ ورد كل ضمير من هذه الضمائر إلى صاحبه في غاية الوضوح، فلذلك لم يصرح بصاحبه.
ولما سألوه الاستغفار لذنوبهم، عللوه بالاعتراف بالذنب، لأن الاعتراف شرط التوبة - كما قال ﷺ : «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» فقالوا مؤكدين تحقيقاً للإخلاص في التوبة: ﴿إنا كنا خاطئين *﴾ أي متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف علية الصلاة والسلام؛ ثم حكى جوابه بقوله مستأنفاً: ﴿قال﴾ أي أبوهم ﵇ مؤكداً لكلامه: ﴿سوف أستغفر﴾ أي أطلب أن يغفر ﴿لكم ربي﴾ أي الذي لم يزل يحسن إليّ ويربيني أحسن تربية، فهو الجدير بأن يغفر لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء؛ والربوبية: ملك هو أتم الملك على الإطلاق، وهو ملك الله تعالى لإنشاء الأنفس باختراعها وتصريفها أتم التصريف من الإيجاد والإعدام والتقليب من حال إلى حال في جميع الأمور من غير تعب؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه هو﴾ أي وحده ﴿الغفور الرحيم *﴾ كل
стр. 4740
ذلك تسكيناً لقلوبهم وتصحيحاً لرجائهم ليقوى أملهم، فيكون تعالى عند ظنهم بتحقيق الإجابة وتنجيزاً لطلبه؛ ولعله عبر ب «سوف» لتقديم هاتين الجملتين على المسألة لما ذكرته من الأغراض، وقيل: لأنه أخر الدعاء إلى صلاة الليل، وقيل: إلى ليلة الجمعة؛ وقيل: يؤخذ منها أن طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ.
стр. 4741
ولما وقع ما ذكر، وكان قد أرسل معهم من الدواب والمال والآلات ما يتجهزون به، أقبلوا على التجهيز كما أمرهم يوسف ﵊، ثم قدموا مصر وهم اثنان وسبعون نفساً من الذكور والإناث، وكأنهم أسرعوا في ذلك فلذلك قال: ﴿فلما﴾ بالفاء ﴿دخلوا على يوسف﴾ في المكان الذي تلقاهم إليه في وجوه أهل مصر وضرب به مضاربه ﴿آوى إليه أبويه﴾ إكراماً لهما بما يتميزان به، قيل: هو المعانقة، والظاهر أنها أمه حقيقة، وبه قال الحسن وابن إسحاق - كما نقله الرماني وأبو حيان، وعن ابن عباس ﵄ أنها خالته، وغلب الأب في هذه التثنية لذكورته كما غلب ما هو مفرد في أصله على المضاف في العمرين ﴿وقال﴾ مكرماً للكل ﴿ادخلوا مصر﴾
стр. 4742
أي البلد المعروف، وأتى بالشرط للأمن لا للدخول، فقال: ﴿إن شاء الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ﴿آمنين *﴾ من جميع ما ينوب حتى مما فرطتموه في حقي وحق أخي.
ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية التي بها لذة العيش، أتبعه الرفعة التي بها كمال النعيم، فقال: ﴿ورفع أبويه﴾ أي بعدما استقرت بهم الدار بدخول مصر مستويين ﴿على العرش﴾ أي السرير الرفيع؛ قال الرماني: أصله الرفع. ﴿وخروا﴾ أي انحطوا ﴿له سجداً﴾ الأبوان والإخوة تحقيقاً لرؤياه ممن هو غالب على كل أمر، والسجود - وأصله: الخضوع والتذلل - كان مباحاً في تلك الأزمنة ﴿وقال﴾ أي يوسف ﵊ ﴿ياأبت﴾ ملذذاً له بالخطاب بالأبوة ﴿هذا﴾ أي الذي وقع من السجود ﴿تأويل رؤياي﴾ التي رأيتها، ودل على قصر الزمن الذي رآها فيه بالجار فقال: ﴿من قبل﴾ ثم استأنف قوله: ﴿قد جعلها ربي﴾ أي الذي رباني بما أوصلني إليها ﴿حقاً﴾ أي بمطابقة الواقع لتأويلها، وتأويل ما أخبرتني به أنت تحقق أيضاً من اجتبائي وتعليمي وإتمام النعمة عليّ؛ والتأويل: تفسير
стр. 4743
بما يؤول إليه معنى الكلام؛ وعن سلمان ﵁ أن ما بين تأويلها ورؤياها أربعون سنة. ﴿وقد أحسن﴾ أي أوقع إحسانه ﴿بي﴾ تصديقاً لما بشرتني به من إتمام النعمة، وتعدية ﴿أحسن﴾ بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية ب «إلى» وعبر بقوله: ﴿إذا أخرجني من السجن﴾ معرضاً عن لفظ «الجب» حذراً من إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالاً خفياً ﴿وجاء بكم﴾ وقيل: إنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش، يتنقلون في المياه والمناجع، فلذلك قال: ﴿من البدو﴾ من أطراف بادية فلسطين، وذلك من أكبر النعم كما ورد في الحديث «من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة» والبدو: بسيط من الأرض يرى فيه الشخص من بعيد، وأصله من الظهور، وأنس إخوته أيضاً بقوله مثبتاً الجار لأن مجيئهم في بعض أزمان البعد: ﴿من بعد أن نزغ﴾ عبر بالماضي ليفهم أنه انقضى ﴿الشيطان﴾ أي أفسد البعيد المحترق بوسوسته التي هي كالنخس ﴿بيني وبين إخوتي﴾ حيث قسم النزع بينه وبينهم ولم يفضل أحداً من
стр. 4744
الفريقين فيه، ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم الإفساد للبينين، كل ذلك إشارة إلى تحقق ما بشر به يعقوب ﵊ من إتمام النعمة وكمال العلم والحكمة؛ ثم علل الإحسان إليهم أجمعين بقوله: ﴿إن ربي﴾ أي المحسن إليّ على وجوه فيها خفاء ﴿لطيف﴾ - أي يعلم دقائق المصالح وغوامضها، ثم يسلك - في إيصالها إلى المستصلح - سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك فهو اللطيف - قاله الرازي في اللوامع.
وهو سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته ﴿لما يشاء﴾ لا يعسرعليه أمر؛ ثم علل هذه العلة بقوله: ﴿إنه هو﴾ أي وحده ﴿العليم﴾ أي البليغ العلم للدقائق والجلائل ﴿الحكيم *﴾ أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم به يعقوب ﵊ بشراه في أول السورة، أي هو منفرد بالاتصاف بذلك لا يدانيه أحد في علم ليتعرض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب، ولا في حكمة ليتوقع الخلل في شيء منها.
стр. 4745
ولما ذكر هاتين الصفتين، تذكر ما وقع له بهما من الأسباب، فغلب عليه مقام الشهود وازدادت نفسه عن الدنيا عزوفاً، فقال مخاطباً:
стр. 4746
﴿رب قد آتيتني﴾ وافتتح ب «قد» لأن الحال حال توقع السامع لشرح مآل الرؤيا ﴿من الملك﴾ أي بعضه بعد بعدي منه جداً، وهو معنى روحه تمام القدرة ﴿وعلمتني﴾ وقصر دعواه تواضعاً بالإتيان بالجار فقال: ﴿من تأويل الأحاديث﴾ طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك، والله غالب على أمره؛ ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ ثم أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا يعول على غيره في شيء من الأشياء فقال: ﴿أنت وليِّي﴾ أي الأقرب إليّ باطناً وظاهراً ﴿في الدنيا والآخرة﴾ أي لا ولي لي غيرك، والولي يفعل لمولاه الأصلح والأحسن، فأحسن بي في الآخرة أعظم ما أحسنت بي في الدنيا.
ولما كان توليه لله لا يتم إلا بتولي الله له، أتبعه بما يفيده فقال: ﴿توفني﴾ أي اقبض روحي وافياً تاماً في جميع أمري حساً ومعنى حال كوني ﴿مسلماً﴾ ولما كان المسلم حقيقة من كان عريقاً في الإخلاص، حققه بقوله: ﴿وألحقني بالصالحين *﴾ فتوفاه الله كما سأل؛ قالوا: وتخاصم أهل مصر فيه، كلهم يرجو أن يدفن في محلته يرجو بركته، ثم اصطلحوا على أن عملوا له صندوقاً من رخام ودفنوه في وسط النيل،
стр. 4747
ليفترق الماء على جميع الأرض فتنالها بركته وتخصب كلها على حد سواء، ويكونوا كلهم في الماء سواء.
