Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان بعضهم قد قال: لو كان نبياً شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿رسلاً﴾ ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل الجار فقال: ﴿من قبلك﴾ أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً، ﴿و﴾ أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى
стр. 4902
المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن ﴿جعلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿لهم أزواجاً﴾ أي نساء ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر والأثى، وهو هنا الأنثى ﴿وذرية﴾ وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد منهم شيئاً من أهواء أمته ﴿و﴾ لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح المتعنتون من الآيات تالفاً لهم، بل ﴿ما كان لرسول﴾ أي رسول كان ﴿أن يأتي بآية﴾ مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله أو غير ذلك ﴿إلا بإذن الله﴾ أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة، فإن الأمور عنده ليست على غير نظام ولا مفرطاً فيها ولا ضائعاً شيء منها بل ﴿لكل أجل﴾ أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور ﴿كتاب *﴾ قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإيتان بالآيات وغيرها، إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿يمحوا الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿ما يشاء﴾ أي محوه
стр. 4903
من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه ﴿ويثبت﴾ ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كما قال تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننساها﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ١٠٦] كل ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن، فإنه العالم بكل شيء، وهو الفعال لما يريد لا اعتراض عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة: يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء. وإثبات واو «يمحوا» في جميع المصاحف مشير - بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثاراً صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضاً في ﴿يمح الله الباطل﴾ في الشورى مع أنه مرفوع أيضاً، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقاً هو النهاية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع، وقال: ﴿وعنده﴾ مع ذلك ﴿أم﴾ أي أصل ﴿الكتاب *﴾ لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب، وقد تقدم
стр. 4904
غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما طلب؛ قال ابن عباس ﵄: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء - انتهى.
والمراد - والله أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان في الفرع على غير ذلك، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا، أو يكون المعنى: يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب؛ قال الرازي في اللوامع: وقد أكثروا القول فيها، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية، والقضاء الأزلي، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات، فلذلك هو القضاء وهذا هو القدر، فالقضاء مصدر القدر، والقدر مظهر القضاء، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير.
ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم، وختم بأنه سبحانه يفعل
стр. 4905
ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريباً لفصل النزاع، قال : ﴿وإن ما نرينك﴾ أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، نفياً لما يحمله عليه ﷺ شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتماً ﴿بعض الذي نعدهم﴾ وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقراراً لأعينكم قبل وفاتك؛ والوعد: الخبر عن خير مضمون، والوعيد: الخبر عن شر مضمون، والمعنى هاهنا عليه، وسماه وعداً لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد ﴿أو نتوفينك﴾ قبل أن نريك ذلك، وهو ممحو الأثر لم يتحقق، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ وهو إمرار الشيء إلى منتهاه، وهو هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات ﴿وعلينا الحساب *﴾ وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة، ولنا القوة التامة عليه؛ والآية
стр. 4906
من الاحتباك - كما مضى بيان ذلك في مثلها من سورة يونس ﵇.
