← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه، قال مشيراً إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطباً لمن لا يفهم هذا الحق فهمه غيره، مسلياً له مثبتاً لفؤاده وشارحاً لصدره، منبهاً على أنه مما ينبغي السؤال عنه: ﴿ذلك﴾ أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصاً يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم ﴿من أنباء الغيب﴾ أي أخباره التي لها شأن عظيم ﴿نوحيه إليك﴾ وعبر بصيغة المضارع تصويراً لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف له ما يريد ﴿و﴾ الحال أنك ﴿ما كنت لديهم﴾ أي عند إخوة يوسف ﵊ في هذا النبأ الغريب جداً ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أجمعوا أمرهم﴾ على رأي واحد في إلقاء يوسف ﵊ في الجب بعد أن كان مقسماً ﴿وهم يمكرون *﴾ أي يدبرون الأذى في خفية، من المكر وهو القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة، وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين، ومن المحقق لدى كل ذي لب أنه لا علم إلا بتعليم، فثبت أنه لا معلم لك إلا الله كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيا له من دليل جل عن مثيل، وهذا

стр. 4762

من المذهب الكلامي، وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب، وهو تهكم عظيم ممن كذب النبي ﷺ . ولما سألت قريش واليهود رسول الله ﷺ كما نقله أبو حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف ﵊ فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي، مبينة هذا البيان الوافي، فأمل ﷺ أن يكون ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله، عزاه الله بقوله: ﴿وما﴾ أي نوحيه إليك على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما ﴿أكثر الناس﴾ أي كلهم مع ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب ﴿ولو حرصت﴾ أي على إيمانهم ﴿بمؤمنين *﴾ أي بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص، فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات، أو لترك ما يغيظهم من الإنذار؛ والكثير - قال الرماني: العدة الزائدة على مقدار غيرها، والأكثر: القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل؛ والناس: جماعة الإنسان، وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنياً وشمالاً من نفسه لا بجر غيره.

стр. 4763

ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر، ذكر ما يعجب معه منه فقال: ﴿وما﴾ أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود، وذلك أنك - مع دعائهم إلى الطريق الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل ما ﴿تسئلهم عليه﴾ أي هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك، وأعرق في النفي فقال: ﴿من أجر﴾ حتى يكون سؤالك سبباً لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغني به عن سؤالنا. ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال: ﴿إن هو﴾ أي هذا الكتاب ﴿إلا ذكر﴾ أي تذكير وشرف ﴿للعالمين *﴾ قال الرماني: والذكر: حضور المعنى للنفس، والعالم: جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها أن تعلم، لأنه أخذ من العلم، وفيه معنى التكثير، وقد يقال: عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي ننتفع به وهو مجعول لأجله. ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الإخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام، في أساليب البلاغة التي لا ترام، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام، كما أشار إليه أول السورة، كان ربما قيل: إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون

стр. 4764

في العلوم الإلهية، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات إلتي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر، ومع ذلك فلم ينتفعوا به، فقال: ﴿وكأين من آية﴾ أي علامة كبيرة دالة على وحدانيته ﴿في السماوات﴾ أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك ﴿والأرض﴾ من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد - كما سيأتي بيانه في سورة الرعد مفصلاً ﴿يمرون عليها﴾ مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية ﴿وهم عنها﴾ أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها ﴿معرضون *﴾ أي عن دلالتها على السعادة من الوحدانية وما يتبعها. ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات، بين أن إشراكهم مسقط لذلك، فقال: ﴿ما يؤمن أكثرهم﴾ أي الناس ﴿بالله﴾ أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به، لأنه المختص بصفات الكمال ﴿إلا وهم مشركون *﴾ به مَن لا يقدر على شيء فضلاً عن أن يأتي بآية، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم

стр. 4765

في الكفر بغيره، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل، وهو محض تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه حسناً، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل» وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع: وقال الإمام محمد بن علي الترمذي: إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب، ومنه ثوب مشكوك، والشرك بنور التوحيد، فعند هذا يتولاه الله تعالى، وقال الواسطي: إلا وهم مشركون: في ملاحظة الخواطر والحركات.