ذكر ما بقي من القصة عن التوراة:
قال بعدما مضى: فلم يقدر يوسف على الصبر - يعني على ترفق إخوته - فأمر بإخراج جميع من كان عنده، فلم يبق عنده أحد حيث ظهر يوسف لإخوته، فرفع صوته فبكى حتى سمع المصريون فأخبروا في آل فرعون، فقال يوسف لإخوته: أنا أخوكم يوسف، هل أبي باق؟ فلم يقدر إخوته على إجابته لأنهم رهبوه، فقال يوسف لإخوته: ادنوا مني فدنوا فقال لهم: أنا يوسف الذي بعتموني لمن ورد إلى مصر، والآن فلا تحزنوا، ولا يشقن عليكم ذلك، ولا يشتدن عليكم بيعكم إياي إلى ما هنا، لأن الله أرسلني أمامكم لأعد لكم القوت، لأن للجوع مذ أتى سنتين، وستأتي خمس سنين أخر لا يكون فيها زرع ولا حصاد، فأرسلني الرب أمامكم لأصير لكم بقاء في الأرض وأخلصكم
стр. 4748
وأستنقذكم، لتحيوا وتستبشروا على الأرض، والآن فلستم أنتم الذين بعثتموني إلى هاهنا بل الله أرسلني وجعلني أباً لفرعون وسيداً لجميع أهل بيته، ومسلطاً على جميع أرض مصر، فاصعدوا الآن عجلين عليّ بأبي وقولوا له: هكذا يقول ابنك يوسف: إن الله جعلني سيداً لجميع أهل مصر، فاهبط إليّ ولا تتأخر، وانزل إلى أرض السدير - وفي نسخة: خشان - فكن قريباً مني أنت وبنوك وأهل بيتك وعمتك وبقرك وجميع مالك، فأموّنكم هناك، لأنه قد بقي خمس سنين جوعاً، لئلا تهلك أنت وأهل بيتك وكل مالك، وهذه أعينكم تبصر وعينا أخي بنيامين، إني أكلمكم مشافهة، وأخبروا أبي بجميع كرامتي ووقاري في أرض مصر، وبجميع ما رأيتم، وأسرعوا واهبطوا بأبي إلى ما هاهنا، فاعتنق أخاه بنيامين أيضاً وبكى، وقبل جميع إخوته وبكى، ومن بعد ذلك كلمه إخوته، فبلغ ذلك فرعون وقيل له: إن إخوة يوسف قد أتوه، فسر ذلك فرعون، عبده - وفي نسخة: وجميع قواده - فقال فرعون ليوسف: قل لإخوتك فليفعلوا هكذا، أوقروا دوابكم ميرة، وانطلقوا بها إلى أرض كنعان، وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم وائتوني فأنحلكم
стр. 4749
خيرات أرض مصر وخصبها، وكلوا خصب الأرض، وهذا أنت المسلط، فأمر إخوتك أن يفعلوا هذا الفعل، احملوا من أرض مصر عجلاً لنسائكم وحشمكم، وأظعنوا بأبيكم فأقبلوا، ولا تشفقن على أمتعتكم، لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو لكم، ففعل بنو إسرائيل كما أمر فرعون، ودفع إليهم يوسف عجلاً عن أمر فرعون، وزودهم جميع أزودة الطريق، وخلع على كل أمرىء منهم خلعة، فأما بنيامين فأجازه بثلاثمائة درهم - وفي نسخة: مثقال فضة - وخلع عليه خمس خلع، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك أيضاً وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه للطريق وأرسلهم، فانطلقوا، وتقدم إليهم وقال لهم: لا تقع المشاجرة فيما بينكم في الطريق، فظعنوا من مصر فأتوا أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم، فأخبروه وقالوا له: إن يوسف بعد في الحياة، وهو المسلط على جميع أرض مصر، ورأى يعقوب العجل الذي بعث يوسف لحمله فاطمأنت نفسه وقال: إن هذا لعظيم عندي، إذ كان ابني يوسف بعد الحياة، أنطلق الآن
стр. 4750
فأنظر إليه قبل الموت.