стр. 4907
ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء لمن أراد: ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة؟ عطف عليه قوله: ﴿أولم يروا أنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿نأتي الأرض﴾ التي هؤلاء الكفرة بها، فكأنه قيل: أي إتيان؟ فقيل: إتيان البأس إذا أردنا، والرحمة إذا أردنا ﴿ننقصها﴾ والنقص: أخذ شيء من الجملة تكون به أقل ﴿من أطرافها﴾ بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما نعلمه حكمة من تدبير الأمور وتقليبها حالاً إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ثواب أو عقاب، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ فيفتحونها أولاً فأولاً حتى دان العرب كلهم طوعاً أو كرهاً بعد قتل السادة وذل القادة - ولله غالب على أمره؛ والطرف:
стр. 4908
المنتهى، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء، وأطراف الأرض: جوانبها، وكان يقال: الأطراف: منازل الأشراف، يطلبون القرب على الأضياف؛ ثم أثبت لنفسه تعالى أمراً كلياً يندرج ذلك فيه، فقال لافتاً الكلام من أسلوب التكلم بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة بالاسم الأعظم: ﴿والله﴾ أي الملك الأعلى ﴿يحكم﴾ ما يريد لأنه ﴿لا معقب﴾ أي أراد، لأن التعقيب: رد الشيء بعد فصله ﴿لحكمه﴾ وقد حكم للإسلام بالغلب والإقبال، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار، وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس بحاكم، وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته ﴿وهو﴾ مع تمام القدرة ﴿سريع الحساب *﴾ جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته شيء فلا بد من لقاء جزائه، وكل ما هو آت سريع، وهو مع ذلك يعد لكل عمل جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره، لا يحتاج إلى زمان ينظر فيه ما جزاءه؟ ولا: هل عمل أو لا؟ لأنه لا تخفى عليه خافية؛ والسرعة: عمل في قلة المدة على ما تحده الحكمة، والإبطاء: عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة، والسرعة محمودة، والعجلة مذمومة، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا
стр. 4909
كالقاطعين بأنهم يغلبون، لما لهم من القوة والكثرة، مع جودة الآراء وحدة الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم، فهو لا يغني عنهم شيئاً، فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علواً ﴿وقد مكر الذين﴾ ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال: ﴿من قبلهم﴾ أي بالرسل وأتباعهم، فكان مكرهم وبالاً عليهم، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله، ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله ﴿وقد﴾ وطوى في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في ﴿أولم يروا﴾ فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز.
ولما كان ذلك كذلك، تسبب عنه أن يقال: ﴿فلله﴾ أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة ﴿المكر جميعاً﴾ والمكر: الفتل عن البغية بطريق الحيلة، ويلزمه الستر - كما مضى بيانه، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى: فلا طريق لهم إلى علمها
стр. 4910
إلا من جهته سبحانه، وسمي فعله مكراً مجازاً لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿يعلم﴾ ويجوز أن يكون تفسيراً لما قبله، لأن علم المكر من الماكر مكن حيث لا يشعر أدق المكر ﴿ما تكسب كل نفس﴾ أي من مكر وغيره، فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسبباً يكون ضد ما أرادوا، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين ﴿وسيعلم الكافر﴾ أي كل كافر بوعد لا خلف فيه، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس ﴿لمن عقبى الدار *﴾ حين نأتيهم ضد مرادهم؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع أو دفع الضر.
ولما تقدم قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية﴾ عطف عليه - بعد شرح ما استتبعه - قوله: ﴿ويقول الذين كفروا﴾ أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب، قولاً على سبيل التكرار: ﴿لست مرسلاً﴾ لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوماً: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال: ﴿قل كفى﴾
стр. 4911
والكفاية: وجود الشيء على مقدار الحاجة؛ ومعنى الباء في ﴿بالله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة - التأكيد، لأن الفعل جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين: جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة ﴿شهيداً﴾ أي بليغ العلم في شهادته بلاطلاع على ما ظهر وما بطن ﴿بيني وبينكم﴾ يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب، ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزاً، وهذا على مراتب الشهادة، لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ مما أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان يكون على نحو من الأساليب ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء، وأبكم البلغاء، وأبهت الحكماء، وهو الله تعالى، تأييداً وتحقيقاً لدعواي، ويؤيد أن المراد به «الله» قراءة ﴿من﴾ على أنها جارة، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع النفس بهزّها إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين، فهو إذن كدعوى الشيء مقروناً بدليله، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم لا يؤمنون - والله الموفق.
стр. 4912
سورة إبراهيم
بسم الله (الذي تفرد بالكمال، وعز عن أن يكون له كفو أو مثال) الرحمن (لجميع خلقه بكتاب هو الغاية في البيان) الرحيم (الذي اختار من عباده من ألزمهم روح وداده) الر (مقصود السورة التوحيد، وبيان أن هذا الكتاب غاية البلاغ إلى الله، لأنه كافل ببيان الصراط الدال عليه المؤدى إليه.
