Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية، وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبداناً، وأكثرهم أعواناً، وأقواهم آثاراً، وأطولهم أعماراً، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول، لأن النفس للمحسوس أقبل، فقال دالاً على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفاً لهم من سطوات الله سبحانه: ﴿ألم يأتكم﴾ أي يا بني إسرائيل ﴿نبأ الذين﴾ ولما كان المراد قوماً مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال: ﴿من قبلكم﴾ ثم أبدل منهم فقال: ﴿قوم﴾ أي نبأ قوم ﴿نوح﴾ وكانوا ملء الأرض ﴿و﴾ نبأ ﴿عاد﴾ وكانوا أشد الناس أبداناً وأثبتهم جناناً ﴿و﴾ نبأ ﴿ثمود﴾ وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور ﴿و﴾ نبأ ﴿الذين﴾ ولما كان المراد البعض، أدخل الجار فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث ﴿لا يعلمهم﴾ أي حق العلم على التفصيل ﴿إلا الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنياً حميداً عند أخذهم وبعده كما كان قبله، وكان ابن مسعود ﵁ إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون.
ثم فصل سبحانه خبرهم، فقال - جواباً لمن كأنه قال: ما كان
стр. 4937
نبأهم؟ ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه ﴿فردوا﴾ أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول ﴿أيديهم في أفواههم﴾ وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب. ﴿و﴾ بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة ﴿قالوا﴾ أي الأمم ﴿إنا كفرنا﴾ أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين ﴿بما﴾ ولما كان رد الرسالة جامعاً للكفر، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله، بنوا للمفعول قولهم: ﴿أرسلتم به﴾ أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلاً عن القطع، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل.
ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار، أكدوا: ﴿وإنا لفي شك﴾ أي محيط بنا، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما، يتعاقب
стр. 4938
على حال الذكر ويضاد العلم والجهل.
ولما كان الدعاء مسنداً إلى جماعة الرسل، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود، فقالوا ﴿مما﴾ أي شيء ﴿تدعوننا﴾ أيها الرسل ﴿إليه﴾ أي من الدين ﴿مريب﴾ أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع، من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل.
стр. 4939
ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه، وكان أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكاً في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكّم عقله مجرداً عن الهوى، ساغ الإنكار وإيراد الكلام على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله: ﴿* قالت رسلهم﴾ ولما كان ما شكوا فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب، أنكروا أن يكون فيه شك، لأن ذلك يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا: ﴿أفي الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿شك﴾ .
ولما كان الجواب عاماً لا يخص ناساً دون ناس، لم يأت بصلة
стр. 4940
فقال بخلاف قوله: ﴿إن نحن إلا بشر﴾ ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة من وجود الصانع وتفرده وظهوره في قولهم: ﴿فاطر السماوات﴾ ولما كان المقام لادعاء أنه في غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل، فقال: ﴿والأرض﴾ أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال، الجميل العوائد، والمتسق الفصول؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم، إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة، فقالوا: ﴿يدعوكم﴾ أي على ألسنتنا ﴿ليغفر لكم﴾ .
ولما كان الكافر إنما يدعى أولاً إلى الإيمان، وكان الإيمان إنما يجب ما كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم، قال: ﴿من ذنوبكم﴾ ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلاً ﴿و﴾ لا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم، بل ﴿يؤخركم﴾ وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم ﴿إلى أجل مسمى﴾ عنده سبق علمه به، وهو آجالكم على حسب التفريق، ولا يستأصلكم بالعذاب في
стр. 4941
آن واحد كما فعل بمن ذكر من الأمم.
فلما بين لهم الأصيل بدليله فروع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه عليهم، علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن ﴿قالوا﴾ عناداً ﴿إن﴾ أي ما ﴿أنتم﴾ أي أيها الرسل ﴿إلا بشر﴾ وأكدوا ما أرادوا من نفي الاختصاص فقالوا: ﴿مثلنا﴾ يريدون: فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ثم كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ فقالوا: ﴿تريدون أن تصدونا﴾ أي تلفتونا وتصرفونا ﴿عما كان﴾ أي كوناً هو كالجبلة، وأكدوا هذا المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع فقالوا: ﴿يعبد آباؤنا﴾ أي أنكم - لكونكم من البشر الذين يقع بينهم التحاسد - حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعاً ﴿فأتونا﴾ أي فتسبب - عن كوننا لم نر لكم فضلاً وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعاً - أن نقول لكم: ائتونا لنتيعكم ﴿بسلطان مبين *﴾ أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه عليكم، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون
стр. 4942
بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به كائناً ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به، فكأنه قيل: فما كان جواب الرسل؟ فقيل: ﴿قالت﴾ .
ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا، قيد بقوله: ﴿لهم رسلهم﴾ مسلمين أول كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب ﴿إن﴾ أي ما ﴿نحن إلا بشر مثلكم﴾ ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل؛ والمثل: ما يسد مسد غيره حتى لو شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل ﴿ولكن الله﴾ أي الذي له الأمر كله فضلنا عليكم لأنه ﴿يمن على من يشاء﴾ أي أن يمن عليه ﴿من عباده﴾ رحمة منه له، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون، فلم يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة، ولم يخصوا أنفسهم بمنّ الله بل أدرجوها في عموم من شاء الله، كل ذلك تواضعاً منهم واعترافاً بالعبودية؛ والمن: نفع يقطع به عن بؤس، وأصله القطع، ومنه ﴿غير منون﴾ ، والمنة قاطعة عن الدنيا.
стр. 4943
ولما بينوا وجه المفارقة، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا: ﴿وما﴾ أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه، وما ﴿كان﴾ أي صح واستقام ﴿لنا أن نأتيكم بسلطان﴾ مما تقترحونه تعنتاً، وهو البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي يثبت بها النبوة ﴿إلا بإذن الله﴾ أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه، فنحن نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو خالفتم ﴿وعلى الله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه وحده ﴿فليتوكل﴾ أي بأمر حتم ﴿المؤمنون *﴾ فكيف بالأنبياء؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل بقولهم: ﴿وما﴾ أي وأي شيء ﴿لنا﴾ في ﴿ألاّ نتوكل على الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام ﴿و﴾ الحال أنه ﴿قد هدانا سبلنا﴾ فبين لنا كل ما نأتي وما نذر، فلا محيص لنا عن شيء من ذلك، فلنفعلن جميع أوامره، ولننتهين عن جميع مناهيه ﴿ولنصبرن﴾ أكدوا لإنكار أن يصبر الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم ﴿على ما﴾ وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم
стр. 4944
في الماضي فلا يجازونهم به، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر، فقال: ﴿آذيتمونا﴾ أي في ذلك الذي أمرنا به كائناً فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه ﴿وعلى الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال وحده ﴿فليتوكل المتوكلون *﴾ الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو لا، فوكلوا أمراً من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه، فإنه محيط العلم كامل القدرة، وكل من عداه عاجز، والصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات المطلق من الكرب، والحق لا بد وأن يصير غالباً قاهراً، والباطل لا بد وأن يصير مغلوباً مقهوراً وإن طال الابتلاء.
стр. 4945
ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم والعلم والحكمة، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد، وكان في الكلام ما ربما أشعر بانقضائه، ابتدأ تعالى عنهم
стр. 4946
محاورة أخرى، عاطفاً لها على ما مضى، فقال: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم﴾ مستهينين بمن قصروا التجاءهم عليه، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة الله عن أوليائه لقولهم: والذي يحلف به! ليكونن أحد الأمرين: ﴿لنخرجنكم من أرضنا﴾ أي التي لنا الآن الغلبة عليها ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ بأن تكفوا عن معارضتنا كما كنتم دعوى الرسالة، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم﴾ [نوح: ٧] وهو مجاز مرسل، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلاً على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله ﴿فأوحى إليهم﴾ أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم، مختصاً لهم بذلك ﴿ربهم﴾ المحسن إليهم الذي توكلوا عليه، تسكيناً لقلوبهم وتسلية لنفوسهم، وأكد لما - لمن ينظر كثرة الكفار وقوتهم - من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافراً، قائلاً: ﴿لنهلكن﴾ بما لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر؛ والإهلاك: إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس ﴿الظالمين *﴾ أي العريقين في الظلم، وربما تبنا على بعض
стр. 4947
من أخبرنا عنه بأنه كفر، وهو من لم يكن عريقاً في كفره الذي هو أظلم الظلم ﴿ولنسكننكم﴾ أي دونهم ﴿الأرض﴾ أي مطلقها وخصوص أرضهم، وأشار إلى عدم الخلود بالجار فقال: ﴿من بعدهم﴾ بأن نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا، فكأنه قيل: هل ذلك خاص بهم؟ فقيل: لا، بل ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي المرام ﴿لمن خاف مقامي﴾ أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه: ماذا تكون عاقبته فيه، وهو أبلغ من: خافني، ﴿وخاف وعيد *﴾ لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده، فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى ﴿واستفتحوا﴾ على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ فأهلكناهم كلهم، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله؛ والعناد: الامتناع من الحق مع العلم به كبراً وبغياً، من عند عن الحق عنوداً، والجبرية: طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر،
стр. 4948
وعبر عن غفلته عنه بقوله: ﴿من ورائه جهنم﴾ أي لا بد أنه يتبوأها.
ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقاً، بني للمفعول قوله: ﴿ويسقى﴾ أي فيها ﴿من ماء صديد﴾ وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم ﴿يتجرعه﴾ أي يتكلف بلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدره إلا الله ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ ولا يقرب من إساغته، فإن الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس ﴿ويأتيه الموت﴾ أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات ﴿من كل مكان﴾ والمكان: جوهر مهيأ للاستقرار، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته ﴿وما هو بميت﴾ أي بثابت له الموت أصلاً.
لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه، والموت: عرض يضاد الإدراك في البنية الحيوانية ﴿ومن ورائه﴾ أي هذا الشخص، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله ﴿عذاب غليظ *﴾ يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه
стр. 4949
أخذ ما يكون من وراء، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذاباً آخر، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ. فلما فرغ من محاوراتهم، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من بطشه شيء، ضرب لهم في ذلك مثلاً فقال: ﴿مثل﴾ وهو مستعار هنا للصفة التي فيها غرابة ﴿الذين كفروا﴾ مستهينين ﴿بربهم﴾ مثل من قصد أمراً ثم لم ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق، فأبعد كل البعد حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام، ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ضياعاً.
ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل، ذكر ما علم منه أن المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما مثلهم؟ فقال: ﴿أعمالهم﴾ أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء الأسرى والجود ونحو ذلك، في يوم الجزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانياً - كما قال الحوفي وابن عطية. وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأنه نفس المثل الذي معناه الصفة ﴿كرماد﴾ وهو ما سحقه الاحتراق سحق الغبار
стр. 4950
﴿اشتدت به الريح﴾ أي أسرعت بالحركة على عظم القوة؛ والريح: جسم رقيق مثبت في الجو من شأنه الهبوب، والرياح خمس: شمال وجنوب وصباً ودبور ونكباء ﴿في يوم عاصف﴾ أي شديد الريح، فأطارته في كل صوب، فصاروا بحيث ﴿لا يقدرون﴾ أي يوم الجزاء؛ ولما كان الأمر هنا متمحصاً للأعمال، قدم قوله: ﴿مما كسبوا﴾ في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم ﴿على شيء﴾ بل ذهب هباء منثوراً لبنائه على غير أساس، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد، بل ﴿ذلك﴾ أي الأمر الشديد الشناعة ﴿هو﴾ أي خاصة ﴿الضلال البعيد *﴾ الذي لا يقدر صاحبه على تداركه.
стр. 4951
ولما ذكر الآخرة في أول السورة، ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه، ثم جرّ الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب، وأتبعه مثل أعمال الكفار في الآخرة، أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال الضلال إلا الإبطال فقال: ﴿ألم تر أن الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة ﴿خلق السماوات﴾ على عظمها وارتفاعها ﴿والأرض﴾ على تباعد
стр. 4952
أقطارها واتساعها ﴿بالحق﴾ بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة لا بالخيال والتمويه كالسحر، ومن المعلوم أنهما ظرف، ولا يكون المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو أعلى منه، فكيف يظن أنه يخلق شيئاً فيهما سدى بأن يكون باطلاً فلا يبطله، أو حقاً فلا يحقه، أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقاً وأعظم شأناً - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمراً وأصغر قدراً، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة، فهو بحيث ﴿أن يشأ يذهبكم﴾ أي بنوع من أنواع الإذهاب: الموت أو غيره ﴿ويأت بخلق جديد﴾ غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون - كما أنتم - خلقاً جديداً؛ والجديد: المقطوع عنه العمل في الابتداء، وأصله القطع، فالجد أب الأب، انقطع عن الولادة بالأب، والجد ضد الهزل، يقطع به المسافة حساً أو معنى ﴿وما ذلك﴾ الإذهاب
стр. 4953
والإتيان على عظمه ﴿على الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿بعزيز *﴾ وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلاً عن أن يكون أعظم منه، فلا وجه لقولكم ﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم﴾ [سبأ: ٧] ، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي أسبابهم - الموجب لهلاكهم.
ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت، عطف على قوله: ﴿لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ [إبراهيم: ١٨] قوله - بياناً لهو أن البعث عنده وسهولته عليه -: ﴿وبرزوا﴾ أي في ذلك اليوم، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب، فكيف بملك الملوك! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل ﴿لله﴾ أي الملك الأعظم ﴿جميعاً﴾ فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو متعارفهم، لأنه لا ساتر لهم، فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبساً به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب ﴿فقال الضعفاء﴾ أي الأتباع
стр. 4954
من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم، تبكيتاً لرؤسائهم وتوبيخاً، تصديقاً لقوله تعالى:
﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿للذين استكبروا﴾ أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك. ﴿إنا كنا﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿لكم تبعاً﴾ أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم ﴿فهل أنتم مغنون﴾ أي دافعون ﴿عنا من عذاب الله﴾ أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه، وأبلغوا بعد التبعيض ب «من» الأولى في التقليل، فقالوا: ﴿من شيء﴾ كأن العذاب كان محتاجاً إلى أخذهم فأغنوه بشيء غيرهم حتى يجاوزهم لو دفعوه عنهم، فكأنه قيل: إن ذلك لعادة الرؤساء، فماذا قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ علماً منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف: لا نغني عنكم شيئاً، بل كل مجزي بما فعل، علينا إثم ضلالنا في أنفسنا وإضلالنا لكم، وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا
стр. 4955
فاستغرقنا في الضلال، ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها كما سمعناها وتركتمونا، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا، فكان ربما يكون سبباً لهدايتنا كما أنه ﴿لو هدانا الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال ﴿لهديناكم﴾ فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم، ولكم جزاء اهتدائكم وتقويتكم لنا على ذلك، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعاً فأضللناكم.
ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: ﴿سواء علينا﴾ أي نحن وأنتم ﴿أجزعنا﴾ والجزع: انزعاج النفس بورود ما يغم ﴿أم صبرنا﴾ لا فائدة لنا في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه ﴿ما لنا من محيص﴾ يصلح للمصدر والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة، وهذا الاستفهام ليس على بابه، بل المراد به التنبيه على أنه حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد الأمر فيه لينتهي عن مثله.
стр. 4956
ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: ﴿وقال﴾ أول المتبوعين في الضلال ﴿الشيطان﴾ الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ببعده واحتراقه ﴿لما قضي الأمر﴾ بتعين قوم للجنة وقوم للنار، جواباً لقول الأتباع مذعناً حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمناً حيث فات نفع الإيمان: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿وعدكم وعد الحق﴾ بأن أرسل إليكم رسلاً وأنزل معهم براهين وكتباً أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين، وبشر من أجاب، وحذر من أبى، بما هو قادر أتم القدرة، فكل ما قاله طابقه الواقع - كما ترون - فصدقكم فيه ووفى لكم ﴿ووعدتكم﴾ أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد الباطل ﴿فأخلفتكم﴾ فلم أقل شيئاً إلا كان زيغاً، فاتبعتموني مع كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم؛ فالآية من الاحتباك: ذكر ﴿وعد الحق﴾ أولاً دليلاً على حذف ضده
стр. 4957
ثانياً، و ﴿أخلفتكم﴾ ثانياً دليلاً على حذف «صدقكم» أولاً.
ولما بين غروره، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: ﴿وما كان﴾ لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان ﴿لي عليكم﴾ وأبلغ في النفي فقال: ﴿من سلطان﴾ أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء ﴿إلا أن﴾ أي بأن ﴿دعوتكم﴾ بالوسوسة التي كانت سبباً لتقوية دواعيكم إلى الشر ﴿فاستجبتم﴾ أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها، راغب فيها ﴿لي﴾ محكمين الشهوات، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من الظلام السادّ لها، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى، وساقه على صورة الاستثناء - وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء - لأن السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه، وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان مبين، مع تهديدهم بما هو قادر على عليه وضربهم ببعضه، وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه ﴿فلا﴾ أي فاذ قد تقرر هذا تسبب عنه أني
стр. 4958
أقول لكم: لا ﴿تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ لأنكم مؤاخذون بكسبكم، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير، وعلم منه قطعاً أن كلاًّ منا مشغول عن صاحبه بما جزي به، فعلم أني ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه ﴿وما أنتم بمصرخي﴾ فيما يخصني منه لتقطع الأسباب، بما دهى من العذاب، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إني كفرت﴾ مستهيناً ﴿بما أشركتمون﴾ أي باتخاذكم لي شريكاً مع الله.
ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان، أتى بالجار فقال: ﴿من قبل﴾ لأن ذلك ظلم عظيم، ثم علل هذه العلة بقوله: ﴿إن الظالمين﴾ أي العريقين في هذا الوصف ﴿لهم عذاب أليم *﴾ مكتوب لكم منهم مقداره، لا يغني أحد منهم عن الآخر شيئاً، بل كل مقصور على ما قدر له، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض اليد.
ولما ذكر الظالمين. أتبعه ذكر المؤمنين، فقال بانياً للمفعول لأن الدخول هو المقصود بالذات: ﴿وأدخل﴾ والإدخال: النقل إلى
стр. 4959
محيط - هذا أصله ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا الإيمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿جنات تجري﴾ وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار فقال: ﴿من تحتها الأنهار﴾ فهي لا تزال ريّاً، لا يسقط ورقها ولا ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلاً ﴿خالدين فيها﴾ .
ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال: ﴿بإذن ربهم﴾ الذي أذن لهم - بتربيته وأحسانه - في الخروج من الظلمات إلى النور، وقرىء «وأدخل» على التكلم فيكون عدل عن أن يقول «بإذني» إلى ﴿بإذن ربهم﴾ للإعلام بالصفة المقتضية للرحمة كما قال تعالى ﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك﴾ [الكوثر: ١] ولم يقل: لنا - سواء، ومن شكله ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله﴾ [الفتح: ١] فلا تنبغي المسارعة إلى إنكار شي يمكن توجيهه، بل يتعين إمعان النظر، فإن الأمر كما قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في توجيه ﴿لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤]
стр. 4960
أن كلام العرب لمن عرفه - ومن الذي يعرفه؟ - ألطف من السحر، وأنقى ساحى من مشوف الفكر، وأشد تساقطاً بعضاً على بعض، وأمسّ تسانداً نفلاً إلى فرض ﴿تحيتهم﴾ أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم؛ والتحية: التلقي بالكرامة في المخاطبة، فهي إظهار شرف المخاطب ﴿فيها سلام *﴾ أي عافية وسلامة وبقاء، وقول من كل منهم للآخر: أدام الله سلامتك، ونحو هذا من الإخبار بدوام العافية، كما أن حال أهل الباطل في النار عطب وآلام.
стр. 4961
ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه، وأن الباطل ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول أو فعل، وأنه لا يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ [يونس: ٨١] ، ﴿ويحق الله الحق بكلماته﴾ ، ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل﴾ [الأنفال: ٨] ، وقص سبحانه كلام أوليائه الذي هو من كلامه، فهو أثبت الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة،
стр. 4962
وكلام أعدائه الذي هو من كلام الشيطان، فهو أبطل الأشياء وأخبثها، قرب سبحانه ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال: ﴿ألم تر﴾ أي يا من لا يفهم عنا هذا المثل حق الفهم سواه! ﴿كيف ضرب الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿مثلاً﴾ أي سيره بحيث يعم نفعه؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول؛ ثم بينه بقوله: ﴿كلمة طيبة﴾ أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء من الخبث، وتلك الكلمة ﴿كشجرة طيبة﴾ .
ولما كانت لا تسر إلا بالثبات، قال: ﴿أصلها ثابت﴾ أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها ﴿وفرعها﴾ عالٍ صاعد مهتز ﴿في﴾ جهة ﴿السماء *﴾ لحسن منبتها وطيب عنصرها؛ فالآية من الاحتباك: ذكر «ثابت» أولاً دال على عال صاعد ثانياً، وذكر «السماء» ثانياً دال على الأرض أولاً.