فظعن إسرائيل وجميع ما له، فأتى بئر السبع، وقرب قرباناً لإله إسحاق أبيه، فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له: يا يعقوب! فقال: هاأنذا! فقال: إني أنا إيل إله أبيك، لا تخف من الحدور إلى مصر، لأني أجعلك هناك إلى شعب عظيم - وفي نسخة: لأني أصير منك أمة عظيمة - أنا أهبط معك، وأنا أصعدك، ويوسف يضع يده على عينيك، فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو إسرائيل بيعقوب أبيهم وبحشمهم ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله، وساقوا دوابهم ومواشيهم التي استفادوها بأرض كنعان، فأتوا بها مصر يعقوب وجميع نسله وبنوه معه وبنو بنيه وبناته وبنات بناته، وأدخل إلى مصر كل نسله،
ثم سماهم واحداً واحداً، ثم قال: فجميع بني يعقوب الذين ادخلوا مصر سبعون إنساناً، ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف ﵊ ليدله على السدير - وفي نسخة: خشان - فألجم يوسف مراكبه، وصعد للقاء أسرائيل أبيه إلى خشان - وفي نسخة: السدير - فتلقاه واعتنقه وبكى إذ اعتنقه، فقال إسرائيل ليوسف:
стр. 4751
أتوفى الآن بعد نظري إليك يا بني، فأنت في الحياة بعد، فقال يوسف لإخوته وآل أبيه: أصعد فأخبر فرعون وأقول: إن إخوتي وآل أبي الذين كانوا بأرض كنعان قد أتوني والقوم رعاء غنم، لأنهم أصحاب مواش وقد أتوا بغنمهم وبقرهم وبكل شيء لهم، فإذا دعاكم فقولوا له: إنا عبيدك أصحاب ماشية منذ صبانا، وحتى الآن نحن وآباؤنا من قبل أيضاً، لكي تنزلوا أرض خشان - وفي نسخة: السدير - لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند المصريين.
فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له: إن أبي وإخوتي أتوني وغنمهم وبقرهم وجميع ما لهم في أرض كنعان، وهو ذا هم حلول بأرض السدير، وحمل من إخوته خمسة رهط، فأدخلهم على فرعون فوقفوا بين يديه، فقال فرعون لإخوة يوسف: ما صنعتكم؟ فقالوا: إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا، وآباؤنا أيضاً من قبل. وقالوا لفرعون: إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد الحشيش والعشب والكلأ من مرابع غنم عبيدك، وذلك لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، فأمر عبيدك أن ينزلوا بأرض السدير، فقال فرعون ليوسف: إن أباك وإخوتك قد أتوا، وهذه أرض مصر
стр. 4752
بين يديك، فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض وأخصبها لينزلوا أرض السدير، وإن كنت تعلم أن فيهم قوماً ذوي قوة وبطش ونفاذ فولهم جميع مالي، فأدخل يوسف ﵇ أباه يعقوب عليهم الصلاة والسلام على فرعون فأقامه بين يديه، فقال فرعون ليعقوب ﵊: كم عدد سني حياتك؟ فقال يعقوب ﵇ لفرعون: مبلغ حياتي مائة وثلاثون سنة، وإن أيام حياتي لناقصة، ولم أبلغ سني حياة آبائي في أيام حياتهم، فبارك يعقوب فرعون ودعا له، وخرج من بين يديه، فأسكن يوسف ﵇ أباه يعقوب ﵇ وإخوته وأعطاهم وراثة في أرض مصر في أخصب الأرض وأحسنها في أرض رعمسيس - وفي نسخة: أرض عين شمس - كما أمر فرعون، فقات يوسف أباه وإخوته وجميع أهل بيته بالميرة على قدر الحشم، ولم تكن ميرة في جميع الأرض كلها لأن الجوع اشتد جداً، فخرجت جميع أرض مصر وأرض كنعان، فصار إلى يوسف ﵊ كل ورق ألفي في
стр. 4753
أرض مصر وأرض كنعان، وذلك ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه، فأورد يوسف الورق بيت مال فرعون، ونفد الورق من أرض مصر وأرض كنعان، فأتى جميع المصريين إلى يوسف ﵊ فقالوا له: أعطنا من القمح حاجتنا فنحيى ولا نموت، لأن ورقنا قد نفذ، فقال لهم يوسف: ادفعوا إليَّ مواشيكم إن كانت الأوراق قد نفدت، فأقوتكم بمواشيكم، فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من الميرة بخيلهم وبمواشي الغنم وماشية البقر والحمير، وقاتهم سنتهم تيك بجميع مواشيهم، فأتوه في السنة الأخرى وقالوا له: لسنا نكتم سيدنا أمرنا، لأنن أوراقنا وماشيتنا ودوابنا قد نفدت وصارت عند سيدنا، ولم يبق بين يدي سيدنا غير أنفسنا وأرضنا، فلم نهلك بين يديك؟ فابتعنا وأراضينا بإطعامك إيانا الخبز، فنصير نحن عبيداً لفرعون وأرضنا ملكاً له، وأعطنا البذر فنحيا ولا نموت، ولا تخلو الأرض وتخرب لفقد سكانها، فابتاع يوسف لفرعون جميع أرض مصر، فصارت الأرض لفرعون، فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم من أقاصي الأرض نحو مصر إلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد - وفي نسخة: أئمتهم - فإنه لم يبتعها، لأنه كان يجري على الأجناد - وفي رواية:
стр. 4754
أئمتهم - وظيفة ونزلا من عند فرعون، وكانوا يأكلون برهم الموظف لهم من قبل فرعون، ولذلك لم يبيعوا أرضهم، فقال يوسف للشعب: إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون، وهاأنذا معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض، فإذا دخلت الغلة فأعطوا فرعون الخمس منها، وتكون لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس، ولمأكل أهل بيوتاتكم وإطعام حشمكم، فقالوا له: لقد أحييتنا، فلنظفر من سيدنا برحمة ورأفة، ونكون عبيداً لفرعون، فسن يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس هذا، فصار الخمس لفرعون ما خلا أرض أئمتهم - وفي رواية: الأجناد - فإنها لم تكن لفرعون.
فسكن إسرائيل أرض مصر وأرض السدير، فعظموا واعتزوا فيها واستيسروا وتماجدوا، وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكانت جميع أيام حياة يعقوب مائة وسبعاً وأربعين سنة، ودنت أيام وفاة إسرائيل ﵇، فدعا يوسف
стр. 4755
ابنه ﵇ وقال له: إن ظفرت منك برحمة ورأفة، فضع يدك تحت ظهري حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط، لا تدفني بمصر، بل أضطجع مع آبائي، احملني من مصر فادفني في مقبرتهم، فقال يوسف: أنا فاعل ذلك كقولك وأمرك، فقال له: أقسم لي، فأقسم له فتوكأ إسرائيل على عصاه وسجد شكراً.
فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسف ﵇ أن أباه قد مرض، فانطلق بابنيه معه: منشا وإفرايم، فبلغ يعقوب وقيل له: إن ابنك يوسف قد أتاك، فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته، فقال إسرائيل ليوسف: إن إله المواعيد اعتلن لي بلوز في أرض كنعان، فباركني وقال لي: هاأنذا مباركك ومكثرك، وأجعلك أباً لجميع الشعوب، وأعطي نسلك من بعدك هذه الأرض ميراثاً إلى الأبد، وأنا
стр. 4756
إذ كنت مقبلاً من فدانة أرام توفيت عني راحيل أمك في أرض كنعان في الطريق، وكان بيني وبين الدخول إلى إفراث قدر مسيرة ميل - وفي نسخة: - فرسخ - فدفنتها هناك في طريق إفراث - وهي بيت لحم - ونظر إسرائيل إلى ابني يوسف فقال له: من هذان؟ فقال: ابناي اللذان رزقني الله هاهنا، فقال أدنهما مني، فقبلهما واعتنقهما وقال: ما كنت أرجو النظر إلى وجهك فقد أراني الله نسلك أيضاً، وقال إسرائيل ليوسف عليهما الصلاة والسلام: هاأنذا متوف، ويكون الله بنصره وعونه معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم، وهأنذا قد فضلتك على إخوتك بسهم من الأرض التي غلبت عليها الأمورانيون بسيفي وقوسي، ثم إن يعقوب دعا بنيه وقال؛ اجتمعوا إليّ فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام، فذكر ذلك ثم قال: وهذا ما أخبرهم به يعقوب أبوهم، نبأهم بذلك وبارك عليهم كل امرىء منهم
стр. 4757
على قدره، ثم أوصاهم وقال لهم: إنني أنتقل إلى شعبي فادفنوني إلى جانب آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحيثاني، في المغارة التي في الروضة المضاعفة إلى جانب ممري بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم: روضة من عفرون الحيثاني وراثة المقبرة، هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته، وفيها دفن إسحاق ورفقا حليلته، وهنالك دفنت ليا في الروضة المبتاعة والمغارة التي فيها من بني حاث.
فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ونقل إلى شعبه.
فوقع يوسف عليه فقبله وبكى عليه، فأمر عبيده الأطباء بتحنيطه، فحنط الأطباء إسرائيل وتمت له أربعون ليلة، لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين، وناح المصريون عليه سبعين يوماً، فقال يوسف لآل فرعون: إن ظفرت منكم برحمة ورأفة فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم عليّ وقال لي: هاأنا متوف، فاقبرني في القبر الذي ابتعته في أرض كنعان، فيأذن لي فأصعد فأدفن أبي ثم أرجع، فقال له
стр. 4758
فرعون: اصعد فادفن أباك كما أقسم عليك، فصعد يوسف ليدفن أباه، وصعد معه جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع أهل بيت يوسف، وصعد معه إخوته وآل أبيه، وأما حشمهم وبقرهم وغنمهم فخلفوها بأرض خشان - وفي نسخة: السدير - وأصعد المراكب والفرسان أيضاً، فصار في عسكرعظيم منيع، فأتوا إلى بيادر أطرا - وفي نسخة: أندر العوسج - التي في مجاز الأردن، فرنوا هناك وناحوا نوحاً عظيماً مراً، فنظر سكان أرض كنعان إلى التأبل والنواح في أجران العوسج، فقالوا: إن هذا التأبل عظيم للمصريين، ولذلك دعي ذلك الموضع «تأبل مصر» ، الذي في مجاز الأردن، ففعل بنو إسرائيل كما أمرهم، وحملوه وانطلقوا به إلى أرض كنعان فدفنوه ثم في المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ابتاعها إبراهيم وراثة المقبرة من عفرون الحيثاني وهي إمام ممري.
стр. 4759
ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من صعد معه في دفن أبيه، ومن بعد ما دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد توفى، ففرقوا وقالوا: لعل يوسف أن يؤذينا وينكأنا ولعله أن يكافئنا على جميع الشر الذي ارتكبنا منه، فدنوا من يوسف وقالوا له: إن أباك أوصى قبل وفاته وقال: هكذا قولوا ليوسف: نطلب إليك أن تعفو عن جهل إخوتك وعن خطاياهم بارتكابهم الشر منك، فالآن نطلب إليك أن تعفو عن ذنب عبيد إله أبيك، فبكى يوسف لما قالوا ذلك، فدنا إخوته فخروا بين يديه سجداً وقالوا له: هوذا نحن لك عبيد، فقال لهم: لا تخافوني لأني أخاف الله، أما أنتم فهممتم بي شراً فصيره الله لي خيراً كما فعل بي يومنا هذا، فأحيي على يدي خلقاً عظيماً، والآن فلا خوف عليكم، أنا أقوتكم وحشمكم، فعزاهم وملأ قلوبهم خيراً.
ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ولده، فقال يوسف لإخوته: هاأنذا متوف، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأقسم يوسف على بني أسرائيل
стр. 4760
وقال: إن الله سيذكركم، فأصعدوا عظامي معكم، فتوفي يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - وسيأتي ما بعد ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه، غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى: ﴿فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً﴾ [يوسف: ٨٠] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم بنفسه فمضوا إلى أبيهم فأخبروه بذلك، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ليوسف وأخيه فعرفهم يوسف ﵇ بنفسه وجلا لهم الأمر في هذه القدمة الثالثة، فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليساً وتلبيساً، وهو لا يضر غيرهم، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر، فلم يفدهم ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي إلى الصواب.