ناقل - بما فيه من الأسرار - للخلق من طور إلى طور - بما يشير إليه حرف الراء، وأدل ما فيها على هذا المرام قصة إبراهيم ﵊، أما التوحيد فواضح، وأما أمر الكتاب فلأنه من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم عند البيت المحرم من ذرية إسماعيل ﵇) ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك وبعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم () [البقرة: ١٢٩] .
ولما ختم الرعد بأنه لا شهادة تكافىء شهادة من عنده علم الكتاب إشارة إلى أن الكتاب هو الشاهد بإعجازه ببلاغته وما حوى من
стр. 4913
فنون العلوم، وأتى به في ذاك السياق معرفاً لما تقدم من ذكره في البقرة وغيرها ثم تكرر وصفه في سورة يونس وهود ويوسف والرعد بأنه حكيم محكم مفصل مبين، وأنه الحق الثابت الذي تزول الجبال الرواسي وهو ثابت لا يتعتع شيء منه.
ولا يزلزل معنى من معانيه، ذكره في أول هذه السورة منكراً تنكير التعظيم فقال:
стр. 4914
﴿كتاب﴾ أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير هذا الوصف، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير: ﴿أنزلناه﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ بلسان قومك لتبين لهم.
ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول السورة المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه فقال: ﴿لتخرج الناس﴾ أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي اضطراب ﴿من الظلمات﴾ التي هي أنواع كثيرة
стр. 4915
من الضلالات التي أدت إليها الجهالات ﴿إلى النور﴾ الذي هو واحد، وهو سبيل الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم بياناً شافياً، فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة، وتوضح لهم من البراهين القاطعة، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة، وتحكم لهم من الأدلة الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم، وكشف عن أغطية قوبهم، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان إلى نور الإيمان الذي هو سبيله ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور، لأنه عصمة العقل من الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق الحسي، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس ﴿بإذن ربهم﴾ أي المحسن إليهم؛ والإذن: الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن، هذا أصله - قاله الرماني.
ولما كان النور مجملاً، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل فقال: ﴿إلى صراط العزيز﴾ الذي تعالى عن صفات النقص
стр. 4916
فعز عن أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه، أو يتعرض أحد إلى سالكه بغير إذنه ﴿الحميد﴾ المحيط بجميع الكمال، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال، فكيف إذا سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل! .
ولما أضاف طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق، بينهما باسمه الشريف العَلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع. وعلى أنه عطف بيان في قراءة الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لاختصاصه بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده، فقال: ﴿الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿الذي له ما في السماوات﴾ أي الأجسام العالية من الأراضي وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده، أكد بإعادة الموصول مع صلته فقال: ﴿وما في الأرض﴾ أي فويل لمن أشرك به شيئاً منهما أو فيهما، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكاً لا يصلح لأن يكون شريكاً. ويجوز أن يكون التقدير: فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من ظلمات الكفر ﴿وويل﴾ مصدر بمعنى الهلاك، ينصب نصب المصادر ثم يرفع
стр. 4917
رفعها لإفادة أن معنى الهلاك - وهو ضد الوأل الذي هو النجاة - ثابت ﴿للكافرين﴾ الذين ستروا أدلة عقولهم ﴿من عذاب شديد﴾ تتضاعف آلامه وقوته؛ والشدة: تجمع يصعب معه التفكيك.
стр. 4918
ولما أشار إلى ما للكافرين، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في أودية الشر فقال: ﴿الذين يستحبون﴾ أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة بغاية الرغبة متابعة للهوى ﴿الحياة الدنيا﴾ وهي النشأة الأولى التي هي دار الارتحال، مؤثرين لها ﴿على الآخرة﴾ أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام، وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك، وهذا دليل على أن المحبة قد تكون بالإرادة؛ والمحبة: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، فهم يمتنعون خوفاً على دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك الصراط ﴿و﴾ يضمون إلى ذلك أنهم ﴿يصدون﴾ أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم ﴿عن سبيل الله﴾ أي طريق الملك الأعظم؛ والسبيل: المذهب المهيأ للسلوك ﴿و﴾ يزيدون
стр. 4919
على ذلك أنهم ﴿يبغونها﴾ أي يطلبون لها، حذف الجار وأوصل الفعل تأكيداً له ﴿عوجاً﴾ والعوج: ميل عن الاستقامة، وهو بكسر العين في الدين والأمر والأرض، وبالفتح في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ونحوهما ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿في ضلال بعيد *﴾ أي عن الحق، إسناد مجازي، لأن البعيد أهل الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني وبطلبهم العوج فيما قومه الله المحيط بكل شيء قدرة وعلماً.