стр. 4766

ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم، وأنهم يتعامون عن الأدلة في الدنيا، وكان الأكثر المبهم القطع بعدم إيمانهم من توجيه الأمر والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم

стр. 4767

في غمارهم، وكان بعض الناس كالحمار لا ينقاد إلا بالعذاب، قال : ﴿أفأمنوا﴾ إنكاراً فيه معنى التوبيخ والتهديد ﴿أن تأتيهم غاشية﴾ أي شيء يغطيهم ويبرك عليهم ويحيط بهم ﴿من عذاب الله﴾ أي الذي له الأمر كله في الدنيا كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم. ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن كان لا يقربه، قال تعالى: ﴿أو تأتيهم الساعة﴾ وأشار إلى أشد ما يكون من ذلك على القلوب بقوله: ﴿بغتة﴾ أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها أصلاً؛ قال الرماني: قال يزيد بن مقسم الثقفي: ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت ولما كان هذا المعنى مهولاً، أكده الله بقوله: ﴿وهم لا يشعرون *﴾ أي نوعاً من الشعور ولو أنه كالشعرة، إعلاماً بشدة جهلهم في أن حالهم حال من هو في غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن، لأن الشعور إدراك الشيء بما يلطف كدقة الشعر، وإنما قلت: إنه تأكيد، لأنه

стр. 4768

معنى البغتة؛ قال الإمام أبو بكر الزبيدي في مختصر العين: البغتة: المفاجأة، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: فاجأت الرجل مفاجأة - إذا جئته على غفلة مغافصة، ثم قال: وفاجأته مفاجأة - إذا لقيته ولم يشعر بك، وفي ترتيب المحكم: فجئه الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عليه من غير أن يشعر به، ويلزم ذلك الإسراع وهو مدار هذه المادة، لأنه يلزم أيضاً التغب - بتقديم المثناة محركاً وهو الهلاك، لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ هو الأصل في حال الحدث، والسلامة فيه هي العجب، والتغب أيضاً: الوسخ والدرن، وتغب - بكسر الغين: صار فيه عيب، ويقال للقحط: تغبة - بالتحريك، والتغب - ساكناً: القبيح والريبة، وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده إلا من عصم الله، وما ذاك إلا لأن هذه الدار مبينة عليه. ولما وصف الله سبحانه له ﷺ أكثر الناس بما وصف من سوء الطريقة للتقليد الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة

стр. 4769

للعلم، أمر أن يذكر طريق الخلّص فقال: ﴿قل﴾ أي يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحاً وإخلاصاً: ﴿هذه﴾ أي الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله وسننه ﷺ ﴿سبيلي﴾ القريبة المأخذ، الجلية الأمر، الجليلة الشأن، الواسعة الواضحة جداً، فكأنه قيل: ما هي؟ فقال: ﴿أدعوا﴾ كل من يصح دعاؤه ﴿إلى الله﴾ الحائز لجميع الكمال حال كوني ﴿على بصيرة﴾ أي حجة واضحة من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على الغباوة والجمود، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل ديناً ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين. ولما كان الموضع في غاية الشرف، أكد الضمير المستتر تعييناً وتنبيهاً على التأهل لظهور الإمامة، فقال: ﴿أنا ومن﴾ أي ويدعو كذلك من ﴿اتبعني﴾ لا كمن هو على عمى جائر عن القصد، حائر في ضلال التقليد، فهو لا يزال في غفلة هدفاً للحتوف؛ والاتباع: طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في مكانه أو في أمره الذي دعا إليه، ومما دخل تحت ﴿قل﴾ عطفاً على ﴿أدعوا﴾ قوله: منبهاً على أن شرط كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل شائبة نقص - ﴿وسبحان الله﴾

стр. 4770

أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحاناً، أي أقدره حق قدره فأثبت له من صفات الكمال ما يليق بجلاله، وأنزهه عما هو متعال عنه تنزيهاً يعلم هم أنه يليق بجلالة ويرضى به، وفي تخصيص الله بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح بنسبة النقص إليهم تواضعاً، اعتذاراً عما يلحقهم من الوهن وطلباً للعفو عنه ﴿وما أنا﴾ وعدل عن «مشركاً» إلى أبلغ منه فقال: ﴿من المشركين *﴾ أي في عداد من يشرك به شيئاً بوجه من الوجوه، لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه منعوت بنعوت الكمال، منزه عن سمات النقص، متعال عنها، وأن ذلك أول واجب لأنه الواحد الذي جل عن المجانسة، القهار الذي كل شيء تحت مشيئته، وفسرت ﴿سبحان﴾ بما تقدم لأن مادة «سبح» بكل ترتيب تدور على القدر والشدة والاتساع؛ وتارة يقتصر فيه على الكفاية ومنه الحسب: مقدار الشيء. وتارة يقتصر فيه على الكفاية فيلزمه الحصر ومنه: أحسبني الشيء: كفاني، واحتساب الأجر: الاكتفاء به، والحساب: معرفة المقدار، والحسب بمعنى الظن راجع إلى ذلك أيضاً، والأحسب: الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت

стр. 4771

شعرته، بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه داء، والتحسيب: التكفين بما يسع الميت، وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى شيء، ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة الكفاية؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع مداه فلا ينحصر ومنه: الحسب - بالتحريك، وهو الشرف؛ ومنه السحب وبه سمي السحاب لانسياحه في الهواء؛ ومنه السبح في الماء، ومد الفرس يديه في الجري، والسبحة: صلاة التطوع - لأنه لا حد لها يحصرها، ولأنها تجاوزت الفرض، والسبح: الفراغ - للتمكن معه من الانبساط، والتسبيح: التنزيه - لأنه الإبعاد عن النقص، قال الرماني: وأصله البراءة من الشيء، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم: سبحان الله معناه تنزيهاً لله من الصحابة والولد، وتبرئة من السوء - هذا معناه في اللغة وبذلك جاء الأثر عن النبي ﷺ ، قال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن «سبحان الله» كقولك براءة الله من السوء، كأنه يقول: أبرىء براءة الله من السوء، وزعم أن مثل ذلك

стр. 4772

قول الأعشى: أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمه الفاخر أي براءة منه، وبهذا استدل على أن سبحان معرفة إذ لو كان نكرة لانصرف، قال: وقد جاء في الشعر منوناً نكرة، قال أمية: سبحانه ثم سبحاناً يعود له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد وقال ابن جني: سبحان اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة عثمان وحمران، اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون، وكلاهما علة تمنع من الصرف - انتهى. وقال الزجاج: جاء عن النبي ﷺ أن قوله «سبحان الله» تبرئة لله من السوء، وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة بما فيه من الرواية عن النبي ﷺ قال: ولكن تفسيره يجمعون عليه، وقد سبح الرجل: قال سبحان الله، وفي التنزيل ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور: ٤١] وسبح لغة في سبّح، وحكى ثعلب: سبح تسبيحاً وسبحاناً، قال

стр. 4773

ابن سيده: وعندي أنا سبحاناً ليس مصدراً لسبّح، إنما هو مصدر سبح، وقال النصر: سبحان الله معناه السرعة إليه والخفة في طاعته، وسبوحة - بفتح السين: البلد الحرام، وسباح علم الأرض الملساء عند معدن بني سليم، وسبحات وجه الله: أنواره، والسبحة: الدعاء، وأيضاً صلاة التطوع - انتهى. وكله راجع إلى الإبعاد عن السوء، والسبحان: النفس، وكل أحد يبرىء نفسه ويرفعها عن السوء. ولما أوضح أبطال ما تعنتوا به من قولهم «لو أنزل عليه كنز» أتبعه ما يوضح تعنتهم في قولهم ﴿أو جاء معه ملك﴾ بذكر المرسلين، وأهل السبيل المستقيم، الداعين إلى الله على بصيرة، فقال: ﴿وما أرسلنا﴾ أي بما من العظمة. ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله ﴿أو جاء معه ملك﴾ كالذي في النحل، لا لإنكار رسالة البشر، أدخل الجار تنبيهاً على ذلك فقال: ﴿من قبلك﴾ أي إلى المكلفين ﴿إلا رجالاً﴾

стр. 4774

أي مثل ما أنك رجل، لا ملائكة ولا إناثاً - كما قاله ابن عباس ﵄، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل ﴿نوحي إليهم﴾ أي بواسطة الملائكة مثل ما يوحى إليك ﴿من أهل القرى﴾ مثل ما أنك من أهل القرى، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت، وكان العرب كلهم يأتونها؛ قال الرماني: وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء - انتهى. وذلك لأن المدن مواضع الحكمة، والبوادي مواطن لظهور الكلمة، ولما كانت مكة أو القرى مدينة، وهي مع ذلك في بلاد البادية، جمعت الأمرين وفازت بالأثرين، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين، وخاتم لجميع النبيين ﷺ وعليهم أجمعين. ومادة «قرى» - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر - تدور على الجمع، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه

стр. 4775

الانتشار، فالقرية - بالفتح ويكسر: المصر الجامع، وأقرى: لزم القرية، والقاري: ساكنها، والقارية: الحاضرة الجامعة، وطير أخضر، إما للزومها، وإما لجمع لونه للبصر، والقريتين - مثنى وأكثر ما يتلفظ به بالياء: مكة والطائف، وقرية النمل: مجتمع ترابها، وقريت الماء في الحوض: جمعته، والمقراة: شبه حوض، وكل ما اجتمع فيه ماء، والقريّ: ماء مستجمع، والمدة تقرى في الجرح - أي تجتمع، والقواري: الشهود - لجمعهم الأمور، والقواري: الناس الصالحون - كأنه مخفف من المهموز، وقريت الضيف قرى بالكسر والقصر، وبالفتح والمد: أضفته كاقتريته، والمقراة: الجفنة يقرى فيها الضيف، والمقاري: القدور، وقرى البعير وكل ما اجتر: جمع جرته في شدقه، وقرت الناقة: ورم شدقاها من وجع الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة، فيكون من السلب، وقرى البلاد: تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها واستقرها - لجمعه بينها، وقريّ الماء كغني: مسيله من

стр. 4776

التلاع، أو موقعه من الربو إلى الروضة - لأنه مكان اجتماعه، وقرى الخيل: واد - كأنها اجتمعت فيه، والقرية - كغنية: العصا لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه. وبها يجمع كل ما يراد جمعه، وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود البيت، لأنه بها يقام فيجمع من يراد، وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه، لأنه يجمع الشراع ملفوفاً ومنشوراً، وقريت الصحيفة لغة في قرأتها - إذا تلوتها فجمعت علمها وكلامها، والقارية: أسفل الرمح، لأنه يجمع زجه، أو أعلاه، لأنه يجمع عاليته، وحد الرمح، لأنه يجمع مراد صاحبه، وكذا حد السيف، والقارية - بالتشديد: طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر - كأنه رسول الغيث أو مقدمة السحاب، جمعه قواري، كأنه سمي بذلك لأنه سبب جمع الهم للمطر؛ والقير والقار: شيء أسود تطلى به السفن، والإبل، والحباب، والزقاق، أو هما الزفت، وعلى كل تقدير هو ساد للشقوق والمسام فكان الجامع بين أجزاء السفينة وغيرها، وهذا أقير من هذا أشد مرارة - تشبيه بالقير الطعم، والمر أيضاً

стр. 4777

يجمع الفم نحوه بالقبض، والقيّور - كتنور: الخامل النسب، شبه به أيضاً لأن القير لما قل احتياج أكثر الناس إليه في كثير من الأوقات صار قليل الذكر - وهذا معنى الخمول، والقيار كشداد: صاحب القير، وبئر لبني عجل قرب واسط، وكأنها سميت لجمعها إياهم، وقيار اسم فرس، كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما يريد، والقارة: الدّبة كذلك، والقارة: حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم: دعونا قارة لا تجفلونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم ذكره مختصر العين هنا وغيره في الواو، واقتار الحديث اقتياراً: بحث عنه - لأن ذلك سبب لجمعه، والقيِّر - كهيّن: الأسوار من الرماة الحاذق، لأنه يجمع بذلك ما يريد؛ ورقيت الرجل بالفتح رقية: عوذته، ونفثت في عوذته - لأن الراقي يجمع ريقه وينفث، ورقيت في الشيء رقياً - إذا صعدت عليه - كأنك جمعت بين درجه، والمرقاة بالفتح ويكسر: الدرجة، لأن العلو من آثار الجمع، ورقى عليه كلاماً ترقية: رفع، لأنه جمعه عليه، ومرقيا الأنف: حرفاه لأنهما الجامعان له؛

стр. 4778

والرائق من الماء: الخالص، لأنه إذا خلص اشتد تلاصق أجزائه لزوال ما كان يتخللها من الغبر، وراق الماء يريق - إذا انصب، إما لأنه اجتمع إلى المحل الذي انصب إليه، أو يكون من السلب كأراقه بمعنى صبه، وراق السراب يريق وتريق يتريق - إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد، إما من السلب، وإما تشبيه بالمجتمع، والريق: تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح أي ليسير ونحوه، لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع، والريق: أول كل شيء وأفضله من الرائق بمعنى الخالص، ولأن الأول يجتمع إليه غيره، والأفضل يجمع ما يراد، والريق أيضاً: الباطل، كالريوق كتنور - تشبيهاً بالسراب، وريق الفم معروف، لاجتماعه، والريق: القوة، لجمعها المراد، والريق الرائق: الخالص وكل ما أكل أو شرب على الريق، ومن ليس في يده شيء، كأنه خلص عن العلائق فاجتمع همه، ومن هو على الريق كريقي ككيس، وهو يريق بنفسه: يجود بها عند الموت، من راق الماء: انصب، والمريق - كمعظم: من لا يزال يعجبه شيء، ولعله من راقه يروقه - إذا أعجبه،