стр. 4761
ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه، قال مشيراً إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطباً لمن لا يفهم هذا الحق فهمه غيره، مسلياً له مثبتاً لفؤاده وشارحاً لصدره، منبهاً على أنه مما ينبغي السؤال عنه: ﴿ذلك﴾ أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصاً يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم ﴿من أنباء الغيب﴾ أي أخباره التي لها شأن عظيم ﴿نوحيه إليك﴾ وعبر بصيغة المضارع تصويراً لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف له ما يريد ﴿و﴾ الحال أنك ﴿ما كنت لديهم﴾ أي عند إخوة يوسف ﵊ في هذا النبأ الغريب جداً ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أجمعوا أمرهم﴾ على رأي واحد في إلقاء يوسف ﵊ في الجب بعد أن كان مقسماً ﴿وهم يمكرون *﴾ أي يدبرون الأذى في خفية، من المكر وهو القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة، وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين، ومن المحقق لدى كل ذي لب أنه لا علم إلا بتعليم، فثبت أنه لا معلم لك إلا الله كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيا له من دليل جل عن مثيل، وهذا
стр. 4762
من المذهب الكلامي، وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب، وهو تهكم عظيم ممن كذب النبي ﷺ .
ولما سألت قريش واليهود رسول الله ﷺ كما نقله أبو حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف ﵊ فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي، مبينة هذا البيان الوافي، فأمل ﷺ أن يكون ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله، عزاه الله بقوله: ﴿وما﴾ أي نوحيه إليك على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما ﴿أكثر الناس﴾ أي كلهم مع ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب ﴿ولو حرصت﴾ أي على إيمانهم ﴿بمؤمنين *﴾ أي بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص، فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات، أو لترك ما يغيظهم من الإنذار؛ والكثير - قال الرماني: العدة الزائدة على مقدار غيرها، والأكثر: القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل؛ والناس: جماعة الإنسان، وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنياً وشمالاً من نفسه لا بجر غيره.
стр. 4763
ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر، ذكر ما يعجب معه منه فقال: ﴿وما﴾ أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود، وذلك أنك - مع دعائهم إلى الطريق الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل ما ﴿تسئلهم عليه﴾ أي هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك، وأعرق في النفي فقال: ﴿من أجر﴾ حتى يكون سؤالك سبباً لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغني به عن سؤالنا.
ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال: ﴿إن هو﴾ أي هذا الكتاب ﴿إلا ذكر﴾ أي تذكير وشرف ﴿للعالمين *﴾ قال الرماني: والذكر: حضور المعنى للنفس، والعالم: جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها أن تعلم، لأنه أخذ من العلم، وفيه معنى التكثير، وقد يقال: عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي ننتفع به وهو مجعول لأجله.
ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الإخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام، في أساليب البلاغة التي لا ترام، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام، كما أشار إليه أول السورة، كان ربما قيل: إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون
стр. 4764
في العلوم الإلهية، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات إلتي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر، ومع ذلك فلم ينتفعوا به، فقال: ﴿وكأين من آية﴾ أي علامة كبيرة دالة على وحدانيته ﴿في السماوات﴾ أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك ﴿والأرض﴾ من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد - كما سيأتي بيانه في سورة الرعد مفصلاً ﴿يمرون عليها﴾ مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية ﴿وهم عنها﴾ أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها ﴿معرضون *﴾ أي عن دلالتها على السعادة من الوحدانية وما يتبعها.
ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات، بين أن إشراكهم مسقط لذلك، فقال: ﴿ما يؤمن أكثرهم﴾ أي الناس ﴿بالله﴾ أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به، لأنه المختص بصفات الكمال ﴿إلا وهم مشركون *﴾ به مَن لا يقدر على شيء فضلاً عن أن يأتي بآية، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم
стр. 4765
في الكفر بغيره، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل، وهو محض تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه حسناً، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل» وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع: وقال الإمام محمد بن علي الترمذي: إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب، ومنه ثوب مشكوك، والشرك بنور التوحيد، فعند هذا يتولاه الله تعالى، وقال الواسطي: إلا وهم مشركون: في ملاحظة الخواطر والحركات.
следующие страницы →