ولما ذكر حالها، ذكر ثمرتها فقال: ﴿تؤتي أكلها﴾ أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريّها ﴿كل حين﴾ على أحسن ما يكون من الإيتاء، لأن علوها منعها من عفونات الأرض وقاذورات الأبنية،
стр. 4963
فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس.
ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال: ﴿بإذن ربها﴾ فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل النفوس؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر ﵄ قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [. . . .] ، تؤتي أكلها كل حين، قال ابن عمر ﵄: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا» .
ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد
стр. 4964
منه فيلزم، فقال: ﴿ويضرب الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿الأمثال للناس﴾ أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم، لأن في ضربها زيادة إفهام وتصوير للمعاني، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت في الحس والخيال والوهم، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب ﴿لعلهم يتذكرون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار، فهذا مثل كلام الأولياء، فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها، وهي أصل كل سعادة راسخة في قلوبهم، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح، فصارت كلما هزت اجتنى الهازّ ثمراتها التي لا نهاية لها، عالماً بأنها من فتح مولاه لا صنع له فيها بوجه، بل له سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما أن الشجر لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل قائم وفروع عالية، فكذلك الإيمان لا يتم إلا بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل الأركان، ثم أتبعه مثل حال الأعداء فقال: ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾ أي
стр. 4965
عريقة في الخبث لا طيب فيها ﴿كشجرة خبيثة﴾ .
ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أيّ حالة كانت، بنى للمفعول قوله: ﴿اجتثت﴾ أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها ﴿من فوق الأرض﴾ برأي كل من له رأي؛ ثم علل ذلك لقوله: ﴿ما لها﴾ وأعرق في النفي بقوله: ﴿من قرار *﴾ أي عند من له أدنى لب، لأنه لا نفع لها بل وجودها ضار ولو بشغل الأرض، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلاً وإن علت وقتاً، لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة.
стр. 4966
فلما برز الكلام إلى هذين المثالين، حصل التعجب ممن يترك ممثول الأول ويفعل ممثول الثاني، فوقع التنبيه على أن ذلك بفعل القاهر، فقال تعالى - جواباً لمن كأنه قال: إن هذا الصريح الحق، ثم إنا نجد النفوس مائلة إلى الضلال، وطائشة في أرجاء المحال، فكيف لنا بالامتثال؟ ﴿يثبت الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال ﴿الذين آمنوا﴾
стр. 4967
أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أقل درجاتها ﴿بالقول الثابت﴾ أي الذي هو متابعة الدليل ﴿في الحياة الدنيا﴾ بمثل ما تقدم من محاولات أنبيائه ﴿وفي الآخرة﴾ ويهديهم عند كل سؤال إلى أحسن الأقوال حيث تطيش العقول وتدهش الأفكار لشدة الأهوال ﴿ويضل الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿الظالمين﴾ أي العريقين في الظلم، ويزلزلهم لتقلبهم في الظلمات التي من شأن صاحبها الضلال والخبط، فيفعلون ما لا يرضاه عاقل، فالآية من الاحتباك: ذكر الثبات أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والإضلال ثانياً دليلاً على الهدى أولاً ﴿ويفعل الله﴾ أي الذي له الأمر كله، فلا يسأل عما يفعل ﴿ما يشاء﴾ لأن الكل بحكمه وقضائه وهو القادر القاهر، فلا يتعجب من شيء، وفي هذا إرشاد إلى الإقبال عليه وإلقاء أزمّة الافتقار إليه؛ روى البخاري في التفسير وغيره ومسلم في أواخر صفة الجنة والنار عن البراء ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» ، فذلك قوله تعالى ﴿يثبت الله﴾ الآية.
ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده، أتبعه الدليل عليه إضلال الذين بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثاث كلمتهم فقال: ﴿ألم تر﴾ وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلى الله عليه
стр. 4968
وعلى آله وسلم بقوله: ﴿إلى الذين بدلوا﴾ والتبديل: جعل الشيء مكان غيره ﴿نعمت الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد، وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيل ﵇ ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك، بأن جعلوا مكان شكرها ﴿كفراً﴾ وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم همماً في الوفاء، وأبعدهم عن الخناء ﴿وأحلوا قومهم﴾ بذلك ﴿دار البوار *﴾ أي الهلاك، مع ادعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلاً عن الأهل، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة. والبوار: الهلاك الزائد، والإحلال: جعل الشيء في محل، فإن كان جوهراً فهو إحلال مجاورة. وإن كان عرضاً فهو إحلال مداخلة.