стр. 4779

فجمع همه إليه؛ واليارق: ضرب من الأسورة، لأنه يجمع المعصم، واليرقان - ويسكن: الاستقامة والطريقة وآفة للزرع. ومرض معروف، وسيذكر في «أرق» في أول سورة الحجر إن شاء الله تعالى. ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال: ﴿أفلم يسيروا﴾ أي يوقع السير هؤلاء المكذبون ﴿في الأرض﴾ أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله ﴿فينظروا﴾ أي عقب سيرهم وبسببه، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿الذين﴾ ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل بهم من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه، أتى بالجار فقال: ﴿من قبلهم﴾ في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين، والاعتراض بين ذلك بقوله ﴿قل

стр. 4780

انتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته؛ والسير: المرور الممتد في جهة، ومنه أخذ السير، وأخذ السيور من الجلد؛ والنظر: طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب، وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه. ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير، قال على طريقة إرخاء العنان: ﴿ولدار﴾ أي الساعة أو الحالة ﴿الآخرة﴾ أي التي وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا بقصيا ﴿خير للذين اتقوا﴾ أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام، وكان عيشها كله رغداً من غير آلام. ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل، قال مسبباً عنه منكراً عليهم مبكتاً لهم: ﴿أفلا تعقلون *﴾ أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم.

стр. 4781

ولما كان المعنى معلوماً من هذا السياق تقديره: فدعا الرجال المرسلون إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم لخلاصهم من الشقاء،

стр. 4782

وتوعدهم عن الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات ويبكتونهم ويستهزئون بهم، واستمر ذلك من حالهم وحالهم، قال مشيراً إلى ذلك: ﴿حتى إذا استيئس الرسل﴾ أي يئسوا من النصر يأساً عظيماً كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ أي فعلوا فعل اليأس العظيم اليأس الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال: ما يحبس ما وعدتمونا به - بإن ذلك أمره إلى الله، إن شاء أنجزه، وإن شاء أخره، ليس علينا من أمره شيء؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء، واستبطاء الأولياء ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه﴾ كما يقول الآئس ﴿متى نصر الله﴾ مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس ﵄، هذا على قراءة التخفيف، وأما على قراءة التشديد فالتقدير: وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة ﵂ قراءة التخفيف، روى البخاري في التفسير

стр. 4783

وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة: أهي بالتشديد أم بالتخفيف؟ فقالت: إنها بالتشديد، قال قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك! فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أنهم أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. ﴿جاءهم نصرنا﴾ لهم بخذلان أعدائهم ﴿فنجي من نشاء﴾ منهم ومن أعدائهم ﴿ولا يرد بأسنا﴾ أي عذابنا لما له من العظمة ﴿عن القوم﴾ أي وإن كانوا في غاية القوة ﴿المجرمين *﴾ الذين حتمنا دوامهم على القطيعة كما قلنا ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم﴾ وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم، وكل ذلك إعلام بأن سنته جرت بأنه يطيل الامتحان، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار، حثاً للأتباع على الصبر وزجراً للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء.

стр. 4784

ومادة «كذب» تدور على ما لا حقيقة له، وأكثر تصاريفها واضح في ذلك، ويستعمل في غير الإنسان، قالوا: كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن، وكذبت العين: خانها حسها، وكذب الرأي: تبين الأمر بخلاف ما هو به، وكذبته نفسه: منته غير الحق، والكذوب: النفس، لذلك، وأكذبت الناقة وكذبت - إذا ضربها الفحل فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلاً، لأنها أخلفت ظن حملها، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم: قد أكذب، أي عد ذلك الصياح عدماً، والمكذوبة من النساء: الضعيفة، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدماً، والمكذوبة على القلب: المرأة الصالحة - كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت عدماً، وكذب الوحشي - إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه، كأنه لم يصدق بالذي أنفره، ومنه كذب عن كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده، أو لأنه كذب