ولما قدم ما أفهم أنه أرسله ﷺ بلسان قومه إلى الناس كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها، فكان في غاية العدالة، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال، دلّ على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل بقومه، فلذلك أتبعه قوله: ﴿وما أرسلنا﴾ أي بما لنا في العظمة، وأعرق في النفي فقال: ﴿من رسول﴾ أي في زمن من الأزمان ﴿إلا بلسان﴾ أي لغة ﴿قومه﴾ أي الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون ﴿ليبين﴾ أي بياناً شافياً ﴿لهم﴾ كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم
стр. 4920
ولجميع الخلق، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها، فهو معطوف على ﴿أنزلناه﴾ بالتقدير الذي تقدم، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته ﴿فيضل﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه يضل ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿من يشاء﴾ إضلاله، وقدم سبحانه هذا اهتماماً بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال ﴿ويهدي من يشاء﴾ هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزاً للضال من المهتدي ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿العزيز﴾ الذي لا يرام ما عنده إلا به، ولا يمتنع عليه شيء أراده ﴿الحكيم *﴾ الذي لا ينقض ما دبره، فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي، لأن المقصود جمع الخلق على الحق، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافياً لهذا المقصود، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريباً من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب، ويؤدي أيضاً إلى ادعاء أهل كل لسان
стр. 4921
أن التعبير عنه بلسانهم أعظم، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم، أقرب إليه، فيكون فهمهم لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعد، فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا، فانتشر الأمر وعم وسهل، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ [إبراهيم: ١] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض﴾ [الرعد: ٣١] . ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيه ﵇ ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قال تعالى هنا ﴿بإذن ربهم﴾ ، إنما عليك البلاغ. ولما قال تعالى: ﴿وكأين من آية من السماوات والأرض﴾ [يوسف: ١٠٥] تم
стр. 4922
بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال: ﴿الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [إبراهيم: ٢] فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما من عظيم ما أوضح لكم الاعتبار به، كل ذلك له ملكاً وخلقاً واختراعاً، ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿وويل للكافرين من عذاب شديد﴾ [إبراهيم: ٢] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ [التوبه: ٣٤] مع وضوح السبيل وانتهاج ذلك الدليل، ثم قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ [الرعد: ٣٨] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا: ﴿أبشر يهدوننا﴾ [التغابن: ٦] ، ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾ [يس: ١٥] وحتى قالت قريش: ﴿لولا أنزل عليه ملك﴾ [الأنعام: ٨] ، ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ ﴿وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] فما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم، رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج
стр. 4923
في هذا الغرض شيئاً فشيئاً، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى:
﴿أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ [يونس: ٢] ، الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه، وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى بمضمون هذة الآي كل جاحد معاند؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم نوح ﴿ما نراك إلا بشراً مثلنا﴾ [هود: ٢٧] ، الآية وجوابه ﵇ ﴿أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ [هود: ٦٣] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله وآتاني رحمة من عنده وبرهاناً على ما جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أعظم عظة، ثم جرى هذا لصالح وشعيب ﵉، وديدن الأمم أبداً مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد سبحانه تعالى
стр. 4924
نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعريفاً بأحوال من تقدمه من الأنبياء ﵈ ليسمع ذلك من جرى له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم، فقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ [الرعد: ٣٨] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئاً من مناصبهم، بل هو واقع في قيام الحجة على العباد. ثم تلا ذلك بقوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة: لا نفهم عنهم، إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب ﵇ ﴿وما نفقة كثيراً مما تقول﴾ [هود: ٩١] هذا وهو ﵇ يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك بل لو خالفت الرسل ﵈ الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفراً، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة. ولما كانت رسالة محمد ﷺ عامة، كان عليه الصلاة والسلام
стр. 4925
يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم، وتأمل كم بين كتابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنس ﵁ في الصدقة وكتابه إلى وائل بن حجر مع اتحاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها، وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم ﵇ على التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخرة وعذابها - انتهى.