ولما أفاد أنها مهلكة، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال: ﴿جهنم﴾ حال كونهم ﴿يصلونها﴾ أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم؛ ولما كان التقدير: فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم، عطف عليه قوله:
стр. 4969
﴿وبئس القرار *﴾ ذلك المحل الذي أحلوهم به.
стр. 4970
ولما كان هذا الفعل من لا عقل له، بينه بقوله: ﴿وجعلوا لله﴾ الذي يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا في رزقهم لان له الكمال كله ﴿أنداداً﴾ وقال: ﴿ليضلوا﴾ أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ويعموا غيرهم على قراءة الباقين ﴿عن سبيله﴾ لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لازم لفعلهم فهم قاصدون له، وإلا فلا عقول لهم، لأنه لا يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا أبله، وهم يقولون: إنهم أبصر الناس قوباً، وأصفاهم عقولاً. وأنفذهم أفكاراً، وأمتنهم آراء، فمن ألزم منهم بطريق النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك؟ مع ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا الداء العضال.
ولما تقرر أنهم على الضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلاً للإعراض عنهم، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول: فماذا أفعل بهم وقد أمرتني بإخراجهم إلى صراطك؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ما أضلهم من النعم إنما هو استدراج، فقال: ﴿قل﴾ أي تهديداً لهم فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا: ﴿تمتعوا﴾ وبالغوا في فعل البهائم مهما قدرتم، فإن ذلك ضائركم
стр. 4971
غير نافعكم ﴿فإن مصيركم﴾ أي صيرورتكم ﴿إلى النار *﴾ بسبب تمتعكم على هذا الوجه.
ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم، وكان ذلك محركاً لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، والنفقة الشاملة لوجوه البر، أمره تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك، فقال ﴿قل لعبادي﴾ فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيباً لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال: ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف.
ولما كان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول، فهو جالٍ لصدأ القلوب، وموجب لتهذيب النفوس، قال جازماً: ﴿يقيموا الصلاة﴾ التي هي زكاة القوة وصلة العبد بربه ﴿وينفقوا﴾ وخفف عنهم بقوله: ﴿مما رزقناهم﴾ أي بعظمتنا، فهو لنا
стр. 4972
دونهم، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها، إتقاناً لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما، ولعله سيق سياق الشرط تنبيهاً لهم على أن مجرد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلاً؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله: ﴿سراً وعلانية﴾ ويجوز أن يراد بالسر النافلة، وبالعلانية الفرض؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال، فقال مشيراً بالجار إلى قصر مدة أعمالهم: ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ أي عظيم جداً ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها ﴿إلا بيع فيه﴾ لأسير بفداء ﴿ولا خلال *﴾ أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر، جمع خلة كقلة وقلال، أو هو مصدر، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سبباً لخلاص هالك.
стр. 4973
ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم، كان كأنه قيل: فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟
стр. 4974
فقيل: ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع، فقال: ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة، فقال: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ ولما كان ذلك سبب النمو قال: ﴿فأخرج به﴾ أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي ﴿من الثمرات﴾ أي الشجرية وغيرهما ﴿رزقاً لكم﴾ بعد يبس الأرض وجفاف نباتها، وليس ذلك بدون إحياء الموتى؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار والأنهار، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال: ﴿وسخر لكم الفلك﴾ وعلل ذلك بقوله: ﴿لتجري في البحر﴾ ولما كان ذلك أمراً باهراً للعقل، بين عظمته بقوله: ﴿بأمره﴾ ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار، قال: ﴿وسخر لكم الأنهار *﴾ ثم أتبعه ما جعله سبباً لكمال التصرف وإنضاج
стр. 4975
الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر﴾ حال كونهما ﴿دائبين﴾ أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان؛ قال الرماني: والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: ﴿وسخر لكم الّيل﴾ أي الذي القمر آيته ﴿والنهار *﴾ أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما بعد تصرمه، ولو كان أحدهما سرمداً لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال؛ ثم عم بعد أن خص فقال: ﴿وآتاكم﴾ .
ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: ﴿من كل ما سألتموه﴾ أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال: ﴿وإن تعدوا﴾ أيها الناس كلكم ﴿نعمت الله﴾ أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه، وعبر عنه بالنعمة إرشاداً إلى الاستدلال بالأثر
следующие страницы →