стр. 4785

ما ظنه عند الحملة من قتل الأقران، وكذبك الحج أي أمكنك وكذبك الصيد مثله، وهو يؤول إلى الحث لأن المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه، فيكاد أن لا يوجد، وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له، فقد تبين حينئذ وجه كون «كذب» بمعنى الإغراء ولاح أن قوله «ثلاثة أسفار كذبن عليكم: الحج والعمرة والجهاد» معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها، مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر - يكون كالظافر بها، ويؤيده ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش: الحج مرفوع ومعناه نصب، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال: أمكنك الصيد، يريد: ارمه، وقال أبو علي

стр. 4786

الفارسي في الحجة في قول عنترة: كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي وإن شئت قلت: إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على طلبه وإيجاده صار كأنه قال بقوله لها: عليك العتيق، أي الزميه، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها عما عداه، فيكون العتيق في المعنى مفعولاً به إن كان لفظه مرفوعاً، مثل «سلام عليكم» ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع، وحكى محمد بن السري ﵀ عن بعض أهل اللغة في «كذب العتيق» أن مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى. وأقرب من ذلك جداً وأسهل تناولاً وأخذاً أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون الحجاب ما كان لازماً للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره، فمعنى «ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم من أنفسها، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه،

стр. 4787

والعمرة كل السنة بزوال المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل، والجهاد كل السنة أيضاً لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها، وتخريج مثل: كذبتك الظهائر، وغيره على هذا بين الظهور ولا وقفة فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير ويحاول التخلص كان التعبير بهذا من باب الإغراء، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر هذا الإمكان. ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت، وحث على الاعتبار بها بقوله: ﴿أفلم يسيروا﴾ وأشار إلى أنه بذلك أجرى سنته وإن طال المدى، أتبعه الجزم بأن في أحاديثهم أعظم عبرة، فقال حثاً على تأملها والاستبصار بها: ﴿لقد كان﴾ أي كوناً هو في غاية المكنة ﴿في قصصهم﴾ أي الخبر العظيم الذي تلي عليك تتبعاً لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى استيأسوا من نوح إلى يوسف ومن بعده - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام ﴿عبرة﴾ أي عظة عظيمة وذكرى شريفة ﴿لأولي الألباب﴾ أي

стр. 4788

لأهل العقول الخالصة من شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم أن من قدر على ما قص من أمر يوسف ﵇ وغيره قادر على أن يعز محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائناً من كان كما فعل بيوسف وغيره - إلى غير مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود إليه من نفائس العبر؛ والقصص: الخبر بما يتلو بعضه بعضاً، من قص الأثر، والألباب: العقول، لأن العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف. ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة، نبه على ذلك بتقدير سؤال فقال: ﴿ما كان﴾ أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره ﴿حديثاً يفترى﴾ كما قال المعاندون - على ما أشير إليه بقوله: ﴿أم يقولون افتراه﴾ ، والافتراء: القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه، من: فريت الأديم ﴿ولكن﴾ كان ﴿تصديق الذي﴾ كان من الكتب وغيرها ﴿بين يديه﴾ أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه ﴿و﴾ زاد على

стр. 4789

ذلك بكونه ﴿تفصيل كل شيء﴾ أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا والآخرة؛ والتفصيل: تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه ﴿وهدى ورحمة﴾ وبياناً وإكراماً. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه، قال: ﴿لقوم يؤمنون﴾ أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى: يمكن إيمانهم، فهو عام، وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أنه الكتاب المبين، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة بحقية القرآن، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون للناس، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجراً - على سبب ما تبعته هذه القصص، وهو مضمون قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك﴾ [هود: ١٢] الآية من قولهم ﴿لولا ألقي عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ [هود: ١٢] وقولهم: إنه افتراه، على ترتيب ذلك، مع اعتناق هذا الآخر لأول التي تليه، فسبحان من أنزله معجزاً باهراً، وقاضياً بالحق لا يزال ظاهراً، وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله أعلم.

стр. 4790

سورة الرعد مقصودها وصف الكتاب بأنه الحق في نفسه، وتارة يتأثر عنه مع أن له صوتا وصيتا وإرعابا وإرهابا يهدي بالفعل، وتارة لا يتأثر بل يكون سببا للضلال والعمى، وأنسب ما فيها لهذا المقصد الرعد فإنه مع كونه حقا في نفسه يسمعه الأعمى والبصير والبارز والمستتر، وتارة يتأثر عنه البرق والمطر وتارة لا، وإذا نزل المطر فتارة ينفع إذا أصاب الأراضي الطيبة وسلمت من عاهة، وتارة يخيب إذا نزل على السباخ الخوارة وتارة يضر لإغراق أو الصواعق أو البرد وغيرها - والله أعلم.