стр. 4926
ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم، فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلاً على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتثبيتاً وتصبيراً على أذى قومه، وإرشاداً إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم، فقال مصدراً بحرف التوقع: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿موسى بآياتنا﴾ أي البينات؛ ثم فسر الإرسال بقوله: ﴿إن أخرج قومك﴾ أي الذين فيهم قوة على مغالبة الأمور
стр. 4927
﴿من الظلمات﴾ أي أنواع الجهل ﴿إلى النور *﴾ بتلك الآيات ﴿وذكرهم﴾ أي تذكيراً عظيماً ﴿بأيام الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك ﴿إن في ذلك﴾ أي التذكير العظيم ﴿لآيات﴾ على وحدانية الله وعظمته ﴿لكل صبار﴾ أي بليغ الصبر بلاء الله، قال في العوارف: وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار، فالمتصبر من صبر في الله، فمرة يصبر ومرة يجزع، والصابر من يصبر في الله ولله ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى، وقد يمكن منه الجزع، فأما الصبار فذلك الذي صبّره الله في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب والحقيقة، لا من جهة الرسم
стр. 4928
والخليقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. ﴿شكور *﴾ أي عظيم الشكر لنعمائه، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة، وفي صيغة المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿حتى إذا استيئس الرسل﴾ [يوسف: ١١٠] ، ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ٢] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان ديناً ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر.
ولما ذكر ما أمر به موسى ﵇، وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي عزمهم، كان كأنه قيل: فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله اقتداء بأخيك موسى ﵇ ﴿و﴾ اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام الله: أشدها محنة وأجلها منحة ﴿إذ قال موسى﴾ امتثالاً لما أمرناه به ﴿لقومه﴾ مذكراً لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم.
стр. 4929
ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب، أشار إلى أن مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله: ﴿ياقوم﴾ فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال: ﴿اذكروا نعمة الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام، وعبر بالنعمة عن الإنعام حثاً على الاستدلال بالأثر على المؤثر ﴿عليكم﴾ ثم أبدل من «نعمة» قوله: ﴿إذ﴾ وهو ظرف النعمة.
ولما كانوا قد طال صبرهم جداً بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن في العادة خلاصهم منه، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جداً بتعب شديد، أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لو جرى على مقتضى العادة جزاء لهم على طول صبرهم، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق البقرة فقال: ﴿أنجاكم من﴾ بلاء ﴿آل فرعون﴾ أي فرعون نفسه وأتباعه استعمالا للمشترك في معنييه، فإن الآل على الشخص نفسه وعلى أهل الرجل وأتباعه
стр. 4930
وأوليائه؛ قال في القاموس: ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالباً، فكأنهم قالوا: من أيّ بلائهم؟ فقال: ﴿يسومونكم﴾ أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل الاستهانة والقهر ﴿سوء العذاب﴾ بالاستعباد.
ولما كان السياق للصبر البليغ، اقتضى ذلك العطف في قوله: ﴿ويذبحون﴾ أي تذبيحاً كثيراً مميتاً - بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل، ومعرفاً بإعادة التعبير بالذبح أن الموت بالسكين ﴿أبناءكم ويستحيون﴾ أي يطلبوا أن يحيوا ﴿نساءكم﴾ لإفادة أن ذلك بلاء آخر ﴿و﴾ الحال أن ﴿في ذلكم﴾ أي الأمر الشديد المشقة من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما ﴿بلاء من ربكم﴾ أي المربي لكم المدبر لأموركم ﴿عظيم *﴾ .
стр. 4931
ولما ذكرهم بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدها، ورهبهم مما يزيلها فقال: ﴿وإذ﴾ أي واذكروا إذ ﴿تأذن ربكم﴾ أي أعلم المحسن إليكم إعلاماً بليغاً ينتفي عنه الشكوك قائلاً: ﴿لئن شكرتم﴾ وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك لأعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه ﴿لأزيدنكم﴾ من نعمي، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود «إن عطائي لعتيد فأرجوه»
стр. 4932
﴿ولئن كفرتم﴾ النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ولأعذبنكم ﴿إن عذابي﴾ بإزالتها وغيرها ﴿لشديد *﴾ فخافوه، فالآية - كما ترى - من الاحتباك.
ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض له، بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع، وأن ضر ذلك ونفعه خاص بالعبد فقال تعالى حاكياً عنه: ﴿وقال موسى﴾ مرهباً لهم معلماً أن وبال الكفران خاص بصاحبه ﴿إن تكفروا﴾ والكفر: تضييع حق النعمة بجحدها أو ما يقوم في العظم مقامه ﴿أنتم ومن في الأرض﴾ وأكد بقوله: ﴿جميعاً﴾ فضرره لاحق بكم خاصة غير عائد على الله شيء منه ﴿فإن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لغني﴾ أي في ذاته وصفاته عن كل أحد، والغنى هنا المختص بما ينفي لحاق الضرر أو النقص، والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء، وذلك بنفسه لا بشيء سواه، ومن لم يكن كذلك لم يكن غنياً ﴿حميد *﴾ أي بليغ الاستحقاق للحمد بما له من عظيم النعم وبما له من صفات الكمال، وكل مخلوق يحمده بذاته وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت، لأن إيجاده لها ناطق
стр. 4933
بحمده سبحانه.
ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة:
قال في السفر الخامس: واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعباً حبيباً من جميع الشعوب التي على وجه الأرض، وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب أحبكم الرب واختاركم، ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم، لذلك أخرجكم الرب بيد منيعة، وأنقذكم من العبودية، وخلصكم من يدي فرعون ملك مصر، لتعلموا أن الله ربكم هو إله الحق، إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد لأوليائه الذين يحفظون وصيته لألف حقب، ويكافىء شنأته في حياتهم ويجزيهم بالهلاك والتلف، احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم فافعلوها يحفظ الله الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم، ويحبكم ويبارك عليكم ويكثركم، ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم، وفي أقطاع بقركم وجفرات غنمكم، وتكونوا
стр. 4934
مباركين من جميع الشعوب، ولا يكون فيكم عاقر ولا عقيم ولا في بهائمكم، ويصرف الله عنكم كل وجع، وجميع الضربات التي أنزل الله بأهل مصر - كما تعلمون - لا ينزلها بكم بل ينزلها بجميع شنأتكم، وتأكلون جميع خيرات الشعوب التي يعطيكم الله ربكم، ولا تشفق أعينكم عليهم، ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم فخاخ لكم، وإن قلتم في قلوبكم: إن هذه الشعوب أكثر منا فكيف نقدر أن نهلكها! فلا تفرقوا منها ولكن اذكروا جميع ما صنع الله ربكم بفرعون ملك مصر وكل أصحابه، والبلايا العظيمة التي رأيتم بأعينكم، والآيات والأعاجيب واليد المنيعة والذراع العظيمة، وكيف أخرجكم الله ربكم! كذلك يفعل الله ربكم بجميع الشعوب التي تخافونها.
ويسلط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم، والذين يبقون ويختفون منكم لا تخافوهم لأن الله ربكم بينكم. الإله العظيم المرهوب، فيهلك الله ربكم هذه الشعوب من بين أيديكم رويداً رويداً، لأنكم لا تقوون أن تهلكوهم سريعاً لئلا يكثر السباع، ولكن
стр. 4935
يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ضربة شديدة حتى تهلكوهم، ويدفع ملوكهم في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت السماء، لا يقدر أحد أن يقوم بين أيديكم حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم المنحوتة بالنار، ولا تشتهوا الفضة والذهب الذي عليها وتأخذوه منها لئلا تتنجسوا بها، لأنها مرذولة عند الله ربكم، فلا تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم لئلا تكونوا منفيين مثلها، ولكن أرذلوها ونجسوها وصيروها نفاية بخسة لأنها حرام. ثم قال: انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ولعناً، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم، وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم - وقد مضى كثير من أمثال هذا عن التوراة، ولا ريب في أن هذا الترغيب والترهيب والتذكير للتحذير كما أنه كان لبني إسرائيل، فهو لكل من سمعه من المكلفين.