стр. 4791

﴿بسم الله﴾ الحق الذي كل ما عداه باطل ﴿الرحمن﴾ الذي عم بالرغبة والرهبة بعموم رحمته ﴿الرحيم﴾ الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الوهية ﴿المر﴾ . لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون، بعد أن أشار إلى كثرة ما يحسونه من آياته في السماوات

стр. 4792

والأرض مع الإعراض، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنه أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب فقال: ﴿تلك﴾ أي الأنباء المتلوة والأقاصيص المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد والمباني العالية المراتب ﴿آيات﴾ والآية: الدلالة العجيبة في التأدية إلى المعرفة ﴿الكتاب﴾ المنزل إليك ﴿و﴾ جميع ﴿الذي﴾ . ولما كان تحقق أن هذا الكتاب من عند الملك أمراً لا يطرقه مريه لما له من الإعجاز، وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخف على كل عاقل، وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا عظيماً، بني للمفعول قوله: ﴿أنزل إليك﴾ كائن ﴿من ربك﴾ فثبت حينئذ قطعاً أنه هو ﴿الحق﴾ أي الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة، الواضح الذي لا يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره، فهو أبعد شيء عن قولهم: إن وعده بالبعث سحر، فوجب لثبوت حقيته على كل من اتصف بالعقل أن يؤمن به ﴿ولكن أكثر الناس﴾

стр. 4793

أي الآنسين بأنفسهم المضطربين في آرائهم، ﴿لا يؤمنون *﴾ أي لا يتجدد منهم إيمان أصلاً بأنه الحق في نفسه وأنه من عند الله، بل يقولون: إنه من عند محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنه تخييل ليست معاينة - كما قلنا ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٣] فليس هدى لهم كاملاً ولا رحمة تامة، هذا التقدير محتمل، ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق﴾ [الرعد: ١٩] أن ﴿الذي﴾ مبتدأ، و ﴿من ربك﴾ صلة ﴿أنزل﴾ والخبر ﴿الحق﴾ والمقصود من هذه السورة هذه الآية، وهي وصف المنزل بأنه الحق وإقامة الدليل عليه، وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم مفصل مبين، عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة البقرة، والإيماء إلى أنه حان اجتناء الثمرة في هذه السورة والتي بعدها، ويلتحم بذلك وصف المصدقين بذلك - كما ستقف عليه. وقال الإمام أبو جعفر بن زبير ﵀ في برهانه: هذه السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف ﵇ ﴿وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون * أفامنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله

стр. 4794

أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون * قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ [يوسف: ١٠٥-١٠٦-١٠٧-١٠٨] فبيان آي السماوات في قوله ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عند ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى﴾ وبيان آي الأرض في قوله: ﴿وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾ فهذه آي السماوات والأرض، وقد زيدت بياناً في مواضع، ثم في قوله تعالى: ﴿يغشى الّيل النهار﴾ ما يكون من الآيات عنهن، لأن الظلمة عن جرم الأرض، والضياء عن نور الشمس وهي سماوية، ثم زاد تعالى آيات الأرض بياناً وتفصيلاً في قوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤] إلى قوله: ﴿لقوم يعقلون﴾ [الرعد: ٤] . ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية، ودليلاً واضحاً على صحة المعاد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى ﴿كذلك نخرج الموتى﴾ [الأعراف: ٥٧] وكان قد ورد هنا أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها مختلفات في الطعوم والألوان والروائح

стр. 4795

مع اتحاد المادة «يسقى» بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل لذلك ما أعقب قوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ الآية بقوله ﴿وإن تعجب فعجب قولهم إذا كنا ترابا أئنّا لفي خلق جديد﴾ ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود في النار، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾ [الرعد: ٦] الآية، ثم أتبع ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في قوله ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ [الرعد: ٧] ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على دقائق ما أوجده من جليل صنعه واقتداره فقال ﴿الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وما لكم من دونه من وال﴾ ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم ﴿هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً﴾ [الرعد: ١٢] ، الآيات وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات، وفي ذلك أكثر آي السورة ونبه تعالى على الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال: ﴿ولو أن قراناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ [الرعد: ٣١] والمراد: لكان هذا القرآن ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] والتنبيه بعظيم هذه