стр. 4936
ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية، وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبداناً، وأكثرهم أعواناً، وأقواهم آثاراً، وأطولهم أعماراً، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول، لأن النفس للمحسوس أقبل، فقال دالاً على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفاً لهم من سطوات الله سبحانه: ﴿ألم يأتكم﴾ أي يا بني إسرائيل ﴿نبأ الذين﴾ ولما كان المراد قوماً مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال: ﴿من قبلكم﴾ ثم أبدل منهم فقال: ﴿قوم﴾ أي نبأ قوم ﴿نوح﴾ وكانوا ملء الأرض ﴿و﴾ نبأ ﴿عاد﴾ وكانوا أشد الناس أبداناً وأثبتهم جناناً ﴿و﴾ نبأ ﴿ثمود﴾ وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور ﴿و﴾ نبأ ﴿الذين﴾ ولما كان المراد البعض، أدخل الجار فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث ﴿لا يعلمهم﴾ أي حق العلم على التفصيل ﴿إلا الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنياً حميداً عند أخذهم وبعده كما كان قبله، وكان ابن مسعود ﵁ إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون.
ثم فصل سبحانه خبرهم، فقال - جواباً لمن كأنه قال: ما كان
стр. 4937
نبأهم؟ ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه ﴿فردوا﴾ أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول ﴿أيديهم في أفواههم﴾ وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب. ﴿و﴾ بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة ﴿قالوا﴾ أي الأمم ﴿إنا كفرنا﴾ أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين ﴿بما﴾ ولما كان رد الرسالة جامعاً للكفر، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله، بنوا للمفعول قولهم: ﴿أرسلتم به﴾ أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلاً عن القطع، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل.
ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار، أكدوا: ﴿وإنا لفي شك﴾ أي محيط بنا، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما، يتعاقب
стр. 4938
على حال الذكر ويضاد العلم والجهل.
ولما كان الدعاء مسنداً إلى جماعة الرسل، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود، فقالوا ﴿مما﴾ أي شيء ﴿تدعوننا﴾ أيها الرسل ﴿إليه﴾ أي من الدين ﴿مريب﴾ أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع، من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل.
стр. 4939
ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه، وكان أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكاً في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكّم عقله مجرداً عن الهوى، ساغ الإنكار وإيراد الكلام على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله: ﴿* قالت رسلهم﴾ ولما كان ما شكوا فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب، أنكروا أن يكون فيه شك، لأن ذلك يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا: ﴿أفي الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿شك﴾ .
ولما كان الجواب عاماً لا يخص ناساً دون ناس، لم يأت بصلة
стр. 4940
فقال بخلاف قوله: ﴿إن نحن إلا بشر﴾ ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة من وجود الصانع وتفرده وظهوره في قولهم: ﴿فاطر السماوات﴾ ولما كان المقام لادعاء أنه في غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل، فقال: ﴿والأرض﴾ أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال، الجميل العوائد، والمتسق الفصول؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم، إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة، فقالوا: ﴿يدعوكم﴾ أي على ألسنتنا ﴿ليغفر لكم﴾ .
ولما كان الكافر إنما يدعى أولاً إلى الإيمان، وكان الإيمان إنما يجب ما كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم، قال: ﴿من ذنوبكم﴾ ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلاً ﴿و﴾ لا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم، بل ﴿يؤخركم﴾ وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم ﴿إلى أجل مسمى﴾ عنده سبق علمه به، وهو آجالكم على حسب التفريق، ولا يستأصلكم بالعذاب في
следующие страницы →