стр. 4796

الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما أودع تعالى من الآيات في السماوات والأرض، وكأنه جل وتعالى لما بين لهم عظيم ما أودع من السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه، أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال﴾ [الرعد: ٣١] فهو من نحو ﴿إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم﴾ [الجاثية: ٣] أي لو فكرتم في آيات السماوات والأرض لأقلتكم وكفتكم في بيان الطريق إليه ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب لاكتفيتم «من عرف نفسه عرف ربه» فمن قبيل هذا الضرب من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات والأرض، ثم ذكر القرآن وما يحتمل، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات المودعة في الأرضين والسماوات. وأما قوله تعالى ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦] فقد أشار إليه قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله لا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] فالذين تطمئن

стр. 4797

قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله تعالى ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: ٢٤] والمقول فيهم ﴿أولئك هم المؤمنون حقاً﴾ [الأنفال: ٤] ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ولا بلغوا يقينهم، وإليهم الإشارة بقوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦] قال ﵊ «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل» فهذا بيان ما أجمل في قوله ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ وأما قوله تعالى: ﴿أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله﴾ [يوسف: ١٠٧] فما عجل لهم من ذلك في قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله﴾ القاطع دابرهم، والمستأصل لأمرهم، وأما قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة﴾ [يوسف: ١٠٨] الآية، فقد أوضحت آي سورة الرعد سبيله ﵇ بينه بما تحملته من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين - كما تقدم، ثم قد تعرضت السورة لبيان جليّ سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ [الرعد: ٢٠] إلى آخر ما حلاهم به أخذاً وتركاً، ثم عاد الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه

стр. 4798

والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليته ﵇ في أمرهم ﴿إنما أنت منذر ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ [الرعد: ٣٨] ، ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً﴾ [الرعد: ٤٣] ، والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آيها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات؛ ولما كان هذا شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم ﵇ انتهى. فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقاً فثبت أنه أعظم الأدلة والآيات، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله: ﴿وكأين من آية﴾ من الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقاً بما لها في أنفسها من الثبات، والدلالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه قادر على كل شيء، وأن ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة، والدالة - بما للتعبير عنها من الإعجاز - على كونها من عند الله، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل، فقال: ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال

стр. 4799

وحده ﴿الذي رفع السماوات﴾ بعد إيجادها من عدم - كما أنتم بذلك مقرون؛ والرفع: وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع، كائنة ﴿بغير عمد﴾ جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود، والعمود: جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وأصله منع الميل ﴿ترونها﴾ أي مرئية حاملة لهذه الأجرام العظام التي مثلها لا تحمل في مجاري عاداتكم إلا بعد تناسبها في العظم، هذا على أن ﴿ترونها﴾ صفة، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون على تقدير سؤال من كأنه قال: ما دليل أنها بغير عمد؟ فقيل: المشاهدة التي لا أجلى منها. ولما كان رفع السماوات بعد خلق الأرض وقبل تسويتها، ذكر أنه شرع في تدبير ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر، وأشار إلى عظمة ذلك التدبير بأداة التراخي فقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ قال الرازي في لوامع البرهان: وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه، ولم ينسب شيئاً من خلقه كنسبته، فقال

стр. 4800

تعالى: ﴿ذو العرش﴾ كما قال ﴿ذو الجلال﴾ و «ذو» كلمة لحق واتصال وظهور ومبدأ، وقال الرماني: والاستواء: الاستيلاء بالاقتدار ونفوذ السلطان، وأصله: استوى التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير - انتهى. وعبر ب «ثم» لبعد هذه الرتبة عن الأطماع وعلوها عما يستطاع، فليس هناك ترتيب ولا مهلة حتى يفهم أن ما قبل كان على غير ذلك، والمراد أنه أخذ في التدبير لما خلق كما هو شأن الملوك إذا استووا على عروشهم، أي لم يكن لهم مدافع، وإن لم يكن هناك جلوس أصلاً، وذلك لأن روح الملك التدبير وهو أعدل أحواله والله أعلم ﴿وسخر﴾ أي ذلل تذليلاً عظيماً ﴿الشمس﴾ أي التي هي آية النهار ﴿والقمر﴾ أي الذي هو آية الليل لما فيهما من الحكم والمنافع والمصالح التي بها صلاح البلاد والعباد، ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما لا ثاني له لما في الاسم من معنى الصفة، إذا لو وجد مثل لهما لم يتوقف في إطلاق الاسم عليه،
следующие страницы →